الجمعة، 30 أغسطس، 2013

تجربة التخوم لدى جورج باتاي: دومينيك فريزوني

ترجمة عبد العزيز بن عرفة

لنتصور هذا المشهد الذي يعرض في سيارة عند المحطة. الوقت ليل. والجو يعمّه الظلام والصقيع. جسدان: رجل وامرأة يلتحم جسداهما في عنف حيواني وكأنهما واقفان على حافة ذاتيهما. يقف هناك، في ركن، مختبئا، شخص يراقبهما... كائن من ورق متفرج من نوع خاص، يشاهد مسرحية: الظلال والحمى والأجساد المرتعشة إنه يحاول أن ينفذ إلى سرّ هذه التراجيديا حيث يرى غيره من المشاهدين، في ذلك، مجرد مشهد جنسي، عادي، إنّه يمرر ببصره ما بين الحركات المثيرة ويخترق به القناع الفاجع للذة وقد لمح ما يستعصي على النظر: جرحا. هو جرح الكينونة بعد أن اخترقها العشق بخنجره وهو بذلك، يفتح منفذا للعدم ليستقرّ هناك.
 

إنهما أسطورة الأجساد المتحابة والذوات التي تهب نفسها حتى التلاشي، فهناك موت في الحب والعطاء. وهناك حب في رغبة الاندثار والموت. هذا هو النص اللغز الذي يتعرض لقانون الجنس وتجربة العشق. ولقد حاول جورج باتاي أن يعرضه في قصة السيدة "إدواردا". إن باتاي في هذا الكتاب يحاول أن يسوق سردا وقصّة ما سبق له، في موضع آخر، أن تناوله تنظيرا وتحليلا كما فعل مثلا في كتابه "دموع ايروس".
إن الحقيقة فرضت وجودها هنا، بكل ثقلها القاسي على وعي المشاهد: هذان الجسدان المتعانقان يعيشان موتهما. إن العشق هو الموت. وهذه البداهة الساذجة التي نسوقها لهي من تحصيل الحاصل والمتعارف عليه. ولكنها مرسومة في النظرة العابرة لهذه المرأة. حيث تستلقي اللذة في فتور وهي تضاجع الفعل المتأتي للعدم.
والسرّ كان حلم برق، ولكن الرجل، أي هذا المشاهد فهم كلّ شيء أنه ينقل لنا ما شاهدته وأبصرته  عيناه: "في تلك اللحظة كنت أعلم أنه عائد من المستحيل ورأيتها، هي، مستقرة في أعماق ذاتها، جامدة جمود الخائر. رأيت الحب جثة مدفوعة في مقلتيها ويعلوهما برد وصقيع كبرد الصباح، وشفافية تكشف لي حضور الموت. الكل كان نسيجا متداخلا في هذه النظرة: الأجساد العارية، ارتعاشة الألم الذي يخترقني، ذكرى الرضاب المتدفق من الشفاه. كلّ العناصر كانت متضافرة ومتآزرة فيما بينهما وتتدحرج تدحرجا أعمى في العدم"
تلك نهاية مقطع كتاب باتاي السيدة "إدواردا". إنه كذلك السارد في بداية هذه القصة (قصة السيدة إدواردا) وقد خنقه الألم وحاصرته الأسئلة دون أن يجد لذلك حلولا يقبع في قلب الحياة وإنه ليمكن له أن يلمح آثاره واضحة كلما حصلت تلك اللحظات الفريدة التي تتيحها لنا تجربة الجنس والعشق لنختبرها. ذلك هو الشيء الأساسي بالنسبة إلى جورج باتاي أي أن يكون قادرا على تحسيسنا بهذه التجربة التي لا تستطيع اللغة أن تنقلها لنا، أي يكون قادرا، ولو بطريقة إيحائية وغير مباشرة على إشعار القارئ بتجربة الموت، تلك التجربة التي تعجز اللغة عن إيصالها وآدائها.
إن الآثار الأدبية لباتاي تحوم، دائما، حول الهاجس الأوحد فالموت بالنسبة له، يستقرّ ويقبع ويسكن في كلّ شيء وحسب أشكال وتلاوين مختلفة: عنيفة وهاجعة ومتأنية عادية وغير مترقبة، كالحرب، والتضحية والانتحار والتعذيب الخ... وكأننا بباتاي مولع بجمع مظاهر الموت وأشكاله كما يهوى طفل جمع الطوابع البريدية. هذا الموت الذي يعمل دون راحة أسبوعية. ولكن باتاي ليس ساذجا أو غبيا فهو وإن يريد أن يحوصل جميع الأقنعة التي يتخذها الموت لا يرتجي من ذلك أن يكون فيلسوف العدم أو منظر الموت. فهو لا يفتأ يذكر عبر آثاره كلها بأن الموت ظاهرة وخصوصا تجربة لا تنتمي إلى الحقول المعرفية التي تعتمد الوعي واللغة والتواصل. بل إنه يزعم أن هناك حالات شاذة، نادرة وقليلة يبلغ فيها الوعي درجة قصوى يكون فيها كالواقف على حافة انهياره. إنها تجربة تختلط فيها السبل وتنعدم الفواصل بين الحياة والموت وهو ما أسماه بتجربة "الضياع النسبي" أو تجربة التخومات. وهي حالات تنعدم فيها –أو تكاد- الحواجز بين الحياة والموت.
ويبدو واضحا لباتاي أننا لا نختبر تجربة الموت عبر الطرق المعرفية المعهودة وإنما نختبره بطرق غير مباشرة وغير عادية، وفي حالات قصوى. ولكن هذه الطرق ليست عديدة – كما يتبادر إلى ذهننا- إنما هناك فقط طريقتان: الإنتشاء واللذة. الأولى اعتمدها الصوفيون والثانية يعتمدها العشاق. وهما وجهان لظاهرة واحدة: ظاهرة اللامحدود والمطلق غير أن بين هاتين التجربتين فوارق عديدة كما بينهما تماثلا كبيرا. فالتجربتان كلتاهما تبتغي التلاشي والإضمحلال وتنزع إلى مشارفة التخوم الفاصلة بين المحدود واللامحدود، بين الممكن والمستحيل، وذلك على وتيرة –في خط تصاعدي- لا تفتأ تتنامى لبلوغ ذلك المتناقض الصارخ الذي جاء التعبير عنه على لسان أحد المتصوفة "أن أموت حتى لا أموت" أي أن نكون في آن في ذمة الحياة وفي ذمة الموت. ذلك أنه لا وجود لفضاء يدعى البين بين حتى نستطيع أن نستقرّ ونلقي الرحال فيه فالوعي أي المحدود الذي يعمل على تجاوز ذاته لا يمكن أن يتسنى له ذلك دون أن ينهار في اللاوعي أي في اللامحدود أي في العدم. ليس هناك من طريقة إلّا أن يبقى ماثلا ويمكث مشرفا على الهوة دون أن يزول فيندثر. ثمّ أن باتاي يدلنا على المفتاح السري الذي يسمح لنا بذلك أي ما أطلق عليه: "العنف الداخلي" إنه نزوع الكينونة نحو الخروج عن ذاتها وكأنها تطرد ذاتها من مكان ذاتها لتشارف انهيارا دون أن تبلغ الانهيار التام.
وبالتالي فإن هناك تماثلا قائما بين التجربة الصوفية وتجربة العشق والجنس يتمثل في بلوغ تلك الحالة القصوى. إلّا أن باتاي لا يعير نفس الاهتمام لكلتا التجربتين ولا يضعهما في نفس المستوى وعلى قدم المساواة. لقد حبذ باتاي تجربة العشق والجنس على حساب التجربة الصوفية. فالمتأمل في نصوصه التي تعاقبت الواحد تلو الآخر يلاحظ تشبثه بالنزوع المتمثل في الجنس والعشق وتحبيذه إياه. فهو بالنسبة إليه أكثر أصالة، ففي زعم باتاي لا يمكن الوعي أن يتجاوز محدوديته الضيقة ويعبر إلى مناطق العدم إلّا عبر تجربة الجنس والعشق ولحظة إنفجارها. وبالفعل فإن باتاي كان يحترس من التجربة الصوفية لأنه يرى فيها منزعا دينيا ولاهوتيّا. ثمّ إن تجربة الفراغ التي تدعيها التجربة الصوفية هي تجربة مفتعلة وذلك بإدعائها الحلول في الذات الإلهية والتواصل معها أما الأمر بالنسبة إلى تجربة العشق والجنس فيبدو أكثر واقعية وأكثر جديّة. ذلك أن هناك شخوصا من لحم ودم وعظم تخوض التجربة وتجتاحها رغبة حسية، مادية، ملموسة تبدو آثارها للعيان عبر عنفها القاتل الماثل كحقيقة لا تحتمل ذلك أن تجربة الجنس والعشق تقيم علاقة مضاعفة مع الموت: موت الذات التي تخوض التجربة وموت الآخر أي القرين في التجربة. يتوحد الإثنان ويختبران معا انهيار الوعي واضمحلاله في نفس اللحظة وفي خضم هذه المعاشرة للموت.
وهكذا، فما كنا بصدده يخص قصته السيدة "إدواردا" حيث أوردنا انهيار الرجل والمرأة وهما في غمرة خوض تجربة العشق والجنس في لحظتها ومرحلتها الحاسمة أساسا. أي، تدقيقا، تلك اللحظة التي يعانق فيها الوعي المستحيل والذي لا يمكن لأية لغة أن تؤديه وبالتالي تستوعبه وتعيه. إنها لحظة فريدة: لحظة الإشراق الكلي والعمى الكلي. اللحظة التي لا يمكن لأي لغز أو طلسم أن يصمد أمام لمعان بريقها. لحظة يتجلى فيها المرء ويفقه عالمه ويعي حدوده وأطرافه. ففي هذه اللحظة يعي الإنسان انقسامه ويدرك انشطاره القائمين ويتمثل تحولاته كذلك. وفي لمح البصر يعي جوهره التراجيدي والدرامي أي ذلك التناقض الذي يسكنه والذي لا يفضي إلى خلاص ولا يمكن أن نأمل من سبيل إلى شفائه إلّا أن سبيل الموت هذا قد يوفر الشفاء والحلول لكلّ ما تعقّد وتناقض ولكنه في ذات الوقت يلغي ذلك كلّه ويطويه طي النسيان حذار! لنتأمل ذلك جيدا! حديثنا لا يصاغ هنا في إطار معرفي أو حقل ذهني، إدراكي إن تجربة العشق والجنس هذه تجربة مجالها مجال آخر غير مجال الوعي والإدراك. إنها تجربة الحدس والتلقائية، لذا فهي تجربة لا تعتمد السبل الإدراكية والمعرفية المعهودة. بل إن الوعي الذي تعتمده هذه التجربة هو وعي ما قبلي ونكاد نقول: وعي غريزي. كما أن المنهجيّة المتوخاة ليست تلك المنهجية الاستقرائية أو القياسيّة. لأن تجربة العشق الجنسية هي تجربة التلقائية والعنف والتجذر. ففضاء هذه التجربة هو فضاء القداسة. فهو يرتبط بكل التجارب الإنسانية العريقة والماضية المدفونة في سحيق التاريخ والانسان عبرها يستعيد آلامه القديمة الرابضة في أعماقه السحيقة فتفيض وتستيقظ غرائزه التي طمرها الكبت عبر التاريخ وتستعيد نشاطها وبمعنى آخر فإن الإنسان يبعث الحياة في ذاكرة الجنس البشري والقابعة تحت التراكم الثقافي والمحرمات التي عرفها التاريخ الإنساني. لذلك فهذه التجربة لا تفضي  إلى معرفة يمكن صياغتها صياغة إدراكية، ثقافية، وفي مفاهيم تجريدية، إنها، فقط، مجرد إشراقة تكشف عن ذات الإنسان وتعريها ولكنها في ذات الوقت تحجبها.
وبالتالي فإن التجربة لا يمكن ترجمتها أو إيجاد معادل لغوي لها. لذلك فإن باتاي لا يفتأ يصطدم بهذا الحاجز اللغوي ليحطمه، معيدا الكرّة، ربما لأن ما يهم باتاي ليس النتيجة أو المعارف التي تؤدي إليها التجربة بل ما يسترعي انتباهه هي السبل المتوخاة والطاقات المجندة خلال التجربة. المهم أن يحصل على ما أسماه بالمعرفة النسبية خلال هذه الرحلة.
وما كنّا بصدد عرضه يكاد يكون متعارفا. ففي السنوات الأخيرة أصبحنا نعير المزيد من الأهمية لآثار باتاي ومؤلفاته. فلقد أصبحنا ندرك الآن أن تجربة العشق الجسدي تجربة يلتحم الإنسان فيها بحيوانيته.
ولكن الأمر يكتسي بعدا أكثر تعقيدا عندما تستهل مرحلة تعارضت الأطروحات حولها وانقسم في شأنها شارحوه ومفسروه، إلّا أن باتاي يبدو في زعمنا دقيقا في شأنها. فلقد أشار مرة قائلا: "إن النزوع الجنسي إذا تحكم بالمرء دفعته رغبة ملحة نحو الموت والافتتان به. فعندما يبلغ المرء هذه المرحلة القصوى يصبح راغبا في التلاشي، مندفعا نحو الموت لا يبتغي إلّا الإندثار والإضمحلال أي التوحد، ليتجاوز وضعية الانقسام والتناقض والانشطار التي تفرضها عليه الحياة". وهذا ما يفسر لماذا تلك الطاقات الغريزية المتوحشة تبقى في حالة توثب مستمر، تتحين الفرص لتُطلق من الضغوطات التي تأسست عبر التاريخ وشكلت ذواتنا وصاغتها على هذه الوتيرة وهذه الحالة من الانقسام والإنشطار. وعليه فلنخل المجال للعنف حتى يتدفق سيله الجارف بكلّ حرية. إذ إن تلك الطاقة هي الوحيدة القادرة على الإتيان على كل الحواجز والسدود وعلى كل النواميس العقلية والاخلاقية التي تشكل الأعمدة الأساسية والرئيسية التي تشيد صرح الحياة.  
وهكذا فإننا عندما ندفع بالوعي إلى مناطق الفوضى الذي ينتفي وجوده عند تخومها فإن تجربة الجنس والعشق تحقق انعراجا للذات حيث تنتفي علاقتنا بالحياة وبجوهرها المزدوج ونشعر أننا عبرنا إلى الدروب والمسالك المؤدية إلى الموت. لكننا رغم ذلك نظل أحياء مشحونين بكل ما في الحياة من قوة وفوران ففي هذه اللحظة الفريدة تكون الحياة قد بلغت أرقى ذراها واكتمالها دون أن تكون مهددة. وفي تجربة العشق والجنس هذه تتخلص الحياة من حالتها الانشطارية ومن صيرورتها الانقسامية. أنذاك فقط تكون الحياة موضع تساؤل أكثر ممّا هي مهددة –كما قد يذهب بنا الزعم، ذلك أن على الحياة أن تصاب برجة في صلبها وأن يقع هزها إلى أقصى الحدود. وتجربة العشق والجنس تجربة وجودية بالأساس. فعبر هذه التجربة يعي الإنسان حسيّا وماديّا الحدود التي تتحكم بذاته ومحيطه ويتعلّم عبر هذه التجربة أنه بإمكانه أن يُدخل تعديلات على محدوديته بحيث يضع حدّا لحالة الإنقسام والإنشطار التي تتحكم بمصيره الإنساني وينفذ إلى حالة من التوحد مع ذاته. ولكنه توحد مؤقت يشبه إلى حدّ كبير التوحد الذي يحققه الفناء والموت. أي أن هذا التوحد مع ذواتنا يتحقق بقدر ما تسمح به إمكانيات الفوضى المترسبة في أطباق ذواتنا العميقة.
إن "ساد" حسب باتاي لم ينفذ إلى جوهر وسرّ القضيّة، فلم يع القانون المتحكم بتجربة الجنس والعشق. فشخصياته ترزح تحت التعذيب المميت وشخوصه كذلك تُقدم على الانتحار بدافع اللذة، أي أن هذه الشخوص لا تنتج لذتها إلّا عندما تموت إن "ساد" ينقض الناموس المتحكم بصيرورة التجربة الجنسية. أي أنه ينفي الحياة بالموت فيبقى التناقض ماثلا بينهما. إلّا أن هذا التصوّر من قبل باتاي يُعتبر خاطئا أمّا التجربة فلا تؤدي إلّا إلى الفشل. ذلك أن تجربة الجنس والعشق وإن كانت تضع ضمن أفقها ظاهرة الموت فإنها لا تعتبر الموت نهاية لها. فتجربة العشق والجنس وإن كانت تنزع نحو الموت فإنها لا تدركه أبدا. وفي هذه الحالة تصبح تجربة العلاقة والافتتان بالموت ظاهرة كيميائية أكثر منها صيرورة انتحارية –كما هو الشان بالنسبة إلى ساد.
فالموت بالنسبة لباتاي نختبره وندرجه حيز التجربة ليقع استغلاله أمثل لإمكانات الوعي وطاقات الحياة. فلدى باتاي –أي على عكس ساد- دائما نوع من اليقظة والمراقبة المستمرة لصيرورة اللذة والانتشاء وحتى الألم وهيجان انفجارها فهو نوع من الاختبار لمحدودية الكائن ووعي بجوهره وتجاوز لانفصامه.
وبهذا المعنى يصبح الموت رائد الحياة وموجهها، ينير سبل الفعل الإنساني دون أن يكون هذا الموت مثلا أعلى للحياة. كما أن الموت ليس قفا الحياة. فالموت في الأخير لا يعدو أن يكون غير هذا "اللاشيء" الذي ينخر جسد الوجود ويدفع بالحياة لتفرغ محتواها والطاقات المختزنة في صلبها أي يجرها إلى الفعل.
وليس صدفة أن ينطوي كتاب باتاي المسمى "دموع ايروس" على مشهد لرجل صيني يلاقي حتفه على يد جلاد يعذبه كما أن باتاي كان يملك صور فوتغرافية مده بها أحد رجال التحليل النفسي وتنطوي على مرحلة من مراحل التعذيب التي يمر بها أحد الضحايا. وهي تشتمل على صورة رجل ما زال حيّا ومعذبه يقطع أوصاله الواحد تلو الآخر تحت أنظار أناس يتأملون هذا المشهد. ولكن الذي استرعى انتباه باتاي ليس المشهد في حدّ ذاته وما انطوى عليه من تعذيب وإنما ملامح الرجل وهو يختبر تجربة التعذيب والإشراف على هلاكه فعوض أن تكون ملامح الرجل منقبضة يعلوها الاصفرار والزرقة وارهاصات الألم وهو يجتاز محنته نلاحظ عكس ذلك: أساريره منبسطة. ولقد صرّح باتاي في خصوص هذا المشهد "إن هذا المشهد كان دائما الهاجس الذي لا يفتأ يراودني لأنه مشهد ينطوي على منظر للتعذيب لا يُحتمل من ناحية وعلى حالة الانبساط والطمأنينة والراحة والنشوة تغري بافتتانها وجاذبيتها تكسو أسارير الضحية".
وما كنا بصدد عرضه ليس مجرد هاجس فحسب بل أن هذا المنظر من ناحية أولى مشهد فوتوغرافي، خلاب وهو في نفس الوقت، ومن ناحية أخرى، بالنسبة إلينا، تجربة جنس وعشق. وفي كلتا الحالتين نحصل على كميتين متعادلتين من اللذة. إلّا أن هناك فرقا بينهما وإن بدا طفيفا فتجربة العشق الجنسية تجربة تتأتى فيها اللذة عن كون هذه التجربة مشارفة على تخوم الموت لكنها مشارفة حلمية وليست حقيقة، في حين أن تجربة التعذيب تجربة تلتحم التحاما فعليّا وتلتقي التقاء حقيقيّا بالموت، مجسدا. فالتجربة الأولى أي تجربة الجنس والعشق يمكن لها أن تتكرر أمّا تجربة التعذيب والهلاك فتجربة فريدة ولا يمكن أن تتكرر أبدا. وبهذا نكون قد ميزنا ووضعنا فارقا بيت تجربة باتاي وتجربة ساد.

المصدر: دومينيك فربزنوني، تجربة التخوم لدى جورج باتاي، ترجمة عبد العزيز بن عرفة، ضمن كتاب الدال والاستبدال، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 1993، ص 91-98

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق