الخميس، 6 أغسطس، 2015

سعادة العيش في جهنّم

ترجمة: ليليان حاتم
من ملف في "لو نوفيل أوبسرفاتور"

ENFER BY ELIZBETH PROUVOST
دخلت روايات جورج باتاي وأعماله القصصية مجموعة "لاپلياد" الرائعة حديثاً (2004)، فهذا الكاتب كان يرغب في التمتع بالشهرة الشائنة فقط ولا يحبّذ الانتماء سوى إلى "نخبة مشاهير دنيئة". سنراعي الآراء الكاشفة عن قدرة عصره على تقبّل الذين يعارضون ميله إلى تلك النخبة في الفسق اليومي والإباحية الصحية ورفضهم التأمّل في الجثة الضخمة المخيفة التي من صنع الرب، والتي يظنون أنهم ابتعدوا عنها إلى الأبد فيما يلازم الجسد أعمال باتاي بأكملها. لم يؤمن مؤلف "الجزء المحرّم" بالنضال الفكري من أجل تحرير كاذب للتقاليد، بل تحظّر أعماله الكف عن الحظر وتؤكد أن التمتع نتيجة العقبات، فكان وصف بقاء الإروتيكية بـ«إقرار الحياة حتى في الموت» وفق التحديد المشهور لعام 1957.
يليق تشبيه المفكر الأكبر باتاي بالكتاب المقدس المغلف بالجلد وإن يكن من نوع مستحدث. نجد فيه حقاً نوعاً من "الكاثوليكي العكسي" كما قال فلوبير عن ساد. لكن ليس هذا فحسب، فـ باتاي المؤلف ليس ذلك الأسقف الشيطاني الذي تقزمه الشائعة في الغالب. ليس ذلك المتزمت اللواطي الذي تبوّل بطلاته الشقراوات المنتشيات في وجه الأموات. قصص باتاي الخيالية الموجزة الدنيئة ليست كتباً لقراء الروايات بل هي عدوى حمى. جاء في رواية "التجربة الداخلية": «أؤلف للذين ما أن يشرعوا في قراءة روايتي يسقطون فيها كما في حفرة». روايته طقوس قاسية يبرز فيها شذوذ جارح وهمجية آتية من عمق العصور في ظل فولكلور زمنه التجديفي. نثمل باستمرار في روايات باتاي، في الاستكشاف الهلع لـ«نواحي المؤخرة السبخة» وفي تجربة الانحراف عامة، فنتعرّق ونصيح متألمين ونستمني. ليست مصادفة أن يتمكن ميشال فوكو من الكتابة ذات يوم أن جلّ ما بقي للقيام به والتفكير فيه وقوله يعود إلى باتاي وسيبقى كذلك لفترة طويلة.
"قصة العين"، "السيدة إدواردا" و"أمي"، قلّما نُشرت جميع النصوص المجموعة هنا عوض نشرها في جدية في حياة باتاي. حتى رواية "زرقة السماء" المعروفة جداً والتي ألفها عام 1935 وكان في الثامنة والثلاثين، لم تُطبع كاملة إلا بعد مرور عشرين عاماً على تأليفها. لعجز باتاي حقاً عن نشر ملخص الاستسلام للأسوأ من دون عوائق، اذ اعتبرته باريس مناضلاً يسارياً متشدداً ضد الفاشية. "زرقة السماء" حيث ينفجر كل عمل سياسي مثير للسخرية في كل صفحة، في تهلل كئيب يتعدى الألم النفسي المبرح. لكن وضع باتاي كموظف وخشيته الرقابة لا يوضحان ازدواجيته حيال النشر، اذ حمل العديد من نصوصه اسماً مستعاراً مثل لورد أوش في رواية "قصة العين" وبيار أنجيليك في "السيدة إدواردا" التي تمثل الرب في ملامح مومس في ماخور. لا بد أن باتاي حفظ الدرس النيتشوي، فعلى كل رجل عميق التفكير أن يضع قناعاً. لكن ذلك الدرس تضاعف لديه في الغفلية المنشودة في العربدة وفي الاهتمام بالاحتراق بدلاً من الاستمرار وفي رفض تكديس الأموال بواسطة اسمه.

إذا كان ثمة ناحية تميّز باتاي عن الرواية الفاسقة فهي منطقه في الإسراف والإفلاس والتبذير الهوسي. تقديم رواية مشوّشة بالتجارب المثيرة في مقابل ضجر الحياة الملتفة على نفسها والتكديس الرأسمالي. نقرأ في رواية "هلليلويا": «البحث عن اللذة عمل جبان إذ يسعى إلى الإحساس بالسكون، خلافاً للشهوة الجنسية المتلهفة إلى عدم إشباع رغباتها». هنا أيضاً لا يعجز شيء لدى باتاي عن إشباع استرقاق النظر المستمني لهواة "الرف الثاني"، كما لا يعجز شيء عن إرضاء قراء الروايات الپورنوغرافية الكثر. باتاي، الخزي المضاعف.
لطالما شكلت الروايات الإروتيكية المحظورة جهنّم المكتبات بعيداً عن منال القراء. أما اليوم فهي تحتل مكاناً مستقلاً لدى هواة الكتب. لم تعد جهنّم المكتبات ما كانت عليه، بل دخلت اليوم سلسلة " لاپلياد" الكتب التي قيل عنها ماضياً إنها تابعة لـ"الرف الثاني"، بيد أنها لا تظهر علنية على الطاولات. لا تُعرض روايات ساد إلى جانب كتب متفرقة أخرى، فضلاً عن أن نوعية المضمون تختلف، فدناءة روايات بودلير أو بيار لويس ليست رسوم دوبو الشائنة. إذن، بدّلت جهنّم المكتبات عنوانها ومحتوياتها على السواء. يكمن سحر الأدب الإروتيكي في هذا الطابع الشائن المثير المحكوم عليه بالخفاء. ذاك ما أظهره ايمانويل بييرا، محام وهاو جمع كتب إباحية في عمل يحمل عنوان "سعادة العيش في جهنّم". لنكتشف جهنّم الآخرين.
يدعونا الرسام جورج ولينسكي إلى دخول غرفته الدراسية حيث يضع الكتب التي يُفترض ألاّ تكون مبعثرة. نجد إلى يسار سريره الكتب المزينة بالرسوم فيبدأ مع دوبو ويقول إنه يعرض تلك الرسوم المنسوخة على أصدقائه والتي وجدت بعد وفاة رسامها: «قام دوبو بهذا العمل وحده وفي الخفاء داخل مكتبه. يؤثر بي ويروق لي وصفه الدقيق... أما صور أراكي فتزعج زوجتي لكنه يجيد تصوير النساء. أعجب بالرسامين الذين "يتوغلون في التفاصيل" مثل الأميركي كرامب... وكنت صديق غيدو كريباكس الذي كان يرسم زوجته». كما نجد في غرفة ولينسكي "الفتيات المثيرات المجنونات" و"أناجيل تيهوانا" المتضمن رسوماً هزلية إباحية تعرض رموز السينما والشخصيات السياسية الأميركية البارزة يمارسون الجنس في شراهة ويتورطون في مسائل قذرة. أما في أسفل السرير فهناك رواية "الأيادي النقالة" للمؤلف ايسباربك والقصة الرائعة "حياتي الخفية" حيث يروي نبيل انكليزي من القرن التاسع عشر حياته الجنسية مع الخادمات والعاهرات، وتحفة "أوبوس بيستوروم" لـ هنري ميلر. وهناك أيضاً "اعتراف جنسي لروسي مجهول" الذي يعود إلى عام 1912 حيث يتأمل المؤلف في استنساب ما يمكن أن يثير رجلاً. كما نجد "شابة على الشاطئ" لـ هلينا فارلي المتضمن رسوماً جميلة. يعلّق ولينسكي: «أعجب بالنساء المؤلفات لأنهن يفكرن في أمور لا تخطر في بالنا».
الكتب الإروتيكية مبعثرة على الكراسي والطاولات بين روايات أخرى في منزل مصممة الأزياء صونيا ريكيال. نجد بينها "مديح الظل" و"الاعتراف الفاجر" أو "يوميات مجنون عجوز" للمؤلف الياباني تانيزاكي. كما نجد نسخاً عديدة لرواية "ناديا" التي تضعها صونيا في حقيبة سفرها أو تعيرها فتفقدها. وهناك أيضاً "أزهار الشر" لـ بودلير و"المرأة العارية" لـ جورج باتاي و"الستارة المرفوعة" لـ ميرابو و"فن الحب" لـ أوفيد. تعتبر صونيا أن جورج باتاي مفرط أحياناً إلى حدّ أنها تُعجز عن النظر وتصف رواياته بـ"الدقيقة" اذ ينبغي ألا تقع بين أيادي الصغار.
يقول فيليب سوريل: «يمكننا قراءة ما يمكننا أن نحياه ولو في المخيلة فقط. ولدت مشاعري الجنسية الأولى في الرابعة عشرة مع مشاهدتي الرسوم في الكتب وقراءتي مؤلفات بودلير، الشاعر الإروتيكي الأكبر: [ساقاك الجميلتان تحت دوائر الثوب الذي تبعدانه تعذبان الشهوات المبهمة وتغيظانها]». كما يرى سوريل «أن الإروتيكية مرتبطة بالقول، فلا إروتيكية من دون كلام يمثل العنصر الأهمّ. الممارسة الجنسية هي عمل الفكر، فالتذوق والتأمل الفكري سيان ولا فائدة من النشاط الجنسي الخالي من الفلسفة. لذا فإن قراءة روايات باتاي مؤثرة لأنها تسرّ وتحض على التأمل. تتمتع شخوص رواياته بجرأة المستكشفين الذين يرودون نساء مثيرات للاهتمام ويجازفون، لكن يمكن القيام بتلك الأمور في رصانة وسراً؛ [الحب الحقيقي خفي] كما ورد في رواية [درس الليل] لـ فيفيان دونون».
أما الكاتب المسرحي أوليفييه بي فيعتبر أن «ساد هو رجل الكتاب الوحيد، فـ "رحلات سدوم المئة والعشرون". رواية تشكل الحد الأقصى بالنسبة إلى الأدب والفلسفة والتأمل الديني. إنه الكتاب الأكثر خزياً في تاريخ الإنسانية، أملكه بورق توراتي وهو مثير جداً مثلما هو الأكثر إثارة للذعر في ما قرأته. تتيح مطالعته للقارئ تجربة معرفة الذات. إنها الرواية الاروتيكية الوحيدة التي ينتج من قراءتها ما يفوق التسلية».
أخيراً، يقرأ المحامي جورج كيجمن روايتي "السيدة إدواردا" و"أمي" لـ باتاي ويعيد قراءتهما. يجد رواية "سكسوس" لـ هنري ميلر مريحة، كما قرأ "اعتراف فاجر" لـ تانيزاكي والذي ينصح النساء بقراءته. لا ينسى كيجمن القرن الثامن عشر ورواية "لا غد" لـ فيفان دونون و"الليل واللحظة" لـ كريبيون.


المصدر: جريدة النهار اللبنانية، بتاريخ الأربعاء 23 شباط 2005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق