الأحد، 21 فبراير، 2016

نحو جمالية الرائحة؛ أو الكريه والعطر في الأدب المعاصر: دانوتا فجيلستيد



ترجمة أماني لازار

“Nose Flute” by Carlos “Botong” Francisco
بالرغم من كثافة الاهتمام النقدي بالجسد، ما زلنا متشبثين بالجماليات التي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي البصر والسمع. في محاولة لتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد تدرس المقالة المشاهد ذات العلاقة بالشم في كل من رواية توني موريسون "سولا" (1973) و"مذكرات أمي" لـ جامايكا كينكايد (1996) و"مكتوب على الجسد" لـ جينيت وينترسن (1992) لإظهار ما تقدمه هذه الروايات من صور آسرة للغاية عن الشَّم، الجنس (الجندر)، والإثنية.
 يكشف التحليل عن اشتراك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم: الروائح الكريهة التي دلت خلال عصر التنوير على اللامنطق، الجنون، الهمجية، والحيوانية، قدمت مجدداً من قبل الكاتبات الثلاث بمعاني الحب والقربى، في حين أن الروائح العطرة صارت تشير إلى الَبهتان والموت. استفادت كل من موريسون، كينكايد، ووينترسن من التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول مؤنثة) وفضحن التقليدية في تقديم النساء بمصطلحات الروائح "اللطيفة" سواء من خلال إشارات صريحة لقوة العطور الجنسية وبتحميل الروائح "غير السارة" ما للعطور من قدرة على الجذب الجنسي. أخيراً تقترح المقالة أن حاسة الشم قد تكون بديلاً معرفياً متميزاً عن البصر والسمع.

******


«اكتب، الغائط ليس له رائحة». (رولان بارت)
«في فعل الرؤية يبقى المرء نفسه، في الشَّم يتحلل». (ماكس هوركهايمر وتيودور أودورنو)

تركز صناعة العطور بملايين الدولارات، والاهتمام المتنامي بطب الروائح، والإعلانات التجارية والتلفزيونية العديدة التي تقدم تشكيلة من مزيلات الرائحة-انتباهنا بقوة على ما يتعلق بالشم، العطر، والرائحة الكريهة في حياتنا اليومية. بإبادة الروائح الكريهة وتعزيز العطور الجذابة، نحن جميعاً نتورط يومياً بالتلاعب بعالمنا الشَّمي وبالهويات الشَّمية لأجسادنا.
هذه الرؤية العامة للشَّم (إني أخلط مجازاتي) ظاهرة حديثة. على مدى قرون، كان لما يتعلق بالشم أهمية هامشية في المحادثات الفلسفية، الدينية، العلمية. نبذُ كانط لحاسة الشم مثال عن كيف كانت حاسة الشم «معيبةً من قبل الفلاسفة»: «لأي حاسة عضوية ندين بأقل ما يمكن ويبدو أنها غير ضرورية تقريباً؟ حاسة الشم. إنها لا تدفعنا لتهذيبها أو تنقيتها رغبة في كسب المتعة، يمكن لهذه الحاسة أن تلتقط ما يبعث على الاشمئزاز أكثر مما يسبب المتعة (لاسيما في الأماكن المزدحمة) إلى جانب أن المتعة المتأتية من حاسة الشم لا يمكن أن تكون إلا زائلة وقصيرة المدى».
أشار العديد من النقاد إلى أن تهميش حاسة الشم يمكن ربطه بهدف المشروع التنويري لإزالة روائح وتوحيد الفضاءات العامة والخاصة وإلى تعميم الميل لمنح الفكر حظوة على حساب الجسد. كان تطهير الروائح مصحوباً باهتمام طبي متعاظم بالضوء، الذي مع حلول منتصف القرن التاسع عشر أدى إلى«انقلاب عظيم في المواقف لمنح البصر تفوقاً غير متنازع عليه» كان انكفاء الشم يعتبر جزءً ضرورياً من العملية الحضارية بحسب كل من داروين وفرويد. افترض سيجموند فرويد، على سبيل المثال، صلة مباشرة بين الشم والجنسانية، يرى أن تحجيم الإثارة الشمية ارتبط بانتصاب قامة الإنسان. كان الضمور التدريجي للشم، بحسب زعمه، مصحوباً بدور متصاعد للإثارة البصرية في الانجذاب الجنسي.
ظل الاهتمام العلمي حتى يومنا هذا قليل نسبياً بالشم، بالرغم من أن المرء يمكنه أن يجد بعض ما يدل على التغيير. منذ أقل من عقدين كانت الرائحة موضوعة على الخريطة التاريخية الاجتماعية التي وضعها آلان كوربين بدراسته الرائعة، "الكريه والعطر: الرائحة و المخيلة الاجتماعية الفرنسية" (نشرت في الأصل في فرنسا عام 1982، وترجمت إلى الإنجليزية في العام 1986)، وفيها يتتبع الكاتب التغيرات في ملاحظة الروائح في الدراسات الطبية، الصحة العامة، والمدنية، والمحادثات الأدبية في فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يبدي عالم النفس الهولندي بيت فرون في كتابه الشهير -الرائحة: المغوي السِّري (1994)، أن حاسة الشم حيوية لمعرفتنا للعالم. في "عضو جاكوبسن" (2000)، تستقصي ليال واتسن الأدوار المتنوعة للرائحة في البشر، النباتات، والحيوانات. هذه الكتب وكتب أخرى تشير إلى الاهتمام المتنامي بالشم بين العلماء.
لا شك أن حاسة الشم في النقد الأدبي واحدة من أكثر المواضيع تجاهلاً. يبدو أن التحقيق الوحيد على شكل كتاب في المخيلة الأدبية للشم حتى اليوم هو كتاب هانز ج. رينديسباخر «رائحة الكتب: دراسة تاريخية ثقافية عن حاسة الشم في الأدب (1992)، الذي يناقش في معظمه النصوص الألمانية والفرنسية مع إشارة عرضية إلى الأدب الإيطالي والروسي. انعدام التحرّي النقدي عن تصوير حاسة الشم في الأدب مفاجئ بشكل خاص في ضوء الاهتمام العام المركز على تصوير الجسد في الثقافة الغربية. مع الكتابات الكثيرة عنه في المقالات النقدية المعاصرة، تم تصنيف الجسد جنسياً، عرقياً، طبقياً، لكنه يبقى بشكل غريب جسداً عديم الرائحة.
ومع ذلك يمكن للمرء أن يجد الكثير من الإشارات إلى حاسة الشم في الأدب. من المسلم به أن حاسة الشم نادراً ما تلعب دوراً بنيوياً هاماً وموضوعياً في النصوص لاسيما في أدب ما قبل الحداثة. في الحداثة تظهر حاسة الشم أولاً كعنصر أساسي في حبكة الرواية. يذهب رينديسباخر إلى حد أنه ينشد في حاسة الشم السمة المعرفة للحداثة. بالفعل، حتى القارئ العادي للرواية الحديثة سيتذكر الوظيفة الفعالة للرائحة كمحور دارت عليه رواية بروست الضخمة "في تذكر الأشياء". تشكل الروائح في رواية "عوليس" لـ جويس كوناً بنفسها: يبدو أن نتن الجسد المتفسخ في رواية "بينما أرقد محتضرة" لـ فوكنر ينبثق من صفحات الرواية كما لو أن الكتاب يحتوي على رقعة "اخدش وتنشق"، تشترك الروائح والعطور بشكل فعال في خلق الفضاء المخنث لرواية "بارنيز" [Nightwood]، في رواية "عالم جديد شجاع" لـ هكسلي تظهر كيف أن التلاعب بالروائح يمكن أن يستعمل لضبط العواطف.
بأية حال، الرواية التي تتمحور حول حاسة الشم هي رواية باتريك زوسكيند "العطر"، المنشورة في ألمانيا عام 1985، وترجمت إلى الإنجليزية بعد سنة واحدة، في عام 1986. رواية زوسكيند استثنائية في استعمالها للرائحة كموضوعة أساسية وأداة بناء. «لم تكن حاسة الشم قبل زوسكيند مستعملة أبداً إلى هذا الحد في حمل بنية حبكة القصة»، يقول رينديسباخر. الرواية أيضاً استثنائية في تغليبها الشم على التخيلات البصرية، وفي غناها بالمفردات المرتبطة بحاسة الشم. أنه لمن الآسر أن ترى رواية العطر "كانعطافة شمية" مبشرة في الأدب.
في محاولة التبشير في هذه الانعطافة وتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد، أستطلع فيما يلي المشاهد المتعلقة بالشم في كل من رواية توني موريسون "سولا" (1973)، ورواية جامايكا كينكايد "سيرة أمي" (1996)، ورواية جينيت وينترسن "الكتابة على الجسد" (1993) لأظهر كيف أن هذه الروايات تقدم صوراً فاتنة عن الشم، الجنس (الجندر)، والإثنيات. بصورة مؤثرة، مركزة على تدمير الروايات الثلاث للترميز التنويري للشم، أريد أن أعرض أن مواكبة حاسة الشم تساعدنا بشكل أفضل على فهم الآثار المزعزعة لمواضيع السرد عند موريسون، وينترسن، وكينكايد. ومن نافل القول، أن الشم في الأدب تماماً كالتذوق واللمس -ليست متاحة حسياً، إنها دوماً عبر وسيط لغوي. ليس للغة رائحة، كما عبر بارت عن ذلك مؤكداً. ولهذا استقصاءاتي عن حاسة الشم في الأدب تستتبع تفحص أية أفكار، رغبات، مشاعر، ومعتقدات سيَّرتها الإشارات النصية للرائحة في الروايات الثلاث.
دعني أبدأ بالقول إنَّ العوالم الشمية في الروايات الثلاث تدعو القارئ لإعادة النظر بالروابط التقليدية بين الغائط والموت، وانعدام الرائحة والحياة. بشكل غير تقليدي، غالباً ما يشير انعدام الرائحة و/ أو العطر في الروايات للموت، الجدب، والظلم في حين ينحو النتن ليكون مقدماً كحامل للحب، الحيوية، والتحرر من الأعراف الاجتماعية. علاوة على ذلك، تتحرر الراويات وغالباً ما تتصدين للترميز التنويري السائد للرائحة، طبقاً لـ «يبدو أن الأنقاض التي تفوح منها رائحة نتنة تهدد النظام الاجتماعي، في حين يعد النصر المطمئن للصحية والعطر بدعم استقراره» (كوربين).
الفضلات ولاسيما الجسدية منها، منذ أن عرف في أواخر القرن الثامن عشر بأنها خطر على الصحة العامة، فهي محتواة في الثقافة الغربية المعاصرة في أماكن خاصة (مراحيض) تبعد الفضلات عن أعين العامة وأنوفهم وتخلق حوامل مادية ورمزية بين الحياة والموت، عامة وخاصة، نظيفة وقذرة، ومتحضرة وبدائية. في رواية "سولا" هناك فقرات طويلة عديدة مرتبطة بالمرحاض والحمام أو المرحاض الخارجي، أصبحت الفضلات والقذارة، لو جازفت بالقول، عنصراً بنيوياً في الرواية. رحلة هيلين ونيل الصادمة جنوباً، إنقاذ إيفا لحياة الطفل بلوم، استراق سولا السمع لاعتراف أمها عن إعجابها بها وليس حبها لها، رد فعل نيل المقرف تجاه خيانة زوجها وسولا، خذلان آجاكس لـ سولا، كل هذه الحوادث موسومة بإشارة إلى المرحاض الخارجي/ فضلات الجسد. أيضاً المعاني التي ينسجها النص معاً غالباً ما أفسدت الترميز الثقافي للبخر الجسدي والنتن بما يدل على الفنائية والتحلل.
على سبيل المثال في واحد من المشاهد اللافتة، تشكل الرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي الوسط الشمي لتصرف إيفا بحب أمومي. توقف تغوط ابنها الرضيع بلوم ويتقيأ الطفل وهو يصرخ متألماً، تأخذه ايفا إلى المرحاض الخارجي:

«قرفصت في عمق ظلمته والرائحة الكريهة الشديدة البرودة، قلبت الطفل على ركبتيها، كشفت عجيزته وأقحمت آخر قضمة تملكها من الطعام في العالم (إلى جانب ثلاث شمندرات) في مؤخرته. مسهلة الإقحام بقطع من شحم الخنزير، جست بإصبعها الوسطى لتسهل تغوطه. تلقف ظفرها ما بدا أنه حصاة سحبتها وتبعتها أخر. توقف بلوم عن البكاء عندما ارتطم الغائط الأسود بأرض متجمدة. والآن بانتهائه، قرفصت ايفا هناك مستغربة لماذا كان عليها أن تمضي إلى هناك لتفرغ غائطه وما الذي كانت تفعله على وركيها مع طفلها المحبوب المدفأ بجسدها في ظلمة كلية بساقين وأسنان متجمدة ومنخرين يسيلان.»
ما نراه هنا هو حبكة نصية لشبكة غنية من الصلات بين الطعام، الحياة، الحب، الموت، والغائط. يسم نتن المرحاض الخارجي منطقة الحد الأخير للحياة، إنه يشكل حداً بين الحياة والموت. في هذه المنطقة الشمية للتحلل تبعث إيفا المقرفصة الحياة في ابنها مجدداً.
لا يرتبط حب ايفا الأمومي فقط بالرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي لكن أيضاً، مضاعفاً، برائحة أخرى هي رائحة “اللحم المطهي”. في الحادثة الأولى تصب الكيروسين على ابنها البالغ مدمن المخدرات بلوم وتشعل النار. لكن قبل أن توقد به النار تضم بلوم بين ذراعيها وتهزه كما لو أنه طفل رضيع. قتل ايفا لابنها هو فعل حب كما يطرحه النص، وهو أيضاً مفسر كذلك من قبل بلوم الذي يجد رائحة الكيروسين «جذابة على نحو عميق» ويشعر بأنه معمد بها ومبارك. في المثال الثاني، رائحة لحم هانا المحترق يجعل ايفا بساقها الوحيدة ترمي بنفسها من النافذة في محاولة بطولية لإنقاذ ابنتها.
في حين تنشر روائح اللحم المطبوخ والغائط مشاهد الحب الأمومي، عطور زهور تصحب الموت والفساد الأخلاقي في عالم "سولا" الشمي. الرائحة الشذية للغاردينيا التي تشمها أم هيلين المومس من أجواء موكب جنازة جدة أم نيل. وجدت ايفا مع ابنتها الميتة بجانب شجيرات الفورسيثيا، البازلاء الحلوة، والبرسيم. ربما المثال الأكثر صراحة لإعادة الترميز النصية للرائحة هذه هو عنقود من صور شمية تدور حول ممارسة سولا للحب مع آجاكس. تنتهي علاقتهما الشغوفة بتنظيف سولا للحمام وترتيب السرير. بالنسبة لأجاكس تبعث النظافة الجديدة للمكان «رائحة العش»، معلية مخاوفه من أن يقع في فخ أسلوب الحياة العادية. الذروة تأتي عندما يرى آجاكس سولا «مستلقية على ملاءات بيضاء يانعة، ملتفة في الرائحة القاتلة لكولونيا مطبقة مؤخراً» ويقرر تركها. رائحة الكولونيا نفرت آجاكس، إنها تشير إلى خيانة سولا لكل ما كانت تعنيه حتى ذلك الحين، وأكثر ما خانته هو قدرتها على الرؤية من خلال(وتجاهل) قشرة سلوك الطبقة الوسطى المتحضرة. هذه القدرة الخارقة لـ سولا مستدعاة بتركيبة مدهشة من البصري والشمي عندما يزعم واحد من السكان الخائفين في الأسفل أن سولا تنظر إلى الناس كما لو أنها «تشمك بعينيها ولا تعجبها رائحة صابونك».
حزينة بعد رحيل آجاكس، تغني سولا لنفسها لتنام في «قشعريرة المرمر» التي تغادرها لتعود إلى «رائحة الصلصال الكريهة، العبقة، المظلمة».  هذه الرائحة النتنة العبقة المظلمة للصلصال مرتبطة بالمشهد الذي تتقاسم فيه نيل وسولا الإثارة الجنسية وهما تحفران حفرة في الأرض بأغصانهما قبل وقت قصير من موت تشيكن ليتل. يفسر المشهد في الكثير مما كتب من نقد لرواية سولا على أنه علاقة جنسية بين سحاقيتين.  المهم في سياق تحليلي هو حقيقة أن الهالة الشمية للمشهد تصبح سمة في علاقات نيل وسولا. متألمة من اكتشاف علاقة الحب بين زوجها وسولا، تنسحب نيل إلى حمامها على أمل أن تتخلص من حزنها: «جلست مرة في الداخل، على بلاط الأرضية بالقرب من المرحاض. على ركبتيها، يدها على الحافة الباردة لحوض الاستحمام، انتظرت حدوث شيء، في الداخل. كان هناك إثارة، حركة وحل وأوراق ميتة، فكرت بالنساء في جنازة تشيكن ليتل، النساء اللاتي زعقن على النعش وحافة القبر المفتوحة.» بخلاف النساء، لم تستطع نيل مع ذلك أن تتخلص من ألمها بالبكاء: «انتظرت. انزاح الطين، تحركت الأوراق، غلفتها رائحة الأشياء الخضراء المتفسخة وأعلنت عن طلائع عويلها. لكنه لم يخرج. الرائحة تبخرت، الأوراق كانت ساكنة، استقر الوحل. وأخيراً لم يكن هناك شيء سوى رقاقة من شيء جاف ومقرف في حلقها. نهضت خائفة.» لم تفهم نيل إلا بعد موت سولا أنها كانت حزينة على صديقتها وليس على زوجها جودي. عند هذا الحد، في نهاية الرواية، تشير الرائحة إلى عودة علاقة سولا ونيل منطلقة في صرخة الحزن: «الأوراق تهيج، الوحل يتقلب، كان هناك رائحة أشياء متفسخة خضراء…"يا رب، سولا" نيل تصرخ، يا فتاة، يا فتاة، يا فتاة، كانت صرخة ممتازة، عالية وقوية-لكن لم يكن لها قعر ولا قمة، فقط حلقات وحلقات من الحزن».
تحليلي يكشف حتى الآن أن الرائحة الكريهة، المشادة طوال عصر التنوير كدلالة على الجنون، الحماقة، الهمجية، والحيوانية، صيغت مجدداً من قبل موريسون كدالة على الحب والقربى. تصبح الروائح العطرية من ناحية أخرى، علامات على البهتان والموت. ولو أن قول هذا هو اقتراب محفوف بالمخاطر من ثنائية الروائح الفطرية مقابل المدنية، ولرؤية رواية "سولا" كتظهير لعالم الفطرية. الكون الشمي في "سولا" ليس بسيطاً جداً، إنه لا يقدم فقط إبطالاً للترميز التقليدي للروائح. روائح الزهور تنتمي للمملكة الفطرية، ولو أنها في الرواية ترتبط بالموت. موريسون أيضاً تصعب التمييز البسيط بين الروائح بالمحافظة على المعاني المتعارف عليها للشم. بالنسبة لـ شادراك على سبيل المثال، الرائحة الحلوة للدم مرعبة بالطريقة التي تقدح فيها زناد الذاكرة للقائه التصادمي مع الموت أثناء الحرب. موت تشيكن ليتل هو أيضاً مرتبط برائحة رهيبة.
البنية في "سولا" هي منظر شمي أدبي مليء بالتوتر والإبهام، موريسون تجعل القارئ يتجول في متاهة من الرغبات المحرمة. عملية مشابهة جداً يمكن أن ترى في رواية كينكايد "مذكرات أمي". حبها لروائح جسدها هو بالنسبة لـ خويلا، بطلة الرواية وراويتها، طريقة لمقاومة الأحكام المحيطة بها، على أنها تافهة، غير محبوبة، ومستهجنة. في عيون الآخرين، تقول، «الشكل البشري والرائحة كانا فرصة لتكديس الازدراء» عليها، طريقتها في استرجاع الاعتراف والتقدير لنفسها بتأكيد متكرر لشذاها الشخصي أو لرائحة الجسد بالقول مراراً وتكراراً: «أحب رائحة القذارة الرقيقة خلف أذني، رائحة فمي غير المغسول، رائحة ذلك العقيق بين ساقي، الرائحة في ثنية ذراعي، رائحة قدمي غير المغسولة.»  يمكن القول إن خويلا تدعي مكاناً لذاتها المختلفة عرقياً، بجذب انتباه القارئ لروائح جسدها الشخصية، إنها تصر على صلاح «جواز مرورها الشمي» بحسب تعبير فرون.  هي أيضاً تدعي مكاناً لجنسانيتها بالتأكيد على الشخصية المغرية لروائحها: «تغيرت رائحة إبطي وما بين ساقي وهذا التغير سرني.  في تلك الأماكن تصبح الرائحة لاذعة، حادة، كما لو أن شيئاً ما يجري تخميره، ببطء، وفي السر، بين الحين والآخر، لم تغادر يداي هذه الأماكن، وعندما كنت بين الناس، لم تكن هاتين اليدين بعيدتان عن أنفي دوماً. وهكذا استمتعت على طريقتي في شمها، بين الحين والآخر.»
كما في سولا، عبث مشابه في "المذكرات"، العطور والروائح "الطيبة" مختبرة من قبل خويلا كشؤم ووعيد: «أشم من إبطي ليز عطراً. صنع من عصير الزهور، هذه الرائحة ستعبق في الغرفة، ستعبق في منخري، تنتقل إلى معدتي، وتخرج من فمي، في موجات من التقيؤ…» رائحة والدها، تلك المشابهة «لرائحة اليود ونبات كف الذئب البنفسجي وحمض الكاربوليك»، تبدو «منظمة ومعقولة» وتدعم إحساسها بكونه سجان وشرطي أكثر من كونه أباً.
في سياق دراستي المسألة المثيرة هي ما إذا كان مثل هذا السرد المخل بنيوياً كما في "مكتوب على الجسد"، التي تعلن صراحة ارتباطها بالجسد من خلال عنوانها، أيضاً يتعدى على أعراف الصور الحسية، لاسيما من ناحية حاسة الشم التي في منزلة متدنية. الإجابة هي أنه، فيما يتعلق بالشم، رواية "مكتوب على الجسد" سرد يتبع في معظمه المتعارف عليه في الدلالة على الحب من خلال روائح الزهور وعلى التنافر عبر الروائح الكريهة، وإيهان وفضح هذه الأعراف بطريقة غير متوقعة ليس سوى في فصل "الحواس الخاصة"، في نهاية الرواية. بخلاف "سولا" أو "مذكرات أمي"، في "مكتوب على الجسد" البيئة النظيفة الصحية والبرجوازية العديمة الرائحة تتقاطع عرضياً فقط مع روائح المبولة، الغائط، الدم الطمثي والبخر الجنسي.
تقدم الحكاية في الجزء الأكبر منها، لويز العاشقة المثالية (لأنها اختفت بغموض) وهي تشم الحطب، الزهور، والبحر. ينبثق هذا النمط من المخيلة الشمية التي تصل النساء بنبات اليوفي بدلاً من ربطها بعالم من روائح حيوانية كرائحة المسك، في القرن التاسع عشر ليصبح منتجاً رئيسياً للتصوير الفيكتوري للنساء. كان التحول عن عطر الحيوان وصعود موضة روائح الزهور بنتيجة رؤية جديدة للتصورات الأخلاقية للرائحة. عندما يعد التواضع فضيلة أنثوية أساسية، «حلت صور نباتية محل تلك المقترضة من دورة اللواحم»، في حين «البخار الثخين للحم المشبع، روائح ثقيلة، ومساحيق مسكية كانت (لائقة) بحجرات المومسات أو حتى للمبغى»، يكتب كوربين. في قصة حب وينترسن تفوح لويز بالبراءة. براءتها تطرح رمزياً من خلال نظافتها: تخرج عدد مفاجئ من المرات من حمامها برائحة الصابون والزيوت العطرية. التقليدي (على الأقل بالنظر لتصوير النساء) هو أيضاً الربط النصي للويز برائحة القهوة والخبز. الطبيعة والبيت مكانين فيهما تموقع صور الراوي عن الرائحة لويز. مزالة الرائحة ورومانسية، لويز الشمية هي المرأة الفيكتورية الجامعة لا يمكن أن توصف رائحتها أبعد من الإشارة المكررة ثلاثاً إلى "رائحة لويز".
بخلاف لويز النظيفة التي تفوح منها رائحة البحر، تتسم جاكلين، التي يتخلى عنها الراوي من أجل حبيبة جديدة، برائحة حيوان: لها رائحة حديقة الحيوان التي تعمل فيها. تستحم لتزيل الرائحة، وليس لتعطر جسدها. تصوير الراوي لـ جاكلين بمفردات روائح الحيوان بدلاً من الزهور التي تومئ إلى معنى أنها قذرة ودنيئة. هذه التضمينات مكتشفة في واحدة من فقرات الرواية المحورية. أشير إلى المشهد الذي يعود فيه الراوي إلى البيت بعد ليلة أمضاها مع لويز ليجد أن شقته/ها خراباً. جاكلين خربت ما استطاعت، وقد حولت الغرفة إلى قن دجاج، والحمام إلى مكان يبدو كما لو أنه كان هدفاً لسباك سادي ومنحرف. اكتشاف الراوي لآثار حضور لـ جاكلين الغائبة الآن يبلغ منتهاه في إلقائه نظره على باب الحمام ليرى كلمة اللعنة مكتوبة بالغائط على ما يبدو من قبل جاكلين. هذا يسمح للراوي التعرف إلى مصدر الرائحة التي عبقت في الشقة. تصبح رائحة الغائط توقيعاً للمرأة التي يربطها الراوي بعالم الحيوان: «إنها غير متحضرة، فظة، وشاذة، إن المرأة الظريفة الفيكتورية هي أخرى. حيث بخر جسدها يعبق بالغرفة، يتجاوز حدود الأنا ويعتدي عليه. هكذا رائحة الغائط الذي أشارت به جاكلين إلى خروجها ليس فقط إمضاءاً رمزيا لموت الحب. يجتاح عالم الحب الناشئ بين الراوي ولويز، إنه ينتهك الحدود المتفق عليها بين الحياة والموت، يدمغ التحلل المادي إلى جنس، ويكتب عنفاً بالجسد، أو على نحو أصح ببقايا الجسد.
الروائح موظفة إذن من قبل الراوي أو ربما بشكل أصح من قبل وينترسن-ليسم حبيباته بشكل تقليدي إلى حد ما عندما يتخلص آلجين زوج لويز من حبوب النعناع التي تلقاها من أبيه، يخسر ماضيه ويقايض روائح طفولته اليهودية بأجواء مختبر طبي سويسري عديم الرائحة. انعدام رائحة آلجين نصياً مرتبط بعجزه العام وحياته الفارغة. عندما ينظف الراوي حمامه من غائط جاكلين ينهي علاقاته الجنسية المغامرة ويرسو للتقليدية ولقصة حب شاعرية. تعرف جدة لويز الراوي بأنه له «مظهر شيء من قسم النظافة».
خلاصة القول، في معظم الصور الشمية في "مكتوب على الجسد" المنقولة ضمن المعارضات الثنائية التقليدية: الروائح "السيئة"، تكون من الغائط أو الحيوانات، تنافر لافت، انحراف، فقر، وموت (الحب)، الروائح "الطيبة" (للزهور، خشب الصندل، والبحر) مرتبطة بالإثارة الجنسية والفضيلة، أو ربما بطريقة أصح، الشهوانية المتعففة، في حين انعدام الرائحة هو مساوي لانعدام الحياة.
مع نهاية الرواية، الروائح غير التقليدية المشار إليها رغبة في تحديد جسد لويز والإفصاح عن رغبة الراوي بها. في فصل "حواس خاصة"، يمعن الراوي في روائح لويز الجنسية مشيراً إلى «رائحة الخميرة» الصادرة عن لويز بعد ممارسة الجنس. ويلحظ كيف أن روائح لويز تتغير أثناء دورتها الشهرية.  عندما تكون لها "رائحة البارود". يصور الراوي كون لويز الشمي كخليط من روائح الغائط والبخر. إنها «مركب غبش من قش ماشية شذي وبخور مريم. إنها لبان ومر روائح من الموت والايمان». بتعبير آخر يكسر استعمال وينترسن للتخيلات الشمية التقاليد باكتشاف واضح لدور الرائحة في الانجذاب الجنسي. إقدام الراوي المحتمل على الانتهاك مرتبط بالشم أيضاً. قبل أن يصبحا عاشقين بقليل، يشعر الراوي بغواية تناول سروال لويز من سلة الغسيل ليشمه. هذا الانتهاك الجنسي توقف بسبب دخول لويز الغرفة تفوح منها «رائحة صابون خشب خام».  لكن مع غياب جسد لويز، يصبح الراوي شفهياً "شمام سروال" لا يمكن له أن يكونه في حضور لويز كما لو أن الغياب فقط يمكن أن يثير إمكانية الشم الآثمة.
واحدة من المسائل التي لم أبحثها هي تجنيس الروائح في رواية "مكتوب على الجسد"، "مذكرات أمي" و "سولا". كما هو معروف، بدءاً من عصر التنوير، أصبحت حاسة البصر بشكل متزايد محسوبة على الرجال، «الذين هم من المستكشفين، العلماء، السياسيين، أو الصناعيين-كان ينظر إليهم كمكتشفين ومسيطرين على العالم من خلال نظرتهم المتحمسة». بخلاف البصر كانت حاسة الشم تعد «حاسة الإلهام والمشاعر، من الأعمال المنزلية والإغواء، كلها كانت تحسب على النساء». استغلت موريسون، كينكايد، ووينترسن هذا التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول أنثوية) لكن بطرق مختلفة في كل من "سولا" و"مذكرات أمي"، ارتبطت الروائح الكريهة غالباً بالحقل الدال على الحب، الفردانية، والوحدة، في حين أن الروائح "الطيبة" ارتبطت بالموت والانفصال. في "مكتوب على الجسد" وثانية في "مذكرات أمي" العرف في تصوير النساء بمصطلحات الروائح "الطيبة" كشف سواء بإشارات واضحة على القدرة الجنسية للعطور وبمنح الروائح "كريهة" نفس القوة الجنسية التي للعطور. تشترك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم. شيرة إلى أهمية الشم في المحادثات الأدبية، بالرغم من أن الحدود الدقيقة للخريطة الشمية للأدب لم ترسم حتى الآن.
من المفاجئ أنه برغم الاهتمام النقدي الشديد بالجسد وبالرغم من الادعاء بأن «علم الجمال ولد ليكون خطاباً عن الجسد»، نتشبث بشدة بالجماليات الذي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلاّ لحاستي النظر والسمع. حان الوقت لمراجعة هذه الجماليات بتضمين حاسة الشم وهي وفقاً لبعض النقاد حاسة ما بعد حداثية بامتياز معولين على مفاهيم بودريار عن مافوق الواقع والصور الزائفة "المحاكاة"، Classen et al يكتب: «العطور المركبة اليوم مثيرة لأشياء ليست موجودة، لحضارات غائبة… هذه الروائح المصطنعة هي إشارة دون مرجع، دخان بلا نار، صورة شمية نقية». في حين لا أملك حجة لوجهة نظرهم عن الرائحة في الواقع اليومي ما بعد الحداثي، في رأيي إن الظهور المتنامي لحاسة الشم (لأخلط العيني والشمي مرة ثانية) والنقد المتنامي لترميزها التنويري (الترميز المتضمن للجندر، العرق، والطبقة) قد يسمح لنا بالتفكير بالشم باعتبارها حاسة ما بعد حداثية. الشم، هذه الحاسة الأكثر شعورية من بين الحواس، تحمل إمكانية عظيمة مدمرة في قدرتها على التعدي على الحدود، مهاجمة العقلانية، وتحرض مشاعر الاشمئزاز والانجذاب بفعالية. في الروايات التي تمت مناقشتها هنا، يهاجم الشم التراتبية المؤسسة على العرق، الإثنية، الجنس، والتوجه الجنسي. إنها تغير الاقتصاد العاطفي، تعيد تنظيم العالم الاجتماعي والأخلاقي، وتنتهك الانفصال. إن إعادة الترميز للشم هذه أيضاً كاكتشاف لقدراتها التدميرية التي أجدها واحدة من الظواهر المثيرة في أدب ما بعد الحداثة.
لابد من التأكيد على أن الأهمية المنسوبة للروائح هي ثقافة وزمن محددان. وطالما أن الروائح مستثمرة بقيم ثقافية، يطرح ترميزها الثقافي نماذجاً لوسم وتفسير الآخرين على أنهم آخرون ولكتابة مخطوطات عن التفاعل المتبادل بين الذات والآخر.  علاوة على ذلك، طالما أن حاسة الشم مثلها مثل باقي الحواس، متلاعب بها ومتأثرة بمعتقداتنا، كما أشار ميلر، تغيير المعتقدات عن الشم في عالمنا ما بعد الاستعماري المليء بـ"الآخرين"، إعادة ترميز الرائحة قد يكون لها أثر سياسي بعيد ونتائج اجتماعية، لاسيما لو قبلنا أن فعل الشم هو ذوبان ذاتي واندماج مع الآخر، كما يؤكد أودورنو وهوركهايمر. يبدو أن هناك بديلاً معرفياً مميزاً تقدمه الرائحة، البديل أيضاً مكتشف في "عطر" زوسكيند، الراوي مرتبط بشدة بالرائحة كارتباط الراوي الأوديبي بالنظر واللمس. حان الوقت للبدء باستكشاف البديل المعرفي الخاص بالشم والأرضية العاطفية، الأخلاقية، والمعرفية التي يمكن لها أن ترسمها.


دانوتا فجيلستيد: أستاذة الدراسات الأميركية وما بعد الاستعمارية في معهد بليكنج في السويد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق