الأحد، 29 نوفمبر، 2015

خنجر في ظهري، لُعبة الكلمة!: مهدي موسوي



مهدي موسوي وفاطمة اختصاري


ترجمة: محمد عيد إبراهيم

الملائكُ تنتحرُ 1

 أتسمَحين أن أنطقَ اسمَكِ؟
أنسلخَ عن عواطفِ رجُلٍ سالفةٍ؟
أتسمَحين، هل، أن أحبّ، أرفعَ روحي
لأطويها ضمنَ راحَتَيكِ المُبلّلتَين بالعَرَق؟
لأعودَ طفلاً، من جديدٍ، صارخاً من غيرِ عُذرٍ،
أرمي  الأحجارَ، ثانيةً، على سِربٍ من الطيرِ.
أتشكّلُ قصيدةً، من جديدٍ، بركنِ غرفتي العَبوسِ، 
أم، لا! أتّصلَ بكِ هاتفياً.
أُقعي هناكَ مع فستانِ زفافكِ وهو مُبلّلٌ،
لا يزالُ ينتظرني أن أُجري المكالمةَ.
أما فصولُ حياتكِ الأولى،
فأنّى لي أن أقُصّ آخرَ الحكايةِ؟
لقد عُدتِ، من جديدٍ، إليّ، لكي أحبكِ،
وأنا، يا حبيبي، لم يعد لي الحقّ أن أنسَحِبَ! 


الملائكُ تنتحرُ 2

 جنبَ النافذةِ، ثمةَ مَن يَرقُب حياتَه وهي تنفَضُّ.
الزّهو يُرِيني سُلطانَه.
أهوَ المَحاقُ؟ شمسُ منتَصفِ النهارِ، كئيبةٌ،
توفِد مواساتِها للسماءِ.
أرثي لنفسي قليلاً، لو وَهَبَتني
عبثيةُ عالمكَ الفرصةَ.
يقمَعني الزمانُ تحتَ قدمَيهِ،
ودائماً، يرهنُ دَوري للآخرين.
رفعَ الولدُ الشَفرةَ، شَقّرُسغَه،
بينما واصلَ أبوهُ إطعامَ طفلهِ المتَخيَّلِ.
ثم وقعَ الزلزالُ، فانفتَحَت عيناي
لتريا مَن كانَ يهزّني في المنامِ.


الطائر الصغير ليس طائراً ولا صغيراً

 أتسَمّرُ كالصّخرةِ، كي أتحدّى التَهشيمَ.
قد جَرفَتني الروافعُ بعيداً، الآنَ.
إلى معبودٍ لم نعُد نَعبدهُ.
كلّ علّةٍ تُفضي إلى عكسِها.
نأسَى على ماضٍ تبدّدَ، ننتظر
غداً على غِرارِ حَفرياتٍ.
عَفافي يدمّرني؛ وأصحابي والبلدَ؛
وإن دمّروني الآنَ، فلي أبياتُ شِعري.
مِلفٌّ منبوذٌ بأرشيفي أنا؛
فتعالْ اقرأني بعيداً عن هذا النصّ المَرصوفِ.
لم يكُن مطراً، معَ أن وَجهي مُبلّلٌ.
ولا عبءَ مطلوبٍ، بل خِنجرٌ في ظَهري.
كفاكَ التماسَ الأسماءِ، هي لُعبةُ الكِلمةِ الخؤونِ!
قابيلُ أيضاً، صاحبي، حملَ اسمَ "أخي".
من المَهدِ فصاعداً، والألمُ حليفُكَ.
صاحبُكَ الأوحدُ الوحيدُ، الألمُ حليفُكَ.
واستَحلتَ شاعراً، لقَطيعٍ من الأدنياءِ.
استَحلتَ شاعراً، ولا شِعرَ غيرُ الألم.

أنشرُ هذا فحَسبُ لكَ

طارَ وَحْيي من وَجهِ هذا البيتِ؛
وقد اشتدّ جَناحا البنتِ فطارت من منزلي.
طارت عصافيرُ، طارت طيوركَ، وغِربانكَ؛
بعدَما نُودِي باسمي، طارت أصابعكَ الجامدةُ.
لقد طارَ العصفورُ وغولُ الأحزانِ
يغزو عُشّ أحلامي،لَكالنّسرِ.
هذا اللّحنُ من داءِ خُسرانكَ أنتَ الذي
أومأتَ لي من عُلبةِ "الفاليوم".
حيثُ ساعي البريدِ، الحمامةُ البيضاءُ، ماتَت من زمنٍ،
فاستَحالت الكلماتُ أجنحةً، مِن ثَمّ طارت رسالتي.

*****

إيران.. حيث الشعر الحديث جريمة في حق الوطن
أمير طاهري

أثار الحكم القاسي الذي أصدرته محكمة إيرانية بحق الشاعرة فاطمة اختصاري والشاعر مهدي موسوي صدمة وغضبا كبيرين في الأوساط الثقافية الإيرانية، فكتب أكثر من 300 مثقف رسالة إلى خامنئي يناشدون فيها إلغاء الحكم، لكنهم لم يتسلموا منه أي جواب. وعلى المستوى العالمي، كتب 16 شاعرا أميركيا، ومنهم الشاعر الشهير جون اشبري، رسالة أيضًا إلى خامنئي، داعين إياه لإلغاء هذا الحكم.
هل إقامة ندوة حول إصلاح الوزن والقافية في الشعر الفارسي تعد خرقا لـ«القيم الإسلامية» وتهديدا لقيم دولة إيران الإسلامية؟
تلك هي رؤية المحكمة الإسلامية في طهران التي أصدرت مؤخرا حكما بسجن شاعرين لأحد عشر عاما، والضرب بالعصا 99 مرة على مرأى من الناس.
أحد المحكومين فاطمة اختصاري التي حكم عليها بالسجن أحد عشر عاما ونصف بتهمة «تقويض أمن البلاد» بكتابة وقراءة عدد من «القصائد المليئة بالغموض التي يمكن فهمها بعدة طرق والتي تشكل خطرا كبيرا».
والشاعرة اختصاري شاعرة سيريالية ولها قصائد يمكن، أو بالفعل تعمدت، أن تقرأ بعدة طرق. فعلى سبيل المثال، صدر أحد دواوينها تحت اسم: «البكاء على أكتاف البيضة»، بينما حمل ديوان آخر عنوان: «خطاب نسائي قبل خبز البطاطس».
وتعد المساواة بين الجنسين موضوعا قويا عند اختصاري التي تصر على أنه منذ خلق الله الرجال والنساء ليس هناك سبب لأن تمنع النساء من الاستمتاع بالحرية المتاحة للرجال.
غير أن المدعي العام الإسلامي في طهران أصر على أن المقصود من «قصائد اختصاري المبهمة» هو «تمرير رسائل سياسية خطيرة». وحسب المدعى العام؛ «فهي تكتب شيئا بينما تقصد شيئا آخر».
بيد أن المضحك في كل هذا أن اختصاري ليست شاعرة سياسية من الأساس. وفي الواقع، كتبت الشاعرة أن أولئك الذين يحاولون توظيف الشعر لصالح أفكار سياسية يرتكبون خيانة في حق الاثنين.
وبصفتها محررة للمجلة الأدبية الشهرية «غد واحد فقط»، فتحت اختصاري المجال لكتاب وشعراء من كل أطياف الفكر بمن فيهم بعض الخمينيين. غير أنها بصفتها شاعرة، لا تستطيع تجنب التفاعل مع البيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة داخل إيران، فليس بمقدورها أن تدير وجهها للاتجاه الآخر بعد أن رأت قبحا أو قمعا أو رعبا، وكلها أفكار قد تشق طريقها بالقوة إلى بعض قصائدها.
تعد اختصاري كذلك باحثة نظرية في الأنماط الشعرية؛ إذ إن مجموعة مقالاتها التي صدرت تحت عنوان: «خدع لغوية في القصائد الحديثة» مثيرة للاهتمام وذات اتجاه تثقيفي.
أما زميلها الشاعر مهدي موسوي فقد حكم عليه بالسجن لست سنوات، ويعد موسوي مؤسسا ومشرفا على ملتقى شعري في طهران كثيرا ما تحدثت فيه اختصاري وألقت فيه قصائدها. والملتقى الشعري مخصص لتطوير نمط شعري جديد أطلق موسوي عليه اسم: «غزل ما بعد عصر الحداثة».
يدور ذلك الجدل الشعري الجديد حول فكرة أنه بعد تجربة الأنماط الشعرية ومنها الشكل الأوروبي في الشعر والنثر على مدار قرن من الزمان، فالشعر الفارسي في حاجة للعودة إلى الأنماط التقليدية مع إضافة تغيرات جوهرية كي يعكس الواقع الحديث.
ويرفض موسوي جدل الأجيال القديمة من الشعراء القدامى مثل أحمد شامولو الذي ادعى أن الغزل التقليدي مدين بالفضل لموسيقى أوزانه وقوافيه التي لا تستطيع استبدال أي معنى بشكل قوي.
وحسب موسوي، بمجرد أن يتعلم الشاعر الفارسي اللعب بالقواعد التقليدية، فبمقدوره استحداث عدد لا نهائي من القوافي والأوزان التي يستطيع من خلالها التعبير عن أي عاطفة.
بيد أن المحكمة الإسلامية اتهمت موسوي بابتداع «صور غير أخلاقية» في شعره، وعليه، فقد «ازدرى القيم السامية للمجتمع المؤمن».
وأصدرت المحكمة الإسلامية أيضًا حكما لا يقل قسوة بفرض حظر على نشر أي مطبوعات أو ترديد أي قصائد لاختصاري أو موسوي. وبمرسوم قضائي صدر عن وزارة التوجيه الإسلامي عام 2003، «يجرد المحكوم عليهم في تلك القضايا من حق المواطنة»، ويحظر نشر أسمائهم أو صورهم.
وكان اختصاري وموسوي قد قضيا عدة أشهر في السجن منذ عامين، إلا أنه أطلق صراحهما في النهاية بعدما فشل المدعي العام في إثبات اقترافهما جريمة سياسية، ولهذا السبب ركز المدعى هذه المرة على الادعاء بأن الشاعرين قد «خرقا معتقدات إيمانية مقدسة». جاءت مهمة إصدار الحكم أسهل هذه المرة بفضل محاضرة ألقاها المرشد الأعلى آية الله على خامنئي مؤخرا وضع فيها الشروط الواجب توافرها في «الشعراء المسلمين الجيدين».
وحسب مقولة للشاعر المنفي يد الله رؤيائى، فبمقدور الإنسان كتابه إعلان أو بلاغ للشرطة تنفيذا للأوامر، لكن الشعر ليس كذلك.
وأضاف رؤيائى: «حتى الشاعر لا يمكنه أن يأمر نفسه كي يكتب الشعر.. فالشاعر مثل الشجرة تتساقط أوراقها وأزهارها كي تترك مجالا لأوراق وأزهار جديدة».
إيران إحدى الدول القليلة في العالم التي ينظر فيها للشعر على أنه أسمى أشكال الإبداع الأدبي، ففي المدن الإيرانية ترى أغلب شوارع المدينة ومتنزهاتها وقد سميت بأسماء الشعراء أكثر مما سميت بأسماء الفاتحين أو بناة الإمبراطوريات. وإن وجدت في البيت كتابا واحدا فسوف يكون ديوانا يحوي مجموعة قصائد.
بيد أنه بعد استيلاء الملالي على الحكم عام 1979، مرت إيران بإحدى أخطر مراحلها عبر تاريخها الطويل بالنسبة للشعراء والمثقفين بصفة عامة.
المفارقة هي أن كلا من مؤسس النظام، الراحل آية الله روح الله الخميني، وخليفته مرشدا أعلى آية الله علي خامنئي، اعتبرا نفسيهما شاعرين كبيرين. لكن الخميني امتنع عن نشر دواوينه نظرا لاعتقاده أن ظهوره شاعرا قد يقلل من هيبته قائدا للثورة التي تستطيع إعدام 4 آلاف شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبعد موته طُبعت المئات من قصائده الغزلية ذات البنية التقليدية (الأربعة عشر بيتا) بواسطة المؤسسة التي تحمل اسمه. ولا ينشر خامنئي قصائده، لكنه ينظم جلسات خاصة يحضرها بضعة عشرات من «المقربين» مرة أو مرتين في العام.
أودع اختصاري وموسوي السجن ولم يقتلا، في حين أن غيرهما لم يحالفهم هذا الحظ، وشُنق هاشم شعباني عشية زيارة الرئيس روحاني للأهواز عام 2014.
لم يكن شعباني أول شاعر إيراني يقتله الملالي؛ إذ إن الشاعر اليساري سعيد سلطانبور تعرض للاختطاف يوم زفافه بأمر من الخميني نفسه وقتل رميا بالرصاص في أحد سجون طهران. والشاعر رحمن هاتفي، الذي كان يكتب تحت اسم حيدر مرجان، قطعت شرايينه وترك ينزف حتى الموت في سجن إيفين. وفى عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني رُسمت خطة لقتل عدد من الشعراء الإيرانيين يملأون حافلة أثناء توجههم لحضور مهرجان، إلا أن الخطة فشلت في الدقيقة الأخيرة. ورغم ذلك، فإن رفسنجاني نجح في القضاء على أكثر من عشرة كتاب وشعراء. وكانت أكبر عملية اغتيال جماعية في عهد الرئيس خاتمي عندما قام عملاء للحكومة باغتيال أكثر من 80 مثقفا منهم الشاعران محمد مختاري، ومحمد جعفر بوياندا.

المصدر: هنا

*****


المنهج القويم في كتابة الشعر تبعا للمرجعية الدينية الرسمية

 في إيران


وظيفة الشعراء تجاه الثور
علي خامنئي
(مقطع من كلمة بعنوان "وظيفة الشعراء" ألقاها في لقاء الشعراء بتاريخ 15/08/2011)



... شاعر الثورة صاحب هوية؛ وهو في الواقع المتصدّي والمباشر وصاحب الميدان في قول كلمة الثورة الإسلامية؛ وهذا ما يجب حفظه؛ يجب أن لا نقع تحت تأثير بعض الاضطرابات الناتجة عن تألّم الشاعر بسبب مشكلةٍ ما، قضيةٍ ما، بسبب شيءٍ ما. في النهاية، الخروج عن الموازين موجود أين ما كان، وروح الشاعر اللطيفة تصاب ببعض الآلام، وهذه الآلام بالطبع تترك أثراً في الشعر؛ ولكن يجب أن لا تتغلّب هذه الآلام على القضية الأساسية للثورة، على تلك الهوية الأساسية للثورة. يجب أن تتحدّثوا من أجل الثورة، يجب أن يكون جهدكم وسعيكم في سبيل قضية الثورة. لقد قام شعبكم بعملٍ عظيم. لقد قلتُ هذا السنة الماضية ـ وعلى ما يبدو في هذا الاجتماع أيضاًً ـ  أنّ القضية ليست فقط قضية الشهادة ـ بالطبع إنّ الشهادة في سبيل الله وحمل الأرواح على الأكفّ والتضحية في سبيل الله، هي قِمم الشرف الإنساني ـ إنّ المعارف الدينية والمعارف الثوريّة واسعة جداً، وهي غزيرة جداً وغنيّة بالمواضيع التي يمكن الاستفادة منها وبثّها.
هذه الوظيفة تقع اليوم على عاتق الشعراء. قد يرى المرء أحياناً أنّ هذه الآلام تؤثّر في بعض الأشعار والأناشيد، وتؤثّر على تلك القضيّة الأساسية؛ عندها، يُصبح الإنسان هنا مغرّداً ومتناغماً مع سرب أولئك المعترضين على أصل تلك القضية. إنّ الشعراء الذين كانوا تابعين لنوادي السلطة والبلاط وملحقات البلاط البهلوي الفاسد، أو كانوا ضمن تيارات يساريّة، قد حنقوا منذ بداية الثورة، ولم يُقبِلوا عليها بوجه جميل؛ وإعراضهم هذا عن الثورة هو ما أدّى إلى تفجّر هذه الإفاضات الجميلة الغزيرة من هذه الفئة المناصرة للثورة.
لعلّ البعض ممّا ترونه من شعراء جيدين وبارزين نبعوا من قلب الثورة، قد ظهروا نتيجة حنق أولئك. حسنٌ، هناك الآن تيارٌ معادٍ لأصل الثورة، أصل قضية الثورة، أصل الحركة التحرّريّة للشعب الإيراني، لحركة الثورة الإسلامية الدينية المحور، فإذا لم يتنبّه المرء للحفاظ على هوية الثورة وقضيتها الأساسية، فسيقترب خطابه من خطابهم شيئاً فشيئاً.
لا مشكلة لديّ مع الشعر المُعارض؛ قد يرى المرء خللاً ما،  فينعكس ذلك في شعره؛ لا مشكلة في هذا البتة؛ إلا أنّه لا بدّ لكم من الانتباه إلى أنّ اعتراضكم هو على الخلل، في حين تكونون مؤمنين بأصل قضيّة الثورة الإسلاميّة. لكن قد يكون هناك من يعترض على أصل القضية؛ عليكم أن تحذروا من أن يتوحّد خطابكم مع خطابه.
فيجب أن يحذر شعراؤنا الشباب الأعزاء هذا الأمر. هناك أشخاص بعيدون عن أصل أُسس الثورة والنظام والتحرّر والاستقلال ومقارعة الاستكبار؛ فلا تغترّوا بمديح أولئك ومحافلهم. وعليكم أن تجعلوا التواصل بينكم أشدّ وأقرب ما استطعتم.
لا تقطعوا يا أحبائي عروة الجماعة.
تفرّقكم يولّد الاضطراب فلا تتفرّقوا 

المصدر: هنا


أنفقوا من ذخائركم الشعـريّـة
علي الخامنئي
(الكلمة التي ألقاها في لقاء الشعراء بتاريخ 04/08/2012)

     إنّ الشّعر مرآة أحاسيس الشاعر، وهو ينبغي أن يكون في خدمة القِيَم. فللشاعر الحقّ في أن يعبّر عن مشاعره وأحاسيسه الشاعرية وإدراكاته ويصبّها في قالب الأشعار التي وهبه الله قريحة إنشائها، ويعرضها للنّاس. فالشعر كفنٍّ رفيعٍ وسامٍ وكنعمةٍ إلهيّةٍ كبرى له مسؤولية ووظيفة. فبالإضافة إلى إظهار الأحاسيس، هناك مسؤولية ملقاة على الشعر. وبرأيي إنّ تلك المسؤولية هي أن يكون (الشعر) في خدمة الدين والثورة والأخلاق والمعرفة. فلو أنّ الشعر أدّى هذه المسؤولية يكون قد أدّى حقه؛ أي قد أدّى عملاً بحقٍّ وبعدلٍ.

وظيفة الشعر كـ"فنّ"
انظروا، يجب تشخيص وظيفة الشعر كفنٍّ، ووظيفة الشاعر كفنّان تجاه الخلق، وتجاه الرّب المتعال، وتجاه الالتزام الإسلامي والثوري والقيام بهذه الوظيفة. وهي عبارة عن سَوْق عباد الله إلى الله، واستنهاض الأخلاق والمعرفة والارتقاء بهما في المجتمع. بالطبع للشعر وظائف أخرى ولكنّ الأساس هو هذا.
يجب أن تلاحظ عدة أمور في الشعر، منها: أن نتمكّن من خلاله من خدمة معرفة النّاس، خدمة دينهم وأخلاقهم، وخدمة الحركة الثورية لشعبنا، والتي هي ظاهرة فائقة الأهميّة والقيمة ونادرة الحصول.

القيم الأخلاقية والثورية: بيتٌ واحدٌ يكفي
بالطبع إنّني أؤكّد على الشعر الغزلي، لأنّ مثل هذا النوع هو أكثر أنواع الشعر تأثيراً، لهذا فإنّه من الأفضل أن تكون مثل هذه المفاهيم التي نريد أن ننشرها في المجتمع من خلال الشعر، في قالب الغزل. فلو أنّكم خصّصتم في قصيدةٍ غزليّةٍ تبلغ سبعة أو ثمانية أبيات، بيتاً واحداً ذا مضمون ثوريّ أو أخلاقيّ أو عرفانيّ فإنّ هذا الغزل سيكون غزلاً ثوريّاً، وسيكون أخلاقيّاً أيضاً ويفعل فعله. فلو أنّ أستاذاً في الرياضيّات تفرّد أثناء الدّرس بذكر كلمةٍ عن التوحيد أو الخلق أو عصمة الأنبياء عليهم السلام فإنّني أتصوّر أنّه سيكون أكثر تأثيراً من حصّةٍ كاملةٍ لأستاذ المعارف الدينية. وهذا هو المطلوب في الشعر الغزليّ. ففي قصائدكم الغزليّة، اذكروا مشاعركم وأحاسيسكم وعواطفكم وكلّ ما لديكم من عشق وحماس في أبياتكم، ولكن خصصوا في هذه القصائد، التي قد تبلغ سبعة أو ثمانية أبيات، بيتين للمضمون الإسلاميّ الأصيل والثوريّ والأخلاقي، فهذه نقطةٌ مهمّة جداً.

أركان الشعر: اللفظ، المضمون والمشاعر
وتوجد نقطةٌ أخرى، وهي أنّ الغزل يعتمد في الحقيقة على ثلاثة أركان: اللفظ والمضمون [المحتوى] والمشاعر. ولا ينبغي أن يُبتلى أيّ واحدٍ منها بالضعف. فعليكم أن تجعلوا القصائد الغزليّة والشعر بشكل عام، وإن كان مورد بحثنا الآن هو الغزل، بلحاظ اللفظ صحيحاً ومحكماً، وأن يكون نظم الألفاظ محكماً ومتيناً؛ وأن يكون فيه رقّة أيضاً. فهذا فنٌّ، والتفنّن في الشعر يكمن في هذه الأمور.

مضمون الشعر
المضمون أيضاً مقولةٌ مهمّةٌ ولا يمكن أن يتمّ ويكتمل في أيّ وقتٍ. فهو في الواقع أمرٌ لا ينتهي؛ لأنّ ذهن الإنسان ليس له حدٌّ. نحن أحياناً نكسل ونتمسّك بالمضامين التي قالها الآخرون ونكرّرها بعينها، وقد يشاهد المرء أحياناً مضامين حديثة جدّاً لا سابقة لها في أشعار الشباب، وهذا فائق الأهميّة أيضاً. لهذا، عليكم أن تسعَوا وراء صناعة المضمون الذي يمكن صياغته من متن الحياة. في الماضي مثلاً، كان الشعراء يتغنّون بالشمع، وجعلوه محور المئات من مضمون أشعارهم، وأنتم يمكنكم اليوم بالتفكير والتأمّل أن تجعلوا المصباح الكهربائي مثلاً، محور مضامين أخرى. وبالطبع، إنّ للإلهام الباطني والانبعاث الذهني دوراً هاماً جداً.
أما فيما يتعلق بالركن الثالث، الإحساس والشعور، ففي الغزل عامل الإحساس مهم جدّاً. وهو ما يطلقون عليه اسم الحب، لكنّه تارةً يكون عشقاً، وتارةً يكون مناقضاً للعشق؛ كالغضب على سبيل الفرض، ولكنّه، في النهاية، إحساسٌ. فالغزل لا يمكن أن يكون دون إحساس. لذا، أرى أنّ على الشعراء رعاية هذه الجهات الثلاث. وعندها ستكون المفاهيم أيضاً في خدمة هذه العناصر الثلاثة الأساس، أي الثورة والأخلاق والمعرفة.

لا حيادية في معركة الحق والباطل
اليوم، ترون كيف أنّ جبهة الاستكبار قد وقفت بكلّ إمكاناتها، وإعلامها، وقدراتها التنظيمية السياسية بوجه الشعب. وهذا يستدعي الثبات والاستقامة والمقاومة، ويستدعي الدفاع. وهذه أمور يجب أن تنعكس في الشعر. إنّني لا أقول عليكم أنْ تؤلّفوا قصيدةً من خمسين بيتاً بشأن هذه القضية أو تلك. كلا، لتبيّنوا هذه القضية في بيت واحد من قصيدتكم التي قد تبلغ سبعة أو ثمانية أبيات أو بيتين. هذه أمورٌ ضروريّة، فلا يصح أن يبقى الإنسان حيادياً، ففي النهاية، يجب اتّخاذ موقفٍ في معركة الحقّ والباطل.
وقضية الأخلاق هي من هذا القبيل. أما الالتزام والعبثية فهما قضيّةٌ أخرى، ذلك أنّ بعض الناس لا يحبّون الالتزام الثوريّ والدينيّ فتراهم يدعون إلى الهذيان واللامبالاة تجاه القضايا المهمة. إنّهم يرفضون الالتزام بالدين والثورة والأخلاق، ولا يمانعون الالتزام بالأجنبيّ. الالتزام بالدين والأخلاق والمعرفة وقضايا البلد والثورة يُعدّ بالنسبة لهم أمراً سلبياً يسعون للفرار منه، لهذا فإنّهم يتجهون نحو العبثيّة ويدعون إليها. ففي قبال هذا الوضع يجب اتّخاذ الموقف المناسب للوقوف في مواجهة التهديد المحدق بالدين والثقافة والأخلاق الاجتماعية.

أنفقوا من ذخائركم الفنيّة
لقد سمعت بيتاً غزلياً جميلاً يقول: يا يوسف! لا تفرح عندما تخرج من البئر، فهم سيأخذونك إلى السجن.
التفتوا جيداً إلى الخطوط وحافظوا على الحدود. إنكم تمثّلون جبهةً عظيمة تدافعون فيها عن الحقّ والمعنويّات، وأنتم تنفقون في هذا الطريق، وإنفاقكم هو ذخائركم الفنّيّة، وبعضكم يقول إنه مستعدّ أن يبذل النفس في هذا السبيل. فالتفتوا جيّداً إلى أنّ الاستقامة والثبات هما في هذه الجبهة، وإن شاء الله ستصلون إلى ما تأملون. أملنا أن يحفظكم الله تعالى جميعاً.

المصدر: هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق