الخميس، 3 أبريل، 2014

عين: جورج باتاي


رهافةٌ متوحّشة. من المعلومِ أن المتمدّن يتّسم بحدّة من الفزع لا تُفسَّر غالباً. الخوف من الحشرات هو من دون ريب أكثر هذه المخاوف الفردية والمتطوّرة، ويندهش المرء وهو يلاحظ خوف العين. يبدو مستحيلاً، حقاً، الحكمُ بأن العين تستخدم أيّ كلمة غير مغوية، فلا شيء أكثر منها جاذبية في أجسام الحيوانات والبشر. لكن الغواية المفرطة قد تكون في حدود الفزع.
بهذا الصدد، ترتبط العين بالحافّة القاطعة، التي يستحثّ مظهرُها الانفعالاتِ المريرةَ والمتناقضةَ؛ وهو ما اختبرهُ صانعا "كلب أندلسيّ(*)" بشكلٍ مخيف وغامضٍ حين قرّرا، ضمنَ الصور الأولى بالفيلم، الغرامياتِ الدمويةَ لكائناتهما. فيقطعُ موسَى عينَ امرأة شابّةٍ ساطعة وفاتنة ـ هذا بالدقّة ما أعجبَ الرجل الشابّ إلى حدّ الجنون، رجل شابّ يراقبه قُطَيط، رجل شابّ يمسك مصادفةً بيده ملعقةَ قهوة، ويودّ فجأة أن يلتقطَ العينَ بتلك الملعقة. 
كانت الرغبة الشاذّة في دَورٍ، من عينَيْ بقرٍ، ماشيةٍ، وخنازيرَ بيضاءَ يأكلها، محجوبةً دائماً. أما العينُ ـ كما صاغَها ستيفنسون(**) في حِذقٍ، فهي رهافة متوحّشة ـ وبدَورنا، نراها الدافعَ وراء هذا التوتّر الذي لن نتثبّتَ منه. وقد تُصنّفُ العينُ بمرتبةٍ عاليةٍ من الفزع، لأنها، ضمن أشياء أخرى، عينُ الوعي. ونعرفُ قصيدةَ فيكتور هوجو(***) كفايةً؛ العينُ المستحوذةُ الشجيّة، العينُ الحيّة، العينُ التي كان يحلم بها فزعاً جراندفيل(****) في كابوس أتاه قبل وقت قصير من موته؛ "الأحلام (المجرمة) التي صدمَ بها للتوّ رجلاً في أيكة داكنة... ينثال الدم البشريّ، وليستعمل تعبيراً يطرح به صورة متوحّشة للعقل، جعل سنديانة تنضح(*****). في الحقيقة، لم يكن رجلاً، بل جذعَ شجرة... دامياً...يضرب وينازع... تحت السلاح القاتل. يدا الضحيّة مرفوعتان، ضارعتان، دون جدوى. يواصل الدمُ دفقَه". عند هذه النقطة تظهرُ عينٌ هائلةٌ بالسماء السوداء، تلاحقُ المجرمَ عبر الفضاء وإلى قاع البحر، حيث تفترسهُ بعدما يتّخذ هيئةَ سمكةٍ. مع ذلك تتناسل أعين لا حصر لها تحت الأمواج.
حول هذا الموضوع، يكتب جراندفيل: "هل انشدّت أعينُ الجمهور إلى مشهدِ التعذيبِ وشيكِ الحدوث؟" لكن لماذا تنشدّ هذه الأعينُ الغريبة، كغيمٍ من ذباب، إلى شيءٍ منفّر للغاية؟ لماذا تظهرُ، أيضاً، بانتظام، في عناوينِ دوريةٍ أسبوعيةٍ مصوّرةٍ ساديّةٍ تماماً، منشورةٍ في باريس من 1907 إلى 1924، عينٌ على خلفيّة حمراء، فوق مشهد دامٍ؟ لماذا تتشبّه عينُ الشُّرطة بعين العدالة البشرية في كابوس جراندفيل ـ كتعبير وحيد في النهاية عن ظمأ أعمىً إلى الدم؟ كما تتشبّه بعينِ المِشجَب، حيث يُعلَّق المحكومُ بالإعدامِ، وحين يُقرّبُ من القِسّ لحظةً قبلما تسقطُ الشَفرة: يصرفُ القسّ، لكنه ينزعُ من نفسه العينَ المشقوقةَ مانحاً إياه الهديةَ السعيدةَ، فهي عينٌ من زجاج. 


الملاحق:

(1) فيلم "كلب أندلسيّ" للمخرج لويس بونويل بالتعاون مع الرسام سلفادور دالي.



(2) صورة للرسام جراندفيل بعنوان: "الحلم الأول- الجريمة والتكفير" 



الهوامش:


(*) Andalusian Dog: فيلم سورياليّ قصير، 1929، يستخدم منطق الحلم، وسط التدفق السرديّ، في طقس من الرعب. وكتب "باتاي" عنه هنا هامشاً يقول فيه: (أنجز هذا الفيلم فوق العاديّ شابان من كاتالونيا، "إسبانيا": سلفادور دالي، صاحب اللوحات المميزة، وأبرزها "اللعبة الحزينة"، والمخرج لويس بونويل. (انظر الصور الباهرة المنشورة في "دفاتر السينما"، يوليو 1929، ص 230/ و"بايفير"، أغسطس 1929، ص 105). ويعدّ الفيلم أبرز منتجات الطليعيين، فهو يغوي المرء حدّ الحيرة، حيث يهيمن السيناريو. تظهر عدّة حقائق جلية في نظام متعاقب، دون رابط منطقيّ بأنها حقيقية، بل ثاقبة ضمن الفزع الذي قد يلاحق الرائي مباشرةً كأنه في فيلم مغامرات. يلاحقه حدّ الخناق، دون خدع؛ فهل يعرف الرائي، حقاً، أين سيقف مؤلّفو الفيلم ـ أو من يشابههم؟ هل ظلّ بونويل نفسه، بعدما صوّر العين التي تُشَقّ وهي مفتوحة، مريضاً لأسبوع (علاوة على تصويره مشهد مؤخّرات الجيف وسط جوّ شيطانيّ)، فأنّى لامرئ عندئذٍ ألاّ يرى إلى أيّ حدّ يصبح الفزع آسراً، وهل تكفي الوحشية وحدها لتحطيم ما يخنقه؟) (م)              
(**) Stevenson: (1850/ 1894) شاعر وروائيّ ورحّالة اسكتلنديّ، وتأثّر به كثير من الكتّاب: بورخيس، جاك لندن، همنجواي، كبلنج، نابوكوف. من رواياته: د. جيكل ومستر هايد، جزيرة الكنز، المخطوف. (م)            
(***) Victor Hugo: (1876/ 1802)، شاعر وروائيّ ومسرحيّ فرنسيّ، من رواياته: البؤساء، أحدب نوتردام، خرافة العصور، تأملات. وكتب "باتاي" عنه هنا هامشاً يقول فيه: (استعار فكتور هوجو، قارئ مجلّة "بيدوريسك"، الحلم المسطّر بصورة رائعة في "الجريمة والكفّارة"، ورسمة "جراندفيل" غير المسبوقة، وقد نُشر كلاهما في 1847 (ص 211/ 2149)، لقصة ملاحقة مجرم بعين عنيدة؛ وهي مفيدة عموماً وبشكل نادر، في ملاحظة أن الهاجس المشؤوم والغامض، لا الذكرى الباردة، هو ما يوضّح هذا التشابه. وندين إلى معرفة وعطف "بيير ديسبوزيل" (ناقد فنيّ. المترجم) بوعينا بهذا المستند الفضوليّ، وربما كان أجمل من تكوينات "جراندفيل" المفرطة.) ويشير باتاي إلى قصيدة فيكتور هوجو "الوعي"، بمجموعته "قرون أسطورية"، وتقدّم هذه القصيدة في الواقع عين الربّ التي تلاحق قابيل، حتى في ضريحه الذي فرضه على نفسه. (م)                 
(****) Grandville: الرسام الفرنسيّ جين آجنس ايزادور جيرار جراندفيل (1803/ 1847)، ويعتبره السورياليون (خاصةً بريتون وباتاي) من آبائهم الروحيين، وقد رسم "دون كيخوته"، "رحلات جاليفر"، "روبنسن كروزو". (م)      
(*****) استخدم باتاي هنا تعبيراً عامياً، يعني "تفجّر" أو "تمزّق" أحداً. (م)              

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق