السبت، 26 أكتوبر، 2013

جدلية الموت والحياة عند جورج بطاي: محمد علي الكردي


ليس من شك في أن الإشكالية الفكرية التي يدعو إليها مفكر كبير في حجم "جورج بطاي"(1)، وإن كان لم يحظ حتى الآن باهتمام يذكر من قبل الباحثين أو المفكرين العرب، إشكالية محيرة ومقلقة على حد سواء. ولعل هذه الحيرة التي يثيرها مثل هذا المفكر هي، في حد ذاتها، عامل هام من عوامل شحذ الذهن ودفعه إلى طرح التساؤلات من منظور المغايرة والاختلاف، وهو المنظور الجدير حقًّا كما علمنا "فوكو"، بإثراء رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين.
إن "بطاي" يعد بحق فيلسوف المفارقات، المفارقات العويصة التي تضع أدبه وفكره على تخوم المحذور، أي في هذه المنطقة الغائمة الشائكة التي تتأرجح بين الشعور واللاشعور أو بين الوعي واللاوعي. لا غرو، من ثم، أن يكون لنهجه الفكري هذه الخصوصية الفريدة التي تجعل من عالمه الأدبي والنظري عالما بالغ التميز، وربما الغربة. ذلك أن هذا النهج، على خلاف ما نعرفه ونألفه من الطرائق العقلانية التي يبني بها العلم موضوعاته على الدقة والاتساق، يقوم بطريقة جد مؤثرة على إدراك المغاير، أو بعبارة أخرى، هو محاولة تكاد تكون مستميتة للإمساك بما يفلت من قبضة المعرفة الموضوعية أو الظاهرية البحت(2).
على هذا النحو، سوف نرى "بطاي" يميل، في مجال التنظير الاقتصادي، بدلا من التركيز على مفاهيم المنفعة وآليات الإنتاج، إلى صياغة ضروب من الإنفاق المظهري أو المبدد للطاقة البشرية؛ وفي مجال علم الاجتماع، إلى دراسة عوامل التفكك والاختلاف بدلا من تسليط الضوء على عناصر التكاتف والائتلاف؛ كما سيُعنى، في مجال سيكون شاغله الأكبر ومحور تأملاته العميقة، وهو مجال الدراسات الدينية وظاهرة "القداسة" (Le Sacré) بما يسميه "أقطاب التنافر"(3).
ولتفصيل بعض ما أجملنا نقول: إنه إذا كانت فكرة المنفعة تشكل القاعدة الأولية لاقتصاديات السوق، فإنها تفترض –لاشك- ألوانا من التوازن بين الإنتاج والاستهلاك؛ كما أنها إذا كانت تهدف إلى الحفاظ على بقاء المجتمع واستمراريته، فإنها سرعان ما سوف تتطلب إقصاء مبدأ "اللذة العنيفة" لما توسم به هذه الأخيرة من جنوح مسترذل وانحراف مشين، وذلك تذرعا بالدعوة إلى الاعتدال وإرجاء متعة إلى حين يمكن توفيرها للجميع. ولما كانت هذه التصورات النفعية البحت تخدم، في المقام الأول وفي إطار "مبدأ الواقع"، مصالح الطبقات السائدة، فإن الكاتب يكشف لنا الغطاء عن وجود نوع من الرغبة اللاواعية والمكبوتة لدى الأفراد والجماعات البشرية على السواء، وهي ما يطلق عليها اسم "نزعة الإنفاق' أو التبديد، وهي نزعة تتطابق، في نظره، مع عدد من الدفعات العارمة التي تشبه إلى حدّ ما حالة "الشبق". وغالبًا ما تبرز هذه الدفعات اللاإرادية نحو الضياع والتبديد أو "الإنفاق من أجل الإنفاق" –كما يقول- عبر بعض الظواهر المألوفة مثل حب الظهور والإنفاق والبذخ والشهوة إلى الاقتتال والهوس الديني وكلّ صنوف النشوة الحسية والوجدانية(4).
ولعلنا نلاحظ، في مجال الاقتصاد، أن النظام الرأسمالي قد جعل، منذ ظهور الطبقة البرجوازية إلى حيز الوجود على أقل تقدير، من المنفعة أو الفائدة الغاية الاجتماعية العليا للإنتاج، إلا أن هذه الظاهرة لا تشكل، كما يبدو، القاعدة العامة؛ إذ أن عملية الإنتاج كانت تخضع في كثير من المجتمعات السابقة على اقتصاديات السوق لمبدأ "الانفاق غير المنتج" أو الإنفاق الترفي، وهو ما كان يشكل سمة مميزة للطبقات العليا أو السائدة. ومن هنا، نفهم الارتباط التقليدي بين الثروة والسلطة والجاه. بل ويذهب الكاتب أبعد من ذلك حينما يؤكد، استنادا إلى دراسات عالم الاجتماع والانتروبولوجيا الشهير "مارسيل موس" عن الهبة(5)، أن الاقتصاد البدائي لم يعرف نظام المقايضة بالمعنى الذي نألفه، إذ أن هذا المفهوم لم يكن يدل بأية حال من الأحوال على التبادل، ولم يكن يهدف قط إلى الاقتناء؛ فالمقايضة كانت تتطابق، في الأغلب، مع ظاهرة العطاء أو الهبة، أو ما أسماه "موس" "البوتلاتش" (Potlatch)(6)، وهي عبارة عن رغبة قوية في الانفاق التنافسي. وهذا ما يفسر لنا، في نظر "بطاي"، كيف استطاعت ظاهرة مثل الإنفاق الترفي أن ترقى –على الأقل إلى حين ظهور الطبقة البرجوازية بمعاييرها النفعية- إلى مرتبة القيم الإيجابية، وكيف ارتبطت لدى طبقة النبلاء والسادة بمبادئ الشرف والمجد وعراقة المحتد(7).
أمّا في مجال "المقدسات" البدائية، التي تقوم في أغلبها على مفاهيم المحايثة (Immanence) والحلولية (Panthéisme)، فإن الكاتب يربط بين مبدأ "الإنفاق الترفي" وبين ما يسميه "القداسة السوداء" وهي التي تتطابق –في نظره- مع منطقة "الرجس" أو "الدنس" في الديانات الوثنية القديمة(8). ويبدو أن هذا الضرب من القداسة، الذي يختلف كلّ الاختلاف عن مفهوم الألوهية القائم على مبدأ العلو (Transcendance)، هو ما سوف ينتهي بالاختلاط مع ظاهرة السحر، وبوجه خاص، مع ظاهرة السحر "الأسود" تمييزا له عن السحر "الأبيض" الذي كان يرتبط بالجانب الخيِّر في العبادات القديمة. مهما يكن من أمر، فإن إنتاج هذا النوع من القداسة المشوب بالقلق والتوتر كان ينصب على نفايات الجسم وبعض إفرازاته مثل دم الحيض، أي على كل ما يشكل في الواقع موضوعات التحريم أو "التابو". ومن الواضح أن الغاية من هذا التحريم كانت حماية الجماعة من "تجاوز الحد في الإنفاق" وفقا لتعبير الكاتب، أي من التردي في حبائل الشر والجريمة؛ وذلك بقدر ما تمثل الجريمة خرقا لحدود "الإنفاق" المسموح به للحفاظ على توازن المجتمع وتوافقه مع القوانين الكونية.
ومع ذلك، يزعم الكاتب أن فكرة الحد أو الحدود، التي تشكل موضوع التحريم، لا فعالية لها على المستوى الانفعالي الذي يمثل لبّ ظاهرة القداسة بما تثيره من توجس ومخاوف وهلع وقلق، إلا ملازمةً لنقيضها، أي لمبدأ "الانتهاك" (Transgression) أو نقض التحريم، الذي يُعرفه "بطاي" بقوله:
"إن الإنسان لا يستطيع، من جراء ذلك، أن يحيا من غير أن يحطم الحواجز التي يقيمها على طريق حاجته إلى الانفاق، وهي حواجز لا تقلّ في أي من جوانبها رهبة عن المنية. ذلك أن وجود الإنسان كلّه، أي ما يعادل مجمل إنفاقه لطاقته، يتحقق ها هنا فيما يشبه الاضطرابات المصطخبة التي يتراوح فيها مصيره بين الموت وبين أكثر دفعات الحياة توترًا"(9).
على هذا النحو، تبرز لنا ظاهرة الحياة عند "جورج بطاي" في صورة جدلية ناقصة أو ثنائية بالغة التوتر بين طرفين متصارعين: مبدأ الجد والمنع والحظر من جهة، وانتهاك هذا المبدأ من جهة أخرى. وليس من شك في أننا هنا بصدد ثنائية تشكل لُحمة الحياة وسداها، بل بصدد جدلية لحياة تؤكد ذاتها ووجودها في قلب الموت نفسه(10). ويبدو لنا أن هذه الفكرة الأخيرة، فكرة ارتباط الحياة بالموت، كما يتصورها "بطاي" في هذا السياق، تتطلب منا بعض الحيطة والحذر. ذلك أنه يقيم، في الواقع، تصوره لظاهرتي الموت والحياة على مستويين جد مختلفين: مستوى الوجود الكلي المتصل تارة، ومستوى الوجود الفردي المنقطع الزائل تارة أخرى. ولا مراء في أن ظاهرتي الموت والحياة يصعب انتماؤهما، في كل من الحالتين أي الجزئية والكلية، إلى الإطار المرجعي نفسه، كما يتعذر التقاؤهما بطريقة خطية مستقيمة. ومن ثم فإن كلّ تحول أو انتقال من المنقطع إلى المتصل، أو من الفردي إلى العام أو الكلي لا يمكن تصوره إلّا حذرا وتخمينًا. أضف إلى ذلك، أن قبول هذا التحول، وإن كان يبدو متفقا مع "دفعة الموت" عند "فرويد" كواقع أو كصفة ملازمة للحياة البشرية –كما هو الحال عليه عند "بطاي"- معناه قبول التناقض الجذري الذي يفصل الموت عن الحياة. لذلك لا نعتقد أن مبدأ انتهاك الحدود والمحرمات، الذي قد يدل فعلا على فيض الحياة وتأكيد دفعتها في فعل التجاوز نفسه، يمكن أن يشكل رغبة في الموت أو الفناء على مستوى الفرد وتأكيدا، في الوقت نفسه، للحياة على مستوى الوجود الكلي. إن هذا التناقض لا يمكن تجاوزه أو قبوله فعلا، إلا إذا قبلنا بأن رغبة الموت لا تعني، في نهاية الأمر عند "بطاي" إلا رغبة الحياة نفسها في دفعتها التي لا تكاد تخبو وتستقر حتى تتحفز وتهدر من جديد.
مهما يكن فهم "بطاي" إذن لظاهرة الموت على مستوى الواقع أو المجاز، يمكن القول بأن هذه الظاهرة تحتل –من غير شك- مكان الصدارة في أدبه وفكره. بل نكاد نقول بأن صورة الموت هي الهاجس الأول للكاتب المعنِي باختبار أغوار النفس البشرية وسبر ظلمات "التجربة الداخلية"، وهي تجربة "صوفية" من نوع فريد لا يتوخى فيها صاحبها الفناء في الذات الإلهية أو في الفيض النوراني للملكوت الأعلى، وإنما يسعى فيها، وسط أحاسيس الفوضى والتخبط والجيشان، إلى الهلكة والضياع وتبديد الذات عبر نوعين من الفقد: فقد "الزمان" وفقد "الشعور"(11).
وليس من شك في أن هذه التجربة، التي تذكرنا بما يسمى في التراث المسيحي باللاهوت "السلبي" ليست منبته الصلة بالتجربة الروحانية الإيجابية أو "المتعالية" لأنها تصطدم –مثلها تمامًا- بتجربة الجسم أو الجسد بما يتطلبه من ممارسات واجتهادات يُقصد بها إلى قمع الشهوات وكبت الغرائز؛ إلّا أن الفرق هنا –وهو جوهري- يخص طبيعة العلاقة بين الجسد والروح؛ إذ أن الغاية، التي يرمي إليها "بطاي" في تجربته الصوفية الفريدة، ليست تحقيق خلاص الروح وصفائها وارتقائها، وإنما الموت والفناء عن طريق العنف وتبديد الطاقة، أو بعبارة أخرى عن طريق العطاء اللامتناهي للذات. ذلك أن التجربة الداخلية، كما يريد لها "بطاي"، تقوم على بثّ أحاسيس القلق والهلع والفزع في النفس، وعلى العنف المبدد للرتابة والجمود اللذين يألفهما الإنسان في حياته اليومية، أو قل على العنف القريب من فعل الموت الذي ينتزع الفرد من حالته المحدودة ليلقي به –في لحظة من لحظات التأجج والفوران- إلى خضم الشمولية الكونية. إلا أن العنف، كما يعود كاتبنا إلى القول، اغتصاب للذات واعتداء على خصوصيتها الحميمية، بل ألم وعذاب ومشقة. من ثم، فهو لا يُراد أبدًا لذاته، ولا يشكل هدفا أو غاية في نفسه. إن العنف في نظر "بطاي" أقرب ما يكون –على شاكلة القربان البشري في الديانات القديمة- إلى الإعداد الدموي للموت والهجر المؤلم للذات من أجل حميمية أكثر غورا واتساعا، من أجل حميمية تكاد تشمل الكون بأسره. من ثم، يُقيّم "بطاي" تجربة العشق في عنفوانها على أنها "انفتاح على الموت" كما يُقيِّم الموت بأنه "انفتاح على عدمية الديمومة الفردية"(12).
ومع ذلك، ألا يحدث أحيانا أن تكون حالة الألم والعذاب مصدر لذّة في حدّ ذاتها، وأن تشكل المكونة المازوكية السمة الغالبة لتجربة العشق سواء في ذاتها أو معكوسة في الفعل السادي؟ ومع نفورنا من الموت واستنكارنا لتعاضده مع قوى الحياة في تدفقها الهادر ألا يحدث أحيانا أن يتجاوب الحِمام مع أعمق مطامحنا الحميمية في الراحة والسكينة، أو فيما يُسمّى بنزعة "النرفانا" التي قد تشكل صورة لاواعية من رغبة العودة إلى الأم، رحم وأساس كل رغبة؟ إننا هنا، من غير شك، أمام حركة تتراوح بين دفعة الحياة ("إيروس") ودفعة الموت ("ثناتوس") وحركة تتأرجح بين النزعة السادية والنزعة المازوكية؛ ولا شكّ أن تضافر كل الثنائيتين ضرورة حيوية –بالرغم من اختلاف غايتهما في زعم "ديلوز"(13)- لفهم أعمق مكنونات سريرتنا.
يا ترى كيف يربط "بطاي" بين مفهومي العنف والموت، وبين مفهومي التحريم ونقض التحريم؟
إن العلاقة بين التحريم وانتهاكه وبين الحياة المنظمة والمنضبطة بواسطة القواعد والحدود من جهة، وبين العنف أو الموت المؤقت الذي يحدثه هذا العنف من جهة أخرى، ذات طابع جدلي بالغ التوتر. ذلك أن التحريم يحول دون العودة إلى الطبيعة أو دون الأوبة إلى الحياة الرغبة المكبوتة واللذة المؤجلة تحت ضغط الضرورات الموضوعية التي يفرضها التنظيم الاجتماعي للعمل(14). أما عملية نقض التحريم، التي تشكل الجانب السلبي من الرغبة، وذلك بقدر ما تعمل على تجديد حالة الخوف والقلق الملازمة لانطلاقتها، فتعمل على كسر الحدود وخرق المحرمات، لا لمجرد هتك هذه الحواجز والعقبات ولكن لكي تضفي عليها –بفعل التجاوز نفسه- ضرورة الوجود مرة أخرى. ومن ثم، تكتسب هذه العملية، بما تطلقه وتفجره من طاقات وشحنات نفسية مكبوتة، قدرة هائلة على كشف آليات "الفقد" و"التبديد" أو "العطاء" التي تقوم عليها بعض الظواهر المتراوحة بين الطبيعة والثقافة، وعلى رأسها في اهتمامات الكاتب، ظواهر العشق والجنس والقداسة(15).
ويبدو أن وظيفة التحريم، على مستوى المعرفة الداخلية، أي مرتبطة بالحياة الوجدانية وخلجاتها المتدافعة، هي إقصاء موضوع القلق وما يصحبه من حالات التوتر والرهبة، إذ أن هذا الإقصاء جد ضروري لتحقيق الوعي بالذات ونقل هذه الذات من مستوى الدفعات المتخبطة والمتلاطمة إلى مستوى الإدراك والتنظيم والوضوح الذي يسمح للإنسان بتأسيس العلم والمعرفة وبناء الحقائق الموضوعية لهذا العالم. إلّا أن انبثاق مبدأ التحريم في قلب عملية الانتهاك غالبا ما يتخذ صورة العقبة الخارجية أو الحاجز المثير للقلق والتوجس، أي لتلك الأحاسيس الملازمة بالضرورة لكل ممارسة للإثم واقتراف للخطيئة. أي أنه بعد نجاح عملية الانتهاك في خرقها للحدود، سرعان ما تقوم سلبية التحريم، بما تتخذه من مظاهر النهي والقمع، بإحداث آثارها المزدوجة التي تتراوح بين تفجير أحاسيس القلق والرهبة الدافعة إلى إقامة الحدود، وبين إحياء دوافع الرغبة في خرق هذه الحدود نفسها وتجاوزها، الأمر الذي يجمع، في نظر الكاتب بين اللذة والقلق ويمزج بين الرغبة والخوف في وفاق بالغ الإثارة والالتباس(16).
أضف إلى ذلك أن معارضة التحريم للعنف ولكل تجاوز يتهدد مبدأ الحدود، إنما هو، في الواقع، معارضة للموت نفسه ولحركته التقويضية التي لا تكل، إلا أن ذاك لا يحول بين الموت وشغل الذات الراغبة ودفعها إلى حافة الهاوية، إلى حيث تتنازعها دفعتان لا يمكن ردهما: دفعة الفناء في الوجود الكلي المتصل من جهة، ودفعة إحياء التحريم بما يتلبس به من عوامل إخماد الرغبة وإثارتها، من جهة أخرى.
من ثم تبرز للعيان العلاقة الوثيقة التي تربط بين التحريم كحاجز أمام العنف وبين عملية انتهاكه التي يناط بها تفجير هذا العنف نفسه، كما تتضح العلاقة الجدلية التي تنشأ بين القانون وبين عملية خرقه، أي هذه الثنائية التي تعد بمثابة حجر الأساس الذي قامت عليه الإنسانية الحديثة بقاعدتيها العمل والتحريم. ومرد ذلك، عند "بطاي"، أن النشاط الجنسي لم يكف، منذ ظهور "الإنسان العاقل"(17) (Homo Sapiens) على وجه هذه البسيطة عن البروز في أغنى وأعنف مظاهره وهو الأمر الذي شكل –عبر تاريخ البشرية العاملة- خطرا جسيما على القوى الإنتاجية وعلى الدوافع الأساسية الملائمة لبناء الحضارة، ولعل من أهمها، من منظور الكاتب، عملية إرجاء المتعة. ومن ثم تولدت الحاجة إلى قيام مبادئ التحريم لكي تنشأ الانسانية على أساس من احترام الحدود سواء أمام الموت أو تجاه النشاط الجنسي، وهي الحدود التي يعد تحريم الزنا بالمحارم وطقوس الموت من أهم مظاهرها الحية والمتبقية.
لا جرم إذن أن يشكل الموت، في انفتاحه على استمرارية الوجود الكلي، الجانب الآخر من الحياة؛ فهو، وإن كان نفيا وإلغاء لها على مستوى الوجود الآني المباشر، يُعد بمثابة تأكيد لها ودعم لقواها على المدى البعيد. ذلك أن الموت هو الذي ينظم الحياة، وهو الذي يضع لتجاوزاتها وزخم فيضها الضوابط والحدود. ولعل أبلغ دليل، يسوقه لنا الكاتب على ذلك، هو حاجة النشاط الجنسي المتجاوز للحد إلى تسخير وتبديد طاقة هائلة تحمل بين جنباتها بذور الهلكة والفناء كقوة كامنة في دفعة الحياة نفسها. ومن هنا كان على مبدأ التحريم أن يشيد حواجزه في قلب الرغبة نفسها، وذلك حماية للحياة من التبديد والضياع؛ إلا أن كلّ إلزام بالحدود يحمل في داخله إغراءٌ كامنا بتجاوزها ودعوة غير صريحة بانتهاكها، مثلما يقال في المثل الشائع "كلّ ممنوع مرغوب".
وهكذا يمكن القول بأن غواية التجاوز لا تتعارض مع مبدأ التحريم، بل هي "تتخطاه" و"تتمه"، وفقا لعبارات الكاتب. أضف إلى ذلك أن هذه الغواية تسمح بعودة الذات الراغبة وتأكيدها بقوة بعد مرحلة من الكبت الطويل؛ وهي ذات غير بناءة، على عكس "الكوجيتو" الديكارتي أو الذات المبدعة والخلاقة عند "سارتر". ذلك أنها لا تقيم معرفة موضوعية أو واعية بالوجود ولا تؤسس العلم، ولا تؤكد النظام. بل على العكس من ذلك له، إنها ليست بؤرة أو نقطة ارتكاز لحالات من اللامعرفة، ولكنْ لحالاتٍ في تجاوز مستمر وفي حركة دائبة لا تعرف الثبات أو الاستقرار. ومن ثم، لا يضفي "بطاي" على أية تجربة وجدانية أو داخلية، سواء أكانت من نمط صوفي أو جنسي –إذ أن كلّ واحدة منهما تجربة تقوم على ضرب من العشق والفناء في الآخر أو في الوجود الكلي- صفات الصدق والأصالة والجدية إلا إذا كانت انغماسا أو فناء في تجربة شمولية، وذلك بقدر ما يمثل الكائن الفردي المتناهي فَتْقًا في نسيج الوجود الكلي، وبقدر ما يتوق هذا الفتق إلى الرتق والتلاشي في الوحدة الأولية والأبدية لهذا الوجود. وإذا كانت عملية نقض المحرمات تعد من الحالات الوجدانية أو الانفعالية الصرف، فإن التحريم لا يشكل، مع ذلك، نوعًا من العقلانية الخالصة أو الكاملة. فهو، بالرغم من انتمائه لمعايير تقوم على الموضوعية والاتساق والنظام، لا يستطيع أن يفلت تمامًا من مجال الحس والانفعالات، وذلك بقدر ما يعتمد، في فرض وجوده –السابق بالضرورة على عقلنته- على أحاسيس الرهبة والفزع والقلق، أي الأحاسيس التي تشكل، في قلب التجربة المعيشة، المضمون الفعلي أو العملي لظاهرة القداسة(18).
بيد أن انتهاك المحرمات أو التعدي على الحدود ليس، بالرغم من ذلك، مجرد تفريغ لشحنة زائدة من الانفعالات العنيفة، ولا مجرد تخلّص من توتر الدفعات الغريزية بطريقة عفوية أو تلقائية؛ إذ أنه، على النقيض من ذلك، يتطلب بعضا من الثقافة والتنظيم، ويفترض ضروبا من القواعد والمعقولية(19). ذلك أن عملية التكرار التي يمر بها هذا الانتهاك تفرض عليه نوعا من تنظيم الممكن أو الفائض الذي يحرّره العنف الملازم له. من ثم، نرى ونفهم كيف تنظم وتبارك شرعة الزواج رغبة النكاح، وكيف تفضي الحرب والمبارزة وقضايا الثأر أشكالا مقننة وتبريرات معقلنة على شهوة القتل والتنكيل. كما نرى كيف أصبح انتهاك تحريم قتل النفس في مجال المقدسات "الطقس الديني الأمثل"، كما يقول الكاتب، من خلال طقس الأضحية وتقديم القرابين في الديانات القديمة. ذلك أن الطقوس القرابين المروعة تستطيع بما تمثله من عنف دموي، أن تضع حدّا للطابع الآني والمنقطع لوعي الكائن الفردي، وأن تغمره، عبر أجواء من الصمت الرهيب، في محيط من الشمولية الكونية. ويعتقد "بطاي" أن الصدع أو الشرخ الذي يحدثه انتهاك المحرمات في حياة الكائن الفردي ليذيبه في الآخر ويفنيه في حميمية الوجود الكلي يُعد الجسر المشترك الذي يربط بين فعل العشق وفعل التضحية والفداء؛ ذلك أنه، كما يقول: "إذا كانت التضحية تستبدل الحياة المنظمة للحيوان بالتقلصات العمياء لأعضائه"، فإن نشوة العشق "تحرر الأعضاء" وتجعل من "حركة الجسد" فعلا يتجاوز الإرادة ويخدش الحياء(20).
وتبرز عملية الانتهاك في تلازمها مع مبدأ التحريم بصورة واضحة من خلال ظاهرة الزواج الذي ينبئ –كما يقول الكاتب- "بالانتهاك ويضفي عليه الشرعية". ذلك أن الزواج يبدأ عادة بما يشبه "الاغتصاب المشروع"، ويتم، في الأغلب، تحت سمات "الخجل والحياء". إلا أن انتظام العادة وغلبة الألفة سرعان ما ينتهيان بتنظيم الانتهاك نفسه، وتخليصه من كلّ شحناته الانفعالية. غير أن أكثر أنواع الانتهاك عنفا، في نظر "بطاي" كانت تتمثل –بلا جدال- في احتفالات وشعائر المجون (Orgie) التي كانت تمارسها بعض الطوائف الدينية القديمة، والتي كانت تصل فيها "الهستيريا" الجماعية إلى الحد الذي تتهدد فيه حياة الممارسين لها. ويرى "بطاي" في هذه الطقوس، التي كان يلجأ إليها أتباع الغنوصية في بدايات العهد المسيحي حالة من حالات غياب الوعي الجمعي الذي يشبه وضع "القداسة" في الديانات البدائية التي تقوم على مبدأ المحايثة، والتي يتم فيها الالتحام بين الجماعة والطبيعة بطريقة تكاد تبلغ حدّ الانصهار التام. أي أن ما كان يتم هنا ليس، بأية حال من الأحوال، ضربا من التهالك على المتع واللذات، وإنما كان نوعا من الوجد أو الانسحاق "الهستيري" إن صح هذا التعبير، الذي قد يشبه الزار في الممارسات الشعبية؛ وذلك بغية تجاوز العالم المضني للعمل والنواهي والمحرمات، والرجوع لا إلى نوع من الطبيعة البهيمية العمياء، كما يظن بعض الباحثين، وإنما إلى نوع من الوحدة الأولية والسكينة الشاملة(21).
مهما يكن من أمر، إن المسيحية، خاصة بعد انتصار حركة الإصلاح والتصويب التي قادها القديس "أغسطين" (354-430م)، وبعد تطهيرها من بقايا المانوية والغنوصية، لم تقبل بمبدأ الانتهاك كحقيقة مسلم بها، واستعاضت بمفهوم "الألوهية" (Le Divin) عن مفهوم "القداسة" (Le Sacré) مفرغةً بذلك مفهوم "الاتصال" أو "الاستمرارية" (Continuité) من مضامينه الانفعالية العنيفة ودلالته الحلولية البحت، لتضمنه معان متسامية كالمحبة والسماحة، وهو الأمر الذي أدى، في نظر الكاتب، إلى تجاوز مرحلة "الانتهاك" ومكانتها القديمة نحو رؤية أكثر دعة ومسالمة. ومعنى ذلك، أن المسيحية لم تلغ تماما مفهوم "الاستمرارية"، وإنما نقلته من مستوى الاتحاد الانفعالي بالطبيعة عن طريق الهتك والعنف والموت في صوره المختلفة (تقديم القرابين البشرية أو الحيوانية، الشعائر والطقوس المغيبة للوعي...) إلى مستوى الإيمان المتسامي بالخالق وبعث الأفراد. ولقد ترتب على هذا التحول فقدان مبدأ الانتهاك لقدرته على تحقيق الاتحاد بفكرة الألوهية، وترديه إلى مستوى الرجس وتدنيس المقدسات، كما تمخض عنه ارتباط العشق والجسد ارتباطا يرمز، في الأغلب، إلى الشرور والآثام وعالم المعصية والخطيئة(22).
بيد أن طرد مبدأ الانتهاك من مجال الطبيعة والدفعات الحيوية للإنسان لا يلغي دوره تماما، ولا يضع حدا حاسما لقوته التدميرية، وإنما يربطه بصورة أكثر وضوحا وبريقا بعالم اللغة والخيال، وذلك بقدر ما تضفي عليه روعة التصورات الأدبية والفنية جاذبة تتجاوز، إلى حد كبير، مكانته الفعلية في عالم الواقع. ولعل مؤلفات "ساد" تمثل في هذا الصدد –كما يذهب "سوللرز"(23)- ردة أو صدعا بالغ العنف في قلب المثالية الديكارتية والعقلانية المادية التي قامت على أسسها فلسفة التنوير. وليس هذا الصدع، في أغلب الظن، إلا نوعا من الارتداد المأساوي المروع لسلبية أو عدمية الرغبة التي عملت على طمسها العقلانية الغربية، مثالية كانت أم مادية، إبّان عملية تأسيسها المواكب لقيام المجتمع الليبرالي الحديث(24). وليس من شك في أن المطموس أو المكبوت هاهنا ليس إلا الذات الراغبة نفسها في دفعاتها العمياء، وفي تعرفها على طبيعتها أو ماهيتها كذات سلبية وهدامة. بيد أن بروز هذه الذات عند "ساد" في صورة فيض من الطاقة المبددة أو المهدرة لا يحجب كون ثورتها العارمة نوعا من الصحوة أو اليقظة التي تكشف عن مدى انغلاق نظم القمع والاستبداد على نفسها. ومن هنا يكتسب الشرّ، في صورته العامة كخرق وانتهاك للأعراف وعلاقات القوى المهيمنة، قيمته الإيجابية الهائلة، ألا وهي قدرته اللامتناهية على التحول من قوّة انتهاك ودمار إلى قوّة ثورية تفتق الوعي وتلهب الخيال وتحرّر المستقبل.
من ثم، نفهم كيف تبلغ الرغبة السادية في حدتها وعنفها إلى الدرجة التي تكتسح فيها كل مفهوم للحواجز والحدود، وكيف تجعل من الشخصية، التي تتجسد فيها، مثال التجاوز وانتهاك المحرمات؛ وذلك إلى الحد الذي لا يقبل فيه "البطل السادي" بأي لون من الألوان المساواة مع ضحيته، طالما أن ما يكيله لها من صنوف الويل والعذاب والهوان يحقق له كل ما يطمح إليه من تمجيد ذاته وتأكيد وحدته واستعلائه على كل عرف وقانون. وليس من شك في أن مثل هذه الشخصية، التي لا تقيم وزنا إلا لمتعها وملذاتها، لا تتراجع أمام أبشع أنواع الجرائم تحقيقا لنزواتها وإرضاء لشهواتها؛ وهو الأمر الذي يجعل من الجريمة السادية أبلغ صورة من صور تجاوز وتبديد الطاقة، وأعتى مظهر من مظاهر الإرادة المتمرّدة والمتجرّدة من كل وازع أخلاقي وديني.
أضف إلى ذلك أن الجريمة، في نظر الشخصية السادية، ليست نوعا من السلوك الذي يراد به مجرد تحقيق اللذة والمتعة عن طريق العنف والتمرد الأهوج على أعراف المجتمع وقوانينه؛ إذ أن هذه الشخصية تجمع إلى ذلك كل ما يتفتق عنه ذهنها وخيالها من ألوان التعذيب والتنكيل إلى الحد الذي تتراوح فيه بين العربدة والفسق والمجون، ولا تتورع عن القتل وتدنيس المقدسات. ويضيف "بلانشو"(25) إلى ذلك قوله بأن الجريمة السادية لا يجب أن تكون وليدة العاطفة أو الاندفاع الأعمى، وإنما عليها أن تتم بمنأى عن كلّ انفعال وفي رباطة جأش وبرود يدلان على التوحد التام بين إرادة الشر لدى الجاني وبين الأثر التدميري أو التخريبي الذي تحدثه، وذلك بقدر ما تشكل هذه الجريمة ثمرة للإرادة الصلبة ولتصميم لا يكلّ ولا يلين أمام المستحيل. وربما يرجع ذلك كلّه إلى كون اللذة الجهنمية، التي يبحث عنها البطل السادي، لا تنطبق بصورة تامة على موضوع بعينه مهما تكن درجة جاذبيته وإغرائه، فهي، في أغلب الظن، لذة مفارقة لموضوعها، متجاوزة له إلى حد التنكر لماهيتها ومواجهة الفناء. ومن ثم، لا يتجاوز الجرم السادي، في النهاية، كونه حلم دمار شامل، مجرد حلم لا يكفّ عن الانبعاث من خبوه، وهو الأمر الذي يحبسه في حدود اللغة والخيال، طالما أن اللذة المطلقة والجريمة المطلقة لا وجود لهما على أرض الواقع(26).
على هذا النحو، يردنا الواقع إلى إشكالية التصور ووظيفة الكلام، إذ قبل ظهور "ساد"، كما يذهب الكاتب، كانت الكلمة تشكل سمة الإنسان المتحضر، الذي يعرف كيف يكبت العنف الحقيقي أو يسقطه على الآخر، أي على "الهمجي" أو البدائي، وأضف الاجنبي أو الغريب في البلاد الغربية "البالغة التقدم". يقول "بطاي" في هذا المعنى "إن اللغة من حيث تعريفها، هي تعبير الإنسان المتحضر، أمام العنف الصامت"(27). إلا أنه منذ بروز الظاهرة السادية على مستوى الكتابة، يصبح خطاب العنف مجرد تكرار أو اجترار لواقع يكتفي الانبثاق على مستوى الوعي. ومع ذلك، يبقى الموقف السادي مثيرا للدهشة والاستغراب، إذْ أن إعطاء الكلمة للجلاد هو، في واقع الأمر، تحصيل حاصل –كما يقال-؛ وذلك بقدر ما يقوم الخطاب السادي على منطق السيادة والهيمنة، وهو منطق –كما نعلم- عماده الاستبداد المطلق، وقوامه رفض الحوار والمجادلة؛ وبقدر ما تدفع ظاهرة العنف صاحبها إلى اجتياز المحظور الذي يرديه، مع ضحيته سواءٌ بسواء، إلى حافة الهاوية.
وقد يفسر "بطاي" وظيفة الكلمة، حينما تمنح للضحية، بأنها تحقق نوعا من الاحتجاج الصاخب على مشروعية العقاب الذي ينزل بها. ولعلّ منح حق الكلمة للضحية يمثل، في نظرنا، شيئا أعمق من ذلك، وأقرب إلى تأكيد هذه السادية المعكوسة التي نقع عليها فيما يعرف بمازوكية السادي نفسه، حينما نراه يجد قمة لذته وذروة متعته ونشوته في اعترافات الضحية وسردها اللاهث المتقطع للأهوال التي تعرضت لها؛ إذ نحن هنا، كما هو الحال في عالم "نيتشه" الفلسفي، أمام حب "سادس" للألم والعذاب يتيح للبطل "الخارق" أن يتجاوز الطابع المأساوي لهذه الحياة، وذلك بوصف المأساة جزءا أصيلا من طبيعتها، وليس مجرد استثناء أو انحراف في مجراها. بل إن "بلانشو" يذهب أبعد من ذلك، حينما يخبرنا بأن البطل السادي لا يتراجع، بالرغم من ميله الطبيعي إلى إيقاع الأذى بالغير، أمام الذلة والمهانة، ولكن ليس تحت وقع الضرورة الملازمة لوضع المقهورين والمستضعفين، وغنما من منطلق اللذة الخالصة، وإعجابه المريض بمن هم أقوى وأحذق منه. ومن ثم، يصبح خطاب الألم والعذاب في المؤلف السادي أشبه بنشيد دام يلهج فيه البطل بالثناء على الشر وعلى الإرادة الحديدية التي تحركه وتوجهه(28).
أضف إلى ذلك، أن خطاب العنف قد يستطيع، بما يتضمنه من مبررات لهذا العنف وبما يقدمه من تحليلات لبواعثه وأهدافه، أن يتجاوزه على صعيد الواقع، الأمر الذي يجعل من هذا الخطاب نوعا من التشدق الذي يفضح خواءه وضربا من التزيد الذي يكشف آلياته النفسية والخيالية البحت. وربما يكون المقصود منه شيء آخر، كما تذهب "سيمون دي بوفوار"، التي ترى فيه لونا من اللذة المضاعفة على مستوى الوعي نفسه بحيث تنخرط المتعة الحسية والمتعة الذهنية في سمط واحد(29). ومن المحتمل كذلك أن يكون "ساد" قد أراد بحديث العنف رفع درجة إثارته النفسية إلى مستوى الذروة، وتأجيج إحساسه أو وعيه بالانحراف عن القاعدة الأخلاقية العامة إلى درجة التغني بأمجاد الشر ومتعه الفذة. إلا أن الأمر المؤكد، هو اعتقاد "بطاي" الراسخ بأن الرغبة في انتهاك المحرمات شعور ينبعث من دخيلة الإنسان ولا يفرض عليه من الخارج(30).
وإذا كانت هذه الرغبة اللامحدودة في التجاوز وخرق المحاذير تنبعث، على هذا النحو، من دخيلة الإنسان، فلأنها –من غير شكّ- وثيقة الصلة بظاهرة القداسة، كما رأيناها عند "بطاي" أي في ارتباطها بدفعات التبديد وفناء الذات بحثا عن الاندماج، عبر لحظات من الهول والفزع، بالوحدة الأولية للطبيعة والكون. ومن ثم بروز هذه الرغبة نفسها، بالنسبة للكاتب، من خلال ظاهرة العشق بشقيه الصوفي والحسي. ولكن علينا لكي نتفهم ذلك، كما ينصحنا "بطاي" الّا نضفي دلالة جنسية على ظاهرة الاتحاد الصوفي، كا يفعل عادة أصحاب التحليل النفسي، إذ أن العكس هو الأقرب إلى الصواب في نظره. ذلك أن الاتحاد الجنسي يستطيع بفضل التسامي الروحي أن يكتسب معنى يتجاوز طابعه الآني المباشر وواقعه المتدني. ولعل فكرة فناء الذات، أو تجاوزها كطبيعة ملازمة للكائن المحدود، هي التي تسمح له، بفضل الرباط الذي يصل الحياة بالموت في عالم يقوم على المحايثة والاتصال، بتصور العلاقة الحميمية بين الصوفية والجنس؛ وهي علاقة لم تعد تبدو واضحة، على كلّ حال، منذ القطيعة التي أحدثتها الديانات المتعالية بين القداسة "الخيرة" والقداسة "الشريرة". ويخيل إلى الكاتب أن هذه القطيعة قد أدت إلى انقسام الحياة الجنسية إلى شطرين متعارضين: شطر خير ومشروع يرتبط بالتناسل والإنجاب وشطر سيء ومكروه يرتبط بالمتعة الخالصة والغواية وعمل الشيطان، وهو الأمر الذي دفع، في نظر الكاتب، الزاهد أو المتصوف إلى البحث عن خلاصه وسعادته الأبدية في موات الجسد وفنائه، وفي العزوف التام عن كلّ مباهج الحياة وملذاتها(31).
غير أن موت الجسد، الذي يبحث عنه الزاهد أو المترهبين، ليس، في نظر "بطاي" إلا قناعا يخفي في ثناياه غواية الجنس والحياة؛ وذلك بقدر ما يمثل الموت نوعا من تبديد الحياة الفائضة، سواء في توجهها إلى الآخر أو إلى الذات(32). ومفاد ذلك أن الصوفي يتأرجح بين نزعتين: نزعته الطبيعية والغريزية نحو الحياة والجنس؛ ونزعته المتسامية التي تلبي حاجته المقابلة إلى العلو والارتقاء. ولكن إذا كانت الأولى تمثل نداء الحياة وغوايتها بشكل سافر، فإن الأخرى ليست إلا تهالكا على الموت، هو في جوهره ضرب من الحياة الفائضة والممتدة إلى ما لا نهاية. من ثم، نفهم أن يلتقي كل من العاشق والقديس عند "جورج بطاي": العاشق بقدر ما تدفعه رغبة تجاوز ذاته الحميمية والآنية إلى تأسيس الحياة في قلب الموت والفناء.
الموت إذن هو الصورة المجازية الكبرى التي يقوم عليها البناء النظري عند "جورج بطاي"، فهو الذي يلعب في كتاباته دور "الاستعارة" الأساسية التي تتيح لنا، من جهة فهم حركة الشمولية الجذرية التي تربط بين دفعة الحياة ودفعة الموت؛ والتي تتيح لنا من جهة أخرى، فهم الكثير من مفاهيمه كالهبة والفقد والتجاوز والتبادل العام والمحدود، وأهمها –من غير شك- مفهوم الإنفاق.
ليس من شك، في أن مفهوم الإنفاق (dépense) يلعب دورًا أيديولوجيًا بالغ الأهمية في أعمال "بطاي" وذلك بتقديمه عن طريق صورة الفيض الملازمة له دعامة قوية للأنطولوجيا الأساسية التي تحمل خطاب الاستمرارية والاتصال عند الكاتب. فهو الذي يسمح، على مستوى الخيال النظري، الذي ينسج لحمة هذه الكتابات، بسد فجوة الرغبة وملء فراغ تقلصاتها –المتقطعة بالضرورة- لتنتهي في سكينة "الواحد". إلا أن الرغبة، كما يقول "فرانسوا فال"، لا تخضع لمنطق الواحد، وإنما تميل إلى بعثرة موضوعاتها وتفتيتها إلى ما لا نهاية، وهو الأمر الذي يفسر لنا تكرار مشهد اللذة والعذاب في أعمال "ساد" إلى درجة الملالة والنصب. يقول هذا الفيلسوف:
"الجنس ليس الموت –أي هذه الوحدة المتكتلة (هذه الفكرة) التي تنقلنا إلى الجانب الآخر، فيما وراء الجنس والحياة، هناك حيث لا يوجد شيء قابل للإنتاج (حيث لا يقبل شيء بإنتاجه) من أجل جسد أصبح هو نفسه شيئا– وإنما التناثر من خلال أشياء دوما مختلفة، حتى ولو كانت متكررة في تركيبتها"(33).
ولكن ألا يذكرنا هذا الموت –مرة أخرى- بأسطورة "ثناتوس" عند "فرويد" وبما تشكله من عقبة ابستمولوجية في هيكل تصوراته التحليلية؟ مهما يكن من أمر، لقد حاول محلل معروف(34) أن يحلّ لنا هذه المعضلة التي تقيم الموت في قلب الحياة، وذلك بصدد فهم "فرويد" للتناقض القائم بين اللذة والألم عبر ظاهرة مازوكية. وخلاصة ذلك أن "فرويد" يحدّد نوعين متمايزين من اللذّة أو قطبين مختلفين لها: الأول يشير إلى لذّة عضوية أو دفعية ذات مستوى كمي تقوم على الإثارة وتفريغ جزء من الطاقة الفائضة؛ والثاني يشكل لذة استمتاعية خالصة تميل إلى الثبات والاستقرار، تمثل ضربا من التلذذ بالألم. وبهذا الصدد، يربط "فرويد" أسطورة "ثناتوس" أي دفعة الموت، بحركة الدفعات العضوية نفسها وبطابعها المتكرر في جنوحه نحو الاستقرار. ويبدو أن "فرويد" يحاول أن يربط، من خلال هذه الأسطورة، ميل الإنسان الطبيعي إلى تكرار أو إعادة الحالات والأوضاع، التي يمرّ بها لأول مرّة، بقوة كونية متجاوزة للحقل النفسي والحقل الحيوي على السواء. ويبدو أن هذه القوة ميالة بطبيعتها إلى العودة بنظام الحياة العضوية من التركيب إلى البساطة، ومن الحركة إلى السكون.
ويرى هذا المحلل نفسه، من جانب آخر، أننا لو قبلنا بأولوية عامل الاعتداء- الذاتي (auto-agression)، المكون لظاهرة المازوكية الأولية، ذات الارتباط الوثيق بنشأة الجنس، على عامل الاعتداء –على- الآخر (hétéro-agression) لأمكننا أن نفهم الأولوية التي يحتلها عامل النزوع إلى الصفر –أي إلى "الموت"- على الرغبة في إبقاء حالة التوتر في قلب مبدأ اللذة(35). بيد أن هذه الأفكار لا تقنعنا كثيرا لأنها –كما سبق القول- تولج الموت في قلب الحياة نفسها. ولعل المحلل "دانييل لا جاش"(36) أقرب إلى الصواب حينما يؤكد لنا بأنه ليس هناك انتقال داخل الاتجاه أو الميل إلى تخفيف حدة التوتر، وإنما –على الأغلب- نوع من "اللزوجة" النفسية أو الارتخاء النفسي. ويضيف "لابلانش"(37) أن "فرويد" يخلط، في هذا الصدد، بين مرحلة الصفر وبين مستوى الثبات العضوي الذي لا علاقة له بالصفر، وذلك لأن حالة الثبات أو الاستقرار العضوي تعمل، بهدف الوصول إلى التوازن، على طرد الإثارة أو الطاقة بقدر ما تعمل على حثها. هذا بالإضافة إلى أن قانون الثبات لا يمكن عدّه من العمليات الأولية التي يعرفها اللاشعور؛ إذ أنه، في الأغلب، مجرد آلية للتكيف من أجل المحافظة على الحياة؛ ومن ثم، يجدر ربطه بظهور مرحلة الأنا المتأخرة نسبيا.
أخيرا وليس آخرا، أليس هذا الموت، الذي يُعنى به "بطاي" ويجهد نفسه في استكناه معناه واستجلاء حقيقته، هو حد الرغبة نفسها وغايتها التي ينتهي عندها سعيها اللاهث المتقطع نحو الإشباع؟ مهما يكن من أمر هذا الموت، وما يتبادر إلى ذهننا من صور الشاعرية المرتبطة به، إنه يظل، بالنسبة لكاتبنا، هذه المحاولة المقلقة والمحيرة، التي يخشاها ويرغبها على السواء، للاتصال بالآخر وما يحمله من أسرار المطلق واللامحدود. ولكن إذا كان هذا الموت، الذي يتخيله "بطاي" مدخلا إلى الآخر، أو المدخل الوحيد إليه. سواء أكان هذا الآخر معشوقا أو معبودا؛ فإن ذلك لا يتم له بواسطة تجربته الداخلية البالغة الذاتية، التي تتركنا –للأسف- على حافتها الخارجية. ومن ثم، فنحن لا نرى في محاولته الملتاعة تلك إلا سعيا يائسا ومأساويا على السواء في سبيل إدراك المستحيل، هذا المستحيل الذي يأبى الإنسان إلا أن يرقى إليه -واعجباه!- على أكتاف الحياة.

هوامش البحث:
(1) جورج بطاي (1897-1962): تخرج هذا الكاتب من مدرسة الوثائق عام 1918 وعُين عام 1922 مديرا للمكتبة الوطنية بباريس. ولقد انضم لفترة وجيزة إلى حلقة السرياليين، ثم شرع يهاجم رائدهم "أندريه بريتون" ابتداءً من عام 1929. ولقد تأثر "بطاي" بأفكار "نيتشه" و"هيجل"، كما كان يفسره "الكسندر كوييف"، وعالم الأنثربولوجيا "مارسيل موس". ولم تتأكد شهرة "بطاي" إلا بعد بلوغه سن الستين حينما نشرت له ثلاث دور نشر ذائعة الصيت (جاليمار ومينوى وبوفير) ثلاثة من أعماله السابقة دفعة واحدة. وهي دراسات: "الأدب والشر" و"الجنس"، ورواية "زرقة السماء".
انظر:
Dictionnaire des Littératures, Sous la direction de Jacques Demougin. Librairie Larousse, T.I, 1985, pp. 165-166.
(2) علم المغاير هو ما يسميه "بطاي" (L’Hétérologie) ويهدف الكاتب من تأسيس هذا العلم إدراك ما يخرج عن نطاق الموضوعية وإلقاء الضوء على ما تسقطه المعرفة المنطقية من حسابها، وينضوي، من ثم، تحت مظلة "اللامعرفة".
انظر:
Georges Batailles, œuvre Complètes. Paris, Gallimard, 1970, pp. 61,62.
(3) المرجع نفسه، الجزء الأول، ص ص 302-319.
(4) المرجع نفسه، الجزء الأول، ص 303.
(5) Marcel Mauss, Essai sur le Don. (1923-1924), in Sociologie et Anthropologie. Paris, P.U.F., 1966.
ويضم هذا الكتاب أهم أعمال الأنثربلوجي "مارسيل موس" مع مقدمة تحليلية لهذه الأعمال بقلم رائد الأنثربولوجيا الفرنسية المعاصرة "كلود ليفي-ستروس".
(6) هذه الكلمة من أصل هندي- أمريكي، وبوجه خاص "شيتوك". انظر المصدر السابق، ص ص 151-152.
ويعرف د. أحمد أبو زيد هذا المفهوم قائلا: "يرتكز هذا النظام في أساسه وفي أبسط مظاهره على أن يقوم الشخص من ذوي المكانة والمركز الاجتماعي بتوزيع نوع معين من الأغطية على أقاربه الذين لا يلبثون بعد انقضاء فترة من الزمن أن يردوا إليه هذه الاغطية بعد أن يضيفوا إليها أعدادا أخرى كبيرة قد تصل إلى أضعاف ما أخذوه منه في الأصل. وكان كثير من العلماء ينظرون إلى هذا النظام على أنه نوع من الإقراض الذي يعود على صاحبه بفوائد مرتفعة. وهذا فهم خاطئ بغير شك، لأن البوتلاتش في جوهرها نظام اجتماعي وشعائري يهدف إلى اكتساب مزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق المنح والعطاء والمبالغة في الرد."
انظر: دكتور أحمد أبو زيد: البناء الاجتماعي- مدخل لدراسة المجتمع. الجزء الثاني. الأنساق. دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967، ص 227.
(7) جورج بطاي: الأعمال الكاملة (المرجع المذكور في البداية). الجزء الثاني، ص310.
(8) Georges Bataille, Théorie de le Religion. Paris, Gallimard, 1973, pp. 17,84,95-97
يذهب "بطاي" إلى أن مفهوم القداسة أو الألوهية في الديانات البدائية كان يربط بين الانسان والطبيعة برباط وثيق نظرا لقيام هذا المفهوم أو التصور على مبدأي المحايثة والمشاركة. ولعلنا نذكر أن "لوسيان ليفي- برول" كان يجعل من مبدأ المحايثة أو المشاركة سمة رئيسية من سمات العقلية البدائية أو السحرية. من ثم فإن فكرة العلو أو "الترنسندانس" (Transcendance) ما كانت تظهر للوجود، كما يقول الكاتب، إلا بعد بروز المفاهيم الثنائية وانقسام مجال القداسة إلى جانب خير وجانب شرير، أو جانب أبيض وجانب أسود.
(9) جورج بطاي، الأعمال الكاملة، الجزء الثاني، ص333.
(10) Georges Bataille, L’Erotisme. Paris, Ed. de Minuit, 1957, p. 18.
(11) R. Barthes, J-L. Baudry, Bataille. Paris, U.G.E. (10/18) p. 43.
(12) Georges Bataille, L’Erotisme, Op. Cit, p. 29.
(13) Gilles Deleuze, Présentation de Sacher-Masoch. Paris, Ed. de Minuit, 1967, p. 92
(14) J.-L. Baudry. «Bataille et la Science », in Bataille, Cit., p. 139
(15) لا يجد "فرانسوا فال" أي ترابط بين مفاهيم القداسة والتحريم والانتهاك، بالرغم من قبوله بوجود قاسم مشترك بين تجربة العشق والقداسة بمعناها القديم القائم على مبدأ المحايثة، ولعله يناقض نفسه في ذلك. انظر مقاله:
François Wahl, «Nu, ou les impasses d’une sortie radicale» in Bataille, op. Cit., p.202.
(16) Georges Bataille, L’Erotisme, p.43
(17) المرجع نفسه، ص 56.
(18) المرجع نفسه، ص 58-71.
(19) مرة أخرى يعتقد الفيلسوف المعاصر "فرانسوا فال" أن "بطاي" فاته ربط مبدأ التحريم بمنطوقه أو ملفوظه (énoncé)، أي بنصه من جهة، وبتلفظه (énonciation) من قبل الذات الراغبة (وبالضرورة المتخيلة عبر اللغة) من جهة أخرى. أي باختصار، في علاقته بقضية اللغة، وبالدال بوجه خاص في توليده للمدلولات من غير المرور حتما بتجربة واقعية أو فعلية. ولعل ذلك يرجع، في نظرنا، بجانب غياب المفاهيم البنيوية للغة عند "بطاي"، إلى أنه كان معنيا بتصورات أشبه بانشقاق الذات الراغبة، ومن ثم انفتاح اللغة على الجسد الحي، وقد يكون في ذلك نوع من رد الفعل ضد "الكتابة الآلية" التي اُولع بها "أندريه بريتون" رائد الحركة السيريالية، والتي كانت وكأنها تقيم التجربة الحية (لاحظ تضخيم دور الطبيعة والدفعات الحيوية عند "بطاي"= في قلب اللغة وتوليدها منها بشكل آلي بحت.
تنظر مرجع الهامش رقم 15، ص 238.
(20) Georges Bataille, L’Erotisme, p. 102.
(21) المرجع نفسه، ص 128، وانظر كذلك:
Georges Bataille, Théorie de le Religion, Op. Cit., pp. 17.84.
(22) Georges Bataille, L’Erotisme, p.132-137, et p. 18
(23) Philippe Sollers, «L’Acte Bataille », in Bataille. Op. Cit, p. 18.
(24) هذا الصدع الذي تحدثه "عدمية" الرغبة في قلب النسق العقلاني الغربي الحديث يذكر بعدمية الجنون في قلب التجربة الكلاسيكية للعقل عند "ميشيل فوكو".
انظر دراستنا "د. محمد علي الكردي، نظرية المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1992، ص 159-244.
(25) Maurice Blanchot, Lautréamont et Sade, Ed. de Minuit, Paris 1963, pp. 44-45.
(26) Georges Bataille, L’Erotisme, p. 192-194.
(27) المرجع نفسه، ص 206.
(28)  Maurice Blanchot, Op. Cit, p. 131
(29) Georges Bataille, L’Erotisme, p. 213-215.
(30) المرجع نفسه، ص 216-217.
(31) المرجع نفسه، ص 246
(32) المرجع نفسه، ص 255، وص276-286.
(33) ois Wahl, in Bataille, Op, p. 225
(34) Jean Laplanche, Vie et Mort en Psychanalyse, Paris, pp. 178-198.
(35) المرجع نفسه، ص 182
(36) المرجع نفسه، ص 184
(37) المرجع نفسه، ص 198



المصدر: د. محمد علي الكردي، قضايا ووجوه فلسفية: بطاي، فوكو، ديدرو، دار ومطابع المستقبل الاسكندرية ومكتبة المعارف بيروت، الطبعة الأولى 1998، ص 15-43.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق