السبت، 23 أغسطس 2014

الميت: جورج باتاي

ترجمة: حسين عجة



حينما سقط “أدوارد” ميتاً، ثمة من فراغ قد تغلغل فيها، رعشة اجتاحت كيانها، رفعتها وكأنّها ملاك. نهداها العاريان شبّا في كنيسة حلم حيث أنهكها الشعور بالأمر المحتوم. واقفةً، بالقرب من الميت، غائبة، على علو من نفسها، بنشوة وجدٍ طويلة، مُذهلة. أدركت بأنها يائسة لكنها فلتت من يأسها. أثناء موته، ألتمسها “أدوارد” أن تكون عاريةً.
لم يكن بمقدورها القيام بذلك في حينه! كانت هناك، مُشعث الشعر: صدرها وحده كان قد أنهدَ من فستانها المنزوعِ.




ماري وحدها
مع أدوارد الميتِ
ألغى الزمان القوانين التي أخضعنا الخوف لها. سحبت فستانها ووضعت معطفها فوق ذراعها. كانت مجنونةً وعاريةً. قذفت بنفسها نحو الخارج وركضت في الليل تحت وابل من المطر. قرقع حذائها في الطين كما تلألاً قطرات المطر فوقها. تحكمت بها رغبة كبيرة بقضاء حاجتها لكنها سيطرت على نفسها. في رقة الغابة، أنبطحت ماري من فوق الأرض.
تبولت طويلاً، كما تبللت ساقيها بالبول. دندنت، وهي ما زالت منبطحة على الأرض، بصوت مُختنق، معتوه :
…ذلك من العري
ومن الشناعة…
بعد هذا، نهضت، وضعت من فوقها المشمعِ وهرعت باتجاه “كيلي” وحتى باب الفندق.

تخرج ماري عارية من الدار

محظورة، وقفت أمام الباب، وقد تخلت عنها الشجاعة حتى تدخل. سمعت صيحات قادمة من الداخل؛ أغنيات فتيات وسكارى. شعرت بنفسها مرتعشةً، بيد أنها كانت تتمتع من ارتعشتها.
فكرت : “سأدخل، وسوف يروني عارية”. كان عليها الإستناد إلى الجدار. فتحت معطفها وأقحمت أصابعها الطويلة في فتحتها. أصغت، تجمدت من القلق، تنشقت من فوق أصابعها رائحة عورتها التي لم تكن نظيفة تماماً. واصل الزعيق القادم من داخل النزل، ومع ذلك فرض الصمت نفسه. كانت السماء تمطر: في ظلام كهف، كانت الريح الدافئة قد خففت من حدة المطر. صوت فتاة كان ينشد أغنية كئيبة من أغاني الضواحي. إذا ما سُمعَ عبر ليل الخارج، كان ذلك الصوت الحاد والمُلفعِ بالجدران ممزقاً. صمتت. لاحقتها ضجة من التصفيق وضرب الأقدام على الأرض، أعقبها نداء.
تأوهت ماري في الظل. بكت بسبب من ضعفها، واضعةً راحة يدها من فوق أسنانها.

ماري تنتظر أمام النزل
لأنها تعرف بأنها سوف تتدخل، كانت ماري ترتعش. دفعت الباب، ثم قامت بثلاث خطوات داخل القاعة : تيار من الهواء أوصد الباب من خلفها.
تذكرت بأنها كانت قد حلمت بأنغلاق الباب من خلفها إلى الأبد.
حدقَ بها خدم الفندق، ربته وبضعة فتيات.
ظلت واقفة دون أي حراك أمام المدخل؛ الطين يغطيها وخصلات شعرها تنضح بالمياه ونظراتها شائهة. وكأنها قد أنبثقت من خلال زخات المطر (كان صوت الرياح يُسمع في الخارج). كان معطفها يغطيها لكنها باعدت ما بين طرفي ياقته.

تدخل ماري
في قاعة النزل
تساءلت بصوت خفيض :
-هل يمكن للمرء شرب شيئاً؟
ردت ربة النزل من خلف البار :
-كأس من شراب “الكالفا”؟
ومن ثم سكبت من على البار كأساً صغيرا. لكن ماري لم تقبله.
-أريد قنينة كاملة وكؤوساً كبيرة، قالت.
كان صوتها، الذي ما زال خفيضاً، حاسماً.
اضافت :
-سأشرب معهم.
دفعت الحساب.
صبي حقل بجزمتيه الموحلتين قال بحياء :
-هل جئت هنا من أجل الضحك؟
-أجل، قالت ماري.
حاولت الإبتسام : حزتها تلك الإبتسامة. أخذت لنفسها مكاناً إلى جانب ذلك الصبي، لصقت ساقيها بساقيه ثم أخذت يده وأقحمتها بين فخذيها.
حين لامست يد الخادم الفتحةِ، أرتعشَ :
-يا اسم الرب!

ماري تشرب
مع خدم الحقل
كان الأخرون، المُحتقنين، قد لاذوا بالصمت.
نهضت أحدى الفتيات وباعدت أحد طرفي المعطف.
-لتصوب نحوها، أنها عارية!
تركتها ماري تفعل وتجرعت بسرعة كأساً من الكحول.
-أنها تحب الحليب، قالت ربة النزل.
تجأشت ماري بمرارة.
ثم قالت :
-لقد أنتهى الأمر.
كان شعرها المُبللِ قد التصق بوجهها، على شكل خصلات. هزت رأسها الجميل، نهضت، رفعت معطفها.
توجه وقواق يشرب في الصالون نحوها. تعثر، وصار يصفق الهواء بذراعيه، ومن ثم وقوقَ:
-لنا النساء العاريات!
هاجمته ربة النزل :
-أمسك عليك من الأنف…
ثم مسكت عليه من نفه وبرمته.
زعقَ :
-كلا، من هنا أفضل، قالت ماري.
تقدمت نحو الثمل وفكت أزرار سرواله : أخرجت من لباسه ذيله المنتصب بالكاد.
أطلق الذيل ضحكة مدويةً.
بجرعة واحدة، أرتشفت ماري، وكأنها بهيمة هائجة، كأسها الثاني من الكحول.
لامست ربة النزل، برقة، وعيناها تبرقان وكأنهما أضواء فنار، مؤخرة ماري من فتحتها :

ماري تُخرج
ذيل السكران
-سنقضم قطعة منه، قالت.
ملأت ماري من جديد كأسها. تدفق الكحول ببقبقةٍ.
تجرعته كما يتجرع المرء الموت. سقط الكأس من بين يديها. كانت مؤخرتها شاحبةً وذائبة تماماً. فيما اضاءت رقتها الصالون.


المرجع: موقع أدب وفن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق