السبت، 12 أبريل، 2014

شذرات منتخبة من إيروسيّة باتاي: جوزف طانيوس لبُّس

نشوة القديسة تريزيا الأفيلية للنحات جيان لورنزو برنيني
         يأسرك جورج باتاي مفكّراً وفيلسوفاً وأديباً مبدعاً، ويستولي على كيانك حين تتعرّف إلى سيرته الذاتيّة بعد أن تكون تعرّفت إلى نتاجه.
     في أثناء إعدادي أطروحة الدكتوراه في الآداب بعنوان: الحبّ والموت من منظور السيرة الذاتيّة (2003)، كان لا بدّ من العودة إلى فكر باتاي للاستضاءة، وكان أن وجدتُني بين يدَي كتابه الشهير: الإيروسيّة. ووجدتُني مسحوراً بجِدّة الأفكار وحرارة الأسلوب، فلا عجب إذاً إن انقدتُ انقياداً إلى ترجمته إلى لغة الضاد ولغة العين والقلب، أعني العربيّة؛ فأنت لن تذوق المفكّر الأعجميّ كما ينبغي إلّا بعد نقله إلى لسانك، فتتلمّظ الكلمات والحروف كما في وليمة!
     أمّا منهجي في الترجمة فبسيط، ينطلق من الموضوع لا من النصّ؛ لم أترجم الكتاب كلمة كلمة، بل تخيّرتُ الفكرة التي جذبتني، وما لبثتُ أن ضممتُ هذه الأفكار بعضَها إلى بعض، ومن ثَمَّ تولّيتُ ترجمتها؛ فترجمتي إذاً هي انتخابٌ وترجمةٌ وتوليف، يتخلّلها توثيق وتحديد أرقام الصفحات، وَفْق طبعة باريس، مينوي، 2001.

* الإنسان حيوان إيروسيّ (ص303)؛ فالإيروسيّة كانت مذ كان، رافقت حياتَه الداخليّة وبخاصّةٍ حياتَه الدينيّة (ص37)، وواكبت مجموع سلوكه المتفرّد عن سائر الكائنات، من عملٍ ووعيٍ بالموت ونزعةٍ إلى البقاء والخلود (ص36). بيد أنّ الإنسان هو أيضاً ذلك الكائن الذي ينكر حاجاتِه الحيوانيّة، ويرفض طبيعته، فيغطّيها بالتربية والدين؛ فقد خلق اللهُ الإنسانَ على صورته ومثاله، ووحدَه الشيطان احتفظ بحيوانيّته التي رمز إليها الذَّنَب (ص151)؛ وغطّى الإنسان حيوانيّته أيضاً بما صنع من أدوات الحضارة؛ ومن هنا فقد غدا العضو التناسليّ والرِّجْل رمزَي الحيوانيّة، في حين صارت عينُه ويدُه رمزَي إنسانيّته (ص167).

* الإيروسيّة هي تجلّي الحياة حتّى في الموت (ص17)، وما الجنس والموت إلّا لحظات حاسمة في حفلةٍ تُحييها الطبيعة معبّرةً عن شوق الإنسان فرداً ونوعاً إلى الديمومة (ص69). حتّى الهيكل العظميّ لا يفنى تماماً بل يمتدّ وجوده ملايين السنين (ص108).

* إذا كان المركيز دو ساد يقول: لا شيءَ يقف في وجه الفسق؛ فإنّ باتاي يقول: لا شيءَ يحدّ من العنف، مهما حاول العمل أن ينظّم المجتمع البشريّ بالموانع، كالحدّ من القتل، والحدّ من التحرّر الجنسيّ (ص55)، ولـمّا كان القتل والجنس ممنوعَيْن، فهذا يعني أنّ العنف هو المستهدَف دائماً، وأنّه يخيف ولكنّه يغوي (ص58).

* الإنسان حيوانٌ ممنوع إزاء الموت والإيروسيّة؛ منعه العمل/المجتمع من القتل والاتّصال الجنسيّ. وهذه الموانع تقلّ أو تزيد وَفْق الأمكنة والأزمنة. بيد أنّ الشعوب كلّها تُخفي منظر العضو الذكريّ في حالة الانتصاب، وغالباً ما ينسحب الرجل والمرأة إلى خلوةٍ لممارسة الجماع، ويطرح العري في الحضارات كلّها أسئلةً حرجة. أمّا سفاح القربى فملفوظٌ وممجوج (ص57).

* تختلف الإيروسيّة عن الجنس عند الحيوانات في أنّ الجنس عند الإنسان محفوفٌ بالموانع والمحرّمات، فيكون مجال الإيروسيّة في خرق هذه الموانع وتحدّي المحرّمات (ص283).

* لا يكبح الممنوعُ عنفَ الشهوة الجنسيّة، ولكنّه يفتح أمام الإنسان باباً يستطيع من خلاله خرق الممنوع وتحدّي الأعراف من طريق الإيروسيّة (ص243). الإيروسيّة إذاً هي خرق قانون الممنوعات وانتهاك المحرّمات (ص104).

* المرأة بين يدَي مغتصبها لا تملك ذاتها، ولكنّها تفقد إلى جانب عفّتها، ذلك الحاجزَ المنيع الذي يفصلها عن الآخر ويحميها ويمنع المغتصب من ولوجها. فجأةً، تستسلم بعنف للعبة الجنس، وتنفتح على عنف الآخر بلا حَوْل ولا قوّة ولا حياء (ص101).

* ماذا تعني إيروسيّة الأجساد ما لم تعنِ اغتصاب الشريك وانتهاك حرمته (ص24) انتهاكاً يقارب الموت أو القتل؟ الفجور يعكّر هدوء الجسد الأنانيّ المحافظ على وَحدته ويجعل الأعضاء – إذا ما اتّصلت بأعضاءِ جسدٍ آخر- تضطرب كأمواج البحر التي تتهادى ويغرق بعضها في بعض.

* كثيراتٌ هنّ اللواتي لا يشعرن باللذة الجنسيّة إلّا إذا تخيّلن أنّهنّ اغتُصبن واعتُديَ عليهنّ (ص118).

* في كلّ إنسان قاتلٌ هاجع. الدليل وفرة المجازر العبثيّة التي لا طائل منها عبر التاريخ (ص80).

* كان البغاء الدينيّ، كالحرب والصيد، من تنظيم المجتمع في سبيل إطلاق نزعات العنف (ص147).

* بعض المتصوّفين في خَلوتهم وعبادتهم يكدّهم العرق ويقذفون المنيَّ كما لو كانوا يمارسون الجنس. إنّ الخوفَ كامنٌ في أساس التصوّف والجنس (ص247)، وقد يكون الخوفُ من الجنس أساسَ التصوّف. وكثيرةٌ هي المعابد الهنديّة التي تذكّرنا بلا وَجَل أنّ الفجور طبيعة كامنة في أعماق القلب البشريّ (ص148). الممنوع مقدّس: لا تقتل- لا تزنِ !

* الحرب هي تنظيم النزعات العدوانيّة بشكلٍ جماعيّ، هي عنف منظَّم، وهي كالعمل، ذات هدف، تخدم مشروع الجماعة في الحياة المشتركة (ص72).

* الحياة الجنسيّة من جهة، والقتل والحرب والموت من جهة أخرى هي التي تشوب أجواء العمل وتعكّر صفاءها (ص258).

* الحرب هي نتيجة العمل؛ وحدَها صناعة الأسلحة والأدوات جعلت الحرب ممكنة (ص82).

* ليس للعري دور ما لم يكن شاذّاً، فإذا كان مألوفاً (كما في عيادة الطبيب أو في نوادي العراة) فإنّه لا يثير شهوة (ص217).

* حرّم الكتاب المقدّس العري، بقوله عن آدم وحوّاء إنّهما «انفتحت أعينهما فعرفا أنّهما عريانان» (تكوين، 3: 7) رابطاً العريَ بالعمليّة الجنسيّة والخطيئة الأصليّة (ص217).

     تلك كانت شذراتٌ باتاويّة منتخبة ما أشبَهَها بفسيفساء رائعة! ونعلّل النفسَ بالحصول يوماً على ترجمة كتاب باتاي الإيروسيّة ترجمةً كاملة في لغةٍ عربيّةٍ تضاهي الأصل وهيهات! ما دامت الترجمة، ثالثة الصناعتين، «تكسير وَحدة، وتقبيح سناء، وتعتيم بهاء، وذبح جنين»!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق