السبت، 28 نوفمبر، 2015

مملكة الكارثة: أليوشا وولد لاسوفسكي



ترجمة : الحسن علاج

ALL THAT FALLS, by Willy Kautz
وحده لغز الإبداع يكشف، بالنسبة لـ موريس بلانشو (Maurice Blanchot)1 عن «عزلة جوهرية» ويجعل من الأدب مكاناً لاختبار مهمة أبدية. تتوارى العزلة ضمن التفكير في عمل موريس بلانشو. فهي من بين كلّ الشرودات تعتبر في ذات الوقت تسكعاً ومنفىً، تحطيماً وانكماشاً، اختباراً للفراغ والعوز، للتخلي والانطواء على الذات. كل شيء يبدأ لدى بلانشو بالوحدة، كل شيء يبدأ حينما تقتحم «صلابة الصوت المتوحد» التي تعتبر الأقوال، الصرخات، الهمهمات، «الهدير اللامدرك» [لوتريامون] (Lautréamont)2 [وساد] (Sade) 3، 1963 للصمت التراجيدي. تقوم العزلة هنا بكسر انطواءات السريرة. هناك، تغيّبك العزلة كقوة في الوقت نفسه مؤثرة -تضع الموضوع خارج ذاته- ومضمرة، صدى لقول بعيد. تتشكل العزلة «مثل عنفها الخاص للإقصاء، رفض ساطع للمحتمل، خارج صيرورة لمعانها» ["ليس ثمة انفجار..."، 1978]. لا توجد على الأرجح واحدة من شخصيات بلانشو لا يكون بإمكانها تكرار ما قالته امرأة لعشيقها في "عميناداب"4 " Aminadab " ـ 1942 ـ : «تعطيني نظراتك على الدوام الانطباع أني مفقودة بالنسبة إليك.»
العزلة هي الهاوية والمنخس، التجربة الأكثر شيوعاً والتي من المتعذر القبض عليها. إن ما يبعث على الضجر -كالانزعاج حيث يصارع "طوماس الغامض" (Thomas L’obscur)5(1941): «إلى حدود الساعة كان يصارع في عزلة تضغط عليه»- ثم ما يقتضيه الذعر العاجل للتفكير والعيش: «كف عن ثرثرتك، صرخت. أنا بحاجة إلى أن أكون وحيداً.» [الاجترار الأبدي للكلام6، 1951] فعبر العزلة يعبر الرفض عن كل محاولة لإيجاد السكينة في تأمّل شارد مشارك، في انصهار محسوس وروحي حيث الإنسان يشكل شيئاً واحداً مع الواقع المكتنف: «سوف لن يكون ما كان يعرف أبداً. تلك هي العزلة.» [ الانتظار ، النسيان7، 1962]
في صلب هذا التجاوز الداخلي الذي يحث الحماسة السردية لعمل موريس بلانشو، بيد أنه يميز أيضاً هذا العمل كعمل نقدي، تقوم العزلة بتقليص الفارق الذي لا يتوقف عن الكلام عن باعث الانتظار: «على الدوام ينتظر وحيداً وعلى الدوام مفصولاً بواسطة الانتظار الذي ما كان ليتركه وحيداً» [الانتظار، النسيان، 1962]. إن عدم اتفاق المتعارضات يفترض تضحية: [تضحية] عدم اتفاق الكائن البشري مع ذاته. لأن الأمر يتعلق بوضع مسافة، بإعادة ابتكار الانفصال، بالاعتراف بالقوة الطاردة للعزلة، الدخيل الأكبر. يعبر بلانشو عن دوار التفضية (l’espacement): «حينما أكون وحيداً، فإني لن أكون وحيداً» [الفضاء الأدبي8، 1955]. "جوهرية"، لو شئنا ذلك، تضع العزلة حداً يمكن لـ "طوماس الغامض"، من خلاله، أن يعتبر على السواء غامضاً وشفافاً. يعتبر الكلام على انفراد، منذ الآن، ذا معنى، بما أنه عبر هراء الكلام المتوحد يتصادم المعنى الأخير وينكشف، الذي يتجلى في الإنكار. تمنح القطيعة مع كل الروابط "طوماس" القدرة على الإحساس في صلب كل الأشياء، كي يشعر أنه مقصي من الكل. إننا ندرك أن عمل بلانشو يتأكد في التوتر الدائم للمتناقضات، الذي يرتقي إلى الضرورة القصوى، إلى قمة القسوة التأملية، المكسوة باللمعان الجليدي للعزلة الذي، من عمق هذا اللمعان، يضيء كل الأشياء في حقيقتها. «لم أكن وحيداً، كنت كائناً ما...». (Le Très – Haut , 1948)9وهكذا يقدّم هنري سورجيه (Henri Sorge)10، نفسه بوصفه سارداً وبطلاً لهذه الرواية السياسية.
مكان الأدب. العزلة تقلق، شأنها في ذلك شأن الصمت؛ فهي تجبر اللغة على العودة إلى الصمت والتناقض. إنها شرط لسطوع الفن، تكون المكان والمسألة الملتزمين بالأدب، امتثال لاجترار الكلام. «كتاب مغرق في اللاشخصية من أجل أن يكتب من طرف الكثيرين»، كتب بلانشو إلى صديقه الكاتب لوي رونيه دي لافوريه (Louis- René des Foret)11، في يوم السبت من سنة 1964. لأن الأدب يضع اللسان في أقصى نقطة عن ذاته، من أجل أن ينضم، عبره، إلى التمزق، تبدّد العلامات والصمت المفارق الذي يشكل كلام الكاتب: «يكون العمل وحيداً: لا يعني هذا أن التعبير عنه يظل متعذراً، ما يظل متعذراً على القارئ. على أن من يقرأه يساهم في تأكيد عزلة العمل، كمن يكتبه ينتمي إلى خطر تلك العزلة» [الفضاء الأدبي، 1955].

كيف بكلام متكرّر ثم إنه لامتناه يستطيع التماهي مع ذاته، يتأمل؟ أي عزلة هذه التي تُسائل لغز الإبداع وتعرض فعل الكتابة للخطر، عبر الخطر الذي تحدثه؟ ينبغي على الصوت، كي يتملك وينتفي، أن يلحق بالصمت الذي يكون الكلام، على الذات أن تنعطف نحو تلفظها الخاص. أن تنفصل عنه حتى تتصل به، تلك هي تجربة العزلة. العزلة مثل الظاهر، خلاء الأدب، إن هذا المكان الذي يكون في حوزة أي فضاء مهما كان وفي حوزة صيغة زمنية أخرى، ثم إنه ينبغي ملؤه على استعجال، وفقاً لخطوط انحراف وانحناء. اسم آخر للحرمان، للفراغ والمنفى، مملكة حقيقية للكارثة، تجعل العزلة من الكاتب شخصاً محروماً من كل شيء: «الكاتب، الأرق يومياً» [ كتابة الكارثة12، 1980]، ممنوعاً من النوم. معتاشة وفقاً لصيغة لا شخصية، تجعل العزلة من الكاتب «متسكعاً مفتقراً إلى وسائل التسكع» [الكتاب الآتي13، 1959]، منذوراً للتسكع في غرابة ما يتستر ويستعصي على الانكشاف. ترسل العزلة صوتاً «لم يبدأ، لم ينته»، صوتاً قادماً من مكان آخر. «صوت عبثي؟ ربما.» [صوت قادم من مكان آخر14، 1992]، ومع ذلك فهو ليس «كلاماً منفياً» -ما به تتشكل الثرثرة- وليس خالياً من المعنى.
وهكذا مسائلاً أساس العزلة، التي تعتبر هي أيضاً «ألفة للالتماس مثل تبدد الخارج» [الحوار اللانهائي15، 1969]، يسائل بلانشو علاقة الكاتب باللغة، مازجاً بين التأمل الفلسفي والمتخيل الشعري، فكر تخيلي وفكر تصوري، عاملاً على الضم بين العمل النقدي والعمل الإبداعي، صوت سردي وصوت خطابي.
يشكل فكر بلانشو منطقاً للخطاب وللفكر المشيد على مفارقة الكاتب الذي «يعي عزلته وبالتوجه إلى  قارئ وعبر وسائل تحول دون بقاء الإنسان وحيداً. تتميز عبارة وحيد شأنها في ذلك شأن عبارة خبز بعموميتها. ما أن يتم تلفظها [كلمة العزلة]، حتى يتم جعل كل ما تم إقصاؤه حاضراً» [عثرات16، 1943]. مفارقة أخرى، العزلة تحديداً هي معرفة أن لا شيء لا يمكن التعبير عنه في الكلمات الأكثر شيوعاً.
إن الـ «عزلة الجوهرية» ، بالنسبة لـ بلانشو ليست الـ "عزلة في مستوى العالم» التي هي "جرح" لا مجال معه إلى العودة. وهي ليست كذلك عزلة الفنان التي ليست أساساً عزلة، بل "تأملاً". وحدها عزلة العمل تكشف «عزلة جوهرية» وتجعل من الأدب موضعاً لتجريب مهمة غير منتهية. الكتابة، بالنسبة لـ بلانشو، هي «اللامتناهي، المستمر». لا يمكن القبض عليها، غير محسوسة، ثم إنه يتعذر التحقق منها، تكون عزلة العمل لا مكتملة ولا غير مكتملة. «الكتابة، يواصل بلانشو في الفضاء الأدبي، هي تقويض الرابطة التي تضم القول إلى أناي [...] انتزاع اللغة خارج العالم، فصلها عما يجعل منها سلطة.»
لا-داخلية وممتنعة عن المكوث مقفلة، تتيح العزلة الفرصة لقول بدون تقسيم، بدون تجميع، ومع ذلك فهي متعددة، مشظاة: «لن تكون هناك عزلة إن لم تقم هذه الأخيرة بتقويض العزلة من أجل عرض الوحيد خارج المتعدد.» [كتابة الكارثة، 1980]. إن «حصة العزلة» تلك هي دعوة لعزلة سابقة على كل انفراد، صوت غائب للوحدة على أنها مفترضة على الدوام، بما أن العزلة هي «الشيء ذاته بالنسبة للجميع وفي هذه الحالة نحن جميعنا موحدين إلى حد انفصالنا» [ الرجل الأخير17، 1957].
أخيراً، في الانتظار والتأخر، في الأجل والظرف الطارئ، يستدعي تمثيل العزلة لدى بلانشو المواجهة المتوحدة مع الموت: «حيث تمكنت من أن أكون، في الغياب، في التعاسة، في قدرية الأشياء الحية، في عناء العمل، في تلك الوجوه التي يولدها فضولي، في أقوالي الخاطئة، في يميني الكاذبة، في الصمت وفي الليل، منحتها [العزلة] كل طاقتي وأعطتني كل طاقتها، بحيث أن تلك الطاقة الجبارة، غير مؤهلة للتقويض بواسطة لا شيء، تحكم علينا ربما بتعاسة لا حدود لها، لكن إذا ما حصل هذا ، هذه التعاسة آخذها على عاتقي وأسر بها سروراً لا حدود له ثم، إليها أقول على الدوام: " تعالي" ، وأبدياً، تكون هناك» [ إيقاف الموت18، 1948].



الهوامش:
1)  موريس بلانشو (Maurice Blanchot)(1907 ـ 2003)، روائي، ناقد أدبي وفيلسوف فرنسي.
2) لوتريامون (L’ Autréamont) (1846 ـ 1870)، شاعر فرنسي.
3) ساد (Sade) ( 1740 ـ 1814 )، أديب، روائي، فيلسوف وسياسي فرنسي.
4) عميناداب (Aminadab)، رواية لموريس بلانشو.
5) طوماس الغامض (Thomas L’Obscur)، هي رواية موريس بلانشو الأولى نشرت سنة 1941 وأعيد نشرها في عام 1950، ويحيل العنوان على هيراقليطس، ويعتبر طوماس شخصية مركزية.
6) الاجترار الأبدي للكلام (Le Ressassement éternel)، مجموعة تتكون من محكيين من 1935 و1936، ظهرت سنة 1952.
7)  الانتظار، النسيان (L’Attente , L’Oubli)، هذا الكتاب هو عبارة عن نثر شعري مطول وشذري يحكي عن الانتظار والنسيان في قلب غرفة فندق. حوار بين رجل وامرأة ينتظران، يتوقعان؟
8) الفضاء الأدبي (L’Espace Littéraire)  غاليمار سنة 1955. ظهر بعد خمس سنوات من كتاب حصة النار.
9) (Le Très – Haut)، رواية لموريس بلانشو.
10) هنري سورجيه: هو من يقوم بالسرد في رواية (..Le Très – Haut)
11) لوي رونيه دي لافوريه (Louis- René des Forét)(1916 ـ 2000)، كاتب فرنسي.
12) كتابة الكارثة (L’Ecriture du désastre) ظهر سنة 1980.
13) الكتاب الآتي (Le Livre Avenir)، ظهر لأول مرة سنة 1959، يسوق معرفة جذابة وقلقة، يتحدث عن بروست، أرتو، بروخ، موزيل، هنري جيمس، سامويلبيكيث، مالارميه وآخرين كثر وأيضاً عمن سوف يكون، في يوم ما، الكاتب الأخير.
14) صوت قادم من مكان آخر (Une Voix venue d’ailleurs)، كتاب يتكون من ثلاث مقالات حول "أشعار لوي رونيه دي لافوريه"، وتسعى تلك المقالات إلى التعريف بتجربة الشاعر، بين الصمت والتذكر..
15) الحوار اللانهائي (L’Entretien Infini)، كتاب لموريس بلانشو، غاليمار 1969.
16 ـ عثرات (Faux – Pas)، نشر بفرنسا سنة 1943، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات لموريس بلانشو حول الأدب واللغة...
17 ـ الرجل الأخير (Le Dernier Homme)، كتاب لموريس بلانشو، نشر سنة 1957، غاليمار وهو يشكل مجموعة محكيات.
18 ـ إيقاف الموت (L’Arret de Mort)، محكي فلسفي لموريس بلانشو، على أنه أيضاً يتقاطع مع ما هو سيري، ظهر سنة 1948. أعيد نشره سنة 1971.


المؤلف: أليوشا وولد لاسوفسكي (Aliocha Wald Lasowski)، عضو ينتمي إلى فريق "البحث حول التعدد الإستتيقي" (جامعة باريس -8، فانسين- سانت دنيس). أصدرت دراسة حول كتاب طفولة زعيم لـ جان بول سارتر (غاليمار).

المصدر: عن المجلة الأدبية الفرنسية (Le Magazine Littéraire)، أكتوبر ـ نوفمبر 2007 عدد ممتاز 12 خصص لملف العزلة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق