السبت، 2 نوفمبر، 2013

جورج باتاي (1897-1962)، الجنون المتنقّل بين الفلسفة والقداسة: مارلين كنعان

بروفيل فلسفي

في معرض تعليقها على فكر جورج باتاي كتبت الروائية مارغريت دوراس: "يخجل النقاد عند سماعهم اسم باتاي. الزمن يتسارع في خطواته، والناس يعيشون في شطح الحديث عنه. ولربما سيموتون قبل أن يتمكنوا من ذلك. فهمّ السمعة يسكنهم ولن يجازفوا بسمعتهم لمواجهة هذا الثور"(1).
إذا أمعنّا في هذا القول أدركنا أنّ جورج باتاي يترك الانطباع نفسه. فهو يجسد بحق شخصية شبه خرافية، غدت رمزًا للتجاوز المفتوح على المدى الأرحب. هذا البعد الأسطوري للكاتب يعود في مجمله إلى عامل الفضيحة. فجورج باتاي اسم تألّق في عالم الإيروسية والمؤلفات الإباحية. وهو يعود أيضا إلى عامل السرية والغموض. هنالك عند باتاي اتجاه للتعتيم يبلغ أوجّه في تأسيسه جمعية سرية بالإضافة إلى ازدواجية شخصه. فباتاي، حافظ المكتبة الوطنية في فرنسا، خبير في مجال الهوى، مداوم على معاشرة المواخير. جمع في حياته وكتاباته كلها بين الميادين المتناقضة، حتى تلك التي لا تتطابق مع بعضها البعض كالدين والجنس. وقد نشرت دار "غاليمار" الفرنسية مؤلفاته الكاملة في ثلاثة عشر مجلدًا ضخمًا، تضم كتابات في الفلسفة والسياسة والاقتصاد وتاريخ الأديان والتصوف وعلم الإناسة والأدب والجماليات(2)... من هنا صعوبة الدخول إلى قدس فكره. لكن هنا محاولة شمولية.
في مجلة Critique الفرنسية وفي العدد 195-196 المخصص لتكريمه، يصف ميشال لييرس رفيق دربه وصديقه المتوفى عام 1962 "برجل المستحيل"، المشدود إلى الأفكار غير المقبولة والمدرك أن الإنسان لا يحقق ذاته إلا إذا تجاوزها. في تعبير آخر، يصف لييرس باتاي "بالرجل المتعطّش إلى النشوة الديونيزية"(3) حيث يختلط الأسفل بالأعلى وتبطل المسافة بين الكل والعدم. فوصف باتاي "برجل المستحيل" إنما يعبر أولا عن الإعجاب الذي يكنّه لييرس لكاتب "المؤلفات الفاحشة" ومتابع "سيرة الأدب الملعون" المتمثّل في الماركيز دو ساد، وتاليًا يعبّر عن دهشته حيال رجل العلم الذي يكمل إرث نيتشه، ناقد الأيديلوجيا.
جورج باتاي راهب فكر متبتل في استخراج المعرفة. تعدّدت مشارب فكره وتنافرت موضوعاته. قرأ نيتشه عام 1923 قبل أن يقدّمه لييرس إلى حلقة السورياليين ويعرفه على أندريه ماسون عام 1924، وقبل أن يكتشف المركيز دو ساد وفكر هيغل عام 1933. قرأ أيضا أبحاث مارسيل موس في مجال الانثروبولوجيا  وأقام حوارات متعددة مع موريس بلانشو وأندريه بروتون وجان-بول سارتر وألبير كامو رغم بقائه على هامش هذه المدارس الفكرية، من سوريالية وماركسية ووجودية. فغرضه الأساس ينحصر في ألا يبقى شيء خارج نطاق الفكر، ما يعني وجوب التفكير في العالم كما هو وليس كما نريده أن يكون. هاجس باتاي ينحصر في الإحاطة بالإنسان التام، غير المبتور في عنفه وإفراطه في فرادته وثباته في إنسانيته العاقلة واغترابه ومجونه. تلكم هو جنونه؛ وقد تقبّل باتاي سمة الجنون هذه برحابة صدر. وقد رافقته منذ الطفولة، وتجنّحت إذ مسّها لهيب المعرفة.
وُلد في العاشر من أيلول عام 1897 في قرية Billom في مقاطعة Puy-De-Dôme الفرنسية لأب أعمى مصاب بداء الزهري وقد اشتد مرضه في قسوة لافتة. ولعل فقدان والده فيما بعد طاقاته العقلية وقدرته على المسير، تركا بصماتهما على حياته. وبسبب من ذلك، احتفظ من تلك الفترة بولع بالصور العنيفة التي تُبقى الإنسان فاغرًا فاه، مخفي الصوت. فعديدة هي صور الطفولة التي تعود بقوة لتطبع كتاباته كنصوص "قصة العين". فهو عاش حياته كلها مهووسا بجنون والده الذي زكاه فيما بعد ذبول أمه ثم جنونها واكتئابها الشديد وانحدارها في درك الرهبة المذهلة.
سنة 1914 مفصلية في حياته لأنها سنة اهتدائه إلى المسيحية وقبوله الأسرار في كاتدرائية REIMS حسب طقس الكنيسة الكاثوليكية. في تلك السنة أيضًا، يكتشف تجربة الكتابة ويعرف أنه في حاجة إلى الكلمة. ولعله منذ ذاك التاريخ قرّر امتهانها تعبيرًا عن فكر لاحت تباشير نضوجه. فالكلمة نافذة الفكر ووليدته وهي كذلك تعبيره الأسمى. 1914 أيضا تضطرّ العائلة الصغيرة المؤلفة من الأم وابنيها إلى الهرب من حمّى قصف الطائرات الألمانية وسقوط قنابلها بسبب من ظروف الحرب القاسية وشدّة القتال، إلى قرية صغيرة في مقاطعة AUVERGNE الفرنسية، بينما تُرك الوالد المريض والفاقد الإدراك لجنون الحرب وإثمها. هذا الوالد توفي وحيدًا بعد عام في حال من الحرمان والبؤس الشديدين، الأمر الذي ترك في نفس ابنه صور خوف مستبد وألمًا لا يمحي. وقد تحدث باتاي فيما بعد عن هذا الإهمال في كتاب "المذنب"(4) الذي يعبّر تماما عن شعوره.
في تلك المرحلة، يعفى باتاي من أداء خدمته العسكرية لمرض رئوي أبعده عن السلاح والموت. وسيمضي حياة نقية منقطعًا إلى الصلاة والتأمل منسلخًا عن العالم وهو لم يستبعد فكرة ترهبه أو سيامته كاهنًا، إلا أنه اختار بعد حين حياة العلمانية ملتحقا بمدرسة شارتر لإعداد باحثين مختصين بدراسة الوثائق القديمة ومستقرًّا في باريس.

بين الإعراض عن الجسد والوقوع في سحره
عن تلك الحقبة يروي أحد رفاق الدراسة أن باتاي في مراسه العقلي وتعاطيه الجدي شؤون الفكر، أظهر موهبة لامعة وتنقيبًا علميّا متسعًا أهّله للبروز بقوة كمرجع أكيد لكلّ ما يتعلّق بهذا الاختصاص. إلا أن القراءات والأسفار المتعدّدة واللقاءات المختلفة قرّرت كلها عكس ذلك. وقد دخل باتاي إلى مجال الفكر والكتابة عام 1918 بفضل ما كان يقرأه من نصوص تعود إلى القرون الوسطى، وقد جمعها Rémy De Gourmont تحت عنوان: "المتصوف اللاتيني". هذه النصوص التي تدعو إلى الإعراض عن الجسد وشهواته المميتة كانت منطلق باتاي إليه، ولعلّ هذا الجسد عينه الذي سحره واستهواه حتى الثمالة في إنسانيته وشيئيته، في انفلاته وكبته، أصبح موضوعه الأثير، وقد عمل باتاي طوال حياته على إدراك كنهه متوسلا كلّ السبل بما في ذلك الفحشاء والرذيلة التي عاشها ورواها في كتاباته.
مقابل ذلك، احتلّ موضوع الإيمان مكانة خاصة في فكره، وقد ابتعد عنه بعد ذلك إثر العديد من الأسفار الأوروبية. فالرحلة الأولى التي قادته عام 1920 إلى لندن بعد لقاء له مع الفيلسوف الكبير هنري برغسون الذي طالعه عميقًا لروحانيته وشاعريته وشفافيته، انتهت بقراءة كتابه "الضحك" وقد خيب ظنه لانه يتحدث عما لا يسوغ الحديث عنه.
فالضحك بالنسبة لباتاي قوة انحلال كبيرة لا يستطيع أي إله جَبْهَهَا. إنه نداء المستحيل وسبيله الأرحب. أما في الرحلة الثانية التي توجهت به عام 1923 إلى إيطاليا وإلى مدينة سيينا تحديدًا، فقد عاش باتاي تجربة الضحك هذه حتى الذروة وقد سخر من العمارة المسيحية في عظمتها وفخامتها. من هنا أصداء ضحكه المدوّي في كل كتاباته. فبعد لندن وسيينا، انتقل إلى الإقامة في مدريد حيث عاش اختبار الضيق مع حزن أناشيد الفلامنكو الإسبانية، ومصرع مقاتل الثيران مانويل غراينرو الذي رواه في "قصة العين"(5). مستبدلا مدريد بإشبيلية كمسرح للحدث قائلا: "إن الشعور بالضيق هو في كثير من الأحيان سرّ اللذات الكبرى".
قد يكون تجوال باتاي في عمق أوروبا مصدرًا للعديد من كتاباته. فهو كان في حاجة إلى مدى يرى فيه بواطن النفس الإنسانية ليواجهها ويعمقها في سعيه لبلوغ قصده. لكن ثمّة قدر انتظره في باريس، قدر قراءة نيتشة. فعند مطالعته هذا الفيلسوف الذي أعلن موت الإله وأصابه مس الجنون في نهاية حياته، شعر باتاي، بعدما فقد بدوره الإيمان وتملكه هاجس الجنون، بومضة ملكوتية: إنه إزاء فكر مشابه لتوجهه، يعكس حقيقته كالمرآة، لا بل قل إنه إزاء نفسه!
تتسم هذه الحقبة كذلك بلقاء أساسي ترك بصماته على مسيرة جورج باتاي الفكرية. إنه لقاء باتاي بالفيلسوف الروسي ليون شيستوف في غربته الباريسية والذي أرشده إلى فكر دوستويفسكس وعلمه قراءة نيتشة مقدمًا له عالم الفلسفة المتجسدة بفكر تراجيدي يهتم بالمسائل العالقة والمطروحة بشدّة والتي أعلن العقل عجزه عن إيجاد حلول لها.
في تلك الفترة، عُيّن باتاي حافظًا للمكتبة الوطنية في باريس، وكان واضحًا لديه آنذاك أن الإيمان لم يعد مرجعه أو سبيله إلى المعرفة، وقد غدا في حكم الملحد. إلا أن اكتشافه فكر نيتشه ومعايشته للسورياليين وضعاه على طريق حياة المتعة والفسق والمجون، تأرجحًا بين اختبار الضحك الأخاذ والضيق القاتل.
في عام 1969، وبعد مضي سبع سنوات على وفاته، كتب ميشال فوكو: "نحن نعرف اليوم أن جورج باتاي هو أحد أهم مفكري هذا القرن"(6). ثمة في هذا القول اعتراف صريح بقيمة فكر باتاي يقرّره فيلسوف من طينة الكبار، أراد ردّ الاعتبار إلى كتاباته بعدما تعرضت طوال حياة مؤلفها إلى شتى أنواع النقد الجارح والتهم العنيفة. نورد على سبيل المثال نصّين أساسيين لاندريه بروتون وجون بول سارتر يعودان على التوالي إلى 1929 و1943(7).
هذان النصان النقديان لمفكرين بارزين، يشهد لهما بعمق التحليل ودقة العبارة، يعبران عن روح العصر فيما يتعلّق بكتابات باتاي. فهما يظهران حالا من الهيجان والغضب العصيب كلّما ذكر اسمه. ويخلصان إلى الاستنتاج أنه ليس مفكرا ولا حتى كاتبا، بل هو مصاب بمس جنوني يعيش حالا من التوتر الداخلي والتأزّم النفسي تستوجب خضوعه للعلاج!

قديس وربما مجنون
من هو إذًا هذا الكاتب الذي اتفق سارتر وبروتون على جنونه وهشاشة مؤلفاته فيما يؤكد فوكو في زمن لاحق أنه أهم مفكري هذا القرن؟
وما هو موضوع كتاباته أجمع وقد اختلطت مدلولاتها في عقول قارئيها في التباس ظاهر؟ وإلى أي مدى يمكن رد هذا الالتباس إلى باتاي نفسه حين كتب بعد خمس عشرة سنة "لست بفيلسوف، بل قديس، ولربما كنت مجنونًا؟" فأي لعب هو هذا الجنون المتنقل بين الفلسفة والقداسة؟
الحق أن من يقرأ باتاي عن كثب، لا يبقى عنده شكوك حول عمق فكره. ففي حوار أجرته معه مادلين شابسال، قبيل وفاته، أعطى هو نفسه أساس الإجابة وقد تسربت في قوله: "إن جلّ ما أفتخر به هو خلطي للأوراق، في معنى أني جمعت في كتاباتي كلها بن الضحك الأكثر عنفًا والروح الدينية الأشد عمقًا"(8). واليوم، وبعد مضي سنوات على وفاته، آن الأوان لإعادة ترتيب أوراقه وتحليلها عبر تأمل ذهني يأخذ في عين الاعتبار مساره في عصره من خلال مصادره المهمة والأحداث التاريخية التي أثرت في مجرى حياته، حتى ندخل إلى أحجيته وتكوين فكره فنفهم كيف أصبح من ولد مع بدايات هذا القرن أحد أهم مفكريه المجلّين.
في بدايات العشرينات، احتلت السوريالية في فرنسا منزلة خاصة في قلوب المثقفين. فأمام جاذبية أفكارها وسحر عوالمها، انضم العديد من الشباب تحت لوائها كانرديه ماسون، وميشال لييريس رفيق درب باتاي وصديقه الوفي. هذه الرؤية الكونية التجريدية التي أطلقها بروتون، لم تحمل بالنسبة إلى باتاي زخم بذور ثورية وتوثب فكري. ففي مقابل الإغراء الإيكاري للسوريالية، طرح باتاي مادية جذرية موجهة نحو العناصر الأكثر دونية وهامشية في الوجود. هذا التضاد هو في أساس النزاع الذي أثير حول فكر الماركيز دو ساد والذي يعتبره باتاي أحد أكثر الكتاب ثورية في تحديه –كما برومثيوس- للقيم السائدة. لذلك عندما أطلق باتاي مجلّته "وثائق" Documents (1929-1931) حولها وسيلة لسبر أغوار المادية في أدنى أسسها جاعلا منها منبرًا جريئًا ضد السوريالية. وقد بلغ جدله الكلامي مع السورياليين ذروة عنفه واستفزازه حين أصدر منشورًا جماعيا ضدّ بروتون "الجثّة" حمل تواقيع نخبة من الشعراء والمثقفين كجاك بريفير، وميشال لييريس، وريمون كونو... في كل هذا، نشر باتاي كذلك تحت اسم مستعار هو لورد أوش Lord Auch "قصة العين" وهو من هذا القبيل، أول سرد أيروسي يولد من دنيا النزوة ومن قراءة الماركيز دو ساد وبعض ذكريات الطفولة وإسبانيا وهاجس الأب الأعمى وفوضى الحياة الفاسقة.
في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات، عاش باتاي تجربة الالتزام السياسي إلى حد الانتظام. فمع صعود نجم الفاشية وظهور القوميات، ذهب إلى حد القول إن عصره، في تصديه لهذه الحركات المتطرفة، لم يتوسل في سلوكه سوى الاعتراض الكلامي. لذلك، عمل هو نفسه على التفكير العميق في الأشكال السياسية ومسالكها التي تخيف الديمقراطيات ناشرًا نصًا أساسيًّا في مجلة "النقد الاجتماعي"، الماركسية النزعة، مفسرًا من خلاله الظواهر التوتاليتارية. ففي مقالته "البنية السيكولوجية للفاشية"(9)، شرح باتاي كيف تعمل الفاشية على السيطرة على العناصر المختلفة والمتباينة حين تكون الديمقراطية مخدرة بأسطورة تطورها وقدسية منشئها فلا تعير هذه العناصر أي اهتمام، بل تنتقل إلى التلالؤ ببريق سطحي أخاذ بعيدًا عن الولوج في حقيقة الواقع. ولقد تعمق باتاي في تحليلاته للفكر السياسي داعيا مع عدد من المثقفين الماركسيين إلى تشكيل جمعية هجوم مضاد Contre-attaque، ذات النزعة الثورية ضد الفاشية والديمقراطية الفاشلة. والتي انضم إليها بروتون وإليوار وعدد من السورياليين. ولم تستمر هذه الجمعية طويلًا بعد ظهورها، فالنزاعات الداخلية بين أفرادها وتململ باتاي من الماركسية عجلا في تداعيها، إلا إنه في إطار اهتمامه وتفكيره في الفاشية، كتب باتاي في هذه الأثناء سردًا نصيًّا، "زرقة السماء"(10)، يعود إلى عام 1936 ونشره بعد عشرين سنة. يروي قصة رجل يعيش في أوروبا الثلاثينات فريسة اللامبالاة المرضية إلى حدّ التأزم، وهو يتنقل دومًا من حال السكر الشديد إلى حال الوعي ويراقب بدقة نذائر الشؤم الكثيرة التي أمست في تراكمها دليلًا على قرب الهاوية وجحيمها.
بعد حل جمعية "الهجوم المضاد"، تحول باتاي عن الوسائل والأشكال المتبعة في العمل السياسي. إلا أنه مع ذلك لم يتوقف عن التدخل في الحياة العامة مؤسسًا مجلة جديدة وجمعية سريّة تحت اسم Acéphale. هاتان الحركتان الجديدتان استلهمتا في تكوينهما الروح النيتشوية وجمعتا العديد من الأعضاء حول تجربة مشتركة أطلق عليها باتاي فيما بعد اسم "السيادة"، أي التحرر من كل عبودية، أكانت معنوية أم سياسية، بما فيها عبودية القوميات الاجتماعية. وفي السياق نفسه، ركزت المجلة على نقض تفسيرات المغرضة والمسيئة للنيتشوية، واعتبرت أن نيتشة هو سيد بكل معنى الكلمة وهو فيلسوف السيادة مطلقًا. بعد توقف مغامرة Acéphale عشية الحرب العالمية الثانية، تابع باتاي نشاطه الفكري فأسس بالتعاون مع روجيه كايوا، وميشال لييريس "مدرسة السوسيولوجيا" Collège de sociologie (1937-1939) التي عملت على دراسة الأشكال المختلفة للمقدس في المجتمعات كافة. تعتبر الثلاثينات كذلك محطة مهمة في مسار باتاي، فهي تؤرخ للقاء فلسفي مهم لعب دورًا بارزًا في صياغة فكره. إنه اكتشاف هيغل، الفيلسوف الألماني الأكمل من خلال منظار فيلسوف روسي آخر هاجر إلى فرنسا عقب الثورة البولشفية بعد إقامته ردهًا في ألمانيا. إنه ألكسندر كوجيف الذي أدار منذ 1933 إلى 1939 حلقة دراسية مهمة في قاعة صغيرة في حرم مدرسة الدراسات العليا في باريس، قرأ خلالها نصوصًا، للمرة الأولى في فرنسا، من "ظواهرية الروح" لهيغل، فعلق عليها وشرح مضمونها وفسر رؤيتها للوجود الإنساني عبر فكر صريح العبارة يحملك في شروحه على أجنحة النشوة.
سحر كوجيف وأهمية دروسه يعبر عنهما أيضا نوعية المشاركين في الحلقة. فإلى جانب جورج باتاي، نذكر اندريه بروتون، وجاك لاكان، وريمون آرون، وموريس ميرلو-بونتي، وريمون كونو، وقد ظهر أثر هذه الدروس واضحا على فكر باتاي حين اعترف: "إن شروح كوجيف العبقرية، أتت على مستوى الكتاب. كم مرة خرجنا كونو وأنا من القاعة الصغرى مخطوفي الأنفاس مسحوقين من الدهشة. إن شروح كوجيف تعملق هيغل، تبعثه حيًّا. قد شدّد كوجيف في دروسه على المراحل الأكثر تعبيرا عن فكر هيغل والأشدّ عنفا، سائرا بالفكر الفلسفي إلى حدود الجنون".

أنا الحرب

في حزيران 1939، وفي آخر عدد من مجلة Acéphale كتب باتاي: "أنا الحرب". ولعله في ذلك أراد الحديث عن صراعاته الداخلية في منعطفات العمر، ألا أنه عند اندلاع الحرب فعليًا، اتخذت هذه العبارة معنى جديدًا، أدرك معها أنه والعالم واحد، يعيش حال استثناء كارثي في أوان الجنون. ففي كل أيامها وعلى مدى خمس سنين اعتبر باتاي نفسه "مسّاح الكارثة". فهو على عكس آراغون الذي انضم إلى صفوف المقاومة، وبروتون الذي آثر الهجرة إلى أمريكا، قرّر البقاء في فرنسا لمشاهدة الحرب في جنونها الأثيم. تنقل كثيرا في أرجاء الوطن الفرنسي، كثيرًا ما كتب عن مشاهداته. فمن الشعر إلى الرواية فالسرد النصي والتحليل الفلسفي، احتلت الكتابة مركز الصدارة في حياته. ولعل ثلاثيته المسماة "الخلاصة-اللا-لاهوتية" والمؤلفة من "التجربة الداخلية" (1943)، "المذنب" (1944)، و"في فكر نيتشة" (1945) تشرح تجربته الفكرية في هذه المرحلة، في دفق صوفي نادر(11).
هذه الصوفية التي تنهل من الروحانية المسيحية، في اختلاف جوهري ظاهر، تتجانس أحداث الحرب التي طبعت أوروبا وفرنسا تحديدًا، ناشرة في أرجائها بيوتا مدمرة وعظاما مهشمة وأجسادًا انقض عليها الموت، متيحة لباتاي اختيار نكبة العالم. من هذا المنظار، يشكل كتاب "المذنب" دليلا واضحًا على هذا التوجه. فهو حوليات تؤرخ على مدى سنين لتحولات الروح ولجزء من أحداث العالم عبر المزج بين المشاهدة الوصفية والتأمل الفلسفي في رؤية يغلب عليها طابع الفكر. أما "التجربة الداخلية" فتوجهها ذاتي داخلي وهي تستلهم نيتشة وإينياس دو لويولا وتيريزا الأفيلية ويوحنا الصليب. إنها نوع من الاختبار الروحي، جهد للتواصل مع المطلق في تأهب الكيان الكلي والتنافس الإنساني والإلهي، لكن هذا الاختبار صعب التحقيق والوصف. فحاله كحال الفلسفة التي تحاول منذ عصر الأنوار أن تعقلن العالم وتجانسه لتجعله بكليته قابلا للإدراك. إلا أن المقارنة الباتييه تقف عند هذا الحد، فاختبار التجربة الداخلية، اختبار كارثي، يقطع الارتباط مع تسلسل الفكر واضعًا بذلك كل النظم الفلسفية خارج ذاتها في حال من التأزم رهيبة. فالتجربة الداخلية لا تقودنا إلى عالم ملكوتي حيث الإله يتربع على عرش جماله السموي في ظل معنى عميق للوجود، بل تصل بنا إلى متاهات الغربة والفراغ في صقيع الوحدة الصوفية التي لا يدنى منها. لكن هذه النتيجة لم تثن الفلاسفة والمؤمنين عن متابعة البحث وهم لا يقبلون بها كحقيقة للوجود الإنساني. فالإنسان بطبعه مشدود إلى المعنى.
من هذا القبيل، نفهم كيف اتفق جان-بول سارتر الفيلسوف الملحد وغابريال مارسيل المؤمن المسيحي في نقدهما للكاتب. إلى جانب هذه الخلاصة، كان باتاي نشر عام 1937 وباسم مستعار كتابًا صغيرًا بعنوان "السيدة إدواردا"(12) يحمل موضوع الألوهية والفلسفة والمجون في لغة ملتهبة خلطت في تعبيرها وعبر فصول الرواية الآراء الفلسفية والتجربة الصوفية بمشاهد الفسق والمجون.
حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها لم تعد حال باتاي مثلما كانت عليه سابقًا. فقط علق عمله كحافظ للمكتبة الوطنية في باريس التي تركها للإقامة في Vézelay، وتعرف في هذه الفترة على موريس بلانشو الذي يدين له ببعض أفكار "التجربة الداخلية" وقد استوقفه هذا الصديق الحميم بعمق فكره.
عام 1946، شهد ولادة مجلة علمية جديدة أطلقها باتاي تحت اسم Critique. وقد تميزت برصانتها العلمية وحيازتها عام 1947 جائزة أفضل مجلة للسنة المذكورة. هذا الطابع الجدّي والرزين لم يعن ترويض باتاي وتخليه عن مشروع نضاله الفكري. فالعديد من المقالات التي كتبها أظهرت حقائق لم يتعود الناس سماعها وقد سطعت قبلا في "التجربة الداخلية".
ليس لنا في كلّ هذا أن نعرض عن غرض الكتابة الباتيية وقد تأصل مع السنين من خلال التفكير السياسي الملتزم الذي يصرّ على وضع الإنسان كما هو في مقابلة مع ذاته صريحة. فكلما تقادم الزمن، ازداد باتاي يقينًا أن حقيقة الإنسان هو مواجهة واقعة من دون التهرب منه. على أن السنوات الأخيرة من حياته تؤكد هذا النهج. وقد تمرس باتاي بمعاشرة الألم بعدما تعمق بوحشة المرض الفتاك وتجربة الضيق المذهلة. فنفسه في صفائها تنتظر جلال الموت وهو حق في الحياة. ولعل فعل الكتابة عنده أصبح مرادفًا لتعلم السكينة وقد تاق إليها من كل قلبه ومن كلّ عقله.
في أورليان حيث عاد إلى مزاولة عمله كحافظ لمكتبتها، وجد باتاي متسعا من الوقت للتفرغ إلى اكتشاف حقيقته الداخلية في فعل القراءة والكتابة. إلا أن صفاء نفسه كان وهمًا مقنّعًا، قترقب الموت والتفكير فيه سيطرا على جموح معرفته. لذا وجب النظر إلى آخر مؤلفاته والتي تساهم اليوم بفرضه بقوة كفيلسوف مرموق على الساحة الفكرية، كفعل رجل نظر بالضيق والحبور إلى طقوس الموت وهو يبلغ خواتيمه المرجوة. هذه المؤلفات في سعيها إلى المعرفة شكلت في مجملها تاريخًا شموليًّا عمل باتاي طوال حياته على كتابته بمراس عقلي واضح. ففي عام 1933 وضع باتاي الخطوط العريضة لمقالته "مفهوم الإنفاق" La notion de dépense(13)، والتي انبثق عنها فيما بعد "الجزء الملعون"(14) (1949) أحد أهم مؤلفاته النظرية مع "نظرية الدين"(15) (1948). يضع باتاي هذا الكتاب في خانة دراسة الاقتصاد السياسي. لكننا نقرأ في تحليلاته مقاربة تاريخية وسوسيولوجية وأنثروبولجية. بصرف النظر عن كل هذه المقاربات، لا بد من الإقرار بأن مؤلفات باتاي لا تعرف حدا لها. فهي تنسجم في جملتها مع مفهوم الإفراط الذي يمنحها وحدة وتماسكا ظاهرين ومعنى فائضًا. فغرض باتاي الأول، هو التفكير فيما يتجاوز إمكانات الفكر. من هنا نفهم هذا النزوع المزدوج إلى التماسك والتبعثر في كتاباته. ومهما يكن من أمر هذه النهاجة، فهي تعود في الأساس إلى المهمة المفارقة التي يوليها باتاي للفكر. فليس من تناف أو تضاد بينها وقواعد المنطق إلا أنها تأخذ هذا الأخير إلى ذروته المستحيلة. الفكر لا معنى له إلا قدر ما يبلغ كمال ذاته في موضوعه. والفكر لا قيمة له إلا قدر ما يختبر ما هو فائض عن ذاته في تجربة الصمت والضحك والدموع.
إن الذات العاقلة تصبح هنا في وضعية فلسفية فريدة. فهي تمارس فكرها في لصوق حميم مع الجسد بعيدًا من روحانية ديكارت في استلهام نيتشوي واضح. من هذا المنظار، تصبح معرفة الكائن ممكنة عبر الإفراط وهو حجر الزاوية في فكر باتاي وأصل كل كينونة إنسانية. فالإفراط لا ماهية له. إنه تعبير عن حركة الوجود في فيضها وشطحها المنتشي. إنه أيضا محاولة التخطي. أن يعيش الإنسان الإفراط يعني أن يحاول في قاموس باتاي الإقامة على حدود ذاته في وجود أكثف وعميق الكيان. لذلك كان لا بد أن يكتب باتاي بأسلوب يتوافق مع هذه الرؤية الفلسفية. ففعل الكتابة وسيلة تحريض تحمل شحنات ثورية كالسوط. إنها تتجذر في الرغبة، في قول المستحيل المتمثل في تحميل اللغة ما لا طاقة لها به بغية اختيار حدودها حتى نقول في قرابة الموت التخطي والنشوة وكل ما هو ضياع. إن مؤلفات باتاي تقطع كلها الصلة بالأساليب التقليدية للتفكير والكتابة، المهم هو رفض الأنساق الجدلية والمنظمة المتماسكة حتى يشهد الأسلوب في دقائقه لمفهوم الإفراط. هذا الخيار يبدو واضحًا حين نعلم أن الموت والإيروسية مع ما يرافقهما من حالات ضيق ونشوة يشكلان الموضوعين الرئيسين في كتابات باتاي. ولئن كان هذان المفهومان ينضويان تحت لواء ما يجب عدم الحديث عنه، فلأنهما ينحرفان في حركتهما الوجودية عن مقولات الفكر. في هذا الإطار، يتحدث باتاي عن دراماتيكية الحياة التي تضع الفكر في صراع مع نزوات وانفعالات لا تتوافق مع جوهره. وحتى نعيش ما يجاوز الفكر في تخط وجودي ظاهر، يعمد باتاي إلى خلق مجموعة من المفاهيم والتصورات تمكننا من ملامسة هذا التخطي واختباره دون التوغل في اعماقه واستيعابه. يبقى أن الإفراط يتخذ من خلال التجارب الحياتية المتعدّدة منحى مختلفًا يتغير وفقه التعبير عنه. فهو طورًا المستحيل أو الحظ أو التواصل أو السيادة، وهي كلّها مفاهيم تشير إلى ما بعد الفكر واللغة حيث الصمت أو الضحك أو النشوة. في هذا الإطار، يستفيض باتاي في الحديث عن العين الثالثة L’œil pinéal وعلم التباين L’hétérologie والتجربة الصوفية، وكلها محاولات لبلوغ هذا المفهوم النوراني للوجود.
في النهاية، نشير إلى أن الفكر الذي وقع ضحية سوء الفهم ورفض زورًا في بدايات القرن العشرين، كان لا بدّ له أن يقوم على أسس جديدة اعترفت بعمق الرجل وحق كلماته مما وضعه في مصاف الكبار العظام. فبعد رحيل جورج باتاي عام 1962 توالت الدراسات التي استلهمت فكره. فمع جاك دريدا، ورولان بارت، وميشال فوكو، وجيل دو لوز، وجوليا كريستيفا، وجان-لوك نانسي، وجان بودريار تكونت رؤية فلسفية فكرية جديدة أخذت بنفحة باتاي وموضوعاته الحميمية، حائكة منها قوام تفكير حديث يعلن لبدايات فجر الفلسفة الباتايية.

الهوامش
(1) Marguerite Duras, « Bataille, Feydeau et Dieu », France- observateur N. 396, 12 déc. 1957, P.20-21 (interview).
(2) Georges Bataille, Œuvres complètes, 13, volumes, éd. Gallimard, dernier tome paru en 1997.
(3) Michel leiris, « Hommage à Georges bataille », Critique 195-196, août- sept. 1963, p.693.
(4) Le coupable, Gallimard, 1994, œuvres complètes, Tome 5, Gallimard.
(5) Histoire de l’œil, sous le pseudonyme de Lord Auch, 1928, repris chez J.J Pauvret en 1967 (rééd. « 10/18 » œuvres complètes, Tome 1, Gallimard.
(6) راجع مجلة Critique.
(7) Jean-Paul Sartre, « Un nouveau mystique », Cahiers du sud, nov., déc. 1943, repris in situations I, Gallimard, 1947, p.143.188.
(8) André Breton, Deuxième manifeste du surréalisme.
راجع مقابلة مادلين شابسال مع المفكر سنة 1961 في أورليان.
(9) كتبها في مجلة « La critique sociale » سنة 1933. 
 œuvres complètes, Tome I, p.339.
(10)  Le bleu du ciel, 1963, repris chez J.J Pauvret en 1957 (réed. « 10/18 »), œuvres complètes, Tome 1, Gallimard.
(11) œuvres complètes, Tome 5 & 6, Gallimard.
(12) Madame Edwarda, sous le pseudonyme de Pierre Angélique, 1937, repris chez J.J pauvret en 1966 (rééd. « 10/18 »), œuvres complètes, Tome 3, Gallimard.
(13) œuvres complètes, Tome 7, Gallimard.
(14) المرجع نفسه.
(15) المرجع نفسه.

تعريف الكاتبة:
الدكتورة مارلين كنعان: أستاذة الفلسفة والحضارة بكلية البلمند للآداب والعلوم الإنسانية، المعهد اللاهوتي للقديس يوحنا الدمشقي. وهي الباحثة العربية الوحيدة التي قدمت أطروحة دكتوراه حول جورج باتاي، تحت إشراف الأستاذ جاد حاتم، وبعنوان: "جورج باتاي واللا-لاهوت الصوفي"، والتي تحصلت عليها بملاحظة "مشرف جدّا".
المصدر:

د. مارلين كنعان، جورج باتاي (1897-1962): الجنون المتنقّل بين الفلسفة والقداسة، بروفيل فلسفي، مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت، العدد 120، 2002. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق