الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

كأنّي كلمت مرآتي: جورج باتاي


أوراتوريو[*]

ernest pignon ernest
الشخوص

ساردٌ.

عاهرةٌ، في التسعينِ، وهي تُحتَضَر (كانت فاتنةً معبودةً في العشرين؛ ذاتَ يومٍ وكانت عاريةً بذلَت للربّ ما بذلتهُ أوركور لأجل دوكلو في «120 يوماً[**]»

كاهنٌ، في الثلاثين.

الربّ، بصورةِ حجرٍ أملسَ.

يسمّي الساردُ الشخوصَ وهو يقدّمها. لا أزياءَ أو مناظرَ. يحدثُ المشهدُ في غرفةِ نومِ العاهرةِ.

تقولُ:
إلى الحائكةِ
أنا الحائكةَ 
أسفاهُ! 

يقولُ السيدُ الكاهنُ:
أنا السيدَ الكاهنَ
ابنُكِ الصغيرُ
يلاطفُ أُذني
وأنتِ تموتين.
يا مُضيفَتي
أمّي الحائكةَ
سأرفُعكِ إلى السماءِ

يقولُ الحجرُ الأملسُ: 
أنا الربّ 
سأضربكِ على رأسكِ
وللسيدِ الكاهنِ 
سأقتلُكَ
فإني مُغفّلٌ.

سقف الهيكل

أُحسُّ بمعركةٍ حاسِمةٍ حيثُ لا يَردَعُني الآنَ شيءٌ. خائفٌ، كوني موقِناً أنّي لن أتَفادَى المعركةَ من بعدُ.

ألا تكونُ الإجابةُ: «أنِّي أَنسَى السؤالَ»؟
***

تبدّى لي، أمسِ، أنّي كَلّمتُ مرآتي.

تبدّى لي أني رأيتُ من مَبعَدةٍ، كأنْ بوَمضةِ برقٍ، مِنطقةً يقودُ فيها عذابي... شعوراً جَلَبتهُ عليّ جُملةٌ. وقد نَسِيتُ الجُملةَ: كانَ يصحَبُها تغيّرٌ ملموسٌ، مثلَ طَقطَقةٍ تقطَعُ ملازمَ كتابٍ.

وَعَيتُ استِدراكاً، مُخاتِلاً ككائنٍ فوقَ العادةِ.

لم يكُ شيءٌ أكثر تَحَرّراً، أو نَقِيضاً، من الحِقدِ.
***

وَعَيتُ، كالندمِ، تعذُّرَ مَحقِ براهيني.

كأنّ جَوْراً غيرَ مُحتَملٍ كانَ يكبَحُنا.

ثمّةَ رغبةٌ ـ أَرجُفُ بها ـ أنّي قد أنتَهزُ الفُرصةَ، فهي قريبةُ النَوالِ، إلا أنها غيرُ مُدرَكةٍ، من رِيبةِ الليلِ. ولأنّي في قوّةِ هذهِ الرغبةِ، أتَرَصّدُ الصمتَ.

في الليلِ وحدي، لَبِثتُ أقرأُ، يُرهِقُني شُعوري بالعَجزِ.  
***

قرأتُ برينيسَ[***] (ولم أكُن قرأتُها قبلاً). أوقَفَتني بالتمهيدِ جُملةٌ واحدةٌ: «... ذلكَ الحزنُ المَهِيبُ هو الذي يُؤسّسُ لذّةَ المأساةِ». قرأتُ "الغرابَ[****]"، بالفِرنسيةِ. فنهَضتُ، مُستَثاراً بالعَدوَى. نهَضتُ، فنزَعتُ وَرقةً. أذكرُ تَهوُّري المَحمومَ لأصلَ إلى الطاولةِ: ومن بعدِها، استكَنتُ.

كتبتُ:
ثارَت
عاصفةٌ من رمالٍ
ليسَ لي أن أقولَ
ليلاً
فقد ثارَت كحائطٍ من غُبارٍ
أو زَوبعةٍ يكتَنِفُها شَبحٌ
قالت لي
أينَ كنتَ
قد ضَيّعتُكَ
لكني
بمَ أنّي لم أرَها قطّ
صَرختُ في البردِ
مَن أنتِ
يا مجنونةُ
ولماذا
تدّعين
أنكِ لا تَنسِينَني
ساعتَها
سَمِعتُ الأرضَ تنهارُ
فجرَيتُ
أعبرُ
حقلاً لا نهايةَ لهُ
وانهَرتُ
فانهارَ الحقلُ أيضاً
بشَهيقٍ إلى أبعدِ حدٍّ انهَرتُ
أنا والحقلُ

ليلٌ خَلِيٌّ لا نجومَ بهِ
أبطلَ عدَماً ألفَ مرةٍ
وكانَت صَرخةٌ
لم تَجرَحكَ من قبلُ
كانهِيارٍ طويلٍ طويل.
***

كانَ الحبّ يُحرِقُني، في الوقتِ نفسهِ. فتَحَدّدتُ بالكلماتِ. لقد استَنفَدتُ نفسِي مع الحبّ ضِمنَ العدَمِ، كمَن هو في حَضرةِ امرأةٍ ـ مرغوبةٍ وقد تَجَرّدَت ـ تَستَعصِي عليّ.

ذهولٌ. يستَحيلُ عليّ النومُ رغماً عن الساعةِ، والتعبِ. كما فعلَ كيركيجارد[*****] من مئةِ سنةٍ، قلتُ عن نفسي: «رأسي خاوٍ كمسرحٍ قد بدأت فيهِ للتوّ مسرحيةٌ».

وأنا أَحدِجُ عدَماً أمامي، ألحَقَتني لَمسَةٌ ـ عنيفةٌ فَوريةٌ ومُفرِطةٌ ـ بذاكَ العدَم. فرأيتُ ذاكَ العدَمَ ولم أرَ شيئاً، لكنهُ، العدَمُ، كانَ يُعانِقُني.

جِسمي كانَ مشدوداً. انكَمشَ كأنهُ، من تِلقاءِ نفسِهِ، يحدُّ من نفسِهِ ليوسِعَ من نقطةٍ. فتَمضي الوَمضةُ الأخيرةُ من هذه النقطةِ الباطنيةِ، تِجاهَ العدَمِ. رُحتُ أُكشّر ثم أضحكُ، شفتاي على وسْعِهما، وأسناني عاريةٌ.


الهوامش:
[*] Oratorio: توليف موسيقيّ للأوركستر والجوقة والعازفين المنفردين، يتّسم بطابع سرديّ أو دينيّ مقدّس، يؤدّى من دون ملابس أو مناظر أو أحداث ولا استراحة بين الفصول. (م)
[**] 120 Days in Sodom: رواية المركيز دو ساد، وهي تستفيض في علاقات جنسية شاذة ومنحرفة ومُحرّمة، تُستَباح فيها فتيات صغار، وتُقتَل وتُحرَق أخريات أكبر وتُبقَر حوامل، إلخ. (م)
[***] Bérénice: مسرحية الفرنسيّ جان راسين (1639/ 1699)؛ انتظر تيتوس موت والده ليتزوج برينيس، وهي ملكة أجنبية، فغضب الشعب، أرسل صديقه ليبلغها وكان يحبها فكذّبته، ولمّا أيقنت رفضت الزواج من كليهما. (م)
[****] The Raven: قصيدة الأمريكيّ إدجار ألن بو (1809/ 1849)؛ عن طالبٍ يستحضر طيفَ حبيبته الميتة، فيجد غراباً لا يقول إلا كلمة واحدة "مطلقاً"، فالمرء يحبّ تعذيب نفسه، ليستخلص معنىً من مثل هذا الهراء. (م)
[*****] Kierkegaard: فيلسوف وشاعر وناقد ولاهوتيّ دانمركيّ (1813/ 1855)، يعدّ أول فيلسوف وجوديّ، يضع الأسبقية للواقع الملموس عن التفكير المجرّد، من أعماله (شذرات فلسفية، مفهوم التوتّر، أعمال الحبّ، علّة الموت، عن مفهوم التهكّم، إما/ أو، الخوف والرعشة، الترداد). (م)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق