السبت، 30 أغسطس، 2014

شمس عفنة: جورج باتاي

   
لوحة "إيكاروس" رسم stefan georgiev
الشمسُ، من وجهةِ نظرِ الإنسان (بعبارةٍ أخرى، مشوّشةٍ مع فكرةِ الظهيرة) هي أكثر مفهومٍ رفيع. وهي أكثر شيءٍ مجرّد، لأنه يستحيلُ التطلّع فيها ثابتين في ذلك الوقت من النهار. لو وَصّفنا فكرةَ الشمسِ في بالِ امرئٍ عيناه كليلتان تضطرّانه إلى حذفها، لقُلنا إن تلك الشمسَ ذات معنىً شعريّ بصفائه الحسابيّ وسموّه الروحانيّ. وإن ركّز امرؤ من جانبٍ آخرَ في عنادٍ عليها، لأدرَكَه جنونٌ معيّن، ثم تُبدِلُ الفكرةُ المعنى لأنه لم يعد منتِجاً ما يتبدّى من الضوءِ، بل هو رفضٌ أو حريقٌ، في تعبيرٍ كافٍ عن الفزع المنبثِّ عن مصباحِ قوسٍ زاهرٍ. بالمرانِ نطابقُ الشمسَ المنظورةَ بالقذفِ الذّهنيّ، زَبَدٌ من الشفتَين، وأزمةُ صَرَع. بالطريقةِ نفسِها، فالشمسُ السابقةُ (غيرُ التي نتطلّعُ إليها) في كمالِ الجمالِ، أما المنظورةُ فتُعدّ كَرِيهةً مُبغَضَة. في الأسطورةِ، قد تتطابقُ الشمسُ المنظورةُ مع امرئٍ يذبحُ ثَوراً "ميثرا"(*)، مع نَسرٍ يأكلُ كَبِدَ "برومثيوس"(**): وبمعانٍ أخرى، مع مَن يتطلّع من جانبٍ إلى الثورِ الذبيح أو الكَبِدِ المأكولةِ. وقد أرشدَت طائفةُ الشمسِ الميثريّة(***) إلى ممارسةٍ دينيةٍ منتشرة: حيثُ يتعرّى الناسُ في حفرةٍ ما تُغطَّى بسِقالةٍ خشبيةٍ، عليها كاهنٌ يشقّ حَلقَ ثورٍ؛ فينغمرون فجأةً بدمٍ حارٍّ، في مرافقةٍ مع صرعةِ الثورِ الضاجّ وخواره ـ كطريقةٍ بسيطةٍ لاكتسابِ الفوائدِ الأخلاقيةِ من الشمسِ العمياء. والثورُ طبعاً نفسُه صورةٌ أيضاً للشمسِ، لكن مع الحَلْقِ المشقوق. ويتمشَّى الأمرُ ذاتهُ مع الديكِ، والذي تُقاربُ دائماً صرختهُ المروِّعةُ والشمسيّةُ بخاصّةٍ صرخاتِ الذبحِ. وقد يضيفُ امرؤٌ كذلك أن الشمسَ كان يُعبَّر عنها أسطورياً برجُلٍ يشقّ حَلقَه، إضافةً لتصويرهِ مُجَسّماً كمَحرومٍ من الرأسِ. يؤدّي هذا كلّه بالمرءِ أن يقولَ إن ذروةَ التسامي في مِرانٍ يمتزجُ بسَقطةٍ فجائيةٍ لضراوةٍ لا تُسمَع. وتعبّرُ أسطورةُ "إيكاروس"(****) خاصّةً عن وجهةِ النظرِ هذه: تُقسّمُ الشمسَ بوضوحٍ إلى اثنتَين ـ شمسٌ تسطعُ لحظةَ أن يتسَامَى "إيكاروس"، وشمسٌ تُذِيبُ الشمعَ، وتُسبّبُ الإخفاقَ والسقطةَ الصارخةَ بعد دنوّ "إيكاروس". 
تدينُ هذه النزعةُ البشريةُ لتمييزِ شمسَين بخطرها الخاصّ بمثلِ هذه الحالةِ لحقيقةِ أن الحركاتِ النفسيةَ الموصوفةَ ليسَت كالمُحوَّلةِ، ولا مستحثّاتها الملطَّفةِ، بعناصرَ ثانويةٍ. لكنها تدلّ أيضاً أنها قد تكونُ مضحكةً كأولويّةِ أن نسعَى لإقرارِ المتساوياتِ المُحكَّمةِ لهذهِ الحركاتِ في نشاطٍ معقّدٍ كالرسمِ. قد نقولُ، مع ذلك، أن الرسمَ الأكاديميّ أكثرُ أو أقلّ توافقاً من مجرّد تسامٍ ـ دون تفريطٍ ـ للروحِ. ونرى في الرسمِ المعاصرِ، عموماً، أن البحثَ عن الأكثر تمزّقاً هو في الأعلى تسامياً، أما السطوعُ الأعمَى، فنصيبهُ التسامي أو تحلّلُ الأشكالِ، ولو تحدّثنا بصرامةٍ فلا نراهُ ملحوظاً إلا في رسومِ "بيكاسو"(*****). 

الهوامش:
(*) Mithra: إله الحقيقة، الحيّ دائماً، بالديانة الزرادشتية، ويصوّر وهو يذبح ثوراً، ولأنه لا يموت، قارن بعض المؤرخين بينه والسيد والمسيح. (م)            
(**) Prometheus: إله إغريقيّ، بمعنى "الرائي"، وقد تحدّى الأرباب فسرق النار للبشرية، وقد عوقب بنسر يأكل كبده يومياً، لينمو ويؤكل إلخ، وهو بطل ثقافيّ، يُعزى إليه التقدّم والحضارة والفنّ. (م)            
(***) Mithraic: نسبة إلى ميثرا. (م)            
(****) Icarus: حاول الهرب مع أبيه من جزيرة كريت، فقد حبسهما فيها مينوس ملك الجزيرة، فركّب جناحَين، لكنه نسي نصيحة أبيه، فاقترب من الشمس وذاب الشمع. (م)               
 (*****)  Picasso: (1881/ 1973)، فنان ونحّات إسبانيّ، يعدّ أعظم فناني القرن 20. وقد مرّ بعدّة مراحل فنية، أما لوحته "جورنيكا" فمن أهمّ اللوحات في تاريخ الفنّ بالعالم. (م)     

نشر خاص بالمدونة         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق