الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

اللذات المنحطّة: جوزيف بريستو

ترجمة: عدنان حسن
... أصدر المنظّر الثقافي، والروائي، والسوريالي في وقت من الأوقات، الفرنسي جورج باتاي Georges Bataille نموذجه المميز الخاص به لفهم المعركة الدائرة بين الواقع التحريمي ودافع الموت الملهب. ففي كتابه الايروتيكية (1962) Eroticism، يدرس كيف ولماذا "ليس للمحبة أي تأثير على التفاعل بين الايروتيكية والموت". لدعم زعمه، يعين باتاي موقع الطبيعة التمزيقية لدافع الموت في أنظمة التداول الاقتصادي. برأيه، تتضمن الجنسانية خبرات فوضوية ومضادة للعقلانية تكون بدورها زائدة، مضياعة، مدمرة، وحتى قاتلة. رغم أنه لا يحذو حذو فرويد في التنظير للتنظيم النفسي للغرائز أو الدوافع. فإن باتاي يكتب مباشرة عن "النزوات المُعدية التي تدفع الايروتيكية على مسارها المنحط (Bataille 1962 :41). إذ يعلن أن الجنسانية يجب أن تفرغ شحنتها القاتلة بكلّ الأثمان:
" السلوك الايروتيكي هو النقيض للسلوك السوي كما البذل هو النقيض للأخذ. إذا اتبعنا إملاءات العقل نحاول أن نكتسب كلّ أصناف السلع، إننا نعمل لكي نزيد مجموع أملاكنا أو معرفتنا، نستعمل كل الوسائل لنصبح أكثر غنى ولنمتلك المزيد. منزلتنا في النظام الاجتماعي تقوم على هذا النوع من السلوك. لكن عندما تعصرنا حمى الجنس نتصرف بالطريقة المعاكسة. إننا نعتمد على قوتنا بلا حساب وأحيانًا في خضم الانفعال نبدد موارد هامة على هدف غير واقعي. إن اللذة قريبة للغاية من الضياع المدمر بحيث أننا نشير إلى لحظة الذروة بأنها "موت صغير". بالتالي فإن شيء يوحي بالإفراط الايروتيكي ينطوي دوما على الفوضى". (Bataille 1962 :170)
هذا "المدّ من الافراط" يمكن أن يصبح كبيرا للغاية بحيث أن باتاي يلاحظ كيف أن الوحشية والجريمة هما مرحلتان أخريان في الاتجاه نفسه. إن المتع الأكثر شدّة، كما يزعم، إنما تنشأ من هذا التبديد التدميري للموارد، نظرا لأنها تستهلك نفسها في الموت الرمزي. تشرع بقية كتاب الايروتيكية في برهان لماذا يتعين أن يكون هذا هو الحال.
في الصفحات الأولى من هذا الكتاب، يعلن باتاي أن "الايروتيكية توافق على الحياة حتى في الموت" (Bataille 1962 :11). إذ يضم كتاب الايروتيكية سلسلة من الدراسات الصغيرة المتداخلة التي تبرز قناعة باتاي الرئيسية بأن الموت الرمزي يكفل على نحو مفارق استمرار الحياة. برأيه، إن الفعل الجنسي يمسرح لحظة مميتة عندما تمر الذوات البشرية بما يتم نكرانه في مكان آخر في حياتهم: فقدان النفس. المشكلة بالنسبة للبشرية، كما يزعم، هي أننا جميعا كائنات "منقطعة" "discontinuous" (Bataille 1962 :12). بما أننا أفراد "منقطعون" يؤكد باتاي أنه تبقى هناك خلجان لا مفر منها بين كلّ واحد منا والآخر. بعبارة أخرى، إذا متّ أنت، فهو ليس موتي". إن الأفراد، المعزولين بشكل حتمي، لا يمكنهم سوى أن يقتلعوا الخطوط الفاصلة الأساسية التي تفصل بين الذات والآخر عن طريق الدخول في تجارب مدوخة توفر دوختها الحابسة للأنفاس تماما الاستمرارية التي يتطلبها الموت. يشتق باتاي إلى حدّ كبير هذا الجدل بين الاستمرارية والانقطاع من فيلسوف عصر التنوير ج. و. ف. هيغل Hegel الذي يسبر الفرق بين التماثل والاختلاف في كتابه فينومينولوجيا الروح (1807) Phenomenology of spirit. على كلّ، خلافا لهيغل، فإن باتاي هو إلى حدّ كبير جدّا مفكر قرن عشريني في تحديد موقع جدل الرغبة هذا، ليس بالضبط في الخط الفاصل بين الذات والآخر بل في الأواليات الايروتيكية التي تولد التوتر بين الاثنين. مثلما أن فرويد كان يعتقد أن الجماع الجنسي الغيري يضم معا الطاقتين النفسيتين المتصارعتين للحياة والموت، كذلك أيضا باتاي يقيم توازيات مع التكاثر البيولوجي ليكشف كيف تلتقي هاتان القوتان المتصارعتان. يلاحظ باتاي أنهما قد "تتحدان" رغم أن المنى والبويضة يبدآن بكيانين منقطعين، ما يمكّن كيانا جديدا من المجيء "إلى حيز الوجود" من "الموت واختفاء الكائنات المستقلة" (Bataille 1962 :14). على هذا الأساس، يتفحص أنماط الايروتيكية الجسدية، والعاطفية والمطقسنة التي توفر "شعورا بالاستمرارية العميقة" في عالم يبقى فيه كلّ كائن بشري خلافا لذلك وحيدا على نحو مكرب (Bataille 1962 :15).
يسلط باتاي الضوء بالشكل الأوضح على الخصومات المنهجية بين الرغبة والموت عن طريق سبر بنيتين مترابطتين مشتركتين بين الثقافات ما قبل التاريخية والكلاسيكية والحديثة: الأولى، دلالة التابوهات (المحرمات) والانتهاك، والثانية، التماس الشديد بين المقدس والمدنس. إن باتاي، الذي استوعب الأبحاث الانثروبولجية لمارسل موس (1950-1872) Marcel Mauss، يلاحظ أن التابهوات تفيد بشكل مزعوم في إزالة العنف من المجتمع. في حضارات كثيرة، كما يلاحظ، توجد تابوهات منهجية على القتل والاغتصاب والزنا. لكن هذه التابوهات لا يمكنها أن تؤدي وظيفتها بنجاح إلّا عندما يعترف الأفراد بأن هذه التحريمات بحاجة إلى أن تُنتهك. لا يمكن للتابو أن يبقى في مكانه إلا عن طريق خرقه. رغم أن باتاي ليس مهتما على نحو خاص بابتكار نموذج للكبت الفرويدي، فإن رؤيته للثقافة تتبع جزئيّا المسارات النظرية للهو المضطرب لفرويد بالإلحاح على أن الدوافع الطبيعية للإنسان إلى العنف يجب في نهاية المطاف أن تتمرد على القيود التي يفرضها العرف (Bataille 1962 :69). مرة تلو الأخرى، يلح على أن التابوهات تكثف التمرد الايروتيكي، نظرا لأنها تتوسل تحديدا الموت الرمزي الذي تحرمه. ليس هذا فحسب، بل إن التابوهات غالبا ما تدل على أن اللذة الجنسية قذرة، مخجلة، آثمة ونجسة. هذا هو رأي باتاي: "لا تستطيع نساء كثيرات أن يصلن إلى الذروة بدون أن يتظاهرن لأنفسهن بأنهن يتعرضن للاغتصاب" (Bataille 1962 :107). لذلك، فإن الايروتيكية، التي تتلف عن طريق العنف الانتهاكي، تنطوي في نهاية الأمر على موت رمزي يؤمن حياة التابو.
لكي يؤكد الحركة المتناقضة بين التابو والانتهاك، يشدد باتاي الانتباه في كثير من الأحيان على كيف تكون هذه البنية ظاهرة بوضوح في الطرق التي نظمت بها حضارات الماضي المقدس والمدنس. إذ يزعم أن التضحية الطقسية تمكننا من أن نفهم كيف أن الثقافات تنشط أفعالا تكون محرمة في كل الأوقات الأخرى. يلاحظ باتاي أنه، في التضحية الطقسية بالحيوانات أو البشر، فإن الثقافة تقتل ما نجحت في ادخاره، وبذلك تصنع هبة من ذاك الفائض المكتسب. بالفعل، إن هذا النوع من التضحية أدخل "الحياة والموت في تناغم، مانحا "الموت فورة الحياة"، والحياة خطورة ودوخة الموت المنفتح على المجهول" (Bataille 1962 :21). على كل، إن الثقافة الحديثة تجد من الصعب عليها أن تفهم هذه الدينامية. لماذا؟ الجواب، كما يراه، يكمن في الطقس المسيحي. فالمسيحية، كما يجادل، قد جعلت من الصعب على نحو واضح على الثقافة الغربية الحديثة أن تستوعب كيف ولماذا ترتبط الايروتيكية ارتباطا وثيقا بشعائر الانتهاك، نظرا لأن هذه الديانة المضادة للوثنية ترفع التضحية إلى مستوى رمزي كليّا. "مهما كنا نجد رمز الصليب استحواذيّا" يكتب باتاي "فإن القداس (المسيحي) لا يُماهي مباشرة بالتضحية الدموية" (Bataille 1962 :89). من النادر، إن حصل ذلك بالمرة، أن يعترف المسيحيون الممارسون بأن تمجيد القربان المقدس يحمل بقايا الأعياد الدينية الوثنية الأقدم عهدا التي تتضمن الكانيبالية (أكل لحوم البشر) الطقسية وسفك الدم. يلاحظ باتاي أن الصَلب، الذي يقع في بؤرة القداس المسيحي، يمكن النظر إليه بحدّ ذاته بوصفه انتهاكا للتابو يسعى إلى مناغمة المقدس والمدنس. مع ذلك فإن المسيحية تفعل أقصى ما بوسعها لفصل تفسيرها للصلب عن التراثات الوثنية. رغم أن الطقس الديني المسيحي يصف جريمة قتل المخلّص بوصفها felix culpa (الغلطة السعيدة)، فإنه يزيل الاستثمار الايروتيكي في الكسر القرباني للتابو. لذلك فإن المعالجة المسيحية للتضحية تشير إلى قضيتين مترابطتين: (1) كيف يمتصّ القداس المسيحي ويحيّد الممارسات الوثنية التي يدينها؛ و(2) كيف أن التعاليم المسيحية تقطع الصلة بين الايروتيكية والألوهية. لذلك، إذا كانت المسيحية تجمع رمزيا ما بين المقدس والمدنس، فإنها لا تفعل ذلك إلا بفصل الدين والرغبة أحدهما عن الآخر. فالتقوى وحدها، وليس الايروتيكية، هي ما يقود المسيحي نحو الاستمرارية التي يعد بها اللانهائي. ليس مفاجئا أن باتاي يؤمن بأن هذا التشديد على التقوى له تبعات مؤذية على نحو خاص بالنسبة للطريقة التي تتصور بها الثقافة العلاقات المعذبة بين الجنسانية والموت.
بحسب باتاي، فقد أقنعنا الموقف المسيحي بأن الاستمرارية المفقودة التي نتوق إليها تقع فقط في الحياة الآخرة الخالدة الموعودة لأولئك الأتقياء. لكن التقوى المسيحية، كما يلاحظ باتاي، ببساطة لم يكن مقدورها أن تنجح في شمول كل الرغبات من أجل الاستمرارية. رغم أن المسيحية تبنت الكبت الصارم للممارسات النجسة المشتقة من العصور الوثنية، فقد فشلت في تطهير كل جوانب البشرية. نظرا إلى أن فيض الطاقة الليبيدية لم يكن بالإمكان استيعابه عن طريق التشديد المسيحي على الانتهاك الرمزي وحده. كنتيجة لذلك، فإن هذا الشكل من الدين الممأسس "عمّق درجة الاضطراب الحسي عن طريق حظر الانتهاك المنظم" (Bataille 1962 :127). بعبارة أخرى، كلما سعت المسيحية إلى تطهير العالم من الخطيئة، تعاظم الضغط القائم على القدرة المميتة للرغبة الجنسية على الانتهاك. باختصار، يعتقد باتاي أن المسيحية تحمل عبء المسؤولية عن السبب في أن الجنسانية قد ارتبطت بالعار والقذارة وحتى بالكراهية.
وفي ظل هذه الشروط المروعة، يجادل باتاي، ليس مفاجئا أن النساء يصبحن موضوعات الرغبة الأكثر تعرضا للشتم وبالتالي تسبغ عليهن الصفة الايروتيكية. رغم أن باتاي بإطلاقه مثل هذه المزاعم غالبا ما يبدو أنه يكرّر الأحكام المسبقة للثقافة البطريركية، فإنه ينوه إلى أنه "من الخطأ تماما القول إن النساء هن أجمل أو حتى مرغوبات أكثر من الرجال" (Bataille 1962 :131). هذا التعليق يشير إلى أن باتاي مدرك لكيف تبني الثقافات القيم الاعتباطية للجمال والقبح. مع ذلك، في الوقت نفسه، فإن حساسيته لعارضية القيم الثقافية لا تقوده أبدا إلى التركيز على ما يمكن أن يقضيه الإضفاء الذكوري للصفة الايروتيكية على الجمال الأنثوي بالنسبة للرغبات. بهذا الخصوص، يصبح الانحياز الذكوري لمناقشته جليا عندما يتفحص "البغاء الوضيع" (بدلا من العمل الذي تؤديه المحظية العالية الأجر) (Bataille 1962 :134). بالانكباب على البذاءة والانحلال والقذارة المرتبطة بالبغايا "الوضيعات"، يؤكد باتاي أن هذه الصفات تحديدا هي التي تمدّ الرجال بالسبيل الذي يؤدي إلى الاستمرارية القاتلة. إذ يلاحظ أن عاملة الجنس تؤدي وظيفة تنطوي على مفارقة: إنها "الموضوع الايروتيكي" erotic object الذي "يقتضي إبطال حدود كل الموضوعات" (Bataille 1962 :130). بناء على هذا الرأي، فإن الجنسانية الغيرية الذكرية تتطلب موضوعا جنسيّا أنثويّا، ليس للالتحام مع امرأة، بل للالتحام مع الموت. في السيرورة، يتم إلغاء الموضوع الجنسي الأنثوي. لذلك، من منظور الرجل، تصبح "البغي الوضيعة" التجسيد الرمزي للموت.

المصدر: جوزف بريستو، الجنسانية، ترجمة عدنان حسن، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2007، ص 209-217

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق