الخميس، 26 سبتمبر، 2013

زرقة السماء: جورج باتاي (مقاطع من الرواية)

ترجمة : حسين عجة

إلى أندريه ماسون

كل إنسان معلق، بهذه الطريقة أو تلك، بالحكايات، بالروايات التي تكشف له حقيقة الحياة المُضاعفة. فهذه الحكايات، التي تُقرأ أحياناً بفزع، هي وحدها من يضعه أمام المصير. علينا البحث، إذاً، بحماس عما تكون عليه هذه الحكايات –كيف يمكن توجيه الجهد الذي تتجدد الرواية بفضله، أو أحسن من ذلك تتواصل بفضله.
أن هم التقنيات المتنوعة، التي تستجيب حد الإشباع لمتطلبات الأشكال المعهودة، تشغلُ في الحقيقة العقول. لكني أعبر عن نفسي بشكل سيء –إذا ما أردنا معرفة ما يمكن أن تكون عليه رواية ما- لا ينبغي أن يكون الأساس من البدء واضحاً للإدراك وجلي العلامة. فالسرد الذي يكشف عن ممكنات الحياة لا يطلق بالضرورة نداءه، لكنه يتطلب لحظة من الإستشاطة، قد يغدو مؤلفه أعمى إذا ما تغافل عن ممكناتها المُفرطة. أنا أومن بذلك: المعاناة الخانقة وحدها، المستحيلة، هي من يمنح المؤلف الأداة التي يبلغ عبرها إلى تلك الرؤية التي ينتظرها القارىء المُنهكِ من التحديدات القريبة المفروضة من قبل التقاليد.
كيف يمكننا البقاء طويلاً مع كتب يبدو جلياً بأن مؤلفها لم يكن مرغماً على كتابتها ؟
كنت أرغبُ في صياغة هذا المبدأ. لا أبحث عن تبرير له.
أكتفي بذكر عناوين تتوافق مع ما أثَبتهُ هنا (بضعة عناوين... وكان بمقدوري ذكر غيرها، بيد أن اللانظام هو معيار نيتي) : "مرتفعات وذيرنك Wuthering Heights"، "المحاكمة Le Procès"، "البحث عن الزمن الضائع La Recherche du temps Perdu"، "الأحمر والأسود Le Rouge et le Noir"، "أوجيني دي فرانفل Eugènie de Franval"، "وقفة الموت l’Arrêt de la mort"، "سيرازين Sarrazine"، "الأبله l’Idiot"(1)...
أردت التعبير عن نفسي بثقل.
غير أني لا ألَمَحُ بأن قفزة الحنق أو معاناة العذاب وحدهما ما يضمن للحكايات قوتها على الكشف. لقد تحدثت عن ذلك لكي أصل إلى القول بأن العذاب الذي اكتسحني كان هو أصل التشويهات الغريبة التي تتضمنها رواية زرقة السماء. هذه الغرابة هي ما يؤسس زرقة السماء. لكني أبعد ما يكون عن التفكير بأن هذا الأساس يعادل قيمة رفضي نشر هذا الكتاب، الذي كتبته في 1935. لقد حثني اليوم الأصدقاء الذين أثارتهم قراءته على نشره. وفي النهاية، خضعت لحكمهم. بيد أني كنت قد نسيت نوعاً ما حتى وجوده.
لقد عزمت، منذ عام 1936، على عدم التفكير فيه.
من ناحية أخرى، لقد أفقدت الحرب الإسبانية وكذلك الحرب العالمية الحوادث التاريخية المرتبطة بنسيج هذه الرواية دلالتها: أمام المأساة ذاتها، أي اهتمام يمكن لهذه الإشارات المبشرة إيقاظه؟ يتوافق السبب، هنا، مع عدم الكفاية، أو الضيق الذي ولده فيَّ هذا الكتاب بحد ذاته. غير أن تلك الظروف قد أصبحت بعيدة عنا تماماً اليوم حداً تجعل كتابي، الذي كُتب في نار الواقعة تقريباً، أن يُقَدمْ في نفس الظروف التي كُتبت فيها غيره من الكتب، أي أن الاختيار الإرادي يضع مؤلفه ضمن ماض فقد معناه. أجد نفسي اليوم بعيد كلية عن الروح التي خرج منها هذا الكتاب؛ لكن هذا السبب، الحاسم في حينه، لم يعد يلعب في النهاية نفس الدور، لذا وافقت على حكم أصدقائي.

(1) "أوجين دي فرانفيل، للماركيز دي ساد (ضمن رواية "جرائم الحب")؛ "وقفة الموت"، لموريس بلانشو؛ "سارزين" رواية لبلزاك، وهي غير معروفة تماماً، مع أنها تشكل ذروة ذلك العمل.

مقدمة

في ماخور يقع في حي من أحياء لندن، مكان شاذ وقذر للغاية، في الطابق تحت الأرضي، كانت "درتي Dirty" ثملة تماماً. كنتُ بالقرب منها (ويدي ما تزال مضمدةً، بسبب جرح سببه كأس مُنكَسرْ). في ذلك اليوم، كانت ترتدي ثوب سهرة باذخ (فيما لم أكن أنا حليقاً، وشعري مبعثراً). مدت ساقيها الطويلتين، ودخلت في حالة تشنج عنيف. كان الماخور مليء بالرجال الذين أسودت تماماً عيونهم. دفعتني تلك العيون المضطربة لهؤلاء الرجال على التفكير بالسجائر المُطفأة. غطت "درتي" ساقيها العاريتين بيديها. كانت تأن وهي تقرض بأسنانها ستارة قذرة. كما كانت ثملة كانت جميلة أيضاً: دورت عينيها المدورتين والمفزوعتين نحو ضوء الغاز.
-ما الذي حدث؟ صرخت.
وفي ذات الوقت، قفزت وكأنها مدفع ينطلق في سحاب من الغبار. خرجت عينيها من بؤبؤيهما، وكأنها مصابة بالهلع، وقد هطلت دموعها كفيض.
-تروبمان، صرخت من جديد.
حَدَقتْ نحوي وفتحت عينيها اللتان تضاعفت سعتهما. بيديها الطويلتين القذرتين داعبت رأسي كجريح. كانت جبهتي ترشح بالعرق من الحمى. بكت كما يتقيأ المرء بتضرع مجنون. كانت خصلات شعرها قد تبللت من دموعها، لشدة نحيبها.
بدقة، كان المشهد الذي سبق هذا الفحش المقرف –والذي أعقبه تجمع الفئران من حول جسدين مطروحين على الأرض- يُليق بديستويفسكي...
جعلنا السكر نبتعد، نبحث عن رد كئيب على ذلك الفحش الأكثر كآبةً.
قبل أن يأخذنا الشرب كليةً، عرفنا كيف نعثر على غرفة في فندق "سافوا" «chambre du Savoy». لاحظت "درتي" بأن عامل المصعد كان قبيحاً تماماً (كان بمقدور المرء القول بأنه دفان قبور، بالرغم من جمال بدلته).
قالت لي ذلك وهي تضحك بغموض. بدءً كانت تتحدث بطريقة اعتباطية، كامرأة ثملة:
-هل تعرف-كانت تتوقف فجأة في كل لحظة، لكثرة ما كان الفواق يهزها- كنتُ طفلةً... أتذكرُ... جَئتُ هنا مع أمي.. هنا... قبل عشرة سنوات... حينها، لا بد وإن يكون عمري في سن الحادية عشرة... أمي، كانت امرأة طويلة عجوز من نوع ملكة انكلترا... حينئذ، بالضبط عند خروجنا من المصعد، كان هناك نفس هذا العامل...
-أي عامل؟ هذا؟
-أجل، هو نفسه اليوم. أنه لم يُنَظْمَ قفص المصعد... كان القَفَصُ قد ذهب عالياً... تَمَدّدتْ على طولها... ونَفَختْ أوف، أمي.
انفجرت "ديرتي" بالضحك ولم يعد بمقدورها التوقف عنه، كمجنونة.
بَحَثتُ بمشقةٍ عن الكلمات، وقلتُ لها:
-توقفي عن الضحك. سوف لن تنهي أبداً قصتك.
توقفت عن الضحك وشرعت بالصراخ
-آه! آه! أصبحت بلهاء... سأذهب... كلا... أنهي قصتي... لم تتحرك أمي... كان ثوبها يتمايل في الهواء... ثوبها الكبير... وكأنها ميتة... بَقَيّتْ بلا حركة... حملها بعض الأفراد ووضعوها في السرير... ثم شرعت بالهذيان... كانت ثملة للغاية... لكن، قبل لحظة لم يكن المرء يرى شيئاً... هذه المرأة... كان بالإمكان القول بأنها كلب، كانت مخيفة.
بطريقة مُخزيةٍ، قلتُ "لدرتي"
-بودي التمدد مثلها أمامك...
-ترغب أن تتقيأ، سـألتني "درتي" دون التوقف عن الضحك.
قبلتني من فمي.
-ربما.

ذهبتُ إلى الحمام. كنت شاحباً تماماً بلا أي سبب. نَظرتُ إلى نفسي طويلاً في المرآة، كان شعري مبعثراً بشكل قذر، سوقي تقريباً، ملامحي وارمة، ولم تكن حتى قبيحة، لكنها ملامح باهتة لشخص يخرج من سرير نومه.
كانت "درتي" وحدها في الغرفة، غرفة واسعة، مُضاءةً بعدد من الفوانيس المُعلّقةِ بالسقفِ. تَجولتْ هناك إلى الأمام وكأنها لا تريد التوقف، لقد بدت مجنونة تماماً.
كانت رقبتها وكتفيها عارية حد الفحش. لم أكن أطيق شعرها الأشقر، تحت تلك الأضواء.
وبالرغم من ذلك، وَلَدتْ عندي شعوراً بالنقاوة –كان ثمة شيء فيها، حتى في فجورها، نوعاً من البراءة حداً جعلني للحظة أرغب في الركوع أمام قدميها: كنتُ خائفاً. لاحظت بأنه لم يكن بمقدورها بعد تحمل كل ذلك. كانت على وشك السقوط. ثم شرعت بالتنفس بطريقة مرتبكة، كبهيمة: اختنقت. جعلتني نظرتها القبيحة، الشاردة، أفقد عقلي. تَوَقفتْ:
كانت بالتأكيد تنوي مُصالبةِ ساقيها تحت ثوبها. ستشرع بطبيعة الحال بالهذيان.
حَرَكتْ الجرس لكي تنادي على الخادمة.
بعد بضعة دقائق دخلت خادمة جميلة إلى حد ما، ذات بشرة طرية: كانت تبدو وكأنها تختنق من رائحة غريبة في مكان باذخ كهذا، رائحة الماخور في الطابق السفلي. كانت "درتي" لا تستطيع الوقوف بدون إسناد ذراعيها على الجدار: يبدو أنها كانت تتعذب بصورة شنيعة. لا أعرف أين حصلت في ذلك اليوم على ملابسها، وتلك العطور الرخيصة التي تفوح منها، لكن، في تلك الحالة الخارقة التي وَضَعتْ نفسها فيها، كانت تخرج من أبطيها ومؤخرتها، إضافة إلى ذلك، رائحة جرذ تختلط بتلك العطور وتدفع المرء إلى الشعور بأن هناك تعفن يشبه الروائح المتعفنة في صيدلية. كذلك كانت تفوح منها، في ذات الوقت، رائحة الويسكي، وتسترجع وكأنها تريد أن تتقيأ...
كانت الفتاة الإنكليزية مذهولةً.
-أنتِ، أنا بحاجة إليكِ، قالت لها "درتي"، لكن قبل هذا أذهبي وابحثي عن عامل المصعد: لدي ما أقوله له.

اختفت الخادمة و"درتي"، التي كانت تترنح، جَلَسةْ في تلك اللحظة على كرسي. بمشقة، نَجَحتْ في النهاية من وضع قنينة شرب وكأس على الأرض، بالقرب منها. تَثاقلتْ عينيها.
بَحَثتْ عني في عينيها لكني لم أعد هناك. أصابها الخبال. ثم صرخت بصوت يائس:
-تروبمان!
لم يرد أحد.
نَهَضتْ، ولمرات أوشكت على السقوط. تَمَكّنتْ من الوصولِ إلى مدخل صالة الحمام: رأتني مسترخياً على مقعد، شاحباً وملامحي مفككة؛ أثناء ضياعي، كنت قد فتحت جرح يدي اليمنى، لكن الدم الذي حاولت إيقافه بمنشفة سال على الأرض. كانت "درتي"، الواقفة أمامي الآن، قد ثبتت عينيها كعيني البهيمة عليَّ. نَشَفتُ وجهي؛ وهكذا غطى الدم جبهتي وأنفي. أصبح ضوء المصباح الكهربائي قوياً حداً يعمى معه المرء. لم يكن ذلك شيئاً يُطاق: ذلك الضوء يُنهكْ العيون.
طرق أحدهم على الباب ودخلت الخادمة يتبعها عامل المصعد.
تَهاَلكتْ "درتي" من فوق الكرسي. بعد فترة بدت لي طويلة، سَألتْ، ورأسها مطأطأ ودون أن ترى أي شيء:
-هل كُنتَ هنا في عام 1924 ؟
رد عامل المصعد بنعم.
-أريد أن أسألك: المرأة الطويلة العجوز... تلك التي خرجت من المصعد وهي تسقط تقريباً، كانت قد تقيأت... هل تتذكرها؟
كانت "درتي" تتكلم دون أن ترى أي شيء، وكأن شفتيها كانتا ميتتين.
تبادلت الخادمة وعامل المصعد، المتضايقين حد الرعب، نظرات جانبية فيما بينهما، لكي يتساءلا ويراقب أحدهم الآخر.
-أنا أتذكر ذلك، حقاً، أقرّ عامل المصعد.
(كان لهذا الرجل الأربعيني من عمره وجه حفار قبور وغد، لكن ذلك الوجه بدا وكأنه منقوعاًً بالزيت بسبب دهنه).
-كأس ويسكي ؟ سألت "درتي".
لم يرد عليها أي أحد، كان هذان الشخصان واقفان بحذر، ينتظران بألم.
طلبت "درتي" أن يعطيها أحدهم حقيبتها. كانت حركتها ثقيلة بحيث أنها أمضت لحظة طويلة قبل أن تتمكن من دس يدها في عمق حقيبتها. عندما بلغت ما كانت تبحث عنه، رمت بحزمة من النقود المالية على الأرض، ومن ثم قالت ببساطة:
-لتتقاسموها.
عثر حفار القبور على ما يشغله. التقط تلك الحزمة الثمينة وصار يعد الأوراق بصوت عال. كانت هناك عشرين ورقة. رمى بعشرة منها على الخادمة.
-هل يمكننا الانسحاب؟ تساءل بعد فترة.
-كلا، كلا، ليس بعد، لتجلسا من فضلكما.
كانت تبدو وكأنها تختنق، صعد الدم إلى وجهها. ظل الشخصان واقفان، وهما في حالة ترقب شديد، لكنهما أصبحا قلقين وتحول وجههما إلى لون أحمر، من ناحية بسبب أهمية ذلك البخشيش المُذهل، ومن ناحية أخرى بسبب هذا الموقف الذي لا يُصدق ولا يُفهم.
ثبتت "درتي" نفسها على الكرسي وهي صامتة. مرت برهة طويلة جداً: كان بمقدور المرء سماع دقات القلب داخل تلك الأجساد. تَقَدمتُ أنا حتى الباب، ووجهي ملطخاً بالدم، شاحباً ومريضاً، وقد أمسك عليَّ الفواق، قريباً من القيء.
أتى الخادمان المفزوعين بكمية من المياه وجعلها تسيل على طول الكرسي وحتى ساقي محاورتهما الجميلة: شكلَ وعاء الماء بركة لم تني عن الاتساع من فوق السجادة، فيما كانت ضجة تخرج من أمعاء مسترخية من تحت ثوب الفتاة، المتشنجة، بلون وجهها القرمزي والملوية من فوق كرسيها وكأنها خنزير تحت سكين الذبح...
كانت الخادمة، المشمئزة والمرتجفة، قد غسلت "درتي" التي بدت وكأنها قد عادت هادئة وسعيدة. تركت نفسها تدلك وتغسل بالصابون. فتح عامل المصنع النافذة من أجل تهوية الغرفة وطرد تلك الرائحة إلى أن تلاشت كلياً.
بعد ذلك، وضعَ لي ضمادة جديدة من أجل إيقاف سيلان دم جرحي.
ومن جديد عاد كل شيء إلى نظامه: انتهت الخادمة من ترتيب الشراشف. وغدت "درتي" أكثر جمالاً من أي وقت آخر، نظيفة ومُعطرة، ثم واصلت شربها، وتمدّدت من فوق السرير. طلبت من عامل المصعد الجلوس. جلس بالقرب منها على كرسي ذو ذراعين. في هذه اللحظة، تركت نفسها تنداح وكأنها طفل، كفتاة صغيرة.
آنئذ، بدت وكأنها مهجورة، حتى وإن لم تنطق بمفردة.
أحياناً كانت تضحك لوحدها.
-لتقص لي شيء ما، قالت في النهاية لعامل المصعد، منذ تلك الأعوام العديدة وأنتَ في "سافوا"، لا بد وإن قصص كثيرة ومرعبة قد صادفتك.
-آه، ليس الكثير، رد عليها، من دون أن يتوقف عن ارتشاف الويسكي، الذي بدا وكأنه يهزه ويمنحه راحةً. بشكل عام، الزبائن هنا أناس جيدي السلوك.
-آه، جيدين، أليس كذلك، هذه طريقة في العيش: أمي المرحومة، مثلاً، التي سحقت فمها وهي تسقط على الأرض أمامك وضربتك من فوق أكمامك...
وانفجرت "درتي" بالضحك، بطريقة غير متناسقة، في فراغ، منزوع الصدى.
-وهل تعرف لماذا هم جميعهم جيدي السلوك ؟ الخوف يستولي عليهم، يصرون على أسنانهم، لهذا لا يقدمون على أظهار أي شيء. أشعر بذلك، لأني أنا نفسي خائفة، بلى، هل تفهم، يا ولدي... حتى منك. خائفة حتى الموت...
-ألا ترغب سيدتي بكأس من الماء، سألت الخادمة بحياء.
-خراء! ردت "درتي" بعنف وقد مدت لسانها نحوها، أنا مريضة، أنا، لتفهموا ذلك، وثمة شيء ما في رأسي، أنا.
ثم :
-لكنكم لا تكترثون لهذا، وذلك ما يثير اشمئزازي، هل تفهمون؟
بهدوء، بحركة، نَجَحتُ بمقاطعتها.
جعلتها تشرب جرعة أخرى من الويسكي، وقلت لعامل المصعد:
-لتعترف، ربما كنت ترغبُ في خنقها، لو كنت قادراً على ذلك!
-معك حق، دمدمت "درتي"، لتنظر إلى هذه الحوافر الضخمة، حوافر الغورلا، لتنظر إلى هذا المُشعر كالخصيتين.
-لكن، أحتج عامل المصعد، المُرعوب، نهض، تعرف السيدة بأنني في خدمتها.
-كلا، أيها الأبله، هل تعتقد ذلك، أنا لست بحاجة لخصيتيك، أنا لست على ما يرام.
قهقهت وهي تتجشأ.
هرعت الخادمة وجلبت طشتاً صغيراً. كانت تبدو وكأنها العبودية بعينها، مخلصة للغاية. كنتُ أنا جالساً، هامداً، ممتعقاً، وواصلت الشرب.
-وأنتِ، هناك، أيتها الفتاة المخلصة، قالت "درتي"، موجهتاً كلامها هذه المرة للخادمة، أنتِ تمارسين الاستمناء مع نفسك وتتطلعين إلى واجهات المسارح لكي تقومين بعد ذلك بخدمتك المنزلية، لو كانت لي مؤخرة كمؤخرتك، فسوف أعرضها أمام كل الناس؛ وإلا سنموت من الحياء، في يوم ما يعثر المرء على الثقب أثناء حكه لنفسه.
فجأة قلتُ للخادمة، وقد استولى عليَّ الفزع :
-لترشي وجهها بقليل من الماء... أنتِ تلاحظين بأن الحرارة تأخذها
وضعت الخادمة، المرعوبة، بالحال على وجه "درتي" منشفة مبللة.
بمشقة، خطت "درتي" حتى النافذة. رأت من تحتها نهر التايمز، و، في العمق، بعض البنايات الأكثر قبحاً للندن، وقد تضخم حجمها بسبب العتمة. تقيأت بعجالة في الهواء الطلق. بعد أن استراحت، نادت عليَّ. وضعت يدي على جبهتها لأثبت السيلان القذر لمياه الوعاء عند المرور، إيقاف النهر والمرافىء. بالقرب من الفندق، انبثقت بوقاحة بنايات باذخة ومضاءة.
بكيتُ تقريباً وأنا أنظر إلى لندن، لأني كنت ضائعاً من القلق. ذكريات من الطفولة، كتلك التي كانت فيها البنات يلعبن معي لعبة الشيطان أو طيران الحمامة قد تداعت فيما بينها، أثناء استنشاقي للهواء الندي، فيما كنت أنظر ليدي عامل المصعد وكأنهما يدي غورلا. من ناحية أخرى، بدا لي ما حدث لا معنى له ومضحك بغموض. أنا نفسي كنت مُفرغاً. بالكاد كنت أتخيل إمكانية ملأ هذا الفراغ عبر حالات رعب جديدة. شعرتُ بنفسي عاجزاً، ومهاناً. في حالة الاحتقان واللاإكتراث هذه، رافقت "درتي" حتى الشارع. سحبتني "درتي". في تلك اللحظة، لم أكن قادراً على تخيل كائناً إنسانياً ضائعاً إلى هذا الحد وكأنه قشرة تجرفها المياه.
أن القلق الذي لم يترك الجسد يستريح ولو للحظة هو وحده ما يفسر، من ناحية أخرى، تلك السهولة العجيبة: لقد نجحنا بالحصول على كل ما نرغب فيه، بالرغم من كل الحواجز القائمة، سواء كان ذلك في غرفة "سافوا" أو في الماخور، حيثما نشاء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق