السبت، 14 يونيو، 2014

التآمر القدسيّ: جورج باتاي

لوحة "أصيفال" كما رسمها الروسي Denis Forkas Kostromitin



«تتخلّص أمة فاسدة وقديمة فعلاً، في جرأة، من نَيْر حكومتها الملكيّة كي تتبنّى حكومةً جمهورية، لتصونَ نفسَها عبر جرائمَ عديدةٍ؛ لأنها واقعةٌ جَزماً في الجريمةِ، وإن أرادت السعي من الجريمةِ نحو الفضيلة، بمعنىً آخر من الدولةِ العنيفة إلى الدولةِ المسالمة، فستسقط في القصور الذاتيّ، حيث خرابها المؤكّد هو النتيجة الفورية.»
ساد

«ما يماثلُ السياسةَ، ويتصوّرُ أنه سياسيٌّ، سيفضحُ نفسَه ذات يومٍ مثلَ حركةٍ دينية.»
كيركجارد

«العزلةُ اليوم، يا مَن تعيشُ مبتعداً، ستكون ذات يوم شعباً. مَن يختارون أنفسَهم سيكونون ذات يومٍ شعباً مختاراً، وستتولّد من هذا الشعبِ الحياةُ التي تمضي ما وراء الإنسان.»
نيتشه

لا يجب لما نبدأ بهِ أن يختلطَ بما عداهُ، ولا يمكن قَصرهُ بالتعبيرِ عن فكرةٍ، فهو أقلّ ممّا يُعدّ بحقٍّ فناً.          

ضروريٌّ أن نُنتجَ ونأكلَ: هناك ضروراتٌ كثيرة بحُكمِ العدَم، للتحريضِ السياسيّ.  

مَن يحلم، قبلَما يناضلُ للنهايةِ، أن يخلّي مكانه لمَن يستحيلُ عليه النظرُ دونَ شعورٍ بالحاجةِ إلى التدميرِ؟ إن لم نعثر على نفعٍ ما وراء النشاطِ السياسيّ، فلن يلقَى الطمعُ البشريّ غيرَ الخواء.    

إننا متدينون بشراسة، إلى حدّ أن وجودَنا إدانةٌ لكلّ ما نعرفهُ اليوم، ضرورةٌ داخلية تتطلّبُ أن نكونَ مستبدّين على السواء.  

ما نبدأهُ حربٌ. 

حانَ أن نهجر عالَمَ المتمدّنين ومنارتَه. لقد تأخّر الوقتُ أن نكونَ منطقيين ومتعلّمين ـ فالحياةُ دون جاذبيةٍ. ضروريٌّ أن نختلفَ، سراً أو في العلَن، أو نكفّ عن الوجود. 
ولا يقدّمُ العالمُ الذي ننتمي إليه للحبّ شيئاً خارج كلّ قصورٍ فرديّ: فوجودهُ بالمنفعةِ محدودٌ. عالمٌ لا نحبه إلى حدّ الموت ـ بالطريقة ذاتها التي يحبّ بها رجلٌ امرأةً ـ يقدّم فقط المصلحةَ الفرديةَ والتعهّدَ بالعمل. لو قورن بالعوالم الهائمة فهو شنيع، يبدو أكثر إخفاقاً منها جميعاً. في عوالم سالفة، كان للمرء أن يخسرَ نفسَه في نشوة، وقد صار هذا عَصِياً بعالمِ سوقيتنا المتعلّمة. إن مميزات الحضارةِ تعوّضُ الإنسانَ بالطريقةِ التي ينتفع بها منها: ينتفع الإنسانُ اليومَ ليصبح أحطّ موجوداتِ الكائنات.    
تجري الحياة دائماً في ضجّةٍ من دونِ التحامٍ بادٍ، بينما تلقَى نبلَها وواقعَها في النشوة وفي الحبّ النشوان. مَن يُجرّب أن يتجاهلَ أو يسيءَ فهمَ النشوةِ لَكَائنٌ ناقصٌ، ينقصُ فكرَهُ التحليلُ. ليس الوجودُ خَواءً هائجاً، بل رقصةٌ تُرغمُ المرءَ أن يرقصَ مع التعصّب. الفكرةُ التي ليست بها شظيةٌ ميتة كغايةٍ، تملك وجوداً داخلياً بمشاعلَ.
ضروريٌّ أن نصبح راسخين كفايةً وثابتين حتى يظهرَ أخيراً عالمُ الحضارةِ ملتبساً.  
من الهدرِ أن نستجيبَ للمؤهّلين للإيمان بهذا العالم ومَن يتولّون سُلطته؛ وإن تكلّموا، فسننظر إليهم من دون سماعهم، وإن نظرَ المرء إليهم، فهو "يرى"، فحسبُ ما يتخلّف وراءهم. ضروريٌّ أن نرفضَ الضجرَ ونعيشَ لأجلِ الافتتان. 
في هذا المسار، من العُقمِ أن نتوتّرَ برغبةِ أن نجتذبَ ذوي النزواتِ الخاملةِ، كتزجيةِ الوقتِ، الضحكِ، أو تمثّلِ الغرائبيّ بفرديتهم. ضروريٌّ أن نتقدّمَ دونَ رجوع ودونَ أن نأخذَ في الحسبان مَن لا يملك قوةَ نسيانِ الحقيقةِ العاجلة.  
تُستنفَدُ الحياةُ البشرية في خدمةِ رأس أو عقلِ الكون. إلى حدّ أن يصبح هذا الرأس أو هذا العقل، إلى حدّ أن يصبح ضرورياً للكونِ، فيتقبّل العبوديةَ. إن لم يكن حراً، لأصبحَ الوجودُ فارغاً أو تعادلياً، وإن كان حراً، فهو في لَعبٍ. والأرضُ، طالما ترتقي بالطوفان، بالشجر، والطير، فهي كونٌ حرّ؛ وقد تلطّخَ الافتتانُ بالحريةِ حينما أنتجت الأرضُ كائناً يحتاجُ للضرورةِ قانوناً فوق الكون. لكن الإنسان يلبث حراً لا ليستجيب لأيّ ضرورةٍ، بل هو حرّ ليتشبّهَ بأيّ شيءٍ غيرَ نفسه في الكون. قد ينحّي الفكرة فهو يحتفظ أو الربّ بباقي الأشياء لكونها عبثية.     
لقد نجا الإنسان من رأسه كما نجا المُدانُ من سجنه. لم يجد وراء نفسهِ الربّ، المانعَ ضدّ الجريمة، بل كائناً لا يعي المانعَ. ما وراء ماهيتي، ألتقي كائناً يضحكني فهو بلا رأس؛ يملأُني بالفزع لأنه مجبولٌ من البراءة والجريمة؛ ينتضي سلاحاً فولاذياً في يده اليُسرى، وكمشاعل القلب المقدّس في اليمنى. يوحّد الميلادَ والموتَ باندلاعٍ واحد. إنه ليسَ إنساناً. ولا رباً. ليس أنا بل أكثر مني أنا: بطنهُ المتاهةُ التي يخسر بها نفسه، ويخسرني معه، فيها أكتشف نفسي مثله، كالوَحشِ، بعبارةٍ أخرى.  

ما أفكّرُ فيه أو أعلنه، لم أفكّر فيه ولا أعلنته وحدي. فإني أكتبُ بمنزلٍ باردٍ قليلاً في قريةِ صيادين؛ ينبحُ كلبٌ الآنَ بالليل. غرفتي لِصقَ المطبخ حيث يتحرّك حوله "أندريه ماسون(*)" سعيداً ويغنّي؛ في هذه اللحظةِ، وأنا أكتبُ، شغّلَ في "الفونوغراف" تسجيلاً لافتتاحيةِ "دون جيوفاني(**)"؛ وهي تربط مصيري، أكثر من عداها، بالحياة في تحدٍّ يفتحني على نجاةٍ جذلانة من الذات. في هذه اللحظة، أشاهد هذا الكائنَ عديمَ الرأس، هذا المتطفّلَ المركّبَ من هاجِسَين جَيّاشَين على السواء، يصبح "قبرَ دون جيوفاني". من أيامٍ خلت، وأنا مع أندريه ماسون بهذا المطبخ، جالسَين، وكأسُ نبيذٍ بيدي، تكلّم عن موتهِ فجأةً وموتِ عائلته، عيناه ثابتتان، يكابد، صارخاً تقريباً بأنه كان ضرورياً أن يصبحَ موتاً أَرَقّ وعاطفياً، صارخاً بأن بغضَه العالمَ يزنُ الموتَ بمِخلبِ مستَخدِمه ـ وأعجزني الشكّ من أن مصيرَ وضجيجَ الحياةِ البشرية اللانهائية منفتحان على مُغَيّبي الوجودِ كمِحجَرِ عينٍ خاويةٍ، لكأنهم عرّافون بحلمٍ غالبٍ يجرفُهم ليسَ لهم.
توسا، 29 إبريل، 1936


الهوامش:

(*) André Masson: (1896/ 1987) فنان سورياليّ فرنسيّ. يرسم وهو جائع ونعسان، وتحت تأثير المخدّر، ليعمل دون سيطرة كاملة على اللوحة، وأقرب إلى حالة اللاوعي في الفنّ. (م)             
(**) Don Giovanni: أوبرا قدّمها الموسيقار موتسارت في براغ 1787، وتدور حول أسطورة دون خوان. (م)             


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق