السبت، 28 سبتمبر، 2013

الأدب والشر، بصدد إميلي برونتي: جورج باتاي


إيميلي برونتي
ترجمة الشاعر والكاتب عبد الوهاب الملوح 

تبدو إيميلي برونتي من بين جميع النسوة موضوع لعنة متميزة. لم تكن حياتها القصيرة تعيسة دائما غير أن طهرها الأخلاقي الصافي صُفع. من أجل تقديم أفضل للخير والشر سأعود حيث الوضعية الأساسية لـ "الأعالي عندما الرياح’"(1) (أ)؛ إلى الطفولة زمن البداية الأولى لحب كاترين وهايثكليف.
الحياة وقد أسلمت لصبيين ثم مضت في عدْوات بريّة عند المستنقعات؛ وليس ثمة ما يزعج الصبيين؛ لا إكراهات؛ لا مواثيق (باستثناء تلك التي تعارض الألعاب ذات الأحاسيس الجسدية؛ غير أنه وهما في براءتهما تلك اتخذ الحب الصلب للصبيين موقعا آخر). ربما كان هذا الحب أيضا اختزاليا في رفضه التخلّي عن حرية طفولة بريّة لم ترتهن للقوانين  الاجتماعية واللياقة التي تستوجبها المواثيق.




شروط هذه الحياة البرية أساسية (خارج العالم).

لقد جعلت إيميلي برونتي هذه الشروط ذات حساسية –وهي نفسها شروط الشعر؛ الشعر بدون سابقية إضمار وهي التي رفض هذا الصبي والآخر الانغلاق دونها. ما تُعارض به المؤسسة اللعب الحرّ للسذاجة هو العقل المبني على حسابات المنفعة. المؤسسة تأتمر بالشكل الذي يجعل الديمومة ممكنة. لا يمكن للمؤسسة أن توجد إذا ما بسطت عليها هذه الحركات العفوية للطفولة سيادتها؛ وهي التي ربطت هذين الصبيين بمشاعر كل واحد منهما شريك الآخر. الإكراهات الاجتماعية كانت ستطلب من الطفلين البريين أن يتخليا عن سيادتهما الساذجة؛ كانت ستطلب منهما أن ينحنيا للمواثيق المعقولة للكهول: معقولة؛ محسوبة؛ بالشكل الذي يلخصها امتياز المجموعة.
المعارضة شديدة الوضوح في كتاب إيميلي برونتي كمايقول جاك بلوندال(2) علينا ان نسجل أن في القصة: [الأحاسيس تتركز في عهد طفولة كاترين وهايثكليف[ لكن يا لحظهما؛ لئن استطاع هذان الصبيان نسيان عالم الكهول زمنا فهما به موعودان. هكذا تحل الكارثة. هايثكليف الفتى المُستعاد يجد نفسه مكرها على ترك المملكة العجيبة للعدْوات مع كاترين في المستنقعات. ورغم توحشها المستمر تنكر كاترين بريّة طفولتها: تنجذب نحو حياة هانئة؛ تسحرها إغراءاتها المتمثلة في شخص فتى غني وحساس لطيف.
الحقيقة إن زواج كاترين بإدغار لينتون يتوفّر على قيمة مزدوجة. هو ليس خسارة حقيقية. عالم ثروشكروس غرانج؛ حيث؛ قريبا من "الأعالي عندما الرياح" يعيش لينتون وكاترين ليس في ذهن إيميلي برونتي عالما مسيجا. لينتون طيب؛ لم يتخل عن مرح الطفولة الطبيعي؛ غير إنه يركب. سيادته ترتقي أعلى من الظروف المادية التي ينتفع بها؛ غير أنه لولم يكن على اتفاق عميق مع هذا العالم المسيج ما كان ليتمتّع بأي منفعة. يعود هايثكليف غنيا بعد سفر طويل يرى أنّ كاترين خانت مملكة السيادة الدائمة وهي التي على ملكه جسدا وروحا .
لقد تابعت؛ بشكل منحرف؛ قصة حيث العنف المتتالي لهايثكليف يعبر عنه هدوء وبساطة الساردة. موضوع الكتاب هو تمرّد الملعون الذي أطرده القدر من مملكته والذي لاشيء يمنعه في أتون رغبته الحارقة من استعادة هذه المملكة المفقودة .لن أواصل تقديم بالتفصيل بقية الفصول حيث الكثافة مغرية. سأكتفي بتذكير إنه ولا قانون ولا قوة؛ الميثاق أو الرحمة ستوقف ثورة هايثكليف: الموت نفسه؛ بما إنه وبلا ندم راغبا؛ هو المتسبب في مرض كاترين وموتها التي في ذات الوقت يعتبرها ملكه.
سأتوقف عند المغزى الأخلاقي للتمرّد المتولد عن تخيل وحلم إيميلي برونتي. هو تمرد الشرّ ضدّ الخير. وهو أساسا غير منطقي. ما الذي تريد أن تقوله مملكة الطفولة هذه التي لا تريد الإرادة الشيطانية لهايثكليف التي ترفض التخلي عنها؟ إذا لم يكن المستحيل والموت. هناك إمكانيتان للتمرد ضد هذا العالم الحقيقي الذي يسيطر عليه العقل وتؤسسه إرادة البقاء. الإمكانية الأكثر اتفاقا عليها؛ الراهنة؛ يمكن ترجمتها في رفض الأسلوب العقلي. من السهل ملاحظة أن مبدأ هذا العالم الواقعي ليس حقيقة العقل؛ لكنه العقل مركبا مع العرف؛ المتولد عن العنف أو الحركات العفوية. للماضي. مثل هذا التمرّد يستعرض مواجهة الخير للشر متمثلة في هذا العنف وجدوى هذه الحركات.
هايثكليف يدين العالم الذي يعارضه: هو لن يستطيع بالتأكيد أن ينسبه إلى الخير طالما أنه يصارعه. لكن إذا كان يصارعه بشراسة؛ فهو واع تماما: يعلم أنه يمثل الخير والعقل. يمقت الإنسانية والطيبة اللذين يثيران عنده القسوة. خارج القصة –وعذوبة القصة- يبدو أسلوبه اصطناعيا؛ مصطنعا. غير أنه لا يتشكل من منطق الكاتب؛ بل من الحلم. ليس ثمة في الأدب الروائي شخصية تفرض نفسها بأكثر واقعية؛ وأكثر بساطة من هايثكليف؛ بل أنه يستعيد حقيقة أولية حقيقة الطفل المتمرّد ضد عالم الشر؛ ضد عالم الكهول؛ وهو؛ بتمرّده غير المتحفظ هو منسوب إلى عالم الشر. لم يكن لهايثكليف الاستمتاع بخرق القانون في غير هذا التمرد. يرى إن سلفة كاترين مأخوذة به فيتزوجها حتى يستطيع إيلام زوج كاترين بأكثر قدر ممكن. يجتثها وحالما يتزوجها يشرع في تضييق الخناق عليها؛ ثم يعاملها بدون رحمة فاتحا أمامها الطريق إلى اليأس. وليس من قبيل المبالغة أن يقارن جاك بلونديل(3) جملة ساد بجملة إيميلي برونتي. يقول ساد على لسان أحد جلادي جوستين في هذا الصدد: "أي حركة ملتذة هي حركة التقويض؛ لست أعرف حركة تدغدغ بشكل ألذ مثلها؛ ليس هناك نشوة مماثلة كتلك التي نتذوقها ممنوحين لذلك الخزي الالاهي". إيميلي برونتي تجعل هايثكليف يقول:"لو كنت وُلدت في بلد قوانينه أقل قسوة والأذواق أقل أناقة لكنت وفرت لنفسي متعة إقامة تشريح بطيئة لهذين الكائنين لقضاء ليلة من اجل اللهو".

إيميلي برونتي والخرق


لها وحدها يعود خلق شخصية متخصصة أساسا في الشر؛ من جانب فتاة متخلقة وبدون تجربة وهذه مفارقة. لكن؛ المهم؛ هاهو السبب المربك لخلق هايثكليف.
هل أن كاترين ايرنشاو متخلقة أصلا؟ هي كذلك حتى أنها تموت بسبب عدم قدرتها على التخلّص ممن كانت تحبه وهي صغيرة. لكنها وهي مدركة أن الشرّ يسكن دواخلها؛ تحبه إلى درجة أنها تقول هذه الجملة الحاسمة:"انا هايثكليف Iam Heaathcliff"
بهذا الشكل يصبح الشرّ في تمثل حقيقي ليس فقط حلم الشرير ولكنه وبشكل ما حلم الطيِّب أيضا. الموت هو العقاب المنشود المرحب به من هذا الحلم اللامسئول غير أنه ليس ثمة من حيلة حتى أن هذا الحلم لا يُحلم به. هذا ما فعله بالشقية كاترين ايرنشاو. بل هو أيضا وبنفس المقاييس فعل بإيميلي برونتي بعد أن خاضت الحالات التي وصفتها؛ بأي شكل يمكن تشبيهها بكاترين أيرنشاو؟
ثمة في "الأعالي عندما الرياح" حركة شبيهة بتلك الموجودة في التراجيديا الإغريقية؛ من حيث أن موضوع الرواية هو الخرق التراجيدي للقانون. مؤلف التراجيديا كان متفقا مع القانون الذي يصف عملية خرقه غير أنه يبني التأثرالتآلف الذي يدعيه وإذ يدعيه يتواصل لحساب خارق القانون. وفي كلتا الحالتين فالعقاب ملزم في الخرق. يدرك هايثكليف حالة من الفرح اللامحدود قبل أن يموت؛ وأثناء موته أيضا غير ان هذه الفرحة العصفورة تراجيدية .
كاترين العاشقة لهايثكليف تموت بسبب خرقها لقانون الوفاء؛ وهي إن لم تمت في جسمها فقد ماتت في ذهنها؛ موت كاترين هو الهاجس الأبدي الذي يتحمل هايثكليف مشاق عنفه.
كما في التراجيديا الإغريقية ليس القانون هو المدان في "الأعالي عندما الرياح" بل ما يمنعه ليس مجالا حيث ليس للإنسان ما يفعله. المجال الممنوع هوالمجال التراجيدي أو بالأحرى هو المجال المقدس. حقا إن الإنسانية تزيحه ولكن لتعليه. الممنوع يؤلّه ما يمنع العبور إليه. يحيل هذا العبور إلى العقاب –الموت- غير أن الممنوع/المحرّم ليس فقط استدعاء بل هو حاجز. تعليمية "الأعالي عندما الرياح" هي نفسها تعليمية التراجيدياالإغريقية -بعيدا عن كل ديانة – إذ أن هناك حركة إلهية سكرى ليس بإمكانها أن تحتمل العالم الحكيم للحسابات. هذه الحركة مضادة للخير. الخير ينبني على هاجس حساب المنفعة العامة الذي يرتبط اعتبار المستقبل به بشكل أساسي الألوهية السكرى التي تنتسب إليها "الحركة العفوية" للطفولة هي كلها الآن في الحاضر. من الأفضل في الوقت الحاضر لتربية الأطفال التعريف العام للشر .
يحرم الكهول ألوهية مملكة للطفولة على أولئك الذين بلغوا "النضج". لكن إدانة اللحظة الحاضرة لحساب المستقبل؛ إذا لم يكن من الممكن تحاشيها هي خطأ حين لا يمكن التأكد منها .

ليس أقل من تحريم العبور السهل و الخطر؛ من الضروري العثور على مجال اللحظة "مملكة الطفولة" وهذا يستدعي خرقا مستمرا للمحرم.
وكلما كان المحرم في مأمن فإن الخرق المستمر حر. ألا يكشف الخرق اليومي –والعقاب- إيميلي برونتي-وكاترين أيرنشاو– الواحدة والأخرى أنهما ليستا فقط متخلقتين بل متخلقتين بشكل مبالغ فيه. ولماكانت الأخلاق هبي مغزى "الأعالي عندما الرياح" فإن الأخلاق المبالغ فيها هي التحدي للأخلاق. بدون استحضار للعرض العام المضمن هنا لجاك بلونديل مجرد الاحساس في هذا الصدد فهو يكتب :"تظهر ايميلي برونتي قادرة على التجاوز الذي يخلصها من كل خلفية ذات اتجاه عقائدي او اجتماعي. هكذا تتشكل حيوات عديدة مثل الشماريخ المتضاعفة حيث لواحدة إذا فكرنا في المتنافسين الأساسيين في الدراما يعبر عن تحرّر شامل من المؤسسة ومن الأخلاق؛ هناك عزيمة للقطع مع العالم من أجل التحام أفضل مع الحياة في تعددها واكتشاف الخلق الفني وهو ما يرفضه الواقع. إنها الاستفاقة؛ وهي الاختبارالحقيقي للافتراضيات التي لم يطالها الشك بعد؛ لأن تكون هذا التحرر ضرور فهذا مما لا شك فيه؛ سيحسها بأكثر كثافة أولئك الذين تكون القيم العقائدية فيهم أشد رسوخا" (4) هذا التوافق بين خرق القانون الأخلاقي والأخلاق المبالغ فيها هذا هو في الاخير المغزى النهائي من "الأعالي عندما الرياح" لقد وصف جاك بلونديل بدقة العالم الديني؛ البرتستاني الذي يرزح تحت تأثير تنظيرات مثيرة حيث تشكلت شخصية الفتاة إيميلي. الضغط الأخلاقي والقسوة يخنقان هذا العالم. في الأثناء فإن هذه القسوة وهي تدخل في أعتبار إيميلي برونتي ليست هي نفسها التي تنبني عليها التراجيديا الإغريقية. التراجيديا هي في مستوى المحرمات الدينية الأولية من مثل القتل أو قانون العلاقات الجنسية بين أفراد العائلة الواحدة التي لا يبررها العقل. لقد تحررت إيميلي برونتي من الأرثوذوكسية ونأت عن البساطة والسذاجة المسيحية وهو ما لم يجعلها تتخلى عما تتميز به عائلتها من عادات دينية. خاصة في حدود أن المسيحية شديدة الانضباط للوفاء للخير الذي يؤسسه العقل. فالقانون الذي يغتصبه هايثكليف –والذي يحبه رغم إرادته تغتصبه كاترين أيضا– هو نفسه قبل ذلك قانون العقل. هو على الأقل قانون المجموعة الذي أسسته المسيحية بمباركة من المحرم الديني البدائي؛ والمقدس والعقل(5). في جانب ما ينفلت الرب؛ أساس المقدس من حركات العنف العرفية التي انبني عليها في أزمنة غابرة العالم الإلاهي.
وفق هذه الشروط ثمة انزلاق بدأ: فما أزاحه المحرم البدائي بشكل أساسي هو العنف (من حيث التطبيق فالعقل له نفس اتجاه المحرم، المحرم البدائي هو نفسه متطابق مع العقل) ثمة في المسيحية ازدواجية بين الرب والعقل –ازدواجية تغذي المرارة ومن هنا بدو الجهد في الاتجاه المعاكس للجانسينيزم مثلا. وهو على إثر هذه المسيرة الطويلة للإزدواجية المسيحية انفجر في موقف إيميلي برونتي لصالح صلابة إخلاقية عفوية؛ حلم عنف مقدس لا يمكن أن تطاله أي تركيبة ولا اتفاق مع المؤسسة المهيكلة. سبيل مملكة الطفولة –حيث تتبني الحركات السذاجة والبراءة– انوجد بهذا الشكل في رعب العقاب.
تمت استعادة طهارة الحب في الحقيقة الحميمة التي كنت قلتها ألا وهي الموت.
الموت و لحظة ألوهية سكرى يتداخلان من حيث يعارضان سويا نوايا الخير المبنية على ما يحسبه العقل. غير انهما بتعارضهما فالموت واللحظة هم النهاية الأخيرة والمخرج من كل الحسابات. الموت هو دليل اللحظة وفي الحدود التي يكون فيها هو اللحظة يتوقف عن البحث عن الديمومة.
لحظة الكائن الفردي الجديد مشروطة بموت كائنات غابت. فلو لم يكن هؤلاء قد غابوا لما وجد هؤلاء الجدد مكانا لهم. التكاثر والموت يشترطان المتجدد الخالد للحياة؛ يشترطان لحظة متجددة دائما. لهذا السبب لا يمكننا أن نتمتع بالحياة إلا من خلال نظرة تراجيدية؛ بل لهذا السبب أيضا إن التراجيديا هي دليل المتعة.
وارد أن الرومنطيقية تقول بهذا(6) لكن بين كل الأعمال الرومنطيقية يبقى العمل المتفرد الذي أتى متاخرا والذي هو "ألأعالي عندما الرياح" يقول ذلك بالشكل الأكثر انسانية
.
الأدب؛ الحـــرية والتجربة الصوفية.

من اللافت في هذه الحركة إن تعليما مثل هذا لا يتوجه كما في المسيحية – هو أيضا كما في الديانة القديمة- إلى مجموعة منظمة حيث يصبح هو أساسهم. إنه يُعنى بالفرد، المعزول والتائه والذي لن يقدم له شيئا إلا من خلال اللحظة: لحظة الأدب. سبيله هو الأدب الحر؛ غير العضوي؛ المتشظي. بهذا الشكل هو أقل من تعليم حكمة الإشراك؛ أو الكنيسة المدعوة للتنسيق مع الضرورة الاجتماعية؛ متمثلة عادة في مواثيق ( مخطئة أحيانا) ولكن أيضا مع العقل وحده الرب بإمكانه أين يفضح لعبة خرق القانون –التي بدونها لن يكون للقانون نهاية- بمعزل عن نظام ينتجه. ليس من شأن الأدب ضبط الضرورة الجماعية . ليس من مهامه أن يلخص:
"ما قلته يفرض علينا احترام النظام الأساسي لقوانين المدينة"
أو كما تفعل المسيجية :
"ما قلته (تراجيديا الانجيل) يُلزمنا أن سلك سبيل الخير" (يعني العقل في الحقيقة).
الأدب؛ خطير؛ مثله مثل خرق القانون.
بما أنه غير عضوي؛ هو غير مسؤول؛ لا شيء يلزمه. بإمكانه أن يقول كل شيء.
وقد يكون ذا خطورة جسيمة ( في الحدود التي هو فيها متماثل؛ وفي الجملة) إذا لم يكن تعبير"أولئك الذين تكون القيم العقائدية فيهم أشد رسوخا" لن يكون عادة واضحا بهذا المعنى أن التمرد هو الأشد اسبصارا. غير أن المهمة الحقيقية للأدب لن تجد قبولا في غياب رغبة تواصل أساسية مع القارئ. (لا أتحدث عن كمية الكتب المعدة للتبادل بحساب جيد وبأكبر عدد ممكن) وللحقيقة فإن الأدب بحكم القرابة مرتبط منذ الرومنطيقية بتأرجح الدين (في هذا الصدد وبشكل أقل أهمية؛ أقل تصادم يعمل الأدب على المطالبة بإرث الدين) وهو أقل من محتوى الدين مقارنة بالصوفية إلى الصوفية؛ التي؛ هي على الهامش مظهر غير اجتماعي تقريبا.
نفس الشيء؛ فالصوفية أقرب إلى الحقيقة وهو ما سأجتهد لتبيانه.
لست أعني بالتصوف تلك الأنظمة التي تنضوي تحت هذا الاسم الشاسع: إني أفكر في "التجربة الصوفية"، في "الحالات الصوفية" المعاشة في العزلة. يمكننا في هذه الحالات أن ندرك حقيقة مختلفة عن تلك المرتبطة بالنفاذ عبر الأشياء (المرتبطة أخيرا بالنتائج الثقافية للنفاذ)غير أن هذه الحقيقة ليست ثابتة. فليس بإمكان الخطاب المتجانس أن يعتريها ضمن حساباته. بل إنها اللامعبر عنها إذا لم نقاربها من جهتين: الشعر ووصف الشروط العامة التي لابد من توفرها للعبور إلى هذه الحالات .
هذه الشروط تستجيب بشكل حاسم للتيمات التي سبق وأن تحدثت عنها والتي ينبني عليها الانفعال الأدبي الأصيل. إنه دائما الموت- بشكل ما خراب نظام الفرد في عزلته وهو يبحث عن السعادة في الديمومة– الذي يبث القطيعة والتي لولاها ماكان ليحصل على حالة النشوة(7) ما تم العثور عليه هو البراءة ونشوة الكائن إنهما دائما في حركة القطيعة هذه والموت يضيع الكائن داخل عزلته في كل شيء باستثناء عزلته.
لا يهم ماذا سيكون هذا الشيء الآخر. إنها واقعية تتجاوز الحدود العامة رغم إنها في أعماقها غير محدودة لكنها قبل ذلك هي لا شيء : لا شيء. "الرب هو العدم" قال إيكهارت .
أليس الكائن المحبوب هو نفسه في الحياة العامة تغطية حدود الآخرين (إنه الكائن الوحيد الذي لا نحس أبدا أو نحس أقل حدود الفرد المتوحد في عزلة تتآكله. ما ينتمي بالخصوص إلى الحالة الصوفية هو النزوع نحو ألغاء نهائيا –بشكل قاطع- صورة العالم المضاعف الذي تتركز فيه صورة الفرد باحثا عن الديمومة. في حركة آلية ( كمافي حركة الطفولة أو الرغبة) ليس الجهد آليا: قطيعة الحدود خاملة؛ وهي ليس هذا فعل إرادة ثقافية متوترة. إنما هي صورة العالم التي تفتقد التجانس وحتى إذا ما فازت بانسجامها فشدة الرغبة تتلوها: حقا إن الرغبة تبحث عن ديمومة اللذة المتحققة في ضياع الهو لكن أليس حركتها الأولى نسيان الهو لصالح الآخر؟ نحن لا نستطيع أن نشك في جدوى وحدة جميع الحركات للإفلات من حساب المنفعة حيث نعاني كثافة اللحظة الحاضرة. ينفلت التصوف من عفوية الطفولة كما في الظرف الطارئ للرغبة. غير أنه يستعير عبارات الإثارة من قاموس الحب ومن التأمل المتحرر لرد لفعل الخطابي على بساطة ابتسامة طفل.
إنه لمصيري التأكيد على المظاهر المحايثة لعادة أدبية حديثة وحياة التصوف. والمقارنة تفرض نفسها حين يتعلق الأمر بإيميلي برونتي.
وبشكل خاص الكتاب حديث العهد لجاك بلونديل وما يمثله من حالة تصوف؛ كما لو أن، إيميلي برونتي عاينت بدورها مثل تيريزا دافيلا رؤى؛ لحظات تجلٍ. لعل جاك بلونديل يتقدم بدون مسوغات متينة. فهو يعمل على تحليل أي؛ أي شيء ايجابي بإمكانه أي يدعم تأويلا. هناك آخرون قبله شعروا بهذه الخطوط العامة التي تقارب الحالات الذهنية للقديسة تيريزا بالحالات التي عبرت عنها إيميلي برونتي في شعرها. غير أنه من المشكوك فيه أن كاتب "الأعالي عندما الرياح" قد عرف هذا الهبوط المدوخ داخله بشكل مدروس والذي هو في الأساس مبدأ تجربة تصوف محددة.
يستشهد جاك بلونديل بمجموعة من مقاطع القصائد التي تصف أحاسيس حادة وحالات اضطراب ذاتي تعكس في جميع الإمكانيات حياة روحية مرعبة مكثفة مأخوذة نحو الأبعد وتعبر عن تجربة في الأحزان أو الأفراح داخل العزلة؛ تجربة عميقة وعاصفة إلى أبعد حد. ولا شيء في الحقيقة يدعو إلى تمييز واضح لتجربة مثل هذه أكثر من مفردة شعرية تعدها أحيانا وتأخذها؛ أكثر من بحث أشد انضباطا؛ واقع تحت سطوة مبادئ ديانة؛ على الأقل تمثيل للعالم (إيجابي أو سلبي). هذه الحركات التائهة التي تقودها الصدفة والتي لا تتحرر إطلاقا من رد فعل متقطع بمعنى ما أحيانا هي الأكثر غنى. العالم الذي تكشفه لنا –بشكل غير دقيق– هذه القصائد شاسع ولكنه مدوخ ولكن ليس بإمكاننا لتعريفه أن نشبهه تقريبا بعالم نسبيا معروف والذي وصفه كبار المتصوفة. إنه عالم أكثر هدوء؛ أكثر برية؛ حيث العنف لا يذوب في إشراقات بطيئة ومعاشة طويلا. يكفي القول إنه عالم قريب من الاضطراب اللامعبر عنه حيث "الأعالي عندما الرياح" تعبيرته.
غير أني لا أريد تضييع أي ألم؛ ولا احتمال أقل تعذيب
كلما زاد الرعب من إيلامي قرب موعد الغفران.
تائهة في لهيب الجحيم حيث تلتمع ومضة ربانية
إذا ما بشرت بالموت فالرؤيا إلاهية-(8)
هي ذي في نظري الأبيات التي تهب الصورة الأكثر قوة والأشد تشخيصا للحركة المنسوبة للشعر -حيث وصف الحالة النفسية- لأيميلي برونتي.
في الأخير ليس من المهم أن نعرف في هذا الاتجاه هل أن إيميلي برونتي عاشت ما نسميه تجربة صوفية أم لا غير انه من هذه التجربة أدركت المعنى الأخير.

يقول أندريه بريتون: "كل شيء يحمل على الاعتقاد إنه يوجد محطة ما في الذهن حيث الموت والحياة؛ الواقعي والخيالي؛ الماضي والمستقبل؛ المتواصل واللامتواصل ستكف عن ان، تكون مخترقة بشكل متضاد"(9)
سأضيف: الخير والشر؛ الألم والفرح. هذه المحطة، الأدب العنيف وعنف التجربة الصوفية يحدّد أحدهما الآخر. ليس الاتجاه مهما: المحطة وحدها مهمة.
غير انه من المهم أيضا النظر لـ "الأعالي عندما الرياح" الأشد عنفا؛ والأبلغ شعرية من جملة ما كتبت إيميلي برونتي؛ هو اسم "المكان العالي" حيث تنكشف الحقيقة.
هو اسم البيت الملعون حيث تتم استضافة هايثكليف الذي يجلب معه اللعنة. وهنا مفارقة لافتة فبعيدا عن هذا المكان الملعون "الكائنات تتعفن"(10). فعلا فإن العنف الذي أشاعه هايثكليف كان مصدر شقاء وسعادة "لم يستمتع بها غير العنيفون". نهاية هذه القصة لأيميلي برونتي الشديدة القتامة هي هذا البزوغ المفاجئ لأشعة رقيقة من النور .
في الحدود التي يمد فيها العنف ظلاله عليه؛ حيث الكائن يرى موته "أمامه مباشرة" فالحياة خير صاف. لاشيء يمكن أن يقوضها. الموت شرطها للتجدد.

دلالة الشر

في هذه الظروف المتباينة؛ لم يعد الشر المبدأ المعارض بشكل لا رجعة فيه للنظام الطبيعي كما هو في حدود العقل. الموت الذي هو شرط الحياة والشر الذي يرتبط في حيويته بالموت هو أيضا بشكل مزدوج أساس الكائن. ليس الكائن متخصصا في الشر غير إنه وجب عليه ألا يبقى سجينا في حدود العقل؛ إذا أراد. عليه أن يقبل هذه الحدود أولا؛ عليه أن يعترف بحدود العقل. لكن؛ في حدود الحاجة التي يعرفها. يجب عليه أن يعلم أن في داخله حصة غير قابلة للتجزئة؛ حصة ذات سيادة لا يمكن القبض عليها. كعادته في جميع أشكال الإيروتيزم؛ فالشر في حدود إنه يترجم هذه الجاذبية للموت؛ بما أنه تحدّ أيضا لم يكن غير سبب إدانة مزدوجة. إنه الشر المحتمل في كبرياء؛ وهو نفسه ما تتحمله الحرب من جانبها في ظروف تنكشف في أيامنا هذا بلا دواء لكن في آخر الأمر هذه هي الحرب على الطريقة الامبريالية. سيصبح إذا من دون فائدة كبرى أن نحاول إخفاء أن في الشر انزلاقا دائما نحو الكارثي الذي يعبر عن الرعب وانعدام الشهية غير إنه من المفيد الإقرار أن الشر وفق وجهة نظر تدعمها جاذبية لا مبالية نحو الموت؛ يختلف عن ذلك الشرّ الذي له معنى المنفعة الأنانية. فعل إجرامي "قذر"(x) يعارض "الرغبوي". يبعد القانون هذه والأخرى؛ لكن الأدب الأكثر إنسانية هو المكان الأرفع للرغبة. غير إن الرغبة لن تنفلت من اللعنة: وحدها "حصة ملعونة" مخصصة لما له معنى أشد احتقانا(11) في حياة بشرية.
اللعنة هي السبيل الأقل ضبابية لطلب الغفران.
إن كائنا ممتلئا بذاته يقبل بكل ود العواقب الأشد سوءا في تحديه. يلزمه أحيانا أن يذهب إلى ما قبل الأمام . "الحصة الملعونة"؛ هي حصة الرهان؛ هي حصة الحظ؛ هي أيضا حصة الخطر.
هي أيضا حصة السيادة. غير إن السيادة تتحمل المسؤولية.
عالم "الأعالي عندماالرياح" هو عالم سيادة فوضوية؛ سيادة عدوانية. هو أيضا عالم العقاب .
وما أن يبدأ تنفيذ العقاب تبزغ البسمة التي هي المعادل الدائم للحياة .


هوامش المؤلف:

-1- نعلم أن  Wuthering Heigtsتمت ترجمتها أولا إلى الفرنسية تحت عنوان " leshauts de hurlevent " ترجمة بولباك " s Wuthering Heigt"تعني حيث تعصف الرياح بشدة" وهو اسم المنزل المعزول؛ المنزل الملعون مركز القصة.
-2- جاك بلونديل: إيميلي برونتي التجربة الروحية والخلق الشعري 1955
-3- جاك بلونديل: نفس المرجع
-4-  جاك بلونديل: نفسه
-5- الأكيد إنه في حدود المسيحية يؤلف العقل مع المواثيق الاجتماعية و....
-6-  لقد سجل بلونديل كل ما أخذته إيميلي برونتي عن الرومنطيقية خاصة يبرون الذي من المؤكد انها اطلعت عليه .
-7-  تنبني الصوفية المسيحية على "موت الذات". للتصوف الشرقي نفس الأسس. يكتب مرسياإلياد:’’ في الهند تم ترجمة المعرفة الميتافيزيقية بعبارات القطع والموت....و ينتج عن هذه المعرفة تواصل ذو طبيعة صوفية. يجتهد اليوغي من اجل قطع تواصله مع الظرف غير المقدس؛ اللاديني...يحلم بالموت "في هذه الحياة". طبعا؛ نحن نتابع حياة مشفوعة بانبعاث أسلوب آخر للكيان: وهو ما يتمثل في الخلاص ’’ ( اليوغا. خلود وحرية .بايو 1954ص18-19)
-8- ThePrisoner.  هذه القصيدة غير المكتملة وبلا عنوان أيضا في les oragesdu cœur لأيميلي برونتي ترجمة ميراي باست. سيغيرس1950 ص43-45 لا استشهد بهذه الترجمة المتبعثرة تنأى عن النص. لكن ان النص الأنجليزي. أورد هنا البيت الأخير الذي أفسدته الترجمةالفرنسية :
’’ If it but herald deaththe vision is divine’’
-9-  بيانات السريالية ’’ البيان الثاني’’ 1930
-10- جاك بلونديل...
-11- في "حصة اللعنة " (منشورات مينوي1949) حاولت مماثلة ما لهذه الاسس من وجهة نظر في تاريخ الديانات بوجهة النظر الاقتصادية.

هوامش المترجم:

جورج باتاي: شاعر؛ مفكر؛ روائي ولد ببيلوم بفرنسا سنة 1897 وتوفي بأورليان سنة1962 تولى مهمة محافظ مكتبة أورليان وأشرف على تسيير مجلة "نقد". فيلسوف الرغبة كما يسميه بعضهم اشتهر بدراساته ذات الطابع الإيروتيكي التي تهتم بتحليل الرغبة رغم عدم انتمائه للحركة السريالية لكنه تبنى مقولاتهم حول الإيروتيزم خاصة أصدر عدة مؤلفات منها : "كراهية الشعر" سنة 1947 الذي تضمن مجموعة من الأشعار وقصة بعنوان حكاية الفأر ومجموعة من الإعترافات؛ له أيضا "حصة النار" سنة 1948 و"التجربة الداخلية" سنة 1945؛ "المتهم" سنة 1944؛ مجموعة قصصية بعنوان "حكاية عين" "دموع إيروس" وله هذا الكتاب الذي أخذنا منه هذا الفصل "الأدب والشر" وهو مجموعة من الدراسات النقدية حول بودلير وميشلة وايميلي برونتي؛ ساد؛ بروست؛ كافكا؛ جان جينية؛ ويليام بليك.

-أ- الأعالي عندما الرياح: هناك ترجمة عربية لهذه الرواية أنجزها حافظ أبو مصلح سنة 1988 وصدرت عن المكتبة الحديثة للطباعة والنشر بعنوان "مرتفعات وذرنغ" غير إننا رأينا أن"الأعالي عندما الرياح" تقترب أكثر من أجواء القصة كما رأتها مؤلفتها؛ خاصة وأن الأحداث تدور بين مكانين؛ المكان الأول عند السفح والثاني حيث تتم أغلب الأحداث وهو في منطقة عالية والعنوان في الأصل الانجليزي يشير إلى المكان العالي عندما يشتد هبوب الريح فيه .



 بالتنسيق مع المترجم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق