السبت، 18 أبريل، 2015

السقف؛ نحو قراءة نسقية: فيليب سولليرز

      
ترجمة: محمد العرابي           
               

«لا شيء يكون مغلقاً أمام من يُقرُ ببساطة بالشروط المادية للفكر».

Andre Masson, Removal
         بنفس الحركة الواثقة والعقلانية يستبعدُ الإنسانُ السويُّ، الإنسانُ المثقف دفعةً واحدةً الموتَ والكتابةَ والتصوفَ والحيوانَ غير المدجَّن، والفجورَ. وبشكل عام، يؤسِّس الإنسان الرصينُ والعاقلُ حياته على الوعي بانقطاع يضمن وجوده الخاصَّ داخل مجتمع مدنَّس، تحظى فيه بالمقابل مفاهيمُ الفرد والموضوع بتوصيفات التقديس. من جهاز إلى آخر، ومن شيء إلى آخر، يلحقُ الشَّرخ الهويةَ المنفصلةَ، الإيمانَ بالحرية، امتلاكَ الذَّات، مصادرةَ الشيء غير العضوي، التشظي في إطار العائلة والشخص. لنمعن النظر مثلا، في المشهد الحضري الذي نجد أنفسنا من الآن فصاعدا محاصرين داخله: إنه عبارةٌ عن أكوام منْ علب متراكبة أو متحركة فوق عجلات لا تزيد الانفصال الجسدي إلا تفاقماً، مقدمةً إيَّاه في شكل إخراجيٍّ يمعمِّم العزلة. والمكان الذي سيشهد نهايتنا، أي المقبرةُ، يَصل بهذه المنظومة إلى غايتهاـ ولا شيء يصدمنا أكثرَ من نَبش القبور، وانتهاك الموتى. وهذا ما أدركته الحركات الثورية، حين عمدت من بين أوّل أعمالها، إلى المساس بهذه المحاكاة الساخرة للخلود اللصيقة بهالة الموت: هكذا عرَض الشعب في إسبانيا عظام رجال الدين؛ فيما تمَّت في بكين إعادةُ تعميد وتسمية أكوام البقايا البشرية الغربية، باعتبارها رموزاً للاستعمار. وهذه الأعمال لا يمكنها إلا أن تَصدم وعياً منظماً، ومدجناً، وتقوِّض الاطمئنان الذي اختار الإنسان الغربي أن يتحصَّن داخله. كما أنها تؤدي إلى نوع من التدنيس الجذري الذي يُعيد مساءلة واقعٍ عُدَّ غير قابل للمساءلة، ومن ثم تحويله إلى مشهد وإلى خيال وإلى تميمة تُقدم إذن محرومة من المعنى.
     إن العبور من المنقطع (الخاص بعالم حامل للدلالة مشكَّل من أفراد وأشياء) إلى المتصل (المتجلي من خلال الموت، والعنف والثورة) يستعيد اللعبة الأساسية للمنع (l’interdit) والانتهاك (la transgression). فتاريخيا اعتبرت كل من الحيوانية والتضحية والنزعات الدينية الباطنية، وما سمي بـ الجنون أو بـ الإيروسية [بيد أن هذه الكلمات لم تعد من قاموسنا]، وأخيراً الاستعمال اللامتناهيَ للغة [الأدب] وإن كان ذلك يحتاج مزيد إيضاح، اعتبرت حتى وقتنا الحالي مؤشرا على الأمكنة المثالية لهذا العبور المتواصل والغامض.
    ونقر بمساهمة جورج باطاي في إعادة التناول والدراسة المنهجية للروابط الموجودة بين هذه الحركات. بهذا المعنى تختطُّ مؤلفات الإيروسية والنصيب الملعون (الحصاد التطبيقي لمؤلف: التجربة الداخلية) مساراً فكرياً لم يكتمل بَعد، مساراً سريعاً ومُحرقا لاقتصاده نفسه. «ألمح في مجموع هذه الحركات، يكتب باطاي، تشنُّجاً يعرِّض الحركة الشاملة للكائنات للخطر»: نعرف بأنَّا مدعوُّون لأن نصبح هذا التشنُّج الشمولي، ومع ذلك يبقى لنا جانبٌ نتمكن من خلاله ليس من احتوائه أو رؤيته، ولكن من تحديد مداه الحقيقي. ونظراً لوجودنا، من دون شك، في عالم يُحتضر، وباعتبارنا هذا التكرار المُنحطّ الذي يحتضر: فما زال في جُعبة الموت الكثيرَ ليُخبرنا به، هنا، والآن، في هذا الزمن الشائخ، المُتخم والمسدود.
    يعتبر كتاب الإيروسية كتاباً واضحاً. ولكنه أيضا كتابٌ مِلحاحٌ وتكراري، بحيث لا تعلن أطروحته عن نفسها، على ما يبدو، بسبب بساطته البالغة. ينبغي ألا يُنظر إليه فقط، بكيفية سطحية، على أنه مجرد مرافعة لصالح الانتهاك أو الخرق. ولتشكيل الرؤية العامة المقترحة هنا من طرف باطاي، ينبغي الانطلاق من المعطى الأساسي للعلاقة منع/خرق، بإعطاء الكلمتين نفس القيمة، مع التنويه بكل ما يقتضيه ذلك من وضوح بأن هذا الزوج لا يكتسب دلالته إلا في علاقة أحد طرفيه بالآخر. بيد أن الصعوبة تكمن فيما يلي: مع نزوع كلمة انتهاك لمحو وإقصاء كلمة منع [في مجتمع فقد المنع كل قيمة لديه] يصبح من الواجب البدء بإعادة الاعتبار للمنع، وهذا في مستوى اقتصر على جورج باطاي وحده، لكنه سيغدو منذ اللحظة ـ في وقت يتزامن فيه التراخي والانقباض الذي تتعرض له ثقافتناـ الميدانَ الذي سيجري فيه بالنسبة لنا مصير الفكر اليقظ. وهذا المستوى، في كتابة باطاي، هو مستوى التقابل الظاهري خطاب/صمت ولما يمكن فهمه من الكلمات الملتبسة لـ التجربة الداخلية. نقطة واحدة تظل في حاجة إلى تفصيل.ـ وستبقى ربما كذلك.ـ وكل الجهد ينبغي أن يتوجه صوب هذه النقطة أو بالأحرى نحو هذا «السقف من الهيكل، ومن سيفتح عينيه جيداً من علو هذا السقف، دون أن تكدِّر رؤيته حبّةٌ من الخوف، سوف يرى العلاقة بينها من كل الزوايا المتقابلة». ومفهوم السقف لا تختزله النقطة المثالية التي يحددها بروتون «كنقطة الفكر التي نكفُّ فيها عن النظر إلى الحياة والموت...الخ. في تناقضهما» بالمعنى الذي لا يجعل المسألة متعلقة في هذه اللحظة بفكر أو برؤية، بل وبشكل أكثر مادية، بـ  فضاء وبالأخص بعلاقات، لأن الفرق جوهري بين الصيغتين [وهذا ما يمكننا دون شك، من فهم كيف يوجد كل من باطاي وبروتون على النقيض من هيغل]. وبالفعل لن تعود المسألة هي مجرد: ماذا يمكننا أن نراه من موقعنا على السقف؟ ولكن أيضا: ما هذا السقف في حد ذاته؟  واستطراداً: كيف يُعقل أن أحداً من حيث المبدأ لم يشغل نفسه بالتفكير بوجود سقف؟


الانتهاك الزائف
    
    سادَ الاعتقاد بالاستناد إلى قاعدة الاطمئنان العلمي، بأن العصر الحالي هو من تمكن أخيراً، من القضاء على المنع [المحرمات] وأعاد الاعتبار للرغبة. وعلى الصعيد اليومي والمبتذل يصبح هذا الزعم [وهي أيضا فرضية المجتمع الرأسمالي الجديد] يعني إشباع الحاجيات مهما تطلب الأمر، في وقت زاد فيه حجم الاستهلاك بشكل عز نظيره، واتسعت دائرة الترفيه والعودة إلى الطبيعة بل أيضا تناول المخدرات. الترفيه، الطبيعة، المخدرات، قاسمهم المشترك وضع العمل خارج السياق: لقد بدأ يُنظر إلى مجموع سلوكات العمل وكأنها خالية من المعنى، ولكن أيضا لا محيد عنها تماماً مثل وظائف التغذية، والإفرازات، وأضحت الحياة النفسية المجال الشامل لاستيهام الإعلام (l’information) الهستيري بشكل متزايد. نستطيع أن نفهم كيف يتسع في سياق معين [يمكن صياغته بحسب نموذج الدين أفيون الشعوب: «احتكار المعلومة، السبيل إلى إبادة الشعوب»] وهم تجاوز الحدود، وتحديداً تلك المتعلقة بالجنسانية. وفعلاً يتم التعامل من الآن فصاعداً مع الجنسانية كما لو أنها «فقدت كل أسرارها»؛ الجنسانية المقدمة بشكل سافر ستكون إذن من النوع الطبيعي، لذلك ينبه باطاي: «يختلف الانتهاك عن العودة إلى الطبيعة، إنه يرفع المنع دون أن يلغيه نهائيا».
ما دلالة هذا الإجراء الذي لا سبيل للإحاطة به من لدن العقلانية الكلاسيكية؟ وعن أي سوء فهم يظل علامة دائمة وأكيدة؟ وما هذا الذي يسعى إلى نزع الاعتراف به وعبره، في هذا الإجراء؟
     سنقدم للتو أحد عناصر الإجابة: إنّ الانتهاك الذي عوض أن ينفي المنع، يكمله؛ والقانون الذي يستدعي ضمنا إذن، مخالفة القانون، هما، في ظل الاقتصاد الاجتماعي الذي يفرز الإنسان، وداخل اللعبة التي تخرجه إلى الوجود، من نمو وبذل للطاقة، وموت، بمثابة الـ خانات الفارغة لما يمكن أن ندعوه عضوه الرمزي، غير القابل للرؤية ولا حتى الإدراك. هذا العضو هو المتعلق بالتكرار ما دام يكيِّف، بحسب عدد ضربات اللعب التي يوظِّفها، إمكانيةَ العبور من وضعية الاعتقاد والتصدُّع الداخلي إلى الفكر، الذي يعرف بواسطة معرفة غير عقلية، بأنه علة ذاته، وبأنه في ذاته تواطؤ الأضداد وتفاعلها، وأنه في المجموع، ما يقوم عليه الانتقاء الواعي. ومن بين الحالتين اللتين تثيرهما هذه الوضعية: منع بدون خرق أو خرق زائف لا يعترف بالمنع، تعد الحالة الثانية إذن، وبشكل مفارق، الأكثر تناقضاً. كما لو أنّ غياب المقاومة يجعل ثبات الفكر أمراً مستحيلاً، يُسلّمه إلى مجانية بشعة، هازئة، غير قادرة على فهم نفسها وهي في خضم حركتها. إننا نشهد في الحالة الأولى غياب أي تجربة، أو أن هذه تبقى في حالة لا وعي، بينما في الحالة الثانية نشهد استيهام التجربة، مما يؤدي إلى اختفاء المنع من حقل الوعي، تغدو معها كل نزعة لـ التحرُّر مجرد قناع لكبت مضاعف. إن الذي يمتثل للقانون بشكل صارم والذي لا يشكل القانون لديه أي هاجس، يوجدان في توافق تام: وليس من الصعب أن نتلمس كل يوم هذا التعاقد الموجود بين عدمية الكبت وإديلوجية الحرية المطلقة. وسنرى لاحقا كيف ستفصح هذه الوضعية عن نفسها بشكل عنيف انطلاقا من العلاقة المحسوسة زواج/شذوذ جنسي. تبقى الحالة الفريدة منع/خرق [أي ما يصطلح عليها باطاي بالإيروسية أي «الإقرار بالحياة حتى داخل الموت»] خارج أي منطق قائم.

     هذا المنطق الغريب إذن، يسهّل كما يصعب إرساؤه، ذلك لأن الاختلاف حول المعرفة العلمية في المقام الأول، والمنطق الرمزي الذي ينظِّمها في شكل تجريد، لا يزال قائماً. «تبرئة العلم للحياة الجنسية يعني حتما الكف عن الاعتراف بها. فهو في سعيه لتجلية الوعي يؤدي إلى مزيد من التعمية». «لا يجد المنع في الغالب مسوغه في العلم، فهو في نظره يعتبر إما مرضيا و إما أنه نتيجة للعصاب. وهو ما يعني أن تحديده يتم من خارج: حتى في حالة مرورنا بتجربة شخصية في نطاق تصورنا بأنها مرضية، نظل نرى فيها إوالية خارجيةً، دخيلة على وعينا. هذا النوع من الرؤية لا يقصي التجربة بل يعمل على تقزيمها. وتبعا لذلك، فإذا ما تم وصف المنع والانتهاك فباعتبارهما موضوعات، وتلك هي نظرة المؤرخ أو الطبيب النفساني [المحلل النفسي]». إن الوضعية العلميةـ الوضعية القانونيةـ  تسقط على الفور في فخ مسلماتها المنطقية، وستظل كذلك مهما بلغ شأو التقدم والتطورات وتعقيداتهما، ورغم ما يحققانه من نتائج: بقدر ما تُمعن هذه الوضعية في نفيها للمنع، يزداد إقرارها بطابعه المحتمل القابل للتأويل وللصياغة المنطقية، وتزيد في تقوية نمط تواجد المنع. «إن المنع، منظورٌ إليه من كل الزوايا ما عدا زاوية الرعب، لا يعتبر مقابلا للرغبة التي تجد فيه معناها الحقيقي. والأدهى أن العلم الذي من المفترض أن نزعته تجنح إلى تناوله بموضوعية ينبثق من المنع، إلا أنه لا يني يعود ويرفضه، في الآن ذاته، بدعوى عدم مطابقته للعقل».
إن الثقافة القائمة على هذه الأحكام المسبقة [أحكامنا] ستكون إذن، ثقافة انتهاك مزعوم، تجازف هكذا، بإقحامنا في نوع من الحمائية، وفي نوع من الطريق المسدود والاحتقان: يصبح الانتهاك مجازيا بالكامل، بعزله ذاتاً مُدرِكة وموضوعاً مدرَكاً، ومعرفة مبعدةً نتيجة اللُّبس الذي يوجد في أساس كل معرفة، ويتحكم في مجموع داخل/خارج حيث تدور مغامرة هذه الحدود.
   ولكي يضيء هذه الصعوبات يلجأ باطاي لنوع من الملفوظات المتناقضة: يريد أن يجعلنا لا نميز داخلا من خارج، فيما هو يميز جذريا بين داخل وخارج. يحاول جهد الإمكان، بعنفه، الابتعاد عن كل باطنية فيما هو يتحدث عن تجربة داخلية. يقبل بشرعية العلم والفلسفة بيد أن الفضاء الذي يوكله إليهما يتطلب فصله بشكل حاسم عن الفلسفة والعلم. إنه لا يعارض العلم [على العكس] ولكنه لا يتردد في الاستناد على اللا ـ علم. وبالجملة، فإن بداية معالجته البالغة الانسجام، تجازف إذن بالوقوع في سوء فهم ذي بعد استراتيجي: لن تتأخر تهمتا الصوفية والظلامية بأن توجها إليه. ولهذا السبب يخاطب باطاي العقل، ولكي يكون خطابه مقنعا باللجوء إلى مناورات متعددة، يلعب هنا دور الآخر لكلّ خطاب، الآخر لكلّ معرفة مطلقة، إنه يشغل بشكل ما مكان الشيطان (يريد أن يصبح شيطان هيغل)، وهذا ليس بغرض التقهقر بالعقل نحو نوع من النزعة الذاتية المعادية للجدلية، ولكن لأجل جرِّ الجدلية نحو ميدان رهانها بالذات،  نحو ما هو أعمق حيث يكمن المنطق الخفيُّ، الذي جعل هذه الجدلية، داخل لغته، ممكنة الوجود. وهذا الرهان يدل بما لا يدع مجالاً للشك. بالاعتماد على نفس المسافة من العلم والفلسفة، حيث يجد التناقض نفسه في هذا المكان معلَّقاً، بأن وضعيتي كل من العلمي والفلسفي وإن كانتا ضروريتين ولهما ما يسندهما، فإنهما تسمحان مع ذلك بالتفريط فيما هو أساسي. ومن هنا تأتي أهمية الحرص على تأكيدهما، وهذا ليس فقط من أجل إبعاد الوضعيات الكسولة والساذجة، ولكن أيضاً من أجل تحديد من نفس المسافة الخاص بهما. إنّ هذا التحديد هو الذي يمكننا بالطبع، من اللعب على المشهدين في آن، والقبض على تناقض الحدين منع/خرق بشكل يجعلنا لا نراهما أبداً منفصلين، ولو أنَّا نركز، تلقائياً على أحدهما دون/أو على الآخر. وخلافا لإدراك موضوع معين، فإن صيغة من نفس المسافة [هذه الإقامة المنشطرة من العلامة المتساوية] لن تكون مع ذلك هروباً في اتجاه الجهل. وقطعا فـ باطاي ليس رجل علم ولا هو رجل فلسفة ولكنه بكل تأكيد ليس كاتباً ولا شاعراً. من يكون إذن؟
إنه شخص لا تنطبق عليه أية صفة، وإذا حدث وتمَّ تعيينه، دون نفاق، داخل هذا المجتمع الذي نعيش في كنفه، فإن هذه الصفة لن تنطوي على أية قيمة إيجابية. إنه هذه الـ نحن الآخرون (Nous autres) التي أطلقها نيتشه، هذه الصيغة نحن الآخرون... التي تسبق كل تصنيف ويمكن شفعها بصفة فيلسوف، مجنون، مغامر، قديس، مجرم، بروليتاري، عالم، ممثل، شـــاعر إلخ. بهذه المناسبة  تقفز إلى ذاكرتنا جمل من قبيل: «أنا رجل العلم الجالس على الأريكة المظلمة»(رامبو)، «العلم الذي أسعى لإغرائه»(لوتريامون)، التي تنبئنا بأن الخطاب يقع من الآن فصاعداً أمام نفيه غير القابل للاختزال الذي يعتبر هو نفسه أحد أطراف الخطاب ويساهم في تكوينه. وعلى هذا النحو فإن كل إمكانية لوجود معنى أخير يتم وضعها موضع تساؤل [سنرى بأن المعنى الأخير مصدره هذا الإله]، ومهمة حركة الفكر عند باطاي تكمن إجمالاً في اصطحابنا معها نحن بالذات نحو هذا الغياب للغاية، وإعادة تشكيلنا بلا هدف محدد، تماماً مثل كلمات مبتورة إذ تُقذف داخل جملة دون غاية بعينها، داخل ما لا يعرف غير دلالة التبذير والإسراف، في استعمال طاقة لا سبيل إلى إشباعها. ومن أي موقع من خارج العلم يصدر كلامه، فهو لا يستهدف فعليا، سوى خدمة العلم ومستقبله.

الخطاب

    لقد عرّف الإنسان نفسه بالعمل والوعي، أي انطلاقاً من المنع، وبذلك وضع هذا الأخير خارج العقلانية المنتجة: «علينا أن نأخذ بعين الاعتبار إحدى الخاصيات اللاعقلية للمحرمات، إن شئنا فهم  نوع من اللامبالاة اتجاه المنطق، وهي النظرة التي لم تزل لصيقة بها. في المجال اللا عقلي حيث تطوِّقنا اعتباراتنا، يجب الإعلان: «أحياناً قد يتعرض محرم مقدس للانتهاك، وهذا لا يعني أنه كف عن كونه مقدساً». وقد نذهب إلى حد الافتراض العبثي: «وجود المنع هو لغاية انتهاكه». وقد يضيف باطاي: «وهذه الحقيقة تبدو حديثة العهد مع أنها مرتكزة على تجربة ضاربة في القدم. ولكنها حتماً مختلفة عن عالم الخطاب الذي انبثق عنه العلم». كيف نفهم كلمة خطاب هنا؟ من دون شك ينبغي أن نفهم بأنها تضمر التسلسل المعبِّر عن عدم التناقض، والتزامية المعنى الوحيد الذي بني عليه تعريف الإنسان باعتباره وعياً وعملاً. بعبارة أخرى: عالم الخطاب هو نمط وجود المنع. وهذا العالم يجعل من اللغة أداة لمعنى، ويعمل على تنسيق الملفوظات التي تتخذ الحقيقة كموضوع لها، وبالنسبة لهذا العالم يصبح المنع هو نفسه الدال. بحيث أن المعبَّر عنه عبر الخطاب يختلف في كينونته عما يقوله الخطاب. وهذا ما يجعل عالم المنع يتعرض للخيانة نتيجة لأعطاب الخطاب، وهذا هو السبب في كون اللاوعي(المستحضر بالضرورة عن طريق تشكيل الحقيقي باعتباره واع، وتشكيل الخطاب باعتباره وعياً) لا يعرف التناقض وقول لا.
      إن اكتشاف اللاوعي من طرف فرويد ظل إذن، على مدى كل الأزمنة مطلب ثقافة ومطلب علم، لم يعرف معنى الخطاب بالنسبة لهذا الأخير من سبيل غير البقاء خارجه. في هذه الحالة يصبح المعنى هو الموضوع، ويصبح الخطاب نتيجة للوثوق في لغة وفي قدرتها على الكلام عن اللغة، مثل قدرة اللغة على الكلام عن الأشياء دون الانشغال بمعرفة ما إذا كان أي شيء مؤهلاً حقيقةً للكلام عن أي شيء، مع العلم بأننا لا نتحدث عن لا شيء ولكن مع [أو في نفس الوقت بحضور] شيء ما. أن تقول شيئا ما، فهذا يعني أن تضع نفسك في موقع يُمكِّن هذا الشيء والقول الذي يضع الشيءَ نصب عينيه من التعايش معا(Coexistent) دون أن ينفي أحدهما الآخر. فلا شيء يوجد في الشيء فيما نقوله عنه/ ولا شيء مما نقوله ينتمي إلى الشيء أو يعوّضه. وهذا لعمري هو الخلاف الذي لا سبيل إلى استكشافه إلا عبر انتهاك أصيل. انتهاك يعترف بضرورة وجود المنع الذي يجد نفسه مرتبطاً به، إذا أردنا القول كتاريخ، بالمعنى الذي يجعل هذا المنع وحده القادر على إعطاء الانتهاك إمكانية الوجود، فارضاً سيطرته على الأرض حيث ستجري أحداثه.
    المشاركة في الوجود (Coexistence) المعنية هنا، هي إذن، جدلية حرب حقيقية تميل الكفة فيها مؤقتاً لصالح المنع تارة، وأخرى لصالح الانتهاك، اعتباراً لتحقيق جبهة الموضوعات والأشياء [المنفصل (discontinu)] للفوز، أو لانفتاح المدى  للتجاوز في الموضوعات وفي الأشياء [المتصل (continu)]. وعند هذه النقطة بالضبط تتموقع إشكالية الإيروسية، ولكن قبل ذلك إشكالية فهم أهمية العمل والوعي، وضرورة العلم والمنع «بالمعنى الذي جعل الإنسان يعرف نفسه بالعمل والوعي، و هو ما حتم عليه ليس فقط تلطيف الإسراف الجنسي، بل وأحياناً الاستخفاف به وحتى مقته في ذاته. وبمعنى ما، حوَّل الاستخفافُ الإنسانَ في اتجاه وعي الموضوعات أكثر منه في اتجاه وعيه لذاته. بيد أنه لو لم يبدأ بهذا الوعي أثناء العمل، ما كان بإمكانه تحقيق أي نوع من المعرفة وكان سيغرق في الليل الحيواني». تكمن ميزة الإيروسية إذن، في حملها سِمة العبور من الحيوان إلى الإنسان، من الليل الحيواني إلى شمس المعرفة النسقية، إنها بذلك تحقق قفزة، وهي قفزة خاصة بجنسانية حيوان أُعطيَ هبة الكلام: «الإنسان عبارة عن حيوان يظل ممتنعاً (interdit) أمام الموت وأمام الامتزاج الجنسي». والخطاب بذلك احتراز من الجنسانية القاتلة، ولا يمكن لـ الإنسان أن يدرك نفسه بغير الالتفاف المميز للمنع [للعلم] بالمعنى الذي يقوده إلى انتهاك عالم الخطاب في نقطة معينة، ويجعله يستمد من هذا الالتفاف الحتمي الطاقةَ  لمجابهة بين الحدود. كل شيء يجري، بالفعل، كما لو أنه فُرضت علينا على نفس المنوال مسألة الوجه الآخر للمادية الجدلية، قفا الوشاح الديالكتيكي الذي سيصبح حينها التجربةَ الداخلية كما أصبح يفكَّر فيها اليوم دون أن تتخذ مظهر مقاومة للتاريخ. وهذا ما يشير إليه باطاي في هذا المقطع المخصص لليفي ـ شتراوس: «لا نستطيع... إدراك الكينونة إلا في التاريخ: داخل التغيرات، وفي العبور من وضعية إلى أخرى وليس داخل الحالات المتعاقبة المنظور إليها منعزلة. أثناء تناوله للطبيعة والثقافة، قابل ليفي ـ شتراوس بين تجريدات: بينما يقتضي العبور من الحيوان إلى الإنسان ليس فقط الوضعيات الشكلية، ولكن أيضا الحركة تمكنها من التصادم»، فإنه يمكننا اعتبار هذه الحركة وكأنها دائمة الاشتغال، بيد أن اختبارها يقع على عاتق التجربة الداخلية بغية انتزاع أشكالها من هذه التجربة بصفة دائمة ومتجددة. وفي مواجهة خطاب وضعي وعملي [علمي، فلسفي، سياسي] يأتي بالنتيجة فعلٌ داخل الخطاب ليقدم إجابة عنه [حيث يأتي الأدب ليشغل داخله حيزاً تحويلياً]. وبهذا ينقلب العصر الديني من جميع نواحيه إلى عصر للغة يمتص العصرَ الدموي والغامض للبشرية، ويصبح قادراً على تجاوزه، وذلك بمضاعفته: «في الواقع يحتل الأدب مرتبة تأتي مباشرة بعد الديانات، بل ويعدّ وريثاً لها. إن التضحية هي بمثابة رواية أو حكاية تمت صياغتها بطريقة دموية، أو إذا شئنا على صعيد بدائي، هي بمثابة عرض مسرحي، مأساة مختزلة في مشهدها الأخير، حيث تواصل الضحية الحيوانية أو الإنسانية أداء دورها بشكل فردي، ولكنها تؤديه إلى أن تسقط صريعة الموت».

التضحية

    يتحتم علينا إذن، العودة لتناول هذا الخارج من ثقافتنا الذي شكلته المسيحية، بارتباط مع الحضارة الصناعية [ومع وريثتها البروتستانتية] كنفي وككبت. «أصبح  التدين أكثر بعداً، عن إرادة الدخول إلى سرّ الكينونة، يقول باطاي، من خلال العنف» وأيضا: «التنكر لقدسية الانتهاك يمثل أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها المسيحية». فكل ثقافتنا مصابة بلوثة هذا المسخ وهذه النزعة الدينية الملتبسة والزائفة القائمة على المال [لهذا السبب تعتبر المسيحية الأقل روحانية]. وقد تم ترحيل هذه الثقافة الآن لتتخذ لبوس الأخلاق المعروفة التي تعطي الانطباع بتحقيق نوع من الانعتاق دون تحكم فعلي في سلوكات الفرد: تتعايش صورة العنف وإدراكها الحسي مع ضيق نظر المسيحي غير الواعي بأن ذلك بسبب حضارته، ومع الفرد بمفهومه الصلف أخلاقياً ولا أخلاقياً، ومع مفهوم البرجوازي الصغير، النموذج شبه الكوني السائد منذ الآن في مجتمعاتنا. ومن دون شك، فإن مرادفات العنف المتكررة على لسانه تتمثل في الإيروسية، إحدى الكلمات التي أصبحت فعاليتها محيَّدة، نتيجة هذا الاستنزاف. بيد أنه في الانتهاك الزائف الخاص بهذا المسيحي، فان العلاقة بين الفعل الجنسي والتضحية لا تستطيع في أي لحظة معالجة الأمر، كما أن الايروسية كما يتصورها باطاي تشكل بالنسبة لهذا الفرد الاستيهامي الاختناقَ بالذات. وعليه،«"إذا لم يكن الانتهاك جوهرياً، فإن التضحية والفعل الجنسي لن يكون بينهما أي قاسم مشترك». ولكن ما الذي تعنيه هنا كلمة تضحية؟
   كتب باطاي: «مبدأ الانتهاك هو ذلك المتعلق بإله حيواني يموت، بهذا الإله الذي يُهيِّج الموتُ فيه العنفَ، ولا تقيِّده المحرمات التي تصدم البشرية».
إنه لمن الأهمية إذن أن نفهم ماذا يعنيه هذا الإله الحيواني الذي سنقابله منذ الآن مع حيوان آخر يشكل عقدة للإنسان كاشفاً لنا عن عصاب عام.
الإله الحيواني هو ما ينهض فينا نقيضاً لاختزال ولتراتبية الخطاب وللمعجم المحدود وللفكر الخطي، المثقل بكلمة موجهة لكي تضع حداً لكل مرادفات إله. إنّ الحيوان المُؤلَّه، الذي يحرص على العبور من الحيوان إلى الإنسان [ولكن إلى إنسان، بلا إله]، يستدعي هذه الرجَّة العميقةَ للحياة الجسدية المنفتحة مباشرة على العمق التي يبدو أنها تشكل جسده المتعدِّد والفاقد للهدف. كتب باطاي :«صفة الحيوانية، والحيوية الجنسية المفرطة، فينا من الأسباب التي تجعلنا غير قابلين للاختزال إلى أشياء، فيما صفة الإنسانية بما تملكه من خصوصية في عصر العمل هي التي على العكس، تنزع لتجعل منا أشياء على حساب الحيوية الجنسية المفرطة». وتحتل التضحية في المنظومة الرمزية مكان نداء فعَّال على اعتبار أنّ المنع غير مفروض علينا من خارج، وبأننا نشترك فيه نحن أنفسنا من خلال المراوحة بين ثنائية داخل/خارج التي تختصر الاستعارةَ الوحيدة المحيرة لنا في الفعل الجنسي وفيما يربطه باللغة والموت. دائماً، إذا أردنا أن ننتزع فكراً من منظومة شكلية تفرض علينا نمط تفكيرها، ينبغي أولاً استرجاع قوّة عالم يولد [«ما قبل حيوي وعبر إحيائي»، بتعبير لاكان، الذي يزيد في التدقيق أكثر: «وبهذا الشكل إذا تأمل الإنسان في النظام الرمزي فلأنه مأخوذ من كيانه»]، عالم يتوفر على القدرة التأسيسية للأسطورة: «إن روح هذا العالم الوليد، يكتب باطاي، لا تزال بداية، غير محددة المعالم: إنه عالم الطبيعة ممتزجاً بالإلهي، وهذا مع ذلك ليس عسيرَ الإدراك على من يكون فكره في مستوى التحدِّي: إنه العالم الإنساني الذي إذ يتأسس على نفي الحيوانية أو الطبيعة، يقوم في الآن نفسه بنفي ذاته، وفي هذا النفي المزدوج، يتجاوز ذاته دون أن يكلِّف نفسه عناء العودة إلى ما يساهم في نفيه».
تأويل هذا «العالم الطبيعي الممتزج بالإلهي»، باعتباره مظهراً دالاً (فرحاً) للإجراء الديالكتيكي الذي يحدث من تلقاء نفسه داخل اللعب وكشكل للعب، ينبغي أن يتوخى بلا شك مزيداً من الحذر. إنه الانتهاك، فضاء الجيشان العضوي للغة، الإثبات الذي يتساوى في قيمته مع قوة النفي. وهذا بالجملة ما أراد باطاي إشاعته في القسم الذي أغفل التفكير، عندما عمد إلى إقصاء هذه القضايا الكبرى: الإسراف، بذل الذات، التبذير والموت. لأن التفكير بدونها يجعل منظومة كل من العمل، والوعي، الإنتاج والعلم، محكوماً عليها بشكل واضح باللامعنى.
وانطلاقاً من هذه الكوكبة من المحرمات وحدها[انطلاقاً من النظرية الواعية بها بشكل جيد: المادية التاريخية والجدلية] تستعيد المحرمات المعنى ثانية. هذا اللعب المزدوج وإن كان صعب التصور، يلعب هنا دوراً جوهرياً: «إدراك الرابط بين وعد الحياة الذي يشكل معنى الإيروسية والمظهر الداعر للموت يقتضي جهداً جباراً. لأن الاعتراف بأن الموت يشكل أيضا نوعاً من طراوة العالم، هو ما تجمع الإنسانية على تجاهله. وبتعصيب أعيننا نرفض أن نرى حقيقة كون الموت وحده الضامن بشكل متواصل لتدفق من دونه تختفي الحياة». «إذا تأمّلنا الحياة الإنسانية في شموليتها، وجدناها نزَّاعة إلى الإسراف بكل القلق الممكن، إلى حدّ مقلق، إلى الحدّ الذي يصبح فيه القلق خارج نطاق التحمُّل. الباقي لا يعدو كونه ثرثرة واعظ أو أخلاقي. فكيف لا نرى هذا القلق برغم جلائه؟ مع أن كل شيء يومئ إليه! إن هزَّة محمومةً فينا تلتمس من الموت أن يباشر كل دماره على حسابنا». «إن الجنسانية والموت ليسا سوى اللحظات الحادة لعرس تُحيِيه الطبيعة بما لا يحصى من الكائنات، يحظى داخله هذا الكائن أو ذاك بمعنى الإسراف اللامحدود الذي تفيض عنه الطبيعة، بخلاف الرغبة في الخلود التي تشكل ميزة كل كائن». والطبيعة بالنسبة لـ باطاي «هي كل فيض يحدث بشكل أخرق» هذا فيما «الرغبة في الإنتاج بجهد أقل ميزة إنسانية غاية في البؤس»: الطبيعة ليست بأي حال من النوع الرأسمالي. وعلى صعيد الخطاب حيث العلاقة إنسان/طبيعة، محددة سلفاً، وتمثل تبعا لذلك المستوى الراديكالي الذي يفرض علينا التفكير في هذا النوع من الاقتصاد. يُدشِّن الفاقد للمعنى (L’insensé) بالفعل نهاية الإيديولوجيا الطبيعية، ونهاية الأفراد المنغلقين، المنفصلين، المدَّخِرين، المقتِّرين المنشطرين والمنصهرين من خلال ظهور البروليتاريا والتغيير في كل وظائف عالم الطبقات المقطع الأوصال. بهذا المعنى يعتبر باطاي شهادة من الداخل عن هذه الهزة العنيفة التي يتعرض لها العالم الغربي على صعيد ميتافزياء قواعده اللغوية، أي على صعيد منظومة الخطاب التي تُعتبر تراتبية الملفوظات والتمييز والتعارض في المفاهيم، وجهل علاقاتها المتبادلة، بالنسبة لها نوعا من طبيعة ثانية. إن الإيروسية من واقع تبلور النظرية حولها اليوم باقتفاء أثر ساد وحده ـ تأخذ كامل دلالتها: ليس لأنها تاريخياً، الحدث الذي ظهر بمظهر نهاية العصر التيولوجي، الفلسفي، وما قبل العلمي.ـ كمن يضع، في الظاهر، حداً لمسبقاتها المنطقية. ولكنها فضلاً عن ذلك تقدَّم على أنها هتك (Viol) للفرد، إفراز هذه المرحلة، وللوحدة العضوية والاقتصادية التي شكلت دعامتها: «إن مباشرة الفعل الايروسي يقوم على مبدأ تدمير الكائن المغلق الشريك في الحالة العادية في اللعب...»، «أية دلالة تكون لإيروسية الأجساد، إن هي لم تكن خرقاً لكينونة الشركاء؟ خرقاً يحاذي الموت؟ يحاذي القتل؟» وبصفة عامة، فإن الإيروسية المعرَّفة بأنها الغِنى السافر والاعترافَ في اللغةـ بمثابة القدرة التبذيرية والاعتباطية للغة، تضطلع في مستوى معين بوظيفة اختراق وتدمير الخطاب؛ «داخل عالم قائم على الانقطاع، المطلوب هو إدخال كل اتصال ممكن قد يستحقه هذا العالم». لكن  لنقرأ الآن ما يقوله ماركس عن المادية الجدلية: «نظراً لاندراجها  في فكر القضية، وفي الآن نفسه في فكر نقيضها وفكر خرابها الضروري، ونظراً لإدراكها كل الأشكال الناضجة في سياق حركتها الدائمة، ولكن أيضاً في سياق مظهرها العابر، فإنها لا تدع مجالاً لأن تصبح مجالاً للحكي من طرف أي كان، لأنها في جوهرها نقدية وثورية». ويمكن أن نستغرب لمثل هذا التقارب، ولكننا على يقين بأن باطاي كان يحيل على ماركس حين كتب في النصيب الملعون: «يجب أن ندرك النقطة التي يكف فيها الوعي عن أن يكون وعياً بشيء ما، وبعبارة أخرى فإن الوعي بالمعنى القطعي الخاص بلحظة سيجد النمو [اكتساب شيء ما] فيها حلاً له في نوع من التبذير، هو تحديداً الوعي بالذات (soi)، أي الوعي الذي ليس له أي موضوع». هل نشهد هنا نكوصاً نحو نوع من النزعة الهيغلية ذات الصبغة الصوفية المتلاعبة؟
هذا مالا نعتقده، لأن الجرأة في إماطة اللثام عن الرؤية الصوفية في تطابقها مع الجنسانية، تجعل الوضعية غير المستقرة لـ باطاي إذا صحّ القول، تضع على العكس وبشكل حاسم المادية الجدلية موضع تساؤل بشكل يجنبها كل إمكانية للعودة إلى إيديولوجيا ذات منحى إنساني [وهو ما من شأنه أن يوقعها في إيديولوجيا البرجوازية الصغيرة، وفي تمجيد نموذجها العالمي ذي الطابع العلمي الزائف، الساذَج والمرفَّه، المرِن والبليد]. «يتعين الكشف عن نقطة يتطابق فيها الوضوح الفظّ مع الشعور بالمقدَّس. وهذا يفترض إرجاع عالم المقدس إلى عنصر يكون مناقضاً للشيء بشكل حاسم، أي إلى حميمية محض. وهذا يعود بالأساس كما في التجربة الصوفية إلى نوع من التأمل العقلي الفاقد للشكل وللكيف المختلف عن الملامح الجذَّابة للرؤى وللألوهية، وللأساطير. وهو ما يحتِّم الاختيار...وسط جدَل أساسي». تكمن المشكلة إذن، في تصوُّر تبذير يكون في مستوى هذا المحيط حيث يعود بإمكان كل من الإنتاج والمعرفة أن يصبَّا فيه [«لتكُن هذا المحيط، ولسوف يكون محيطا واحداً» يقول نيتشه] وذلك لتفادي خيانة تاريخ الإنسانية نفسه، في مجموعه [وليس فقط تاريخ الحضارة اللاتينية-الإغريقية في تعقبها لذات وهمية للعلم المطلق].
         وبالدفع بافتراضنا إلى غاياته القصوى أي إلى إثبات (OUI) لا مشروط  مخصَّص للمادية الجدلية وللعلم المتفرِّع عنها، ومخصص أيضا لهدف تبديد الأوهام حول الجنسانية المنظور إليها في بعدها غير القابل للاختزال [النظرة السائدة في حضارتنا التي تعطي للصوفية وللعقل مبرِّر انقسامهما]، سنحظى إذن بفرصة مواتية لفهم ما تعلن عنه انعطافة الثقافات الأخرى في الزمان والمكان، في اللغة والتاريخ. ونستطيع أن نحدس كيف واتت باطاي الجرأة ليجازف بالقول: «لقد أُعطينا القدرةَ على التصدي للموت بمواجهته مباشرة، ولكي نرى فيه أخيراً الانفتاح على الاتصالية المبهمة وغير القابلة للمعرفة، مشكلة سرّ الإيروسية فيما تعلن الإيروسية عن سر الاتصالية».

الشهوة

         ممارسة هذا الانفتاح لايتم على صعيد تجريدي، ولكن عبر الجسد، وليس عبر العنصر التجريدي المشار إليه عموما بواسطة هذه الكلمة [جسد] ولكن من خلال لُبِّ الكتلة المادية التي ساد الاعتقاد حول سيطرتنا على مفاعيلها وكثافتها ومقاوماتها وانزياحاتها. في حين أن الجسد هو ما لم يفلح مفهوم الإنسان في تقويضه؛ لأنه ما يظل يصرخ بصمت في وجه يقين العقل والحقيقة؛ ولأنه هذه الديباجة حيث تتراقص على صفحتها صورتنا وتتحول، ديباجة الرغبة والحلم والحياة العضوية العميقة في مواصلتها لعمل الموت؛ ولأنه المتصل الذي يتحول، حين نسخره لصالحنا ولصالح الآخرين، إلى منقطع ظاهري وإلحاحي؛ ولأن الجسد أخيراً، هو دوماً شيء أكبر منا، أي ما يقتل فينا تجسيده الخاص، ويقتلنا في صمت. نستطيع انطلاقاً من هذا الجسد أن نتعرف [بواسطة الخطاب والعلم] على مساراته الظاهرية وعلى أعطابه، وتعديلاته، وكيفية استغلاله وطريقته في الكلام، وإجمالاً على نشاطه الشكلي. لكن وحدها الإيروسية تمكننا من ولوج الجسد كلحم وكشهوة، أي إلى الجسد ليس كـ مادة ولكن ككتابة خاصة به وإلى التبذير الذي يعتبر مقارنة مع الشهوة في ذاتها بمثابة كتابة يتعذر الإمساك بها. «الشهوة عدو لذوذٌ نشأ عن أولئك الذين يتوجَّسون من المحرَّم المسيحي، لكن في حالة وجود محرّم غير محدّد وشامل، يتعارض تحت أشكال مرتبطة بالأزمنة والأمكنة مع الحرية الجنسية، فستكون الشهوة هي التعبير عن هذه الحرية المتهددة». بعبارة أخرى، ما تمثله الشهوة بالنسبة للجسد السويّ والمغلق هو نوع من الطفوح اللاشخصي، وهو نفسه الذي يجعل اللغة الشِّعرية تظهر بالنسبة للغة العلمية وكأنها استعمال مقزِّز في جوهره للمتكلم في الخطاب. في إطار الشهوة لا نستطيع البتة أن نزعم بأننا شيءٌ آخر غير طرف محجوز، منقبض في مواجهة ذاته نفسها وفوق ذاته نفسها، وهو ما يضطلع الفعل الرمزي للتضحية دون شك بمهمة تعيينه: «إن العنف الخارجي للتضحية ليس الا تجسيداً للعنف الداخلي المتجلي في يوم إراقة دم الأضحية وتدفق الأعضاء. هذا الدم وهذه الأعضاء الممتلئة بالحياة يختلفان عما يراه علم التشريح فيهما: وحدها تجربة داخلية وليس العلم، بإمكانها استعادة إحساس القدماء». ونعنى بالتجربة الداخلية تجربة الكتابة الجسدية [ويمكننا التدليل كيف يغدو الأدب المعاصر، منذ جولييت مرورا بأغاني مالدورور،  والمسرح وضعفه، وصولا إلى تاريخ العين، مسكوناً بهذا البعد الواقعي إلى درجة تجعل من الجسد عملياً مرجعاً أساسياً لانتهاكات الأدب للخطاب] هذه التجربة لم يعد ممكنا بلوغها إلا في وعبر اللغة، في وعبر ما ينبغي على الجنسانية أن تتألف منه أو تتخلى عن بلوغ ما أنيط به تلقينه. إن فقداننا للتواصل بواسطة الإشارة، وبواسطة التغذية [«لم نعد نأكل غير لحوم معلَّبة، فاقدة للطعم، ومجردة من الطراوة العضوية التي تكون عليها في الوهلة الأولى. بينما تربط التضحية فعل الأكل بحقيقة الحياة المتجلية في الموت»]، يشير هنا إلى فداحة البعد الذي يفصلنا عن العري المتفجر الذي ننحدر منه. ولو توفر لنا تاريخ للنفور والاشمئزاز، لأدركنا ربما، كم من منفذ أُغلق في وجه تفكيرنا، وهذا هو التاريخ الذي انشغل الماركيز دو ساد بجمعه، أكثر من أي انتربلوجي، معتمداً على قوة حريته وحدها. وبالفعل إذا كان باطاي مُحقا حين سجَّل: «لا يوجد شكل للاشمئزاز من دون أن أرى فيه قرابة مع الرغبة»، فكيف لا نرى بأننا نجهل رغباتنا بمقدار جهلنا للأشياء المقزِّزة، التي لا نزال دون أدنى شك، ضحية لها؟ كيف نُصرّ في خاطرنا على عدم مساواة طرفي الإغراء والنفور ،اللذة والألم، وهو الشكل الذي يتخذه بالنسبة لنا الحدّ حيث نفكر ونواصل داخله مساراً دائرياً وتكرارياً؟
      إن الفكر الذي يريد باطاي مساءلته هو ما يستطيع تعبيرُ: «هذا يعمل من تلقاء ذاته» وحده أن يسميه. وإنه لمن تلقاء الذات، مبدئياً، أن يلتف حول نفسه حيوان ناطق من دون أن يلفظ أي كلمة، حول بعض المواقف وبعض الأفعال وبعض المواد: «نعتقد بأن ما يثير اشمئزازنا أثناء التغوُّط ناتج عن الرائحة الكريهة. لكن هل كان سيعتبر مُنتناً لو لم نجعله قبل ذلك موضوعا لاشمئزازنا؟» ...«الاضطراب الغريب المتمثل في الاشمئزاز الذي يصيبنا إلى حد الغثيان تنحدر عدواه إلينا من العهود الإنسانية الأولى عبر أجيال لا حصر لها من الأطفال الموبَّخين» ...نفضِّل في أغلب الأحيان تجاهل أو إنكار هذه العناصر المنحطَّة التي تتراجع أمامها إنسانيتنا. وباستعمالنا لتوصيف أخلاقي، نسعى للتخلص من كل من يترك نفسه يقع كلياً ودون أدنى حرج تحت طائلة هذه العناصر. وقد يصل بنا الأمر إلى حد فقدان الوعي حين يغدو الإلحاح الفعلي في هذا الإطار على درجة كبيرة من القوة.
وباطاي نفسه لا يكفُّ عن معاودة الرجوع إلى هذا الزواج بين الرفيع والمنحط، حين يتطرق لوليام بليك [لن تجد شفتي هذا الرجل مزمومتين أبداً]، ولـميشليه [قاطعاً عمله لأجل أن يذهب لتنشُّق روائح البول]، ولـبروست [وبخصوص تاريخ الجرذان، تجهد السير الفاضلة في تقديمه باعتباره ثانوياً وعارضاً). «لن أنسى أبدا، يكتب باطاي، من يربط نفسه بالعنف والدهشة مع إرادة الرغبة في فتح الأعين، ورؤية ما يقع وما يوجد وجها لوجه». فتح الجسد أو جعل الجسد يزهر كما تقول النصوص المكسيكية القديمةـ يرتكز إذن، على إرادة مضاهاة ما يوجد على ألا يتم ذلك تحت هذا الغطاء أو ذاك من الانحلال الماكر، غير الواعي و المتواطئ مع نقيضه و المخزي [الزوج كرامة/عار يتعرض للتصفية بشكل نهائي] ولكن من خلال تمزُّق مضاعف حيث يتدخل الفكر باعتباره أثراً للتمزق ذاته. إنه لمن السلبي إجمالاً، ألا تظهر علينا أعراض القلق والغثيان والرعب،  ولمن السلبي كذلك أن ظلت هذه الأحاسيس تكبِّلنا. «ما من شيء مرضي في هذه الأحاسيس، ولكنّها تمثل في حياة الإنسان نفس ما تمثله الفراشة العذراء (La chrysalide) بالنسبة للحيوان الكامل. إن التجربة الداخلية لا تعود في متناول الإنسان إلا لحظة يكسر قوقعته ويعي تمزقه أثناء ذلك، لا أن يظل يقاوم غشاء الخارج. لذلك فإن تجاوز الوعي الموضوعي الذي تحدده جدران القوقعة مرتبط بهذا الانقلاب». وعليه لا يصبح هذا التمزق فكراً [مكتوباً] إلا إذا جمعنا عمداً المتعة بالرعب عوض الاعتقاد بتجاوز الرعب عبر ردة فعل واثقة من نفسها، وقدَّرنا جيداً قيمة الاحترام، واعترفنا بإسهامنا الجسدي، اعترافاً يعيد اللياقة [بتعبير ساد] المبالغ فيها إلى الواقع، الموجودة على طرف نقيض من السلوك الإجرامي الذي ينفيها [الجلاد الحقيقي هو ذلك الذي يفشل في أن يصير جلاداً رمزياً أي ذلك الذي ينتشي بوقوعه ضحية لذاته]. «يكمن جوهر الإيروسية في الارتباط الذي لا مفر منه للذة بالمحرَّم. وإنسانياً، لم يحدث يوما أن ظهر المحرَّم بمعزل عن اللذة، ولا للذة من دون الشعور بالذنب». لذلك فالإيروسية عبارة عن تناقض غير قابل للاختزال [الرعب الرمزي /اللياقة الفعلية]، إنها ما ينبغي إخفاؤه من قبيل اخراج مسرحي لهذا التناقض المطلق، وما يجب إقصاؤه من المنظومة الاجتماعية المؤسسة على التطابق وعدم التناقض. إن الإيروسية هي المادة النقيضة للنزعة الواقعية. وبالفعل فالمنع والخرق ليسا متطابقين [ولا حتى المتعة والرعب] ولكن بالنظر إلى علاقة تُضاعف التناقض: فإننا لا نصل أبدا إلى نهاية المنع، ولا ننتهك المحرم بشكل تام، الشيء الذي يفرض ضرورة إيجاد منطق جديد. إن النوبة الجنسية تضعنا بالفعل أمام سلسلة من العلامات ذات خصائص متنافرة: «يؤدي تطور العلامات إلى هذه النتيجة: رغم كون الإيروسية انصهاراً يحوِّل هدفه في اتجاه تجاوز الكائن الفرد وتجاوز كلّ حدّ، فإنه يعبر عنها بواسطة موضوع،  مما يوقعنا في مواجهة هذه المفارقة: فنحن أمام موضوع دال دلالة عن نفي حدود كل موضوع، وأمام موضوع يتم من خلاله الامتزاج الجسدي». هذا الموضوع إجمالاً يتخذ له اسماً: الالتفاف، التفاف النص، الالتفاف المكتوب في اتجاه الموت.

المرأة

      يشدِّد باطاي بخاصَّة على نقطة هامة: «إن المنع القائم فينا على معارضة الحرية الجنسية له صبغة عامة وكونية. وماله مظاهر متغيِّرة هو المحظورات الخاصة». والنموذج المعتمد لإبراز كونية تحريم الفاحشة (L’obscénité) هو كونية طابو زنا المحارم. إذا كانت زنا المحارم هي العلامة الأولى على الصلة الجوهرية بين الإنسان ونفي الحسية أو الشهوة الحيوانية»، وإذا كانت هذه العلامة منطوقة بمعنى ما من طرف الإنسان [ويدرجها في الكلام]، فإن الفاحشة [وليكن الأمر متعلقاً مثلاً، بالإفرازات] تنتمي لمستوىً الصمتُ حوله كامل. «ينفي الإنسان بشكل جوهري حاجياته الغريزيةَ. وتلك هي النقطة التي تقوم عليها غالبية محظوراته المتمتعة بكونية مذهلة وكأنها صادرة عن مسلمات غير قابلة للمساءلة:  توجد إذن، صيغة جذرية في سلبيتها، للعبور من الحيوان إلى الإنسان بشكل يجعل لا أحدا يتكلم عنه». وإجمالا، تعتبر زنا المحارم الانبثاق البسيط لهذا الصمت داخل منظومة التبادل والاقتصاد الرمزي للإنسانية: من شأن تحليلها إذن، أن يقود إلى اكتشافات على صعيد البنى الكامنة لهذه الإنسانية، لكن من شأن التحليل أن يحجب عنا أيضا صيغها الصامتة. افتراض معياري يسدُّ في هذا الإطار غالبية سبل البحث: حين نعتبر ما يقوم على جموح صامت على أنه معيار أو أنه شذوذ. وسواء علَّل المعيارُ الشذوذَ أو اقتصَّ منه وإن ظل يعترف به، أو طالب الشذوذ بحقوقه معترفاً نتيجة ذلك بالمعيار، فالمحصلة واحدة. والدليل المذهل هو هذا: من الآن فصاعداً أصبحنا نعرف بأن الزواج ليس مشيئة الزوجين معاً، ولكنها صفقة بين مانح المرأة [الأب أو الأخ] وآخذ. إن الزواج نشاط الغيرية الجنسية المعيارية، «مظهر الترابط الاقتصادي بقصد الإنجاب قام بالأساس [كما تبينه بشكل صريح دراسة التحليل النفسي والقرابة لـ ج.دوفرو، مجلة الإنسان، يوليوز- دجنبر 1965] على شعيرة ترمي إلى تحاشي الجنسية المثلية، دون أن ينجح كثيراً في معالجة علاقة رجل/امرأة ولا حتى الحيلولة دون ارتكاب زنا المحارم والشذوذ الجنسي [الذي تجهله الحيوانات]. هذه الملاحظة المضمرة وغير المصرَّح بها في نص باطاي، توضح إمكانية التهديد عند ذلك الذي تم الالتفاف حوله، وينفذ إذن، تدريجياً إلى الوعي: وتلكم هي نتائج الالتفاف الذي بواسطته نرى الوظيفة التي تضطلع بها المرأة كتواصل حاسم. تبعاً لذلك يعتبر كل من الزواج والشذوذ الجنسي شيئين متماثلين: ففي كلتا الحالتين يمكن القول بأن المرأة تظل محرمة. بعبارة أخرى في مجتمع لا يعرف الزواج -ومن ثم من دون شذوذ جنسي، ولا يتفادى زنا المحارم- ولا يفكر فيه، تشكل المرأة -ما دام الدال هو المحظور في ذاته- صورة المنع فيه. «لقد اتخذت النساء، يقول باطاي، مظهراً يحصرهن في الخصوبة، وفي العمل». وسيتم إذن تكييف هذه الوضعية الأنثوية مع الشكل الاجتماعي لتتوافق مع نزعة المنع البديهية للاختفاء: «من السمات الجوهرية للأنوثة المراودة عن النفس، ولكن الحركة الأولى –المراودة- يعقبها التظاهر بما ينفيها». «إن الحياء سواء أأظهرته المرأة أم لا، هو الذي يجعلها تتطابق مع المنع الذي يمنحها صفتها الإنسانية». وستأخذ المرأة إذن، دلالة التسوية التي يقيمها الإنسان بين المنع والخرق، التسوية التي تتيح للعنف الايروتيكي من أن يشف من خلال الزواج: وسوف لن يكون عليها أن تضطلع فقط بدور الأم [الطاهر] والحيوان [النجس]، وبدور الاحترام وخرق الاحترام [أي السَّورة الجنسية والعناية بالأطفال] ولكن ينبغي عليها أيضاً أن تساهم في إعطاء منظومة إقصاء تماماً مثلما يُبنى وسط صلب -مكان عرض- بشكل يجعل انهياره أمراً ممكناً. «المهم والأساسي هو وجود وسط، مهما كانت محدوديته، يقع فيه المظهر الإيروتيكي خارج دائرة التفكير، ووجود لحظات للانتهاك تمتلك فيها الإيروسية بالمقابل، قيمة انقلاب ما».
     المرأة إذن، هي كاتمة أسرار المجتمع ما دامت تفسح المجال لتعايش تعارضات تعمل عملها في علاقة بعضها ببعض، دون الالتفات إليها على أنها ذات تناقض جذري. «لا سبيل إلى وجود الإيروسية، إذا لم يتم في المقابل مراعاة القيم المحظورة [ولن تكون هناك مراعاة كاملة لها ما لم تكن المسافة الايروتيكية ممكنة ومغرية]». تصبح الزوجةُ الأمَّ التي تحظى باحترام الشخص الشاذ جنسياً، سواء أوعى ذلك أم لم يعه، وفي علاقة معها سيعيش المنعَ الجذري المدوَّن في المرأة كرحم لجسده الخاص [كصورة للدال]. بيد أن المرأة تتيح أيضا فرصة الانتهاك الوحيد الممكن، أي الذي يؤكد المنع ويمسُّ الدال في حد ذاته [وصورته المرتكبة لزنا المحارم]: «إن الاحترام من دون شك، ليس إلا الوجه الآخر للعنف، فمن جهة يُنظم الاحترامُ الوسطَ حيث يكون العنف محظوراً، ومن جهة أخرى يفتح للعنف إمكانية القيام باقتحام غير لائق، في المجالات التي لم يعد فيها مقبولاً». هذا الوجه المزدوج للمرأة عمِل باطاي على صياغته ليس فقط في رواياته ولكن أيضا في هذا المقطع من الإيروسية الذي نسوقه كاملاً:
   «وحدها تجربةٌ الحالات التي نمارس خلالها النشاط الجنسي بابتذال، ولا تتوافق مع السلوكات المنظمة اجتماعياً، تمكننا من أن نتعرف رأساً في هذا النشاط على وجه لاإنساني. ويمهد طفوح الأعضاء لانطلاق ميكانيزمات غريبة عن التنظيم المألوف للسلوكات الإنسانية، بحيث يقلب انتفاخ الأعضاء بالدم التوازن الذي تقوم عليه الحياة. وفجـأة، يستحوذ نوع من الهياج على الكائن. وهو هياج شائع، ولكننا نستطيع أن نتخيل مدى المفاجأة التي سيجد نفسه فيها من لم يتعرَّف ويكتشف دون أن يُلحظ،  بنوع من التآمر، ما يجرفه معه عشق امرأة أذهله تميُّزُها. وسيرى في عشقه نوعاً من المرض شبيها بسعار الكلاب، كما لو أن إحدى سورات السعار قد حلّت في محل شخصيته التي يُكِنُّ لها الآخرون الاحترام... بل إن وصف ذلك بالمرض لا يفي بالغرض. حينها تكون الشخصية قد انتهت. وموتها الآن يفسح المجال للكلَب الذي ينتهز الصمت الناتج عن غياب الشخصية. إن الكلَب ينتشي -وهو يملأ الدنيا عواء- مستغلاً هذا الصمت وهذا الغياب. عودة الشخصية إلى رشدها، يجمِّد هذا الكلَب، ويضع حداً للانتشاء الذي كانت فيه ضائعة».

اللعب

      ذهب بعض الدارسين إلى حد تسمية مادية جورج باطاي بـ المادية الثنائية وهذه لا تعترف بالمتناقضات الباحثة عن توافق في هوية أو في وحدة، ولكنها تعترف بمبدأين اثنين دفعة واحدة، اثنان لا يجيئان من واحد ولكنهما يسبقانه. ويلاحظ دنيس هوليي [في مقال المادية الثنائية لجورج باطاي تيل كيل  25] بأن هذه الثنائية «عوض أن تطرح مبدأين داخل العالم، تطرح عالمين» وبأنه «في انفتاح هذه الثنائية، تقوم بتعيين المكان البرزخي حيث ينهض الفكر الثنائي ويمارس توتره». وهي وضعية غير ثابتة ويمكن الزعم واثقين بأنها خاطئة، لوقوعها على تخوم كل فكر حقيقي. وتومئ هنا، الثنائية غير القابلة للاختزال في الوحدة، إلى نمط وجود اللغة المنقسمة من خلال مفهوم العلامة، وهو انقسام ناتج عن افتراضات لاهوتية ووجودية. التقليل من قيمة هذا التقسيم بتأكيد تناقض غير قابل للاختزال [ما يفترض في كل مادية أن تقوم به] سيؤدي حتما إلى لحظة يختفي فيها مفهوم العلامة [دال/مدلول] بشكل تام، وهو ما يسميه باطاي: «وضع حد لحياة اللغة». والفكر الوحيد الذي يبدو أنه يقترب من هذا المنهج العصي على الفهم بالنسبة لتفكيرنا، لكن القادر على جعله مفهوماً، سيكون هو الفكر الصيني: ففيه يعتبر اليان (Yin) واليانغ (Yang) فعلا على الفور شيئين اثنين، والفكر التاوي (Tao) لا يعترف بوحدة [ولا حتى بإله]، إنه بالأحرى البرزخ حيث يتشكل التناقض. إن السلسلة الثنائية التي يشدد عليها باطاي: البسط/القبض، الضغط/الانفجار، المنع/الانتهاك الخ، بالشكل الذي يجعل كل عنصر منها يجهل العنصر الثاني، ولكنه لا يوجد إلا حين ينهض مقابلاً له، تتموقع في هذه الزاوية من الرؤية غير المفهومة بالنسبة لكل من لم يدفع بنفسه إلى وضع حد لحياة المعرفة (المرتبطة بانقسام العلامة) باعتماد اللا-علم (الذي يفرزه تطور العلامات في الإيروسية ) ـ هناك حيث «يبعث المجهول على الضحك». يكتب باطاي: «بهذا يؤدي موت الفكر إلى انبثاق فكر، ليس هو بالعلم تحديداً، ولكني أستطيع أن أدعوه دراسة اللحظات المطلقة... وما يميز دراسة من هذا القبيل، هو أننا لا يمكن أن ننخرط فيها دون أن نعيشها بالفعل». «كل تجربة يتم التحضير لها بالضرورة، ولكن ليس من السهل التحضير لهاوية، أو بالأحرى فإن التمهيد لهاوية يشكل بالنسبة للذات قطيعة إرادية وقسرية في آن». ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للتأكيد والحفاظ على مبدإ اللعب: «ليس لفكري غير موضوع واحد: اللعب، ومن خلاله هذا اللعب ينمحق فكري وكل مجهوده». والغرض من هذا الموقف ليس إقامة فلسفة للعب. لأن اللعب في هذا المقام ليس رمزاً [لا يحيل على عالم]ـ ولكنه بمثابة لعب أساسي أي اللا-علم، والمتعذر تحديده، وما لا يدركه الفكر». وخير ما يعبر عنه ما دعاه يونج بـ موضو- لعب (Objeu) وهو نوع من الاشتغال اللفظي دون أي معامل مدحي أو قدحي». وإذا استبدلنا اللعب بـفلسفة اللعب فسنعثر على اللعب الثانوي الذي لا يستطيع أن يكون بأي حال غاية النشاط الجاد والرصين، وسنقوم بتحريف اللعب، والسقوط من ثمَّ في الوحدة لتحلّ كلمة لعب في محل الوحدة المعترض عليها.
الطريقة الوحيدة لتوجيه اللعب الأساسي نحو الخارج تقوم إذن، على الدفاع عن مادية أصيلة لخطاب اللعب، وعن تلفظ، لا يتم إرسال ملفوظاته إلاّ بحسب المقام، بعيداً عن كلّ حقيقة بما في ذلك الحقيقة التي قمنا بإرسالها. وستظهر اللغة آنذاك وكأنّها تأسيس لانهيارها الخاص، كأنها تحرر وليس باعتبارها تعبيراً عن أي مرجع كيفما كان نوعه. إن الصحوة الصامتة للإيروسية ـ التي هي وعي للذات، في مقابل الوعي الخاص بالأشياء، والتي «تفصح عن نفسها في هيئة ملعونة»ـ هي هذا العبور الذي يتم من خلال هذا الالتفاف التعبيري: «للوصول إلى الحميمية [إلى أعمق شيء فينا] يمكننا من دون شك، بل يتحتم علينا المرور عبر الالتفاف حول الشيء، لأنه السبيل لجعله يمكننا من نفسه». وبالفعل فاللغة لكونها حضارة فهي قائمة على المنع، وتحاول من حيث المبدأ أن تترك العنف من دون صوت، إنها موضوع لنفي يتجاهل ما يكتبه هذا العنف بالرغم منا وعبرنا: «إن الحياة الإنسانية لا تستطيع مواصلة دورتها التي تفضي بها إلى الموت من دون ارتعاش- من دون خداع- ولقد أبرزتُها في مظهرها الخادع- المراوغ- من خلال السبل التي سبق وذكرتها». «إذا أردنا أن نخرج اللغة من المأزق الذي زجَّت بها فيه هذه الإشكالية، فمن الضروري أن نقول بأن العنف، باعتباره صنيعة الإنسانية بكاملها، قد بقي من حيث المبدأ بدون صوت، ونتيجة لذلك فإن البشرية بأكملها تكذب باستعمال تقنية الحذف، كما أن اللغة تقوم هي أيضا على الكذب». وهذه جملة في غاية الأهمية. وأهميتها ناشئة من تحديدها لوعي جديد، يرمي إلى سبر أغوار النصوص التاريخية الرسمية، والكشف عن أماكن النبذ والكبت فيها، وعن سلوكاتها النازعة الى التآمر؛ ناشئة عن مسعاها لإظهار التواطؤ الموجود بين الخطاب الوضعي وما يغيِّبه هذا الخطاب وهي الوضعية التي تساهم في تقوية المغيب وتضاعفه فعلياً»؛ ناشئة أخيراً، عما تبينه لنا من مفعول ديالكتيكي لما هو إنساني لأن الأخير يستدعي بالضرورة الجانب اللا إنساني فيه. إنه هذا الفضاء الجديد المتميز بجدة الرؤية إلى النصوص، بعد أن ساهم في فتحها على التاريخ كل من ماركس، نيتشه وفرويد، بعد طول انتظار على عتباته. وقد وجدوا في ساد أحد الأسلاف الراديكاليين: «حين يكتب ساد، فإنه يرفض الخداع» يقول باطاي. وفي مكان آخر: «اعتماداً على التفاف ساد  حول الإنحلال، دخل العنف أخيراً دائرة الوعي». كتب باطاي: أخيراً. كل شيء يجري إذن، كما لو أن الدرس المفارق الذي يحمله معه الزوج: منع/انتهاك على جميع الأصعدة كان ينتظر وضوح الوعي به، الشيء الذي يبدو أنه تأخر كثيراً؛ وكما لو أن بمقدورنا أن ندرك أخيراً، كيف أن المجتمع والتاريخ ليسا إذن إلا شكلاً تم الالتفاف حوله [شكلاً مصفَّى] لما يأخذه العنف [القوة] حتى يمكنه النفاذ إلى الوعي المصطنع من طرف هذا المجتمع وهذا التاريخ؛ كما لو كانت الكتابة هي شكل هذا الالتفاف، بما يجعل من فعل الكتابة، حين يدفع به إلى حدوده القصوى، الطريقة الوحيدة للإفصاح في آن، عن افتراء التاريخ [تخييله] وعن حقيقته [المختلفة تماماً عن الحقيقة التي تجعل التاريخ ينطلي عليه هذا الكذب]. كما لو كان الزوج صواب/خطأ، من جميع وجوهه قد ترك مكانه لنوع فزيائي من الحركة المكتوبة، حيث تكون الكتابة مرسومة بواسطة الجسد المنتهِك نفسه، معلنا ضياعه في هذه الكتابة، ومساهماً في نفس الوقت في كتابة التاريخ على شكل نص للعنف المخذول [أي وهو فارّ ومغلول من عنقه في نفس الآن].
    هذا المنظور هو نفسه الذي تعلن عنه مسرحة الكتابة الفرويدية التي حللها جاك دريدا، وهي التي أسعفت لوي ألتوسير ليرفض القراءة من منظور الأسطورة الدينية، وكذلك التدليل على كيف أمكن لـ ماركس أن يقطع «مع التصور الهيغلي للكل، باعتباره كلية روحية وتحديداً باعتباره كلية تعبيرية»، وهو الشيء الذي دفع ألتوسير للقول: «لقد أخذنا ابتداء من ماركس، على الأقل على صعيد النظرية، في التشكيك في معنى القراءة وبالتالي في معنى الكتابة». وهذه الرؤية، أخيراً، هي الكفيلة بفتح إمكانية تحقيق فعالية حقيقية للكتابة النيتشوية، وهي الإمكانية التي لم يكف باطاي عن مساءلتها. وما تعرَّض للحذف هو وهم الحضور بالنسبة للذات، الحضور التلفيقي الذي لا يمكن أن يتجلّى لنا إلا باعتباره أثراً لرغبة مبهمة. وما يتم إبرازه نجد نيتشه قد شدد عليه من خلال هذه الجمل: «فقدان الاحترام للكل، وتفتيت الكون: هذا هو المطلوب» و«أحب الجهل عندما يمس المستقبل»، وشدد عليه باطاي: «وراء القيامة القادمة التي تنيخ كلياً بثقلها على الكائن الذي هو ذاتي، والذي مازال ينتظر تحققه، بحيث أن معناه ذاته، يكمن في انتظار الوجود أكثر منه في الوجود المتحقّق [كما أني لست الحضور الذي أنا عليه ولكن المستقبل الذي أنتظره، ولم أصبح عليه بعد] يأتي الموت، وراء هذه القيامة القادمة، ليعلن عودتي إلى تقيُّح الحياة. وعليه هل بإمكاني استشعار -وقضاء حياتي في ترقب- هذا التقيح المضاعف الذي يحتفل فيَّ مسبقاً بانتصار التقيُّؤ؟». الأبحاث حول التصوّف أظهرت القرابة الموجودة بين المقدس والشهواني وهي القرابة التي تمتنع رؤيتها على العلم [على المحللين النفسانيين بوجه خاص، ما دام أن هذه الحالات... لا تدخل في نطاق تجاربهم»] وتقوض النزعة الإنسانية التقليدية. إن المسيحية التي كانت دوماً عدواً للتصوف [إيكهارت] وللعلم [جيوراندو برونو] وعدواً بالخصوص لهما في التحامهما معا، قد أوكلت للعلم عمى إنسانياً وللدين منحى ظلامياً خطيراً. بيد أن «إمكانية نهائية للالتقاء فيما بينهم» -وهو ما لا يعني الاتحاد- تسمح بأن تكشف عن نفسها: ينبغي إذن الحسم في أمر العدائية نحو ما تمثله المسيحية، حسماً يكون من القوة بحيث يمكننا من تحقيق فهم أفضل بما تضطلع به وظيفتها الاجتماعية من حجب، ومن ضرورة تخلّص التصوف من رؤاه العصابية، واستيهاماته وهذياناته. فالتصوف بالنسبة لـ باطاي كما بالنسبة لـ نيتشه، هو المكان، وليس الحالة ولكن لانتقال فوري [ماحق] نحو المعرفة النظرية والتجريبية؛ إنه علامة على وضعية منزاحة في علاقتها مع التمفصل الدال، وعلى وضعية متميزة في علاقتها مع اللغة [وهو ما أشار إليه نيتشه بـ «الربط- بدل العلة والمعلول» وأشار إليه أيضا بقوله: «إننا ننتمي إلى عالم مقلوب، لأن كل محتوى يظهر لنا اليوم كما لو كان شكلياً محضاً - بما في ذلك حياتنا». وهو في ذلك يشير إلى أن عالمين اثنين [وجهي العملة الواحدة: السقف] يتم إثباتهما معاً، باعتبار أن احدهما غير قابل للاختزال في الآخر، بشكل يؤدي إلى أنه بمقدار ما تزداد النظرة العقلية تزداد قوة الجوهر الفاقد للمعنى. وهذا الجوهر يكون صامتاً يخفى عن كل دراسة تتناول الأعراض: «المعانات الأشد عمقاً هي تلك التي لا تخونها الصرخات، وتلك هي ميزة التجربة الداخلية لأقصى حالات الكينونة، ممثلة في الصوفية: لا تجد اللحظات الحسية صدى لها في التجربة الأشد قسوة». وبالفعل فالتجربة المعنية هنا ليست مكوناً من مكونات الخطاب [تسميتها بالصوفية يفيض عن المطلوب]، إنها لا تتدخل فيه كـ شيء ما [يقتضي التعبير عنه]، وليس لها من خاصية أخرى غير إحداث تبدُّل في الخطاب وغير الانفلاق والعتبة في شكلها الظاهري. في المقابل فإن تعرية التصوف [بالمعنى التاريخي للكلمة] وكذا الإيروسية، ونقد المبادئ التي يقومان عليهما، يشكلان الإجراء الناجع للوقوف في وجه الإيديولوجية الطبيعية خصوصاً وأن هذه الأخيرة شددت على التحريم  الخاص بالموت على حساب النشاط التناسلي الذي لم يؤخذ بكلّ الاعتبار الواجب له. وعليه يتم استبعاد المواجهة المباشرة وغير المباشرة للموت [التصوف] كشيء صارم ومأساوي، في اقترانه بالجنسانية [الايروسية]: يتم حظر الضحك من الموت، في حين تتحول اللذّة إلى موضوع للفكاهة. وهذا ما جعل باطاي يقول: «تعد الإيروسية انقلاباً إذا نظر إليها في خطورتها وفي مأساويتها» وسنرى لاحقاً كيف ستضطلع الكتابة منذ ذلك الحين بهذا الانقلاب، وكيف حازت على نفس الوضع وعلى نفس الدور، وبالجملة اتخذت نفس معنى الايروسية: إذ تتعرض للإقصاء فإنها تقوم بممارسة إقصاءها الخاص. وهذا يجعلنا نفهم بشكل أفضل كيف أن الكتابة يصعب أن تقبل من طرف إيديولوجية تختزل اللغة في أداة [أداة  تنقل معرفة، تنقل حقيقة] ذلك لأن الكتابة التراجيدية [تراجيدية، ليس من خلال مظهرها التعبيري، ولكن من خلال اللعب الموجه الذي يؤدي بواسطته إلى القضاء على من يؤديه] تنوب في الأخير عن الإنتهاك.

مجاوزة الحد

       كيف نتعرف على هذه الكتابة؟ ما الذي يميزها عن الأدب بمعناه الضيق [بمعنى إنتاج عمل أدبي]؟ لماذا لا تظهر فقط إلا في قناع الأدب وليس في قناع العلم والفلسفة؟ ولماذا يتم وسمها بهذه الصبغة الأدبية الاعتباطية، في حين تُعدُّ هي، ربما، فلسفة وعلم عصرها؟
      تقدم مراحل الكتابة عند باطاي، والخطة الاستراتيجية التي اعتمدها  [روايات داعرة، يوميات، دراسات] الدليل على أنه لم يكتب فقط، ولكنه مهد داخل وحول ما كتبه لنمط من القراءة قابل لأن يجعل من أي نص من هذه النصوص خارجاً أو نواةً غائبةً لنص آخر، بشكل يجعل كتابته الخاصة لا تقبل التوحيد، وتنقسم ذاتياً على صورة العالمين التي تشكل الكتابة وجهها الآخر. إصرار هذه الكتابة على أن قراءتها لا تتم إلا انطلاقاً من طابعها الداعر،  يشير بوضوح إلى أن أية قراءة أخرى ستنطوي دوماً على صبغة قمعية. كما يُظهر أيضاً الحرب الطاحنة التي تحكم ثقافتنا بسبب تغليب صفة الاعتباطية في تعريفها للأدب. «لن يكون المتخصص أبداً في مستوى الإيروسية». تشير هذه الجملة إلى الكتابة وحيدة البعد المميزة للخطاب العلمي والفلسفي. بيد أن «التعريف الذي يحصر الفلسفة فقط في مجموع ما يتوفر من إمكانيات، موجه لإرساء عملية تركيبية»، تكشف عن عجز ذلك الذي إذ يكتب يتصور أنه يقع خارج دائرة الفلسفة والعمل وكل المعرفة المنطقية. ولن يتأخر العالم والفيلسوف [كما أنهما لم يتأخرا] عن عدِّ باطاي عالماً زائفاً وفيلسوفاً زائفاً. كما سيقصر هواة الأعمال الأدبية، أي الكتاب عن إعطاء القيمة الحقيقية لعمل ضخم هو في نهاية المطاف أقل أدبية. لكن لنترك ذلك للزمن، فهو الكفيل بإعطاء الأعلام [أي اللغات] المكانة التي يستحقونها: الشيء الأكيد أن الكلمات المكتوبة من طرف باطاي، أكانت أدباً أم علماً، أم فلسفة لم تجد مستقبلها بعد.
  «المتخصص لن يكون أبداً في مستوى الإيروسية... فيما تعد الإيروسية بامتياز مشكلة شخصية، وللسبب ذاته  مشكلة كونية بامتياز، بالنسبة لمن لم يتهرب، تاركاً حياته تنفتح على الحيوية المفرطة». وبالفعل يساهم كل من الشخصي [يوميات، روايات] والكوني [دراسات] في بناء عالمين اثنين يتواجدان معاً، ويناقض أحدهما الآخر، شأنهما في ذلك شأن عالمي المنع والخرق، مشكلين من نفسيهما سقفاً، هو من حيث المبدأ في غير المتناول؛ ففي الشخصي نجد الإسراف، وفرصة رؤية التجلي مكتوباً، نجد الاختراق والتمزّق المشرَع على اللحظة، والأنا أثناء ملامستها لجسد الآخر وللتناقض الذي تجده في جسدها الخاص. وفي الكوني نجد البحث التاريخي، والتعليل الديالكتيكي في وضوحه الصارم. وبذلك يغدو الفاقد للمعنى اللحظة التي تدخل فيها الكلمات المتنافرة بعضها في بعض دون أن يزول تناقضها، ويغدو الفاصلَ الذي يحوز فيه الكل على نفس المعنى دون حيازة فعلية، حيث تنهشنا قوة المتصل معلنة ما سيكون عليه موتنا بعد أن تفتحنا على عرينا. بيد أن كتابة الفاقد للمعنى  وجعله ينكتب، وخلقه من كل الأجزاء، يعني في نفس الآن إقامة الدليل على عدم وجوده، وبأننا نمثل الفصل الذي يشهد مقتلنا الخاص بتقطيع أوصال العالم، وبأن وجودنا المادي يشكّل أيضاً الامتداد و التمزّق والشرخ الذين يؤدون إلى هلاكنا.
وإذن فالأمر يتعلق بضمير الجمع نحن: لا يمكن كتابة النظرية إلا من خلال وجود مجتمع خال من الفوارق الطبقية حيث سيكون الامتياز الوحيد هو الكفاءة المفارقة في التعامل مع العمل ومع الانتهاك، وأيضا القدرة على استعمال لغة مزدوجة، عوض الادعاء بأنها تفهم نفسها، تتعدد تلقائياً، وتستعيد المبادرة، تنقلب وتنفي نفسها: الرواية بهذا المفهوم، تعد تحولاً في اتجاه النظرية، الخاضعة هي بدورها للصحوة الصامتة التي تعتبر الكتابة العلامة عليها.
   «بقبولي بالمنافسة، أحسست شخصياً بضرورة أن آخذ على عاتقي الصعوبة المطروحة في كلا المنحيين، على صعيد الانتهاك، كما على صعيد العمل»... «من الصعب تصور حياة فيلسوف يكون فيها دوماً، أو على الأقل في أغلب الأحيان، خارج ذاته... إن معطى بقائنا منفتحين على وضعية قريبة من الجنون [وتلك هي حالة كل وضعية لها ارتباط بالإيروسية، وبالتهديد، أو بشكل عام بوجود الموت أو القداس]  يُخضع باستمرار عمل التفكير إلى شيء آخر، وتلك بالذات هي الوضعية التي يتعطل فيها التفكير.» ما يقوله لنا باطاي يقال عندما نقترب كثيراً من غريزة الموت، هناك حيث تجعل هذه الغريزة من نفسها، في إيروسيته الغامضة، دالاً، أي تصبح بشكل متزامن خروجا عن الحدود وغير قابلة للإدراك.
إذا كان الموت يشكل الداخل بالنسبة للكائن الذي يحتضر، بشكل يجعل خروجه بواسطة الموت، يتخذ هيئة الرغبة الفاقدة للملامح؛ وإذا كان الكائن المحتضر لا يموت في مكان آخر ولكن فقط في الدال الذي يبعث فيه الحياة، فإن رغبة الموت [التي تنعش من جميع الجوانب مادية الحركة المكتوبة] تميط اللثام عن تغييرنا للسكك التي نندفع منها بلا انقطاع: «إننا لا نتخلى فقط عن السعي نحو موتنا، ولكنا نقرن الموضوع بالرغبة -وهي في الحقيقة رغبة خاصة بالموت- نقرنه بحياتنا الدائمة. وبذلك نُغني حياتنا بدَل أن نضيعها.»
   يكمن الخداع الذي لا مفر منه في تهدئة الحد، ونقله من مكان إلى آخر، وفي التمييز مجدداً بين حامل ومحمول، نتيجة العجز عن التحوّل نهائياً إلى محمول يظهر كحامل طاغ: «لنفترض بالفعل أن الفلسفة تسخر فعلاً من الفلسفة، وهذا يقتضي وجود التخصص والتحرر منه، في هذه اللحظة التي يتم فيها المجازفة كلياً بمجموع الاحتمالات [المجموع هنا عبارة عن تركيب، وليس مجرد جمع فقط ما دام يفضي إلى هذه النظرة التركيبية حيث يكشف المجهود الإنساني عن نوع من العجز، وحيث يستكين دون أدنى حرج إلى عجزه]. بدون هذا التخصّص ما كان بإمكانه أن يبلغ هذه النقطة، ولكن ليس بإمكانه أبداً الذهاب أبعد من ذلك. وهذه حقيقة تجريبية. وفي كل الأحوال يتم اختزال فكر الإنسان وعقله في وضعية الحامل المنتفخ المتصدّع بفعل محموله. يعتبر الشرخ وتمزيق القوقعة (chrysalide)، إذن اختفاء قسرياً لوهم السيطرة، وتصدعاً للجدلية المثالية المعتبرة بمثابة حجاب وكشف لـ عقل مطلق: «تعريف الإيروسية بكونها الإقرار بالحياة حتى داخل الموت، كلمة سره لعبور الموت هي الطاقة المشعة للدعارة. كلمة، وموضوع، ومنغرسون أحياء في الموت كأنهم إثبات (oui) في وجه الموت، أو بالأحرى سلسلة من الكلمات أو الموضوعات الواقعة في نوبة جنسية قاتلة، والعكس بالعكس، ذلكم هو الفكر الحر الموضوع أمام مسؤولياته الملموسة والسياسية. «الأمر يتعلق بمعرفة ما إذا كانت الرغبة في نقطة معينة، تقدّم إجابة جيدة حول كون التخصص في المشروع يشكل جوهر الفلسفة». وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يساهم في إضاءة معنى جملة أخرى لـ باطاي [من كتابه المستحيل]: «إن المنطق، وهو يموت، يخلف ثروات مذهلة». وهذه الثروات هي من النوع الذي يقدم إلى الفكر الذي يؤكد ويتجاوز في آن حدود قاموس متناه (نيتشه: «إن المنطق ذاته بالنسبة لي، ليس إلا نوعاً من اللاعقل ومن الصدفة»]. والكتابة الممارسة على هذا النحو [الإيروسية] هي الحركة التي لا تستطيع أية كلمة أخرى بواسطتها أن تدعي بأنها تتفوق على الكلمات الأخرى، باعتبارها قطباً أو غاية لها: فيما كل الخطابات الأخرى تحيل إلى إله. بعبارة أخرى، يتحتم أن يكون لكلّ منظومة من العلاقات الشكلية، لكل محضر (PROCES) ، ما يناظره، اعتماداً على  منطق محتضر، مما يفوق الحد (EXCES)، وهذا الما يفوق الحد لن يكف عن وضع حدّ لحياة المنطق، مهما كان هذا المنطق  قيد الاشتغال. إنّ المحضر يشكل وينتج إسرافاً يستنفذ المحضر ويؤسسه. فإذا تطابق سؤال الفلسفة الأكبر... مع ذروة الإيروسية [مع بقاء هذه الذروة فارغة، دون أن تضطلع بوظيفة أخرى غير إعادة صب نتائجها في منطق وجدلية] يكون لزاماً علينا أن ندرك بأن لحظة المجموع تتماس مع لحظة التشتت: بهذا الشكل تجمع اللغة كلية الشيء الذي يشكَّلنا، وفي نفس الوقت تُشتِّتها». إن تفسُّخ الفلسفة في عالم اللعب [وهو ما نجده في الفلسفة الفاسقة لـ ساد] يمكن مقارنته إذن مع عملية وضع حد لحياة اللغة، والعملية هي هذا التبديد للمعنى الأخير، الذي لا يتدخل إلا لكي يقف مقابلاً للصمت [للموت]: «لا تخرج الفلسفة عن نفسها لأنّها لا يمكنها أن تخرج عن اللغة. إنها تستعمل اللغة بشكل يجعل الصمت لا يعقبها أبداً». وهو ما يقود إلى هذه السخرية الكبرى: تعتقد الفلسفة -للتبسيط نقول، تمشياً مع لبس يسمح به باطاي نفسه والفكر عامة -بقدرتها على الخروج من اللغة فيما هي تدور ببساطة حول رفضها للموت المعبر عنه من خلال كلمة علياً [هي كلمة الغاية، أي الكلمة الأخيرة]. وإذن فلا سبيل إلى الخروج من اللغة إلا إذا كان ذلك سيسلمها إلى حتفـها: «أن تجعل الفلسفة تقوم على الانتهاك [وهو المسار الذي يتخذه فكري]، هو أن تحل تأملاً صامتاً في محل اللغة. وهذا هو تأمل الكائن وقد أدرك ذروة الكينونة، بحيث لا تختفي اللغة كلية. فهل كان ممكناً بلوغ الذروة لو لم يكن الخطاب قد كشف عن المسالك المفضية إليها». إن الأمر يتعلق فعلاً، بإثبات مضاعف للغة [بموافقة من اللغة تصل حدود الصمت الذي لا يعدُّ شيئاً آخر غير شكله الغائب]: «أي وضع كان سيتخذه وجودنا في غياب اللغة؟ إن اللغة هي التي أفضت إلى ما نحن عليه. ووحدها تكشف، قدر المستطاع، عن اللحظة المطلقة التي لم يلجها أحد». أية لحظة هذه؟ «لحظة الصمت العميق -صمت الموت ...»

السقف 

      «أجرؤ على القول، هنا، بأن الفلسفة، كما أراها، تعني أيضا وضع حد لحياة اللغة . كما أنها تضحية أيضا. وهذه العملية التي أتيت على ذكرها، والتي تقوم بتركيب كل الممكنات، تشكل إلغاء لكل ما تمهد له اللغة ويقوم بإحلال مجال محايد، مجال لا مبال محل تجربة الحياة الصاخبة ـ وتجربة الموت».
      ...
     «أردت أن أتكلم لغة في درجة الصفر، لغة تكون معادلة للا شيء، لغة تعود من جديد إلى الصمت. ولا أتكلم هنا عن العدم، وهو ما يتخذ مبررا أحيانا لإضافة فصل متخصص للخطاب، ولكني أتكلم عن حذف كل ما تضيفه اللغة إلى العالم. أحس بأن هذا الحذف في إحدى مظاهره العنيفة، مستحيل. كل شيء من هذا المنطلق، لا ينتشلنا من العالم [بشكل يجعل نوعا من القداسة مسؤولا عن الانتشال من العالم سواء تم ذلك من وراء الكنيسة أم ضدها] يعد خيانة لما أطمح إليه... وهذه التجربة بحد ذاتها لها أيضا تخصصها... لكنها تختلف منذ البداية عن كل تقريض لفظي للإيروسية».
   ...
  «سأجعل نفسي تتوارى بشكل يجعلها تغرق في الصمت. وإذا حاول آخرون مواصلة العمل فلن يتقدموا إلى مدى أبعد، وسيقطع الموت كلامهم، كما فعل معي».
   توضح هذه المقاطع الثلاثة لـ باطاي [الأخيرة مقتبسة من كتابه عن نيتشه] بشكل صريح مصداقية وطبيعة حساباته. ولكن ما معنى التأمل الصامت إن لم يكن قناعا آخر للكتابة التي نبحث لها عن اسم؟ وما هذا القطع للكلام إن لم يكن إخصاء للأثر المكتوب؟ وماذا يعني «لا يمكن تقييد من لا يعرف معنى الحد» إذا لم تكن وضعية من يتجاوز الإسراف لديه كل إسراف؟ ونحن نكتب [أو نقرأ] الكلمات التالية: «موتـي هو الدليل على استحالة أن أبقى على ما  أنا عليه  بمنأى عن الإسراف...» كيف نقرأ العلامة: أنا وعلامة التخصيص: (ma)؟ نقرأهما كنوع من الشفافية التي تجعل التنفس ممكنا تحت السماء، وفي غمرة المدينة، على أرض يتمخض فيها الانقباض البشري عن إنسانية تخضع للعبة المجموع، هذا الذي تصرّ على إنكاره، إنسانية تتوغل أكثر فأكثر في العقلانية وسوء الفهم [سوء فهم يتجاوز في كثافته، السماء الداكنة التي أراها أمامي الآن من خلال هذه الأوراق]. «صحيح أن الإبداع هو من التعقيد بحيث لا يمكن اختزاله في اتجاه فكري معين، ما لم تحصل له القناعة بقدرته على التجاوز، هو المتجاوز أصلاً». ومثلما تحرص الإيروسية على أداء دور الآخر، مع علمها بإمكانية التعرض للتلف حين ينقلب هذا الدور، كذلك يمثل الإنسان في لعبة الكتابة صورة اللعب المعاد (rejeu) الذي يقوم على تحويل اللعب ويقوم في نفس الآن بإعادة نقش العلامات في باطن يده: «أنا لا أطعن في المعرفة لأن بدونها لم أكن لأكتب، ولكن هذه اليد التي تكتب وهي في طريقها إلى الموت، اليد الموعودة بهذا الموت، ستنفلت من إسار القيود التي تقبل بها أثناء الكتابة [تقبل بها اليد التي تكتب، لكن ترفضها اليد التي تموت]. إن الذي يكتب وينسخ هذه الأسطر سيترك بدوره، وراءه هيكلا عظمياً ومتتالية من الكلمات. واليدان المعنيتان هنا، يمكنهما أن تتحولا إذن، لبرهة من الزمن، من خلال تناقضهما السريع الزوال، إلى رمز لـ سقف الكتابة، هذا السقف الذي لن يتمكن في النهاية سوى شخص آخر وحده من ملاحظته: «كائناً من كنت يا من يقرؤني: جرب حظـك، كما فعلت أنا دون عجلة من أمري. فعلت ذلك حتى في لحظة كتابتي، وكنت أستخف بك».   

ملاحظة: الإحالات في هذه الدراسة مأخوذة من كتاب باطاي، وفي حالة العكس، نثبت الإحالة في ثنايا النص.
 النص الأصلي:  Philippe Sollers : le Toit , in : L’écriture et l’expérience des limites, Seuil 1968 ,p-p 105-138

       
                      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق