الثلاثاء، 16 فبراير، 2016

الكاتب سجيناً: جوزيف برودسكي



ترجمة محمد عيد إبراهيم





السجن في الأساس مكان محدود لنزيل مخترع بفائض من الزمن، وكلٌ من المكان والزمان ملموس. بصورة طبيعية، نرى هذه الحالة (التي تعكس صدى لموقف الإنسان في الكون) هي ما جعلت السجن استعارة كاملة للميتافيزيقا المسيحية بالإضافة لكونه مولداً للأدب. يشير هذا بالنظر إلى الأدب وبحس معين أنه الصواب، حيث يعتبر الأدب في المقام الأول ترجمة لحقائق استعارية تدخل اللغة المحلية.
مثل هذه الترجمة يمكن إحرازها بدون السجن، ربما بدقة أكبر. منذ القديس بطرس فصاعداً، تعتمد التقاليد المسيحية عموماً وبتصميم ملحوظ على السجن كوسيلة انتقال للوحي. بينما تعتمد الثقافة والأدب الآن على قوانين ومبادئ أخرى (لو صح هذا الكلام) أكثر من اعتمادها على المسيحية فيما تبذل أقصى جهدها للحاق براشد كبير (أو صغير، في حالة الصينيين) تأمل دون شك في توليد عدد من الكتّاب على غرار فيلون وديستويفسكي أثناء هذه العملية.
في سجون القرن العشرين يتم سجن الكتّاب عملياً داخل البلاد. يمكنك أن تسمّي لغة لا أن تذكر بلداً (النرويج، ربما؟) الذي يعفي كُتّابه من هذه المسألة. يحدث هذا في بعض اللغات والبلدان بصورة أفضل بالطبع، وبصورة أسوأ لآخرين.
لكن يبدو أن روسيا تفوقهم جميعاً، فهي منذ الاتحاد السوفييتي إمبراطورية كثيفة السكان. وبإعلان وفاتها، انتقلت جاذبية هذه المشكلة إلى خارج أوربا، إلى الأطراف الجنوبية والشرقية من آسيا، إلى إفريقيا، وحتى الأرخبيلات جنوب المحيط الهادي. ويالها من أخبار سيئة، لأن هذه البلدان مناطق كثيفة السكان للغاية. وبرفضها للتميز، تبدو الجغرافيا شغوفة للّحاق بالتاريخ.
ربما التاريخ هو الذي سيلاحق الجغرافيا. فالكاتب يجد نفسه فجأة وراء القضبان مُتّهماً بمقولات سياسية، العلامة الأكيدة على التاريخ. (غياب هذه المفاهيم هو بالتأكيد السمة الرئيسة للجغرافيا). قد يسعى الكاتب ليريح نفسه بهذا التأويل من ورطته، التي تكتسب الآن منحى التقليد النبيل. عموماً، فلن يبقيه هذا التأويل طويلاً في الزنزانة كونه لا يعرف حدّاً لراحته، أو بدقة أكبر لانعدام راحته. ليس مهما أيّ جرس تاريخي يقرعه السجن، فهو يوقظك دائماً في السادسة صباحاً على حقيقة بغيضة من طرفك.
*****

ليس صحيحا أن السجنَ يقوم بتظليل أفكارك المجردة. بل على النقيض، يكشطها إلى أكثر ألفاظها بلاغة. السجن في الواقع ترجمة لأُطرك الميتافيزيقية والجمالية وإحساسك بالتاريخ، وأيّ شيء آخر يدخل ضمن شروطك الموجزة في سلوكك اليومي.
أفضل مكان فعال هو بالطبع العزلة، تقزيم كونك البشريّ كلهِ إلى مستطيلٍ صلبٍ يُضاء دوماً بنور من مصباح 60 وات، حيث تفكر ملياً في ملاحقةِ سلامةِ عقلك. بعد شهرين تتوصل إلى تفاهمٍ عميق مع المجموعة الشمسية (يأمل فيه على النقيض أصحابك ورفاقك المقربون)، ولو كنت شاعراً فقد تقضي نحبك مع قليل من الغنائيات اللطيفة تحت حزامك. يعزّ على السجين توفير قلم وورق.
*****

لهذا يهزمك الإيقاع والوزن: لتجعل هذا الهراء له ذكرى، خاصة من ناحية الطرق الاستفهامية التي تستدعي مؤخر رأسك في ثقة مرات عدة. عموماً، ينجح الشعراء في العزلة أكثر من كتّاب الرواية لأن اعتمادهم على أدوات مهنية شيءٌ هامشيّ، حيث تُجبر المرءَ حركاتهُ المتواترةُ خلفاً وأماماً تحت النور الكهربيّ على الترجيعِ اللّحظي للغنائية بأيّ شكل كان. كذلك، لأن الغنائية بدون حُبكةٍ أصلاً، فهي نقيضُ الحالة التي تعاكسك، تستنبط ذاتها وفقاً للمنطقِ الملازم للهارمونية اللّغوية.
*****

تهلّ الكتابة في الواقع (حين تتألّف في رأسك على نحو دقيق) بالشعر نمطياً مع ولادة العزلة كنوع من العلاج النفسي، متوافقة مع تمرين العضلات وصبّ الماء البارد. في زنزانة جماعية تختلفُ الأمور نوعاً، فهي تناسبُ الكاتبَ الروائيّ أكثر من الشاعر. فلنعترف إذن أن النثرَ فنٌ يعود بجذوره إلى التفاعل الاجتماعي، والكاتب الروائيّ أسرع في إيجاد صفاته المشتركة مع زنزانته الجماعية أكثر من الشاعر.
لو كنتَ كاتبَ قصةٍ فسيستثر فضولكَ التجديدُ تقريباً، ويساعدكَ هذا على تأسيس نوع من الألفة مع زملائك المساجين بالاستفسار عن قضاياهم وظروفهم مع التعامل معهم وفقاً لحُبكة يبتغيها المؤلفُ. قد يتخيل هذا نفسَه وهو يجمع مادةً لعملهِ المستقبليّ، لهذا يتفهمُ زملاء زنزانتهِ الذين يُسعدهم كثيراً أن يمنحوه أنفسَهم بتقديم كشفِ حسابٍ منمّقٍ لحياتهم بتأنٍ.
*****

حجمُ كتاباتِ المساجين في خدمة النثرِ بوضوح. ليس لأن كتّاب الرواية المساجين أكثر عدداً من الشعراء غالباً (في الواقع، يبدو العكس هو القضية)، بل لأن الشعرَ يعثر على سَمتهِ الرتيبِ بيقينٍ جزائيٍّ مُعادٍ لطبيعةِ النثرِ المفاجئة. وليس الأمرُ لأن فنّ الشعرِ يرفض تكريمَ الحقيقةِ الأساسية للاضطهاد بأزهارِ الفصاحة، برغم أن المرءَ يمكن أن يضعهُ على هذا النحوِ.
الحقيقةُ أن جوهرَ أيّ غنائية جيدة هو التكثيفُ والاندفاع. لأن الشاعر حين يعتزم تسجيلَ خبرته البلاغية، يتّخذها قاعدةً يفزعُ إليها بالنثر. من السهلِ أن تهلّ قصيدةٌ عن السجن (حتى بالأدب الروسيّ الحديث) أكثرَ مما تفعلُ الروايةُ، فهي تدعُ الذكرياتِ وحيدةً. لهذا نجدُ الشعرَ أقلّ الفنون محاكاةً على الإطلاق.
*****

لو لم يكن هكذا، فسيأتي موضوعُ المحاكاة بوضوحٍ فيما وراء وفوق حيطان السجن العدوانية بأسلاكها الشائكة والحرّاس والبنادق إلخ. كلّ فنٍ يتوقُ إلى حالةٍ من الموسيقى، كما قال والتر باتر، لكن الشعر يبدو مثل فنٍ يرفضُ ظاهرياً محاكاةَ المعاناةِ البشرية، حتى لو جاءَ من أصحابهِ المحترفين. بالاستدلالِ الطبيعي نجد أموراً يمكن استيعابها أكثرَ من هشاشةِ الأجسام أو لوعةِ الروح عند الاحتضارِ.
إن الاستدلالَ الطبيعيّ الذي كوّنهُ الجمهورُ وكلابُ حراستهِ، هو الذي يصنعُ الشعرَ، وبهِ تصبحُ كل الفنون خطيرةً. ولنجعل الأمرَ مختلفاً، يأتي منتجُ الفنّ العفويّ بفكرة أن الجهدَ البشريّ الكاملَ أكبرُ بكثير مما يمكن التدرّبُ عليه، لا أن يتم تقديمهُ للتسليةِ بأيّ سياقٍ اجتماعيّ مُعطىً. وفي دوائرَ معينةٍ لا يتم الترحيبُ بهذه الأشياء، لأن هذه الدوائر تتّسعُ كلّما تميلُ أكثرَ لامتحانِ الكاتب.
*****

لم يعد كاتبُ اليومِ بالتأكيد بقرةً مقدسةً: فليس له أن يكونَ فوقَ القانون أو أساسَ قانونٍ بمجتمعه. السجنُ أو معسكرُ الاعتقال هو امتدادٌ لذلك المجتمع لا بمقاطعةٍ غريبة، برغم أن حميتك هناك بمفردك تناسب المرء أكثر. حين يجد الكاتبُ نفسه وراء قضبانٍ يداوم على المشاركةِ في ورطة شعبه. لا يكون في أعينهم، ولا كما يأمل المرء مختلفاً عنهم.
في الحقيقة هو عنصرٌ هام للخيانة، يسعى لنشوء كاتبٍ من سجنٍ يمتلئ بناسٍ من جِلدته، ومعه كما هو مفترَض قراءٌ وموضوعات. هذا مثل إلقاء ثوب الحياة بمفرده في قارب مزدحم يغرق في بحر من الظلمات.
*****

على رغم أنه ينبغي أن نلقي ثوبَ الحياة، فمن الأفضل أن ننقذ واحداً عن ألا ننقذ أحداً، لأنه لو أنقذنا أحداً فقد يرسل إشارة إنقاذ فعالة أكثر من أي امرئٍ آخرَ في ذلك القارب الغاطس. مع وفرة الكتب على أرففنا التي لن نمسّها، إلا أنه ينبغي أن نرمي ثوبَ الحياة لكاتبٍ بسيطٍ فبإمكانه إصدارُ كتابٍ آخرَ. وكلما زادت الكتبُ الجالسةُ على أرففنا قلّ عددُ من نضعهم في السجون.
حين نقوم بإخراج كاتبٍ (الشاعرِ خصيصاً) من السجن، يخدعُ المجتمعُ نفسَه باختراقٍ ميتافيزيقيّ، لكن معظم أفراده يستعدون مبتذَلين للتجارة بأمنهم النسبيّ، غيرُ ملقين بالاً لأيّ من الحقائق الميتافيزيقية التي نالوها. باختصار، الوقتُ الذي يقضيه المرءُ في قراءة كتابٍ وقتٌ مُستقطَع من التمثيل، وفي عالم مستقرٍّ على نحوٍ غليظ مثل عالمنا كلما نمثّل أقلّ كان أفضلَ.
*****

كتاباتُ السجن عن المعاناةِ والاحتمال. لأنهم يتحرّقون شوقاً للجمهور العام، الذي لا يزال يسعده فهمُ الاعتقال على أنه شذوذٌ. لنجعل هذا الإدراك باقياً في العالم، يجبُ علينا قراءةُ هذه الكتابات. حيث لا شيء أكثرَ جاذبية من الخضوع لفكرة سجن الناس كأنها عُرف. ولا شيء أسهل من إدراك (والنيل حقاً من) الفوائد الروحية التي نجنيها من تجربة السجن نفسِها.
*****

للإنسانِ عادةٌ أن يسعى لاكتشافِ المعنى والغرض الأعلى من حقيقةٍ فارغةٍ بجلاء. لكن، لديه ميلٌ للتعامل مع السلطة كأداةٍ (وإن كانت باردة) للعنايةِ الإلهية. الحسّ الغامرُ بالذنبِ وتآمرُ القَصاصِ المتأخر في هذا المجال يجعله فريسةً سهلة، بينما يفتخر بكونه أحرز أعماقاً جديدة من التواضع. وهي حكايةٌ قديمة، قديمة مثل تاريخ الاضطهادِ نفسه، إن لم نقل مثل تاريخِ الإذعان.
*****

ماذا يرتقي بالحاجِّ وهو على منحدرٍ مجتمعيّ زلق. فالعالمُ القادم سيصبح أشد ازدحاماً من هذا، حتى لو كان شاذاً فسيأخذ هناك نسباً وَبائية. لا يوجد بنسلين هنا، والعلاج المحتمل الوحيدُ منزليٌّ فرديٌّ، تصرّفٌ خاصّ بالضحية المجهَدة.
بالنسبة للكتّابِ عموماً، برغم الإدانات أو الأُطر الفيزيقية، فهم فرديون. لا يتوافقون مع بعضهم البعض، هداياهم ومكائدهم النمطية تختلفُ بصورةٍ كبيرة، وأيضا أشدّ إحساساً بالذنبِ من معظم الناس، لأنهم أولُ من يكرّر تسويةَ الكلمات، فالكاتبُ نفسهُ مجرد استعارةٍ فاتنةٍ للوجودِ البشري. لابدّ أن يكون لما يُفتَرض أن يقولوه عن السجن أهميةٌ عُظمى بالنسبة لمن يتخيلون أنفسَهم طلقاءَ.
*****

في النهايةِ قد يساعدُ ما يقوله الكاتبُ في تبديدِ خفايا السجن. أما في العقل الشعبيّ، فالسجن هو المجهولُ حيث يتمتعُ باقترابٍ حميمٍ من الموت، نهايةِ المجهول والحرمانِ من الحرية. على الأقلّ مبدئياً، يمكنُ مقارنةُ العزلة بالكفنِ دون أدنى تردّدٍ.
إن أوهامَ العالمِ السفليّ في خطابٍ عن السجون شائعة في أيّ بلد، حتى لو كان هذا الخطابُ من المحرّماتِ. ولأنه يفضلُ الحقيقةَ البشرية القياسية، فالسجن في الواقع هو بُعدٌ للحياة، مبنيٌّ بتعقيدٍ وحتميةٍ مثل طبعةٍ كنسيّةٍ لمملكةِ الموت، تلك الثرية بتلويناتها الرمادية.
*****

الحرمانُ الجزئيّ من الحرية (ما يعنيه السجن) أسوأُ من ذلك المجرّد، لأن الأخيرَ يُلغي قدرتكَ على تسجيل هذا الحرمان. أيضاً لأنك لن تكون في السجن تحت رحمةِ شياطينَ غيرِ ملموسةٍ، ستكون بين يدَي من على شاكلتكَ بملمَسهمِ الزائد. ومحتملٌ كذلك أن يتمّ استقاءُ معظمِ خيالاتِ العالم السفليّ في ثقافتنا بصورةٍ دقيقةٍ من الخبرة الجزائية.
*****

على أيّ حال، تُريكَ كتاباتُ السجنِ أن الجحيمَ من صنعِ إنسانٍ ويصنعهُ لإنسانٍ. هاهنا تقع إمكاناتُكَ على مسألةِ التحمّل، فالبشرُ في منتَهى العنفِ حين يؤجَرون، متهاونون فاسدون كسالَى إلخ. لا نظامَ من صنعِ الإنسانِ كاملٌ، ونظامُ الاضطهادِ غيرُ مستثنىً. فهو أمرٌ يثيرُ التعبَ ويشرخُ، تبدو شبيهاً بالكذّاب حين تكتشفُ أن أمدكَ قد طالَ.
بعبارةٍ أخرى، لا يوجدُ اعتراضٌ على تلطيخِ قناعاتكَ في هذا الجانبِ من حائطِ السجن، فقد تجدُ نفسكَ وراءَه يوماً. عموماً، فالسجونُ باقيةٌ. لكن الأملَ في الواقعِ يصاحبُ خِشيتكَ أن تدخلَ هنا، وهل تفيدُ قطعةُ سُكّر؟



جوزيف برودسكي، شاعر روسيّ منشَقّ عاش حياته بعد المنفَى في الولايات المتحدة. ترجمَ للروسية عدداً كبيراً من شعراء الغرب المميزين. نال دكتوراه الأدب من جامعة ييل 1978، ثم جائزة نوبل للآداب 1987. تُوفي برودسكي1996.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق