السبت، 19 أبريل، 2014

بين الإيروسية والاقتصاد العام، باتاي: هابرماس(2)

ترجمة: فاطمة الجيوشي


III

هابرماس رسم السوداني  Talal Nayer
في كانون الثاني 1933 كان باتاي قد نشر دراسة خصصها لمفهوم الإنفاق(1) حيث كانت تلوح خطوط فلسفة تاريخ مانوية الشكل. بوصفه شيوعيّاً، يتحرّك باتاي هنا عبر أشكال فكر ترتبط بفلسفة البراكسيس الصادرة عن النظرية الماركسية. فالعمل، أي الانتاج الاجتماعي، هو الذي يشكل صورة إعادة الانتاج الخاصة بالنوع. وهو يصف الصراع الحديث للطبقات تماماً في اتجاه "مخطوطات الـ 44" للشاب ماركس: "إن غاية الفاعلية العمالية هي الانتاج من أجل العيش، أما غاية فاعلية رئيس العمل هي الانتاج الذي يضع العمال المنتجين في بؤس مخيف." ولهذا، يرفض باتاي النتيجة التي تفرض نفسها ومفادها أن الحياة، وهي السبب الذي تنتج من أجله، هي الغاية العقلانية الملازمة للعمل ذاته. إن الغرض من الانتاج، كما يتصوره باتاي، حلافاً لذلك يتعالى على الحركة التي تنشأ بين التبديد المنتج لقوة العمل من جهة، وحيازة هذه القيمة الاستخدامية حيث تتجسد قوّة العمل موضوعاً عبر الاستهلاك. يطبع باتاي النموذج التعبيري للفاعلية الانسانية التي ينطلق منها، بانعطاف ينفي الأساس الذي كان يربطه بفلسفة البراكسيس. وحقيقة القول أنه يرى في الاستهلاك ذاته تناقضاً عميقاً بين إعادة إنتاج قوّة عمل بوصفها ضرورة مباشرة للحياة من جهة، ومن جهة ثانية استهلاك مترف يبعد، لغاية مترفة، نتاجات العمل عن دائرة ما هو ضروري للحياة، وبشكل عام، عن الأمور المفروضة من سيرورة التبادلات وإنفاق الطاقة. هذا الشكل غير المنتج للانفاق –وهو، في منظور اقتصاد المشروع أي من منظور مالك البضاعة يمثل انفاقاً- هو، في رأي باتاي، الشكل الوحيد الذي يسمح بسيادة الإنسان وتأكيد هذه السيادة، وفي الوقت نفسه وجوده الأصيل.
صحيح أن ماركس هو أيضا يتكلّم عن دائرة حريّة يتجاوز موضعها دائرة الضرورة، أي فيما يتجاوز مجال الانتاج، المحدّد بأشكال التبادل مع الطبيعة، غير أن الاستعمال المنتج للزمن الحرّ لدى ماركس يبقى محكوماً بنموذج إخراج القوى الفردية الأساسية واستعادتها، بتعبير آخر يظلّ المرجع هو الفرد بكليته، والمتحقّق بشكل شامل. إلا أن باتاي، يحسّ بالخطر، مبرهناً عن واقعيّة كاملة وبالفعل؛ إن ما يمثل تحت غطاء حرية فرديّة قد لا يكون سوى استطالة لضرورات العمل وقد استدخلتها الذات عبر العادة. إن ما يخشاه حقاً هو قمع السيادة الحقة حتّى في الرخاء، طالما أن الاستعمال العقلاني للخيرات المادية والروحية –استعمال محدّد وفقاً لمبدأ "ميزان الحسابات"- لا يدع مكاناً لاستهلاك يختلف جذرياً، لشكل من الانفاق حيث تفلت الذات التي تستهلك من ذاتها. يجعل باتاي من الشكل غير المنتج للانفاق شيئاً قريبًا من حالات الاستسلام هذه، فقدان الذات والانخطاف، التي تبلغها بالمخدّرات. إن مثل هذا "اللاتعيين- الذاتي" يخلّف وراءه أيضا آثار اقتصاده في الاستهلاك المترف: "إن الفاعلية البشرية لا يمكن إرجاعها كليّاً إلى سيرورات انتاج وبقاء وينبغي تقسيم الاستهلاك إلى قسمين. الأول، القابل للتقليص ويمثل باستعمال الحدّ الأدنى الضروري بالنسبة لأفراد مجتمع ما من أجل الحفاظ على الحياة ومواصلة الفاعلية المنتجة (...). الثاني ويمثل بالتبديد المسمّى بالانفاق غير المنتج: الترف، الأحزان، الحروب، الشعائر، تشييد المباني الفخمة، الألعاب، المسارح، الفنون، الفاعلية الجنسية المنحرفة (أي التي انحرفت عن الغاية التناسيلة) تمثّل مجموعة من الفاعليات التي، في الشروط البدائية على الأقل، تجد غايتها في ذواتها"(2). ضمن هذه الفاعلية يوجد شيء ما مخصص للطبقات المترفة، بتعريفها الأرسططالي، يجعل منها فاعلية مكتفية بذاتها وغاية في ذاتها، والتي مازالت توحي بالسيادة الأصليّة.
تتصف الرأسمالية بالانفاق المنتج لكلّ الفائض؛ ومن ناحية ثانية إنها الضرورات الناجمة عن إبراز قيمة رأس المال بحدّ ذاته هي التي تنظم سيرورة التراكم. لقد انتقد ماركس، بهذا الخصوص، عملية عزل انتاج قيم التبادل عن انتاج قيم الاستعمال، أمّا باتاي فيأسف لعزل الاستثمار المنتج للأرباح عن الاستهلاك غير المنتج للفائض المنتج. إن الرأسماليين: "تلقوا مع الثروة إلزام الإنفاق الوظيفي"، ولهذا يفتقر المجتمع الحديث بشكل كبير إلى الترف الذي يقدّم للجمهور بمثابة عرض للمشاهدة.. "إن عرض الثروات يتمّ الآن خلف الجدران، وفقا لمواصفات مثقلة بالسأم والكآبة"(3) لقد اختفى كلّ ما كان سخيّاً، وعربيداً، ومفرطاً أي كان يتصف به الانفاق الاقطاعي.
ينمّي باتاي، مسترشداً بهذا المفهوم عن الانفاق، مؤلفه النظري الرئيسي، الذي نشر الجزء الأول منه ما بعد ثمانية عشرة عاماً من العمل التمهيدي، في عام 1949 بعنوان "النصيب الملعون" ولم ينشر بعد ذلك إلاّ جزءاً يسيراً؛ الجزء الثالث، في عام 1956 تحت عنوان "السيادة". إن المسافة التي تفصله عن الاشكالية والتصوّر الخاصين بفلسفة البراكسيس اتسعت بمرور الزمن. منذئذ، يمكن أن نرى إلى حدّ ما في نظرية باتاي، ملحقاً لنظرية التشييء التي نماها لوكاش، وهركيمر وآدورنو من منظور ماركسي فيبري. ذلك أن السيادة تعارض مبدأ العقل المشيِّء، الأداتي، الذي يصدر عن دائرة العمل الاجتماعي، وينتهي إلى السيطرة في العالم الحديث. تعني السيادة أن لا تُخْتَزل الذاتية كما في العمل، إلى حال شيء، بل تُحرَّر من قيودها: الذات المتخلّصة من العمل، الممتلئة باللحظة تمتص ذاتها في استهلاك ذاتها. فماهية السيادة تكمن في استهلاك ما لا نفع فيه، في "ما يحلو لي". إلاّ أن هذه السيادة منذورة للإدانة في سيرورة فكّ السحر والتشييء، على صعيد التاريخ العام. في المجتمعات الحديثة يكتسي الوجود الأعلى سمة روحية ويستبعد من عالم يضع كلّ شيء، على شكل شيء (Objectal) لكلّ ما يمكن استثماره وحيازته، وإذن على شكل ملكية خاصة، لم تعد تتألّف إلاّ من أشياء: "في أصل المجتمع الصناعي، المؤسّس على أولوية البضاعة واستقلالها أولوية الشيء- نعثر على مشيئة معاكسة لوضع الأساسي –ما يخيف ويأخذ في الارتعاش- خارج عالم الفاعلية، وعالم الأشياء"(4).
إن التوازي مع لوكاتش العشرينيات يثير الدهشة. وبالفعل يحدث هذا وكأن هذه السيرورة حيث يتم استبعاد شكل من المقدس، مفصول عن الخيرات الأرضية- لم تكن إلاّ نتيجة نموذج الانتاج الرأسمالي: "تراكم الثروات من أجل انتاج صناعي متزايد يكوّن المجتمع البورجوازي مجتمع الأشياء. لا على صورة المجتمع الاقطاعي، مجتمع الأشخاص (...). في هذا المجتمع (البورجوازي) يتمتّع الشيء المقدّر بثمنه نقداً، بقيمة أكبر من قيمة الذات التي في تبعيتها للأشياء (بمقدار ما تملكها)، لم يعد لها من وجود حق من أجل ذاتها ولم تعد لها كرامة حقّة"(5). ونظرا إلى هذا فإن السيطرة الوحيدة التي تسهم فيها تعويذة البضاعة بنشر شامل هي سيطرة العقل الحيسوب الذي يتوطّد في بنى العمل. إن نزع المجتمع للتشيء يرجع إلى أقدم العصور، ليغرق، فيما وراء الرأسمالية، في مستقبل الاشتراكية البيروقراطية التي لن تقوم إلاّ بتنفيذ وصية سيرورة فكّ السحر على مستوى التاريخ العام.
لعلّ في هذا ما يذكرنا بنظرية النقد القديمة أكثر ممّا يذكرنا بلوكاتش العشرينات؛ غير أن هاتين المقارنتين لا تذهبان بعيداً في نهاية المطاف. ذلك أن فكرة باتاي لا تقوم على مجرد انتاج نظرية في التشييء، بل تقوم، بالأحرى، على انتاج فلسفة تاريخ يرتكز موضوعها على الجزء الملعون، أي على إبعاد المقدس عن العالم الأرضي. إنه ينبغي على مستوى التاريخ العام تصوير مصير السيادة، مصير تلك الحرية التي يُمتنع سبر غورها "التي تقوم ما هيتها على إتلاف بلا ربح كان يمكن بقاؤه في تسلسل الأعمال النافعة".
إن الشكل الأنقى لهذه السيادة الذي مازال بالإمكان إدراكه تجريبيّاً، يجده باتاي في الذبيحة الشعائرية التي يحلّلها بعناية فائقة انطلاقاً من علاقات الذبائح عند جماعات الآزتيك(*): "إن الذبيحة تقضي على ما تقدسه. ولا يطلب منها أن تدمر مثلما تدمر النار، وحدها الصلة التي كانت تقيّد هذه الهبة بالعالم الفاعلية النافعة تقطع، غير أن هذا الانفصال يحمل معنى اتلاف نهائي بالنار، فالهبة المقدّسة لا يمكن إعادتها إلى صعيد الواقع. إن هذا المبدأ يشقّ الدرب لفكّ القيد، ويطلق العنف مخصّصاً له المجال حيث يسود بلا منازع"(6). إن معنى الذبيحة، كما هو معنى كلّ دين، يتركنا في الحقيقة نتنبأ بعدم وجود أي شيء أصليّ في كلّ هذا وإن العنصر الشعائري الذي يسكن في قلب المقدس هو ذاته ردّ على ضياع وحدة حميمة بين الانسان والطبيعة. هذه الوحدة التي ليس بإمكاننا أكثر من افتراضها بذكر اليوم حيث خضع العالم البكر للمرّة الأولى للأهانة التي سدّدتها إليه أيادي البشر؛ بتعبير آخر بذكر العمل الأول الذي أنتج مَوْضعة من أجل تحقيق غاية ما. هاكم كيف يتحدث باتاي عن أبعاد الجنّة: "إن ادخال العمل إلى العالم وُضِع منذ البداية مكان الصلة الحميمية، مكان عمق الرغبة، وانطلاقها الحرّ وَضَع القيد العاقل حيث فقد حقيقة اللحظة الراهنة أهميتها. وتحوّلت الأهمية للنتيجة اللاحقة للعمليات. لقد أسّس العمل الأول عالم الأشياء (...). وقد تمّ وضع عالم الأشياء وأمسى الإنسان ذاته واحداً من أشياء هذا العالم، في أقلّه، في الزمن الذي عمل فيه. وقد سعى إنسان كلّ العصور إلى النجاة من هذا السقوط. فالإنسان في أساطيره الغريبة، في شعائره القاسية يبحث منذ البداية عن صلة حميمة مفقودة"(7). كما الدين الذي أصابته لعنة العمل لا يعيد إنشاء نظام الأشياء المنهار-مُبيحاً تواصل صامت مع هذا النظام- إلاّ في اللحظات التي يخرج الفرد فيها من ذاته بفضل الشعائر والسيادة الخالصة، هي أيضاً لا تستعاد إلاّ في حالات الوجْد.
إن ما يتحقّق في التاريخ كقوّة سيادة، وما يُكتسب شكلا مستمرّاً قبل كلّ شيء في سلطة الكاهن المقدّس، ثمّ في القدرة العسكرية للطبقة النبيلة وأخيراً في السلطة المطلقة –مرتكز منذ ذاك على جهاز الدولة- للملك وبلاطه هو سيادة أفسدتها صلتها مع سلطة لا دينية. إن ما يميّز كلّ الأشكال التاريخية للسيادة هو مقدرتها على التمييز وتحديد المكانة. إن مكانة السيد الاجتماعية كما مكانة هؤلاء الذين يشاركون في الحكم ظاهرة مختلطة، حيث ينبغي تمييز الأصل بوصفه يحدّد منشأ دائرة تجد موضعها فيما يتجاوز العمل والأشياء، ووظيفة السيطرة بوصفها مقدرة على القهر والاستغلال في إطار نظام يشكّله العالم الاجتماعي. غير أننا نلاحظ، عبر تبدّلات الشكل الذي عرفته السيادة، بأن تمييز المكانة يميل لأن يصير أقلّ فأقلّ تمايزاً: "وفي الحقيقة أن المكانة في المجتمع القديم كانت ترجع إلى حضور المقدّس في الفرد الذي لم تكن سيادته ترتبط بالأشياء، بل كانت تجرّ الأشياء في حركتها. ولكنها في البورجوازية لا ترجع إلاّ إلى امتلاك هذه الأشياء التي لم يحملها سيد أو مقدّس"(8). ولا يعني هذا أن السيادة اختفت كليّاً في العالم اليورجوازي. إن الامتلاك الخاص لوسائل الانتاج لا يقسم المجتمع إلى طبقات وحسب، بل يعيّن أيضًا نظام امتيازات يتبع له، في عدد الفرص التي تعيّن الحياة، تلك التي تتيح الحصول على الاعتراف، يكفي لبيان ذلك. وكذا لئن فقد تمييز سلسلة الرتب من صفته السياسية لا يعني اختفاؤها بما هي كذلك ولكن ببساطة بدلا من أن تتكوّن بدءاً من المشاركة في السيطرة السياسية تشكل ذاتها بدءًا من الوضع ضمن سيرورة الانتاج.
يمكننا أيضاً العثور، حتي في الإنسان السياسي في الديمقراطيات الغربية، على شكل صورة شخصية تثبت بعمل الرأي العام وعلى الرغم من أن هذه الصورة لا تصدر عن صفات أخّاذة (Charismatique) على شيء ما من بريق السيادة، بل عن سلطة مكاتب تنتشر عبر الإعلام. يوجد هذا النموذج من الإنسان السياسي في منتصف الطريق بين ذاتية الوجود كما يكون حضورها عند السيد، وحتى عند القائد الفاشي، وموضوعية السلطة: "وحدها جدّية القائد الشيوعي تسمح بالتمييز في داخل العالم البورجوازي ما ليس سوى إمكان معوّق على الدوام، السلطة التي يقتضيها تطور الأشياء بشكل مستقل عن هذا البحث عن المكانة التي يسعى البشر إلى استعمالها في كلّ الاتجاهات على نحو متناقض"(9). في داخل الاشتراكية السوفييتية، وفقاً للصورة الغربية إلى حدّ ما عن الواقع، التي يتصورها باتاي عن الستالينية في مطلع الخمسينيات لا بدّ من حدوث انحلال أشكال التفاوت الاجتماعي، وعندها فقط، ستخرج السيادة نهائيّاً من ميدان العمل الاجتماعي، بإلغاء كلّ رتبوية داخل المجتمع.
لقد اختلطت السيادة بالسلطة في داخل كلّ الأشكال التاريخية للسيطرة وللمرّة الأولى تظهر، في النظام السوفييتي، سلطة خالصة من كلّ خلط مع السيادة، سلطة صفيت من كلّ الشوائب إن جاز القول، واكتسبت بهذا المعنى، "موضوعيتها" وانفصلت عن آخر صفاتها الدينية. هذه السلطة الموضوعية لا تحتاج البتة إلى التصديق عليها بأصالة جذب وتأثير إنها سلطة، عبر نظام العمل الاجتماعي –أي وفقاً للهدف الذي يسعى إليه نحو قوى الانتاج –تعرف حصرًا بأسلوب وظيفي: "إن هذا الذي يمارس السلطة العليا في موضوعيتها يرمي إلى منع سيطرة السيادة على الأشياء بأي أسلوب: يجب تحرير الأشياء من كلّ تبعية خاصة: بعد الآن –يجب إعطاؤها للإنسان اللامتميز- بتعبير آخر اعطاؤها للإرادة الجماعية لمجتمع مساواة بشكل دقيق"(10). إن السلطة الموضوعية، التي رمت شراع السيادة التي انفك سحرها تحتجز نفسها في عالم مجتمع مشيأ كليّاً، أو يمكن القول أيضًا، مجتمع جُمّد في نظام.
يوجد في هذه الصورة التخيلية التي ترينا السلطة السوفياتية المشيأة ما يماثل فكرة كان انجلز قد أخذها عن سان سيمون تضع سيطرة الأشياء مكان سيطرة الإنسان على الإنسان. ههنا ثمّة اصطدام يفاجئنا خاصة وأن باتاي في توجيهه اللوم للبورجوازية نافياً عنها التألّق والانفاق الخاصين بالمجتمع الاقطاعي يتبين أنه يتخذ تماماً نقيض الحكمة الشهيرة لسان سيمون(11). ذلك لأن سان سيمون، في رأي باتاي، لا يقول السبب، الكلمة الحقيقية (Le fin mot).
هذا الأسلوب في الاحتفال بالشيوعية المناضلة التي تقوم سياستها الاجتماعية على ربط كلّ أشكال الاندفاع الانساني بغايات التصنيع، وهي بالإضافة إلى ذلك شيوعية تؤكد مادية بطولية بشكل أن "عمل التحرير (...) ينجز إرجاع (العضو العامل) إلى شيء"(12) يعود إلى تحول مفارق لا يمكن فهمه إلاّ منذ اللحظة حيث نأخذ باعتبارنا الازدراء الذي يحكم فيه باتاي على مقدرة المجتمع البورجوازي على نقد الحضارة. إن الاحتجاج ضدّ التشييء في العالم الحديث والتجلّي الرومنسي للأشكال التقليدية للسيادة هو في أعمق أعماقه مختلف عن الاندفاع المتمرّد الذي يحمل بالضبط أشكال الوجود المغايرة – أي مختلف بالمناسبة، عن هذه الجذرية الخاصة للفن الطليعي التي تقوم على "الذهاب في كلّ الاتجاهات إلى نهاية إمكانات العالم"(13). لم تقم الفاشية إلّا بفضح سرّ الرأسمالية: وبالفعل، بفضل التدعيمات التي خلفتها أطلال سيطرة المقدّس والعسكري تمكنت هذه (الرأسمالية) من صنع الغلاف العقلاني للتبعية. إنها هذه البقايا من السيادة قبل البورجوازية –المخفاة ولكنها وظيفيا ضرورية- التي تكنس لأول مرّة عبر التطابق الكامل بين الإنسان وانتاجه الذي تنجزه الماركسية السوفييتيه في رأي باتاي: "إن القضاء على الشيء (...) لا يمكنه امتلاك قيمة محرّرة إلاّ إذا فُضحت وشُرذِمت القيم القديمة المرتبطة بانفاق غير منتج كما حدَث لقيم روما بحركة الاصلاح الديني (La Réforme)."
وعليه يرى باتاي في الستالينية المرحلة النهائية لسيرورة تنفصل عبرها تدريجيا دائرة الممارسة المشيأة من جانب، ودائرة سيادة خالصة من جانب آخر، سيادة لا تصير خالصة إلاّ في نهاية السيرورة حين تحرّر من كلّ الوظائف العملية عن وعي أو عن غير وعي يحترم ستالين الرسالة التي يتصوّرها باتاي في العقيدة الماركسية برسم الجماهير: "بتكريس العمل من أجل تغيير النظام المادي (بتعبير آخر، باختزال البراكسيس في العمل وإذن اختزاله في بنية العمل العقلاني الذي يسعى نحو غاية ما)، وضع ماركس بشكل واضح ومتميز ما اقتصرت الكالفينية على وضع خطوطه الأولى، استقلالا جذريّاً للأشياء (للاقتصاد) بالنسبة لهموم أخرى (دينية أو وجدانية بشكل عام)، وبالمقابل ضمن استقلال حركة عودة الإنسان إلى ذاته (إلى العمق، إلى وجوده الحميم). ولا يمكن لهذه الحركة أن تحدث إلاّ بتحقق التحرّر ولا يمكنها أن تبدأ إلاّ حين ينتهي العمل"(14) وبالتالي حين يبلغ نهايته كمشروع مجتمع عمل نُصِّب على أنّه كلية نشرتها فلسفة البراكسيس.
إن إدراك لتاريخ العام عبر مجابهة بين التشيء والسيادة تفسح مكاناً لسيرورة لن تحدث نهايتها إلاّ عندما يتمّ الاستقرار فيما يتصل بفصل الدوائر، إلاّ عندما ينتهي اختلاط العناصر المتجانسة بالعناصر اللامتجانسة وعندما يُفْصَل العمل عن التضحية، ههنا تصوّر لم يعد حقّاً بالإمكان التفكير فيه بأسلوب دياليكتيكي، وعلى أية حال، لم يعد يفكر فيه وفقاً لنموذج –تمت صياغته في إطار فلسفة الذات- جدل للعقل يستسلم لتَجمُّع لحظات العقل. فالسيادة تُفْهم على أنّها ما هو غير العقل. ليس بإمكان باتاي أن يجعل من بنائه للحداثة أمراً قابلاً للتصديق بالاقتصار على إعطائه مظهر بناء جدلي. لا بدّ أولا من تفسير أمرين: أمر يتصل بديناميكية سيرورة العقلنة الاجتماعية الملازمة للتاريخ العام، وآخر يتصل بانتظار العالم الآخر حيث لابدّ من تحوّل التشييء إلى حرية. لقد وضع باتاي طموحه العلمي في الإجابة عن هذه الأسئلة.

VI

منذ دراساته الانتروبولوجية الأولى، لم يتوقّف باتاي عن الاهتمام بظاهرة البوتلاتش (Potlatch)** وبشكل خاص بهذا التجلّي الشعائري للسخاء حيث يغدق هنود أميركا الشمالية بالهدايا على منافسيهم بقصد تحدّيهم وإهانتهم وبالتالي يمنون عليهم(15). إلاّ أن ما يهمّه ليس وظائف الاندماج الاجتماعي التي يؤديها تبادل الهدايا تحديدًا. إن تأسيس الالتزامات المتبادلة جانب يهمله باتاي لصالح بعد فريد يستخلص من الانفاق والتبديد، والضياع المقصود لثروة تبدّد بالهدية دونما مقابل مباشر. إن البوتلاتش هو مثال لاستهلاك غير منتج في المجتمعات القبليّة، ولكن يجب أن لا ننسى أن من يهب ثرواته لا يقوم البتة بإنفاق مجرّد عن المصلحة. في تجاوز المنافسين الذين هم أيضًا يغدقون الهدايا، يضمن لنفسه هيبة وسلطة، ويكسب مكانته الاجتماعية ويوطدها في جماعته. الازدراء المترفع لقيم الاستعمال يعادل منذ هذه المرحلة بكسب محسوب للسلطة. مثل هذه الممارسة يحمل في ذاته التناقض الموجود بين السيادة والعقلانية الغائية: "إنّها تضع قيمة الحياة، وهيبتها وحقيقتها في نفي الاستعمال العبودي للخيرات، ولكن في اللحظة ذاتها يجعل من هذا النفي استعمالا عبوديّاً"(16). بقدر ما يكون مثل هذا التناقض، ملازماً بنيويّاً، "لكلّ" أشكال السيادة التي تجسدت في التاريخ يريد باتاي الاستناد إليها ليفسر لماذا تستعمل السيادة التي تعبّر عن نفسها بأعمال تبديد، بقوّة متزايدة باستمرار لأغراض استغلال قوّة العمل ولماذا يتقلّص مصدر السلطة الحقيقية هذا إلى "مصدر مفضوح للكسب".
يظلّ اختلاط السيادة بالسلطة، وواقع إمكان استعمال هذا الاختلاط لغرض وحيد هو امتلاك فضل القيمة لا يفسر أبدا لماذا فرضت نفسها معاً والاتجاهات التاريخية نحو امتداد الدائرة اللادينية وتشييئها وإبعاد دائرة المقدس. لا يمكن لباتاي أن يقبل بتفسير مؤسس على الاقتصاد السياسي من النموذج الذي تنتجه المادية التاريخية؛ وبالفعل، إن تفسيرا من هذا الطراز قد يرجع إلى تعديلات تدخل "في إطار" منظومة تمثّل بالعمل الاجتماعي، لا إلى ما يؤسس الاصطدام بين الاقتصاد وعنف يقع خارج دائرة الاقتصادية عنف لا علاقة له إطلاقاً مع العقل الحيسوب، لأنه آخر العقل (l’autre de la raison) ويتجاوز السيرورة الأيضية التي يحافظ الانسان عليها مع الطبيعة الخارجية. ينطلق باتاي إذن، بشكل منطقي تماماً من تفسير فيبر للرأسمالية بالأخلاقية الدينية، وإنه مستعيناً بالخيط الأحمر لتاريخ الأديان، يلاحق هذه الرأسمالية حتى الأزمنة الأولى للضبط الأخلاقي للاندفاعات التي تفرضه كلّ الأشكال التاريخية للسيادة والاستغلال. سألخص المراحل الثلاثة لهذا لتفكُّر.
الفكرة الأولى تتصف ببساطة توراتية. في داخل سيرورة الانسنة تتكون الكائنات التي تطفو من شروط الحياة الحيوانية بوصفها ذوات لا عبر العمل وحسب، بل أيضاً عبر المحرَّمات. يتميز البشر أيضاً عن الحيوانات بما يضعونه من ضوابط لحياتهم الانفعالية. فالخجل الجنسي ووعي الانسان لكونه للموت ينتميان لأصل واحد مع العمل. وتبين الطقوس الجنائزية، وظهور الملبس وتحريم السفاح بأن المحرمان الأكثر قِدَماً تخص الجثة الانسانية والدافع الجنسي –الجسد الميت والجسد العاري. فإذا ما أضيف إلى الحساب تحريم القتل يظهر عندئذ الجانب الشمولي: إن ما يُحَرَّم هو عنف الموت والارتواء الجنسي –عنف يعبر عنه أيضاً في اللحظات الحادة للعيد وللذبيحة الدينية. إن الافراط الذي يبرز في التزاوج، والافراط الذي يظهر عند الموت –الموت العنيف الذي نخضع له أو الموت الذي تحدثه في الآخر- مرتبطان بشكل ما بأشكال التطرّف الشعائري حيث يرى باتاي "الافراط" بمعناه الحرفي، بوصفه انتهاك الحدود الموضوعة في التفريد. إن المعايير الأقدم هي بمعنى ما سدود توضع في وجه اندفاع طبيعة تحب المتعة –الحيوية المفرطة- التي تضمن امتلاء الحياة واستمرار وجودها بازدراد الوجودات المتفردة (Existence individuées): "إذا ما رأينا، في المحرّمات الأساسية، الرفض الذي يضعه الوجود بوجه طبيعة ينظر إليها على أنها فرط من الطاقات الحية وبوصفها عربدة الإفناء، لن يظلّ بإمكاننا التمييز بين الموت والارتواء الجنسي. فالارتواء الجنسي والموت اللحظتان أخاذتان لعيد تحتفل به الطبيعة مع الكثرة التي لا تستنفذ للوجودات (المتفردة) فكلّ منهما يحمل معنى الهدر اللامحدود حيث تعمل الطبيعة ضدّ ديمومة الرغبة الخاصة بكلّ وجود"(17). وعليه إذن يجب تحديد دائرة العمل بمعاينة تستبعد عنف طبيعة مفرطة في حيويتها "من المجرى المألوف للأمور"(18).
غير أن باتاي في مرحلة "ثانية"، يوضّح وبدقة أن الأسس المعيارية للحياة الاجتماعية تظلّ مستعصية على الفهم إذا ما اقتصرنا على تفسيرها تبعاً لما تقدّمه من أصل لحماية النظام الذي يمثله العمل الاجتماعي. ضمن هذا المنظور الوظيفي، يستحيل بيان ما تستمد المحرمات منه قوّة إلزامها. لقد أشار دوركهايم من قبل إلى أن مصداقية المعيار لا يمكن إحالتها تجريبيّاً إلى العقوبات التي تؤدي إليها المحرمات بالاستناد إلى مواضعات –أي بشكل خارجي-. إن قوة إلزام المعايير تصدر بالأحرى من سلطة مرجع مقدّس لا نقترب منه إلاّ بشعور مزدوج من الخوف والسعادة، دون البدء بالمساس به. ههنا واقع يشرحه باتاي على خلفية تجربته الفنية إلى حدّ أنه يربط المعايير الممعنة في القدم باللُبْس العميق الذي تقوم عليه؛ وهكذا، لدى باتاي، مطلب مصداقية المعايير، وعبر هذا حقيقة رغبتنا بانتهاك المعيار، في تجربة المحرم. بتعبير آخر، يتأسس بتجربة انتهاك المقدس حيث تختلط مشاعر القلق، والنفور والهلع بالانخطاف والسعادة المذهلة. يتحدث باتاي عن صلة حميمة موجودة بين القانون وانتهاكه. إن العالم العقلاني للعمل محدّد ومؤسس بمحرمات، إلا أن المحرمات نفسها ليست البتة قوانين العقل.
وبالفعل تفتح المحرّمات للعالم اللاديني باب العالم المقدس الذي يتلقون منه القوّة المضيئة للانبهار: "في البدء، لم تكن المعارضة الهادئة لعنف (الطبيعة الداخلية) كافيه للفصل بين العالمين؛ ولو أن المعارضة هي نفسها لم تشترك بالعنف بشكل ما (...)، لما كان بوسع العقل تحديد حدود الانزلاق بسلطة كافية. كان بإمكان الرعب، والهلع اللامتعقّل وحده أن يبقى بوجه انفلات غير محدود. تلك هي طبيعة المحرم (Tabou) الذي يجعل عالما من الهدوء والعقل أمراً ممكناً. ولكنه هو نفسه، في مبدئه، ارتعاش لا يفرض نفسه على الذكاء، بل على الحساسية"(19). إن التجربة الايروسية قريبة من التجربة الدينية بما أنها تعقد الانتساب للمحرمات الممعنة في القدم بالانخطاف الذي يولد، بعد التدنيس من الخوف الذي تخطيناه: "إن التجربة الداخلية للايروسية تتطلّب ممن يقوم بها الحساسية للقلق المؤسِّس للمحرم ليست أقلّ عِظَما من الرغبة التي تؤدي إلى مخالفته. إنها الحساسية الدينية التي تربط بشكل وثيق على الدوام بين الرغبة والهلع، اللذة الشديدة والقلق"(20). يصف باتاي، في مناسبات أخرى مراحل الافراط الذي يصيب بالدوار: أولا النفور، ثمّ الجهد المنتصر على النفور، وتليها النشوة(21).
في مرحلة ثالثة ينتقل باتاي أخيراً إلى نقد الأخلاق الذي يقترب من علم اجتماع الدين الذي نماه ماكس فيبر. فهو يتناول انتشار الدين –بدءًا من الطقوس القديمة حتى الأديان الشاملة، من التوحيد اليهودي البدئي حتى البروتستانتينية- بوصفه دربا تسلكه العقلنة الأخلاقية. لوثر وكالفان يمثلان نقاط الهرب لمنظور حيث توجد المقولات الدينية وتكتسي شكلاً أخلاقياً، وبالحركة ذاتها تتخذ التجارب الدينية صفة روحية. إن المقدس بغموضه ولبسه، والذي يولد الخوف والانخطاف، يتمّ تدجينه، ومن جراء هذا بالذات يتم تفككه. ويطرد الملاك لوسيفر من السماء. ويقابل العناية الالهية الشرّ الدنيوي. وفي الوقت ذاته يطرد ويدان كلّ من جزء المقدس الشيطاني والجزء الايروسي للعالم بوصفهما خطايا البدن. "بنزع كلّ لبس عن المقدس"- اتخذ وعي الخطيئة صفة أخلاقية بشكل قمعي. وهكذا إذا الإفراط الديني والإفراط الحسّي ماعادا ينفتحان على المقدّس، فإن المصداقية المعيارية للقوانين تجد نفسها مقطوعة عن الخلفية على المقدس، فإن المصداقية المعيارية للقوانين تجد نفسها مقطوعة عن الخلفية –المعاشة التي عبر الإفراط- أي عبر الجرأة التي يحس بها عند انتهاكها الفعلي –تمنح لهذه القوانين سلطتها –فالتقاليد اليهودية- المسيحية لم تتمكن من توليد أخلاق مستقلّة إلا بدءاً من اللحظة التي انقطع فيها جدل المحرم والانتهاك وحيث نوقف المقدس عن ضرب العالم الدنيوي بصواعقه. لا ينتقد باتاي الأخلاق بما هي كذلك، فهي ليست سوى نتيجة لهذه العقلنة للصور الدينية للعالم، عقلنة جرَّدت المقدس من تعقيده، وأسبغت عليه سمة روحية، وهكذا جُعِل وحيد الاتجاه ومكثفاً في الله في العالم الآخر لا تسمح ببلوغه إلاّ بهذه الشروط المقَيِّدة. فالمؤمن المحروم من التجارب الدينية والجنسية للتجاوز الانخطافي للذات لا يسعه إذن إلا أن ينمّي وجداناً أخلاقيّاً. بهذا المقياس يفسّر نمو الأخلاق الانشاء التدريجي بين مجالي الدين والاقتصاد الذبيحة والعمل. يفسر هذا أنه تحت غطاء سلطات السيادة –الذي تزداد هشاشته باستمرار- والتي تواصل الابتعاد عن ينابيع السيادة في العالم المعاش. ويزداد حجم النصيب الدنيوي. إن شرح فيبر للأخلاقية البروتستانتية يدخل تماماً في منظور باتاي: "تخلّص كلّ من الدين والاقتصاد، بحركة واحدة ممّا كان يثقل كلّ منهما على الآخر، الأول من المحاسبة الدنيوية والثاني من الحدود المفروضة من الخارج"(22).
لئن قبلنا بإمكان أن تفسير الرأسمالية بشكل مرض، بهذه الاستراجية فإننا لا نرى كيف يمكنها أن تسهم بشكل مناسب بتحليل مشروع مثل مشروع التصنيع السوفييتي وقد صار دنيوياً بشكل كامل ويدار بأسلوب سلطوي. وهكذا ألا نحصل على إجابة عن السؤال لمعرفة لماذا الانفصال الذي توقعه باتاي والذي يشير إلى انفصال جذري للدوائر –من جهة مجتمع العمل المعقلن كلياً، من جهة ثانية، السيادة التي يمتنع بلوغها مذ ذاك مبعدة كليّاً ومنفصلة- عليه أن ينعكس ويسمح، ضمن شروط المجتمع الصناعي المتطور، بإطلاق جديد للطاقات الخاصة بالسيدة الأصلية: "إن التعليم الكامل الذي كان ستالين يريد تزود الإنسان الشيوعي المكتمل به كان جديراً بهذا الاسم نسبياً، هذا الإنسان، في زمن حيث لا يمكن العزوف عن نتاجات الحضارة المادية، يقترب إلى أقصى الحدود من هذا النوع من السيادة المرتبطة بالاحترام الطوعي لسيادة الآخر، وتعود إلى هذه السيادة البدْئية التي ينبغي أن ننسبها إلى الرعاة والصيادين في المجتمع البشري القديم. ولكن لئن كان هؤلاء يحترمون سيادة الآخر، فإنهم لا يحترمونها إلاّ بحكم الواقع"(23) في حين أن الانسانية المنعتقة – هذا ما ينبغي إضافته بلا ريب- تجعل من الاحترام المتبادل لسيادة كلّ فرد عبر الجميع المبدأ الأخلاقي للحياة المشتركة لهذه الانسانية. وإذن يترتب على باتاي تفسير الحركة المغايرة للستالينية نحو اشتراكية تحرريّة دون التمكّن من اللجوء إلى صورة فكر تدرك حركة عقلانية، ديالكتيكية في ذاتها. ههنا تحد يجابهه باتاي عبر مشروعه في الاقتصاد العام.
حتى الآن اقتصر علم الاقتصاد –بما في ذلك الاقتصاد السياسي ونقده- على الاهتمام بالأسلوب حيث كان بالامكان جني فائدة بصورة ناجعة من الموارد المحدودة في إطار الدورة الطاقية (énergétique) التي تشكّلها إعادة انتاج الحياة الاجتماعية. حين قرّر باتاي دراسة ميزان الطاقات "على صعيد العالم" وضع منظوراً "عاماً" قبالة هذا المنظور الخاص. إن مثل هذا التغيير في المنظور –تغيير ينجزه باتاي بالمماثلة مع الإزاحة التي تقود من منظور الفاعل المهتم باقتصاد المشروع إلى منظور الذي يبنيه الاقتصاد السياسي- يؤدي أيضاً إلى تغيير في السؤال الأساسي للاقتصاد؛ فالمسألة المركزية لم تعد تتناول مذ ذاك استعمال الموارد المحدودة، بل الانفاق اللانفعي للموارد الفائضة. وبالفعل ينطلق باتاي من فرضية بيولوجية تنص على أن العضوية الحيّة تراكم طاقة أكبر ممّا تتطلّب إعادة انتاج الحياة. هذه الطاقة الفائضة تُستثمر للنمو. ولكن حين يتمّ استقرار هذا النمو يكون من الضروري انفاق فائض الطاقة بشكل غير منتج –يجب تبديد الطاقة بلا فائدة- مبدئيّاً يمكن حدوث مثل هذا الأمر. بشكل "مبجل" أو بشكل "كارثي". إن الحياة الاجتماعية الثقافية لا تفلت من ضغط الطاقة الفائضة.
توجد أساليب شتّى لتوجيهها (الطاقة الفائضة)؛ يمكن أن يتمّ هذا، على سبيل المثال، عبر التوسع السكاني، توسع في الأراضي، أو توسع اجتماعي في المؤسسات الجماعية، أو أيضا عبر زيادة الانتاج ورفع مستوى الحياة، غير أن هذا يتم بشكل عام دائماً عبر تزايد في التعقيد. إن النمو العضوي يجد هنا مكافئا اجتماعيّا. أن نرى استهلاك الطاقات الحيوية الفائضة تتحقق عبر الموت وإعادة الانتاج، بالقضاء على الوجودات الفردية وتكوين أجيال جديدة سيُقضى عليها بدورها لأمر يسترعي الانتباه يقابل ترف الطبيعة هذا ترف الطبقات الاجتماعية الحاكمة. بهذا المعنى يشغل التبديد الذي تقوم به السيادة –سواء اتخذت أشكال اقتصادية في الاستهلاك غير المنتج، أم أشكال التطرّف الايروسي والديني- يشغل مكاناً حين نشرح الاقتصاد على مقياس العالم بتعابير فلسفة للحياة. على العكس، فإن الفوائض التي لا يمكن انفاقها بالاستهلاك المنتج وحده تتضاعف بانفلات القوى المنتجة، وبالنمو الرأسمالي، أي النمو الصناعي بشكل عام. إن القوى الانضباطية للأخلاق، والرعب من الترف، وتحريم قوى السيادة، واستبعاد المغاير، تذهب كلّها في الاتجاه نفسه. ولكن حين لا تتمكن الثروة الطائلة من انفاق ذاتها بشكل عظيم –أي في الاحتفاء بالحياة وتمجيدها، لا يبقى إلاّ إمكان واحد مكافئ: التبديد بأسلوب كارثي أي بالمغامرة الامبريالية، وبالحروب العالمية، وينبغي أن نضيف اليوم لكلّ هذا مشكلة التلوث والدمار النووي.
من أجل ابراز قيمة آماله في أن يشهد تحوّل التشييء الكلّي إلى بعث قوى السيادة الخالصة، يستسلم باتاي لتنظيرات حول التوازن السائد على الميزان الطاقي للكون والمجتمع العالمي. وبالفعل مجتمع العمل وقد صارشاملا سينمي، من وجهة نظره، الفوائض غير المستهلكة إلى درجة أنه لابدّ من حدوث حفلات عربدة تبدد، وأشكال من الانفاق التفاخري أكان على شكل كوارث يمكن توقعها أم، بشكل دقيق، على شكل مجتمع منطلق سيترك كلّ خيراته لسخاء السيادة أي يتركه للتطرف، لتجاوز الذوات لذواتها لإلغاء حدود الذاتية بشكل عام.
ليس من المجدي أن أتناول مضمون هذه الصورة للعالم، صورة ميتافيزيقية بالمعنى الرديء للكلمة، تقدّم على شكل تجاوز للاقتصاد المؤسّس على الانتربولوجيا. وسواء نظرنا من زاوية العلم أو من مجرد بديل للميتافيزيقا فإن باتاي يجد نفسه في مجابهة الصعوبات نفسها التي واجهها نيتشه بتبني مسيرة رجل العلم وناقد الايديولوجيا. إذا لم يكن للسيادة ومنبعها المقدس، سوى علاقة تغاير مع عالم الفاعلية الغائية وإذا لم تكن الذات والعقل –إلاّ نتاجا لاستبعاد هذه القوى، وإذا كان آخر العقل (ماهو غير العقل) هو أكثر من اللاعقلاني أو المجهول، وإنه في الحقيقة هو هذا "الذي لا يقبل القياس" ولا يمكن للعقل أن يمسه -لأنه لو فعل، فإن هذا سيكون لقاء تفجّر الذات العقلانية- نكون عندئذ محرومين من الشروط التي تجيز تصوّر نظرية يتجاوز مرماها أفق بلوغ العقل وتحلل- أو حتى ببساطة تجعل من تبادل العقل مع قوّة متعالية أصلية موضوعاً. أحسّ باتاي تماماً بهذا الاحراج، غير أنه لم يحلّه. لقد تأمّل إمكانات علم غير مُمَوضع (Non objectivant) إلى هذا الحد الأقصى حيث تكون الذات العارفة وحسب طرفا مسؤولا في بناء مجال الشيء، حيث لا تقيم وحسب الاتصال وتكون على علاقة معه عبر بنى أولية حيث يكون ماثلاً بوصفه متدخلا، بل أن هذه الذات العارفة وقد بلغت "نقطة غليانها" عليها أن تتخلّى عن هويتها الخاصة، بهدف حماية تلك التجارب التي خضع إليها في الانخطاف وأن ينتزعها، على أنّها حصاد صيده من بحر العواطف الهائج. إلى جانب هذا فهو لا يتردّد من أجل علم "الجواني" هذا، من أجل تحليل "التجربة الحيوانية"، بالمطالبة بحزم بموضوعية المعرفة وحتى السمة اللاشخصية للمنهج. بقول آخر، لا نخلص، في هذا السؤال الأساسي من حركة متردّدة جيئة ورواحاً.
في مواضيع عدّة –كلّ مرّة بشكل خاص يسعى عبر العلم والفلسفة ليبلغ نظرات تفكرية ذات قوّة عملية على نحو أنها تغير الأشخاص من أشخاص معنيين بشكل غامض إلى أطراف ناشطة واعية لذاتها- يستسلم باتاي لانزلاق غير محسوس في درب جدل للعقل. وعندها يكتشف من جديد المفارقة التي يمثلها نقد كلّي، ذاتي المرجع للعقل: "ما كان بإمكاننا بلوغ الموضوع النهائي للمعرفة التي تبتغي إعادته إلى الأشياء التابعة والمعالجة (...). لا أحد يستطيع أن يعرف دون أن يدمِّر في الوقت ذاته"(24). يلاحظ باتاي في آخر حياته إن عمله المزدوج ككاتب وكفيلسوف يضمن له إمكان الانسحاب من العلم ومن الفلسفة بشكل مناسب، وتقوده الايروسية إلى التفكير في أنّ معرفة الجوهري تخصّ تجربة صوفية، تخصّ الصمت –العيون مغمضة-، وإن المعرفة النظرية تبقى بلا أمل محتجزة داخل دائرة المتتاليات اللغوية: "هكذا فإن اللغة بجمعها لكليّة ما يهمنا، تبعثرها في الوقت نفسه. ويظلّ انتباهنا مشدوداً إلى تلك المجموعة التي يواريها تتالي الجمل ولكن ليس في وسعنا أن نضع مكان ومضة هاته الجمل المتوالية ضياء كاملا"(25).
يمكن دائماً لكاتب الأدب الايروسي استخدام اللغة لمهاجمة القارئ بالقول الفاحش، ويمسك به بصدمة ما هو غير متوقّع وغير صالح للتقديم، ويرمي به في ازدواجية النفور والمتعة. ولكن ليس بوسع الفلسفة أن تفلت بالأسلوب نفسه من عالم اللغة: "فهي تسعمل اللغة على نحو لا يلحقه الصمت. بشكل أن اللحظة الأعلى تفيض بالضرورة عن التساؤل الفلسفي"(26). ولكن باتاي، بقوله هذا، يفضح مساعيه الخاصة للقيام بالنقد الجذري للعقل، عبر المسالك النظرية.

الهوامش:
(1) G. Bataille, La Notion de Dépense, in La Critique Sociale, no7,1933,repris in O. C. I, P. 315.
(2) G. Bataille, La Notion de Dépense, in O.C., op. cit., P.305.
(3) G. Bataille, La Notion de Dépense, op. cit., P.313.
(4) G. Bataille O. C., op. cit., P.613.
(5) G. Bataille O. C., op. cit., P.63.
(6) G. Bataille O. C., op. cit., P.63.
(7) G. Bataille O. C., op. cit., P.62.
(8) G. Bataille, « La Souveraineté », in Monde Nouveau, Paris, no 101-103, Juin-sept. 1956, Repris in O. C. 8, op. cit., P.384.
(9)  G. Bataille, « La Souveraineté », in O. C. 8, op. cit., P.391.
(10) G. Bataille, « La Souveraineté », in O. C. 8, op. cit., P.391.
(11) G. Bataille, « La Souveraineté op. cit., P.392.
(12) La Parabole de Saint- Simon, in J. Dautry (ed) Saint- Simon Textes Choisis, Paris 1951.
(13) G. Bataille, La Part Maudite, op. cit., P.127.
(14) G. Bataille, La Part Maudite, op. cit., P.128.
(15) يرجع باتاي إلى دراسة مارسيل موس (M.Mauss) الكلاسيكية "دراسة عن الهبة" (Essai Sur Le Don) المنشور 1923-1924 في مجلة "الحولية الاجتماعية" (Année Sociologique).
(16)  G. Bataille, La Part Maudite, op. cit., P.75.
(17) G. Bataille, L’Erotisme, in O.C. 10, P.64.
(18) G. Bataille, L’Erotisme, op. cit., P.58.
(19) G. Bataille, L’Erotisme, op. cit., PP.66-67
(20) G. Bataille, L’Erotisme, op. cit., P.42.
(21) 1930في مجلة Documents المجلة المنشورة من قبل باتاي –وصف ميشيل ليريس، استنادًا إلى صورة تمثل امرأة عارية تضع على رأسها قناعاً من الجلد نفذ هذا القناع بالاستناد إلى رسم نفذه سيبروك (W. Seabrook) المتخصص بساحل العاج منذ زمن طويل- ما كان صيدقه يسميه التجربة الداخلية للايروسية. يبين نص ليريس أن صلة سرية تجمع معا البحث الانتروبولوجي الميداني –كما يمارس في حينها- أو النزعة الفنية للغربة والايروسية- أكان ينتمي للتجربة الشخصية أو للآداب. يتخيل ليريس الفرح المنتهك للمقدس واللّذة الشيطانية التي يجربها إنسان الأنصاب (Fétichiste) عند رؤية جسد المرأة المقنعة وقد تحولت هكذا إلى كائن نوعي، جريد في فرديته: "إن الحب المقلص هكذا –بشكل بالغ الوعي- إلى سيرورة طبيعية وحيوانية، من حقيقة أنه بفضل هذا القناع، سحق الدماغ رمزيا، وأخيرا تمّ ترويض القدر الذي يناوئنا. (ذلك لأن تلك المرأة بين أيدينا ليست بفضل هذه الأداة، إلاّ الطبيعة نفسها المعجونة بقوانين عمياء بلا روح وبلا شخصية، ولكنها لمرةـ مقيدة كليّا بنا كما هي مقيدة هذه المرأة) النظرة –هذه الخلاصة للتعبير الإنساني- المكفوفة لوقت (ما يسبغ على هذه المرأة معنى جهنميا من تحت الأرض) وقلص الفن لدور حيواني، نجرح (بفضل فتحة رقيقة تدعى وحده مرئيا) والتنظيم الشائع للزينة مكرس كليّا (هنا الجسد عار والرأس مقنع، بينما، في المألوف الرأس هو العاري والجسد مقنع) عدد من العناصر تجعل من قطع الجلد هذه المادة التي تصنع منها السياط والأحذية) أجهزة هائلة، مناسبة بشكل مدهش لما هي الايروسية الحقّة وسيلة للخروج من الذات، وتحطيم الصلات التي تفرضها علينا الأخلاق والذكاء والعادات وأيضا أسلوب لإرضاء القوى الشريرة وتحدّي الله أو بدائله، التي ترعى العالم بامتلاكها للكون وضغطها عليه، .. في احدى رزمه الدالة بشكل خاص ولكن بشكل غير متمايز"
(22)  G. Bataille, La Part Maudite, in O. C., op. cit., P.123.
(23) G. Bataille, « La Souveraineté », in O. C. 8, op. cit., P.341.
(24) G. Bataille, La Part Maudite, in O. C. 7, op. cit., P.76.
(25)  G. Bataille, L’Erotisme, in O. C. 10, op. cit., P.268.
(26) G. Bataille, L’Erotisme, op. cit., PP.268-269.

* شعب قديم وصل إلى المكسيك في 1325 وسيطر على البلاد حتى مجيء الإسبان في 1520 (م)
** كلمة هندية في أمريكا الشمالية وتعني عيداً دينياً عند هنود أمريكا يقوم على تبادل الهبات (يرى فيه علماء الاجتماع احدى الأشكال البدائية للعقد والسيادة). (م)

المصدر: هبرماس؛ القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، دمشق وزارة الثقافة، 1995، ص ص 341-364

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق