الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

"من أعماق ضريحها.. أسمع أمّي تناديني" (رسائل): الماركيز دو ساد

تقديم وترجمة: تمام تلاوي

مقدمة المترجم
الماركيز دو ساد رسم Tris Darmon

لم تكن حياة الماركيز دو ساد أوفر حظاً من كتاباته، فكما عانت كتاباته من المصادرة والمنع والحرائق، عانت حياته من المصادرة والمنع والحرائق كذلك. ثمانية وعشرون عاماً من عمره قضاها الماركيز دو ساد خلف القضبان على مرحلتين. دامت المرحلة الأولى ثمانية عشر عاماً بين (1772ـ 1790) بعدما استعملت والدة زوجته السيدة دو مونترييل نفوذها وعلاقاتها وحيلها لزجه في سجن لم يبرحه حتى قيام الثورة الفرنسية، وخصوصاً في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة منها، فيما تراوحت السنوات الخمس الأولى (1772ـ 1777) بين السجن والإقامة الجبرية والأحكام الغيابية والهرب. أمّا المرحلة الثانية فقد مثلت الأعوام العشر الأخيرة من حياته بين 1804ـ 1814 في مصحّ عقلي في شانتينون بعد أن أدين بالجنون وبكونه يشكل خطورة على المجتمع. وبالمقابل لم تكن حياة الماركيز دي ساد أقل جنوناً وحرية وخرقاً للمحظور من كتاباته. فقد خاض دو ساد، الذي ولد في 2 حزيران 1740 في قصر كوند بباريس، حياة شديدة التمرد ظهرت بوادرها منذ الطفولة عندما أعدّته أمه ليكون رفيق الأمير الصغير في كوند الذي يكبره بأربع سنوات لأجل حسابات خاصة تتعلق بطموحها للحصول على لقب الأميرة، فلم يكن من دو ساد سوى الاستخفاف بهذا الأمير وإهانته لينتهي الأمر بمشاجرة أدت إلى إرسال دو ساد ليعيش مع أقرباء له في بروفينس. إن الرسالتين اللتين أضعهما الآن بين يدي القارئ تمثلان جانباً آخر من جوانب شخصية الماركيز دو ساد بالغة التعقيد والعبقرية في آن، وهما تشيان ببعض مشاعره ومعاناته وأفكاره التي مرّ بها خلف القضبان في بداية سجنه الطويل عام 1777. ولعل أكثر ما يلفت النظر في رسائله بروز الهشاشة الإنسانية ومشاعر الأسى والإحساس العميق بالظلم، كما تبرز عاطفته الأبوية والإحساس بالذنب تجاه أبنائه، وغيرها من الاحتراقات التي عاناها في تلك المرحلة، والتي ربما يستغربها من لا يعرفه بشكل وثيق، خصوصاً وأن التصور المأخوذ عنه ككاتب جنسي خليع في الكتابة والحياة، وكشخص عديم الأخلاق، يناقض صورته الحقيقية كإنسان له مشاعره وأفكاره وأحزانه أيضاً. إن الدراسة الوثيقة لتاريخ هذا الشخص تظهر أنه كان شخصاً مهتماً بالفن والإبداع والفكر أولاً وقبل كل شيء. فناهيك عن رواياته الإباحية العظيمة، كتب دو ساد كثيراً في الفن والمسرح والدين والسياسة والرحلات، وأقصد بالأخيرة ما كتبه من انطباعات وأفكار حول البلدان التي كان يزورها ككتاباته حول إيطاليا مثلاً. كما أن قارئ رواياته سينتبه على الفور إلى إطلاعه الواسع، ليس على الآداب المحلية وحسب وإنما على الآداب الأخرى كالهندية والفارسية والعربية أيضاً، وسأفرد لهذا بحثاً مستقلاً لا مجال لخوضه الآن. تربّى ساد في كنف عمه، الأب دو ساد، في واحدة من مقاطعات آل ساد قرب سومين، في منزل ريفي ضخم مسوَّر ومجرد ومكتمل بما يشبه الزنزانة في داخله، هذا المكان الذي طالما ستعود إليه ذاكرة ساد وخيالاته عبر حياته. ثم أرسِل بعدها إلى باريس وتعلّم في مدرسة لويس لو غراند وسكن على الأرجح في منزل جاك آمبلت الذي كان وصياً عليه، والذي سيلتصق لاحقاً على نحو وثيق بأسرته. خدم ساد في الأسطول الملكي فشهد معارك ضارية في حرب الأعوام السبعة وكتب رسائل إلى والده متذمراً من الحرب ومن رؤسائه ورفاقه. وبعد أن وضعت معاهدة باريس للسلام نهاية لتلك الحرب، عاد ساد إلى باريس ليستمتع بالحفلات الراقصة ومصاحبة الممثلات، فيما كان أبوه يجري مفاوضات زواج ابنه مع عائلة مونترييل الثرية لكن المتدنية كطبقة اجتماعية. في ذلك الوقت يقيم ساد علاقة مع لور دي لوريس الفتاة الارستقراطية سليلة إحدى العائلات النبيلة، لكنه يهرب إلى أفيغنون بعد أن يكتشفهما والدها في قبو منزله. تزوج ساد من رينيه بيلاج دي مونترييل التي رآها للمرة الأولى قبل حفل الزفاف بيومين فقط وعاش مع عائلتها في باريس، لكنه لم يلبث أن استأنف أنشطته الماجنة في شقته السرية في ريو موفيتارد، حتى أوقعه حظه العاثر بين يدي جين تيستارد المومس التي تشكوه صبيحة اليوم التالي إلى البوليس بدعوى أنه حادثها بمواضيع مدنسة للمقدسات، لكنها أوضحت بالمقابل أنه لم يعتد عليها جسدياً ولم يؤذها إلا بحديثه وألفاظه المنافية للحشمة والدين. في عام 1772 أدين الماركيز دو ساد غيابياً بتهمتي القتل بالسم وممارسة الشذوذ الجنسي ليعتقل بعدها في سافوي بمساعدة والدة زوجته ويسجن في حصن ميولانس، لكنه يقوم في العام التالي بمحاولة قاتلة للهرب وينجح في ذلك ثم يختبئ حول لو كوست. لقد عاصر الماركيز دو ساد إرهاصات الثورة الفرنسية وما بعدها، وكان واحداً من الكتاب الذين أثروا وتأثروا بتلك المرحلة، لكنه ابتكر بالمقابل ثورته الخاصة التي طال أمدها أكثر من أي ثورة أخرى. فحتى عهد قريب كانت كتاباته ما تزال ممنوعة في فرنسا نفسها. فهو الذي تجرأ قبل أكثر من مائتي عام على الخوض في ما لا يجرؤ على خوضه أكثر كتاب بلادنا تمرداً في عصرنا هذا، عصر أفلام البورنو والقنوات الفضائية التي تعرض الجنس وتروّج للنساء كما يروج الدعاة لعقائدهم. وإن هذا الطبع الثوري لدى ساد لم يكن ناشئاً من عقد شخصية أو شهوانية فائضة كما يعتقد البعض، وإنما من ثقافة واسعة وتجربة حياتية بالغة الثراء. ولعل كثيرين لا يعلمون أن هذا الرجل عندما لم يجد مكاناً يستطيع أن يعرض عليه مسرحياته التي كان يؤلفها ويخرجها بنفسه، قام ببناء مسرح خاص على حسابه وأشرف على بنائه شخصياً في منزله الريفي في لو كوست صيف 1766، لكنه لم يستطع استخدامه بشكل فعلي حتى شتاء وربيع عام 1771 عندما جلب ممثلين محترفين ليقوموا بأداء مسرحياته، هو الذي كان مسجوناً قبل فترة وجيزة من ذلك بسبب دين لم يستطع سداده. وهذا لا يشي بالطبع إلا بعشقه الكبير للمسرح والفن وتفانيه في سبيل ما يؤمن به. لقد جلبت له كتاباته سيولاً جارفة من الانتقادات والاعتقالات والإدانة والمطاردة القاسية له ولكتبه، حتى توسلت مرة زوجته رينيه إلى السلطات عند اعتقاله عام 1778: لا تحاكموه على كتاباته بل حاكموه على أفعاله. وكان ساد يؤمن أن كتاباته يساء فهمها تماماً بقدر ما كان يؤمن بأفكاره وفنه، من أجل هذا ربما سنلمح في الرسالة الثانية التي أعرضها تالياً حرصه على توضيح مقاصده والتنظير لما يكتب، حين يخبر زوجته أنه قد أنجز بحثين لتسهيل دراسة أعماله من قبل المهتمين والدارسين. أعتقد حقيقة أن زوجته رينيه ـ التي أنجبت منه ولدين هما لويس ماري ودوناتين كلود أرماند، وبنتا واحدة هي مادلين لور ـ كانت واحدة من بين القلائل الذين استطاعوا ملامسة أعماق هذا الكائن الغريب وفهمه ومعرفته حق المعرفة. فهذه الزوجه، التي خانها مع عشرات النسوة لا ابتداءً بخادماتها ولا انتهاءً بأختها آن بروسبير، لم تنقطع يوماً عن مساعدته والوقوف إلى جانبه في محنه ومسامحته في أي وقت يطلب فيه المغفرة عائداً من خياناته. فهي التي كانت ترسل له في سجنه الطعام والثياب والكتب، وهي التي تنقلت معه في تنقلاته من باريس إلى منزله في لوكوست ومن لوكوست إلى باريس، وهي التي ناشدت السلطات كما أسلفنا من أجل الترفق به، وهي التي استقبلته مرة عائداً إليها بخمس خادمات شابات وشاب خدموا واحدة من نزواته الكثيرة، كما جاءها مرة أخرى أيضاً إلى منزله في لوكوست بعدة شابات غادرنه جميعاً عدا كاترين تريل التي رفضت تركه بالرغم من قدوم والدها لاستعادتها، فما كان منه إلا أن أطلق النار على دو ساد دون أن يصيبه، وهي الفتاة التي سيسمّيها دو ساد فيما بعد باسم "جوستين" وسيكتب من وحيها روايته الشهيرة التي أطلق عليها نفس الاسم. وجوستين هي "المرأة القادرة على إفساد الشيطان نفسه" كما يصفها دو ساد الذي كان ينكر وجود الشيطان أصلاً كمخلوق، والذي كانت فلسفته الإلحادية هنا قائمة برأيي على مفهوم شديد البساطة والتطرف في آن: "إن كنت مولعاً بالأذى فهذا لأن الطبيعة أرادت منك أن تكون مؤذياً، وإن لم تفعل ذلك فستكون مؤذياً فعلاً"! إن الرسائل التي بين يديّ والتي كتبها في سجنه: "هذا القبر حيث يريدون أن يدفنوني حياً"، هي في معظمها من دو ساد إلى زوجته، ومن زوجته إليه، ومنه إلى والدة زوجته، ومنه إلى الآنسة دي روزيت. وهذه الأخيرة هي فتاة ذكية وخفيفة الظل كانت تعمل كمدبرة منزل، وكان دو ساد قد تعرّف إليها خلال فترة اختبائه حول لو كوست في يوليو عام 1778، وذلك عندما هرب أثناء سوقه إلى فينسيس من بين يدي فرقة البوليس بقيادة المفتش مارياس ـ عميل حماته ـ الذي له معه قصة طويلة ومثيرة جداً من الاعتقالات والهرب والتحدي المتبادل. وقد اخترت من هذه الرسائل اثنتين هما الأقدم من حيث التأريخ، لا لشيء سوى لتمثيل بعض مشاعره وقتها ولبعض الخصائص الأسلوبية والفكرية لهذا الكاتب الحر والمتناقض لدرجة الجنون، الذي يكتب كما يفكر تماماً، بنفس الحرية باختيار المفردات، وبنفس الجرأة على قول الألفاظ وعلى السخرية، وبنفس الكيفية التي يطيل بها الجمل أو يقصرها أو يستخدم الجمل الاعتراضية على هواه، فقط ليكمل البلاغة بالسحر أو السحر بالبلاغة. لقد كتب متمرداً ومحرضاً على التمرد تماماً كما عاش، هذا الذي صرخ ذات يوم من نافذة زنزانته في الباستيل، عندما كانت حشود من المتظاهرين متجمهرة بجوار السجن، مستخدماً الأنابيب ذاتها التي كانت تستعمل للتبوّل كمكبّر للصوت: أيها الناس إن السجناء يُذبَحون في الداخل.. تعالوا لإنقاذهم..

I. من الماركيز دو ساد إلى السيدة دو مونترييل (والدة زوجته) نهاية شباط 1777
من بين جميع أساليب الانتقام والوحشية التي يمكن اختيارها، اعترفي يا سيدتي، أنكِ اخترتِ بالفعل أشدها قسوة وبشاعة. تعالي إلى باريس كي تري بعينيك حسرات والدتي الأخيرة، تعالي لا لشيء سوى لرؤيتها ومعانقتها، هذا إن كانت ما تزال على قيد الحياة، وإن لم تكن كذلك فللبكاء تعالي.. تلك هي اللحظة المناسبة التي يمكنكِ اختيارها لتجعلي مني ضحيتك مرة أخرى. يا لحسرتي، لقد سألتكِ في رسالتي الأولى عما إذا كنت سأجد فيك أمي الثانية أم الطاغية؟. فلم تتركيني في حيرتي طويلاً.. أمن أجل هذا مسحتُ لكِ دموعكِ عندما فقدتِ أباً تحبينه؟ ألم تري كيف كان قلبي وقتها شاعراً بمعاناتك وكأنها معاناتي؟ تراني أتيت إلى باريس لكي أتحداك أو حاملاً بعض المكائد كي يتحتم عليكِ إبقائي بعيداً عنك!.. لقد كان هدفي الثاني بعد الاهتمام بوالدتي هو لتهدئتك فقط وللمضيّ معك قدماً ـ في لجوئي إليك ـ لكي أقبل بكل الخيارات التي تلائمك والتي قد توصين بها. وبغض النظر عن رسائلي، ألم يتوجب على آمبلت ـ الذي لا أثق به ـ أن يخبرك بذلك. لكن الصديق الخائن اتحد معك من أجل خداعي وتدميري، وكلاكما نجح بهذا تماماً. لقد أخبروني أثناء جلبي إلى هنا، أن احتجازي كان ضرورياً من أجل تنظيم عملية لجوئي. فهل كان لي، بالاستناد إلى مقاييس الوفاء بالعهود، أن أخدع بهذه الأحابيل؟ هل أنجزتِ أقل ما يمكن عمله عندما استعملتِ ذات الأحابيل في سافوي؟ وهل قدم تغييبي تلك السنة أقل تحسن؟ أليس من الواضح إذن أن ما تريدينه هو تدميري الكلي وليس إصلاحي؟ أحاول أن أصدّقك لوهلة في أن الرسالة المختومة كانت أمراً لا مناص منه لتجنيبي المزيد من الأفعال الداعية للأسف، لكن هل كان واجباً أن يكون بتلك القسوة وعلى ذلك القدر من الوحشية؟ ألم يكن كافياً إصدار أمر بنفيي من المملكة ليفي بالغرض؟ ألم أكن سأمتثل بنفس الدقة الصارمة عندما أتيتُ طواعية ووضعتُ نفسي بين يديكِ مخضعاً نفسي لجميع متطلباتك؟ كنتُ قد كتبتُ إليكِ من بوردو أن ترسلي لي بعض النقود لكي أتمكن من السفر إلى إسبانيا، فرفضتِ إعطائي أي شيء. لقد كان هذا دليلاً قاطعاً على أن إبعادي ليس هو ما تريدينه وإنما سجني.. وكلما استرجعتُ تلك الأحداث ازددتُ قناعة أنه لم يكن لك نيّة أخرى....لكنني مخطئ يا سيدتي،فقد أخبرني آمبلت بشيء آخر، وهو ما آمل أن يحدث. لقد أخبرني يا سيدتي أن شهادة وفاتي هي الوثيقة الأكثر ملاءمة بالنسبة لك والتي لا مفر منها للتعجيل بوضع نهاية لهذه المسألة المشؤومة. نعم يجب أن تمتليكها يا سيدتي، وأقسم لك أنك ستمتلكينها قبل أن يمر وقت طويل.وباعتباري لن أطيل عمر رسائلي بسبب المصاعب في كتابتها، وعدم نفعها معك، فإن هذه الرسالة ستتضمن أفكاري النهائية، وكوني واثقة من ذلك. إن حالتي المروّعة هذه، كما تعلمين، لا يمكن لها بحال من الأحوال أن تمكنني من احتمال البقاء ـ لا جسدياً ولا عقلياً ـ في سجن موصد. وكما تعلمين أيضاً أنني، في سجن أكثر رفاهية من هذا، خاطرت بحياتي من أجل الهرب. وكوني محروماً هنا من خيار كهذا فلم يبقَ لي سوى أن أقوم بأمر واحد، وهو بلا شك الأمر الذي لا يمكن لأحد حرماني منه.. من أعماق ضريحها أسمع أمي العاثرة الحظ تناديني.. لكأنني أراها فاتحة لي ذراعيها مرة أخرى لأدخل ثانية في الملاذ الوحيد المتبقي لي، فإن ما يجلب لي الراحة هو أن أتبعها قريباً. وإنني أسألك معروفاً أخيراً يا سيدتي هو أن تدفنوني إلى جانبها.لكن أمراً واحداً فقط يثنيني عن ذلك، إنها نقطة ضعفي، والأمر الذي لا بد لي من الاعتراف لك به: إنني لطالما أردت رؤية أطفالي. لقد كنت أعددت نفسي لسعادة غامرة بعناقهم، وذلك بعد التقائي بك. وإن محنتي الجديدة لم تستطع أبداً أن تمحو هذه الأمنية التي يبدو أنني سأحملها معي إلى قبري.. أوصيكِ بهم يا سيدتي.. أحبّيهم ولو كرهتِ والدَهم، واهتمي بتعليمهم فذلك سيحفظهم في إهمالي لهم ـ إن صح ذلك ـ الذي نجم عن محنتي.لو كانوا يعلمون بمصيري المحزن، لرمتْ بهم قلوبهم الوديعة كأمّهم على ركبتيك، ولارتفعتْ حتماً أيديهم البريئة نحوكِ لاستجدائك. إن حبّي لهم هو ما يبعث فيّ هذه الصورة المأسوية التي لن تجدي نفعاً، ولذا فإنني سرعان ما أقوم بمحوها من مخيلتي لما تسببه لي من الألم الرهيب، في وقت كل ما أحتاجه فيه هو الثبات.وداعاً يا سيدتي..

II. من دو ساد إلى زوجته تموز 1777
لا أشكّ أبداً أن أمّكِ الآن تقوم مرة أخرى بارتكاب غدر حقير بي، عن طريق القاضي الذي استخدمته ليقنعني أن حريتي لن تجيء إلا من إذعاني الكامل للنزوات الهدامة تلك التي تعرفينها جيداً. لا أدري ما هو ذلك الانتصار الذي تجنيه بواسطة التهديدات والإجبار. إن ما أمكنها أن تحصل عليه بتلك الطريقة، كان لي أن أرى إعطاءها إياه واجباً عليّ لو أن ذلك تم بإرادتي المطلقة، بالطريقة ذاتها التي أخذتْ بها من قبل إقراري بالجميل!إن امرأة تملك كل هذا الذكاء ـ كما يقول الأب دو ساد ـ لا تدرك حقيقة أن أي توقيع يؤخذ في السجن لا يستحق قيمة الورق المكتوب عليه، وبالتالي فإن التراجع عن العقد الذي يعقده المرء شريطة تحريره من السجن لن يكون في النهاية إلا مخيباً لآمال أولئك الميالين إلى الإساءة بقدر ما هم متطلبون لها، ولن يجنوا في النهاية سوى الخزي. كم كان من الأفضل لها أن يتم التراضي بلا شروط، لقد كانت بذلك ستدفعني على فعل كل شيء دون إكراه. لكن هذا يتضمن لياقة السلوك والحساسية، الأمرين اللذين لم تزوَّد بالمقدره على فهمهما: إن هاتين الكلمتين غير موجدتين في قاموسها.على كل حال فما دام قد حصل ما حصل، فإن الاحترام الذي أكنّه للمفاوض الذي أساءت استخدامه سيجعلني أفعل ما بوسعي، لكن من المحتمل جداً أن ذلك الذي بوسعي فعله ليس كل ذلك الذي تتطلبه، وربما تجهلين تماماً بعض ما قد فعلته في هذا الشأن. عليك يا سيدتي أن تكوني على قناعة بأني لن أكون ذلك الأبله الذي يخدع بمثل هذه الحيل الساذجة والمثيرة للسخرية وبمثل هذه الأكاذيب والخدع التي اعتدتم استخدامها ضدي، لن تخدعوني لا أنتِ ولا أحد من أقاربك أو من حلفائهم الفاتنين.لقد أنجزتُ مؤخرا كتابة نشرتين من أجل تسهيل البحوث الثقافية للدارسين والنقاد والناشرين لكتاباتي، وبذلك سيكونون قادرين على الالتقاط والاختيار.لا شيء باستطاعته أن يصف لك معاناتي بعدما أُحبِط أملي اليقينيّ بمغادرة هذا المكان في أواخر حزيران، لا شك أن مكوثي هنا قد طال بما يكفي.. يا إلهي الرحيم، ما الذي يُدبّر الآن لي؟ هل يريدون بسلوكهم البغيض أن يدفنوني هنا طيلة حياتي؟ اسمعيني الآن للمرة الأخيرة، وإذا لم تجيبيني على هذه المسألة فإني أقسم لك أنك لن تسمعي مني كلمة أخرى على الإطلاق، وعندما سأغادر هذا المكان فإني سأهجرك إلى الأبد. أجيبيني بوضوح: الرقم ثلاثة المكتوب على غير العادة بحبر خفي في رسالتك الثالثة المؤرخة في 23 أيار، هل كان يشير إلى شيء ما؟ نعم أم لا؟ إن كان يشير إلى شيء فأخبريني في نهاية رسالتك القادمة بالحبر الخفي فأنا كما تعلمين شريكك الذكي، وإن كانت لا تعني شيئا فقولي إنني مجنون. إن لديك طريقة ملغزة، وملائمة تماماً لشخصيتك، التي سترشدني الى ما أتساءل حوله، والتي بالتأكيد لن تعرضك للشبهة في أي حال من الأحوال. كوني مطمئنة أنك لو أخبرتني فلن أتنفس بكلمة من ذلك، ولن أكون الشخص الذي يفسد الأمور ويعرضك للخطر.وداعاً الآن، أرجو أن تطمئنيني حول ما سألتك عنه، لقد أصبحت بحاجة ماسة إلى ذلك بعد ما أعانيه هنا هذه الأيام. ولا تحاولي أن تقولي لي أنك لم تستلمي هذه الرسالة لأني أعلم أنها تصلك جميعها، وإن قلت ذلك فلأنك لا تريدين أن تجيبي على ما تحتويه. وعلاوة على هذا فإني أكتب هذا بشكل شديد البلاهة بالأسود والأبيض وبالتالي فسوف تصلك بالتأكيد.إذا أجبت طلبي فسأكون ممتناً لك يا حبّي الأعز.


المستقبل -ملحق نوافذ- الاحد 1 تشرين الأول 2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق