الجمعة، 27 سبتمبر، 2013

جورج باتاي.. حليف الموتى: محمد عيد إبراهيم


ولد جورج باتاي عام 1897 وتوفي 1962، أي كان معاصراً للسورياليّ أندريه بريتون (1896 ـ 1966) والسورياليّ لوي أراجون (1897 ـ 1982). وقد خبر باتاي طفولة عصيبة بين يدَي والد أعمى مشلول مصاب بمرض الزهريّ. وهذا ما نتبيّنه على الأقلّ من روايته (حكاية العين)، حيث لم يترك سيرة مكتوبة تخصّ حياته. وقد هجر باتاي وأمه هذا الأب العاجز، فما كان منه إلا أن جُنّ ثم توفّي بعدها بقليل.
قد تمرّد باتاي من بكرة أيامه على سلطة الأب، فترك المدرسة الثانوية، واعتنق الكاثوليكية حيث كان أبوه لا دينياً ورفض أن يطوّبه القسّ عند موته. مع ذلك سعى لتعليم نفسه بنفسه وقام ابتداء من عشرينيات القرن الماضي بنشر مقالات وروايات في صحف سيّارة. وخلال هذا الوقت، كان يعيش نوعاً من حياة ثانية. وصادف عام 1924 ميشيل ليريه، الشاعر ذا الروح الرقيقة الذي ساعده في التعرّف إلى السورياليين.

المتمرد

كان باتاي يستذكر شذرات من أحلامه، وتسكنه عقدة أوديب، من علاقته الخاصة مع أمه، بالإضافة إلى عمى أبيه، مما وسم كتاباته بنوع من “العنف الفكريّ”. وقد ظلت هذه الهواجس تحكم نظريته كنموذج للعلاقة مع الكون ومع الناس ومع الأدب وبأُسٍّ من هذه الهواجس طرده أندريه بريتون من جنة السورياليين. وكان بريتون في عشرينيات القرن الماضي القوة الفكرية الطليعية الرائدة في فرنسا، بينما كان باتاي لا يزال نكرة. أراد باتاي تأسيس منظومته عن “العنف الفكريّ” مع بريتون وضمن السورياليين، لكن العداء كان متبادلاً. فلم يكن باتاي مهتماً بانتهاك الجمال والسمو، كما كان مفهوم بريتون عن “فتح الأبواب الذهنية على وسعها” يمثّل بدقّة، فمن وجهة نظر باتاي، كان هذا نوعاً من التوكيد على النزعة الجمالية والنزعة المثالية المشتبكة مع الدين أساساً. فلم يكن على بريتون إلا أن أطلق عليه “عدو السوريالية من الداخل”.
انخرط باتاي، بدءاً من عام 1929، مع عدد من السورياليين المتمردين (أمثال: ديسنو، ليريه، ليمبو)، في كتابة مقالات تحت عنوان “وثائق” مصحوبة بخُطاطات طليعية مسرفة في البدائية، وكأنه يسجّل أيقونات لمستقبل شعبيّ.
من أبرز ما كتب في هذه الفترة: إصبع القدم الكبير، لغة الأزهار، وهو في الأخيرة يصف المركيز دو ساد وهو يلقي بأعضاء تكاثر زهرة إلى مصرف مليء بالسماد، مما منح بريتون الفرصة التي كان ينتظرها للهجوم على باتاي. ففي بيان السوريالية الثاني، يعمد بريتون إلى إدانة باتاي ومن ثم طرده، بدعوى أنه يميل إلى الجانب الحيوانيّ من نفسه، بينما كان مسعى بريتون إلى العقل. وفي معرض ردّه على باتاي، قال إنه مثل “من يفكّر وعلى أنفه ذبابة”، مما يجعله حليفاً للموتى أكثر مما هو حليف للأحياء. أما باتاي فقد أطلق بياناً عن “إنسان نيتشه الساخر”، حين انتصب الإنسان على قدميه ليرى الشمس غامرة. فبعد داروين ظهر هيجل، الذي دعا لمعانقة الروح الأسمى، روح المطلق. وهذه الحركة لا يمكن إنكارها، كما فعل بريتون مع باتاي، لكن أين ستمضي بالإنسان قيمة العقل التي تذهب معه أينما راح؟ الجواب الوحيد في نهاية العقل، نهاية الإنسان، نهاية الشكّ الديكارتيّ (الذي يتخذ لنفسه مقعد الوعي)، ولا حلّ أمامه غير الطاقة الحسيّة، غير الشوق المتزامن مع السقوط، المتزامن مع الموت.
فالموت هو الحلّ الرائع لنهاية الإنسان، حين تصل الروح مرقاها الأعلى، يرى النور في الليل. إنها خبرة الإنسان مع الليل، فالأمر أبعد من مجرّد فهم للتطوّر، بل هو أقرب للظاهرة الاجتماعية. فلا مسافة بين المعرفة المجرّدة والخسران الشفاف. في النقطة الأسنى من التطوّر، من المعرفة المجرّدة، ليس بعد الرقيّ إلا السقوط. فالإنسان حيوانيّ، بصيرته عمياء. لديه رغبة مرضية في السقوط الدائم.

سرداب الخوف

في مقالته “أنا الشمس”، يقول باتاي: “نعي جميعاً أن الحياة محاكاة ساخرة ينقصها التأويل. فالرصاص محاكاة للذهب، والهواء محاكاة للماء”. لكن هل المرء في “حاجة” إلى أن يختلف عن الآخرين، حيث إن الإنسان المفكّر يهرب من رأسه، بينما الإنسان الذي يضنيه الضمير يهرب من سجنه. ولا يكون الخلاص إلا بطريق التمرد أو الموت.


وفي معرض حديثه عن أبيه، يقول باتاي: "في الشارع أمام البيت الذي أسكنه، تركتُ درّاجة. شارع معبّد لا يدري معه المرء أيمضي يساراً أم يميناً... فجأة تهبط الظلمة. أُقيم برميلاً أشدّه بحبال سميكة سوداء تُعلّق عليه فئران كريهة من ذيولها. يقف على أيّ حال، فتصبح بمستوى رأسه الفئران المهتاجة. الفئران مريعة، مع كلّ مخاوف الطفولة. يظهر سرداب، فأنزل بشمعة. أتذكّر أني نزلتُ في سرداب يوماً مع أبي، بشمعة في يدي. يفرد يديه من حولي، مبدياً عاطفة، بابتسامة عمياء لاذعة. الذكرى أفظع من كلّ شيء. أستيقظ، فأصحّح فزع الفئران بذكرى أبي، وهو يقوّمني بصفعة على شكل ضفدع دمويّ، يغرس فيه نسر (أبي) منقاره. معدتي نازفة. كأن الشمس التي تراها من بين رموش عينيكَ، حمراء. يصفعني أبي فأرى الشمس".

وضمن أبياته الشعرية، يلخّص فكرته عن الخلاص بالتمرد أو بالموت، فيقول، مثلاً:

أُخلّي نفسي للسكينة، لنقطة المحاق/ تضيع أصوات الصراع في الموت/ كما تضيع الأنهر في البحر/ كما تتفجّر الأنجم في الليل/ قوة الصراع مشبعة بصمت الأفعال/ أشقّ السكينة كما أشقّ عتمة مجهولة/ أسقط في هذه العتمة المجهولة/ أصير بنفسي هذه العتمة المجهولة/ أنا الفرحة قبل الموت/ تسوقني الفرحة قبل الموت/ تقذفني الفرحة قبل الموت/ تمحقني الفرحة قبل الموت/ أخسر نفسي ببطء/ في فضاء لا يُسبر غوره/ أصل عمق أعماق العالم/ يفترسني الموت/ تفترسني الحمّى/ يمتصّني مكان معتم/ أنا في محاق الفرحة قبل الموت.

لقد امتهن جورج باتاي (1897 ـ 1962)، نزعة تحرّرية في كتاباته وفلسفته، كما في حياته. كان عضواً في كلية علم الاجتماع، وقد أسّس دورية “كريتيك” (نقد) الفرنسية. وظلّ شخصية سرية طيلة حياته، لكنه خلّف مجموعة كتابات واسعة ومغايرة العناصر: روايات فاضحة، قصائد شعر، مقالات عن الأدب والاقتصاد وموضوعات تاريخية. وتتمثّل أهمية أعماله في أن كثيراً منها قد ظهر خلال العقود الماضية فحسب، ومن بين مجمل أعماله، نذكر: حكاية العين، زُرقة الظهيرة، الأدب والشرّ، الموت والنزعة الحسّية، التجربة الداخلية، جزاء اللعينة... وغيرها كثير.

شمس سوداء

(1)

شَساعَة مُجْرمَة
مِزْهريَّة الشَّساعةِ مَصْدوعَة
خِرْبة بلا حُدود
الشَّساعَة التِّي تُرْهِقني
أنَا رَخْو
مُذْنِب هو الكَوْن
جُنون مُجَنّح جُنونِي
يُمَزّق الشَّساعَة
والشَّساعَة تُمزّقُني
أنَا وَحيد
عُمْيان سيَقْرَأونَ هذِه السّطورِ
في أنْفَاق لا نِهايَة لهَا
أسْقُط في الشَّساعَة
التِّي تَسْقُط في ذاتِها
وهيَّ أشَدّ سَوادا منْ مَوْتي

(2)

أخْتي الضّاحِكَة
أنْتِ الموْتُ
قَلْبي الحَسيرُ
أنْتَ الموْت
بيْنَ ذِراعَيّ
أنْتِ الموْتُ
شُرْبُنا أنْتَ الموْتُ
كالرِّيحِ أنْتِ الموْتُ
كالصّعْقةِ الموْتُ
وَحيدة أنْت حَياتِي
نَشِيج ضائِع
يَفْصِلُني عنِ الموْتِ
وأَراكِ منْ خَلَل الدّمُوعِ
وأتَنبّأُ بموْتِي

(3)

يا جُمْجُمتي
ما يَموتُ تُطْفِئُه السّمَاءُ
يحْمِلُ الرّيحُ الغِيابِ للْعُتْمَة
سَماء تَهْجُر
تَضِلّ
الكائِنَ يصْدمُ
الرَّأسُ تُخْفي الكائِنَ

دَاُء الكائِنِ يَتَقَيَّأ شمْسا سوْداءَ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق