الجمعة، 8 أبريل، 2016

موت بالتقسيط: لور كاتسارو



ترجمة محمد عبد الفتاح السباعي


 هي كانت غنية بربيعها العشرين


أما أنا فكنت شابًّا بعشرين فرنكًا
تعاهدنا أن تكون صُرَّة نقودنا واحدة
تنقلتْ وهي تنزف مالًا في إحدى ليالي الربيع الكافرة..
صنعَ القمرُ حفرةً داخلنا
مستديرةً كدرع بخمسة فرنكات
من أين مرت ثروتنا:
عشرون ربيعًا وعشرون فرنكًا.. ثم القمر!
الشاعر «تريستان كوربير» من قصيدة بعنوان «في ذكرى زولما، عذراء مجنونة خارج الحاجز، وذكرى لوي»



عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية ظهرت رواية «الغثيان» لـ«جان بول سارتر»(1)، تلك الرواية التعليمية المجردة وضعت أسس النظرية العبثية(2)، والتي حظيت بشعبية ضخمة بعد ما وضعت الحرب أوزارها، وحظي مقال «أنطوان روكانتان» (بطل الرواية)، عن الأمور العارضة المستوحاة من تأملات شاب كستنائي الشعر، بشهرة كبيرة، وفي المقابل فإن الشكل العام للرواية لم يجذب الأنظار، ومع ذلك فإن «الغثيان» تقدم نفسها، ومن السطور الأولى، على أنها يوميات أعزب «فتى ليس له أي اهتمامات.. مجرد فرد».. رجل بلا زوجة ولا أطفال وليس له سيد، «روكانتان» يعمل وحيدًا على كتابة سيرة ذاتية لرجل ودود عاش في القرن الثامن عشر، إنه السيد «روليبون» المقيم في مدينة «بوفيل»، ولكن لا يربطه بها أي شيء، فهو مستأجر غرفة في فندق، ولا يفارق جريدته التي يتحدث إليها كما لو كانت صديقه أو رفيقته.. «أنطوان روكانتان» رجل وحيد له وجود.. هذا هو كل شيء، هذه هي قصة حياته، ففي «الغثيان» لا يوجد في العزوبية شيء نادر يستحق أن يُروى.. إنه ذلك الظرف الذي سمح لـ«روكانتان»، المتحرر من أي التزامات بخلاف التزاماته تجاه نفسه، بمعرفة خبايا الوحدة التي تعيشها الكائنات، وبالتالي إدراك عبثية الوجود.
عزوبية «روكانتان» تجسد موقفًا فلسفيًّا ضد التقاليد الإنسانية والمسيحية، وفي الوقت نفسه ثورة اجتماعية على الطبقة البرجوازية، إنه هنا لا يختلف جوهريًّا عمّا كان يفعله «فلوبير» والأخوان «جونكور» و«موباسون»، فالأعزب عند «سارتر»، كما في القرن التاسع عشر، هو ذلك المتمرد اللاجتماعي، رجل لا يعترف بوجوده أحد، وتتنزل عليه لعنات المجتمع البرجوازي الذي يدعو عليه السماء باستمرار.
أحد أيام الأحد بعد منتصف الظهيرة، ذهب «روكانتان» إلى متحف فني في «بوفيل»، وكانت الصالة الكبرى بالمتحف تعج ببورتريهات للوجهاء المحليين وأصحاب السفن والتجار الكبار والمهندسين والضباط ونواب برلمانيين، الذين حققوا نجاحًا كبيرًا في مهنهم ونقلوا ثمرة هذا النجاج إلى أولادهم.. جميعهم متزوجون ولهم ذرية، ويشير «روكانتان» إلى أن هؤلاء الرجال «امتلكوا الحق في كل شيء: في الحياة والعمل والغناء والقيادة والاحترام، بل وفي الخلود». وفي أسفل مدخل الصالون كانت هناك لوحة كبيرة بعنوان «موت الأعزب» لشخص يُدعى «ريشار سيفيران» [Richard Séverand]، وكانت اللوحة هدية من الدولة لمتحف «بوفيل»، في هذه اللوحة لم يكن موت ذلك الأعزب مثيرًا لأدنى شفقة، لا بين أصدقائه المحيطين، الذين تجاهلوه تمامًا، ولا من الذين شاهدوا اللوحة، ولا من «روكانتان» نفسه، ورغم أن وجه ذلك الأعزب أظهر أنه عانى وقتًا طويلًا من سكرات الموت، ولكن كان على وجهه سخرية غامضة، وكان لون جذعه يميل إلى الاخضرار كما لو أنه بدأ يتحلل بالفعل، ولم يكن هناك من يبكيه جوار سريره، وبينما الخادمة تفتش في دولابه وتعدُّ ما به من أموال قليلة، كان أحد المتشردين ينتظر في الممر وشفتاه تطبقان على سيجاره، وقطة صغيرة تلعق بهدوء لبنًا في قعر إناء صغير.. الرسالة هنا في غاية الوضوح: عدم الفائدة الاجتماعية للأعزب حكمت عليه بهذا العقاب، وبما أنه لم يُعطِ المجتمع شيئًا في حياته، فعليه ألَّا ينتظر أي مقابل لحظة مماته، فالأعزب يُعاقَب على أنه لم يَعِشْ إلا لنفسه فقط، بموت بشع مُذل. وعلى العكس من وجهاء «بوفيل» فقد مات «بلا أطفال وبلا وصية وبلا أسرار يخبر بها أحدًا قبيل مماته».
«موت الأعزب» يبدو أنها تحقق التنبؤ المثير للشفقة للـ«عصامي» ذلك الأعزب الوجودي الثاني في «الغثيان»، وعلى لسان الـ«عصامي» نقرأ السطور التالية: «أعيش في وحدة قاتلة، لدرجة أنني فكرت في الانتحار أكثر من مرة، ولكن ما منعني من هذه الفكرة، هو أن لا أحد، وأقصد المعنى الحرفي بكلمة "لا أحد"، سيتأثر بوفاتي، ما يعني أنني سأكون بموتي وحيدًا أكثر مما كنت حيًّا».

وإن لم يكن هناك رسام يُدعى «ريشار سيفيران»، وحتى لو لم تكن هناك وسيلة لتأكيد وجود لوحة بعنوان «موت الأعزب»، فإن المتحف القديم لمدينة «لو هافر» الذي استوحى منه «سارتر» بشكل جزئي لتخيل متحف «بوفيل»، الذي تم تدميره بالكامل قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية في 1944، يمكن القول إن هذا النمط من المشاهد ليس به أي قدر من الخيالية؛ إذ إن «سارتر» يستوحي من عادات تصويرية وأدبية، في الوقت ذاته، كانت ذائعة الصيت في القرن التاسع عشر.
وطبقًا لـ«لوي كواياك» [Louis Couailhac](3) مؤلف «فسيولوجيا الأعزب»، فإن الأعزب حينما يصبح عجوزًا «لا يحيط به إلا أناس غير مبالين به، يترقبون موته لاقتناص إرثه، ويُظهرون له أسوأ ما فيهم حينما لا يموت بالسرعة المطلوبة!».
بالكاد أسعفته أنفاسه الأخيرة ليخبر خادمته بما سيتركه خلفه من أشياء قد تكون ذات قيمة: «أترين كل هذه الشقة الباردة المظلمة، كل تلك الدواليب المفتوحة والأدراج المنهوبة.. كل تلك الأسمال البالية والفضيات الملقاة أرضًا.. هناك يوجد كيس لحفظ الموتى!». كان مع الخادمة 3 أو 4 من أقاربها، تبدو عليهم علامات البؤس، من بينهم بواب وتاجر خردة، كانوا يفتشون في كل ركن بالبيت بأصابع خبيرة، حيث كانوا يتحققون من الجدران، ويجمعون كل ما هو ذو قيمة ويجعلونه في حزمة واحدة ثم ينقلونه إلى الخارج بسرعة وخفة.
الأعزب الذي يظن أن هناك من يحيط به بالفعل هو مخدوع في حقيقة الأمر، وجسده مختوم بعملة لا قيمة لها، وبعد موته، فإن المقربين منه ليسوا حتى مضطرين لتمثيل كوميديا الحزن عليه، والرسمة التي قدمها «مونييه» [Monnier](4)، في هذا الإطار تشتمل على كل العناصر التي تمثل مفاتيح مشهد موت الأعزب الذي تخيله «سارتر»، حيث يظهر الأعزب مغمض العينين، وعلى رأسه طاقية، ويظهر هو نفسه على فراش الموت متكورًا بشكل مهين، بينما أول ما تقع عليه العين في الخلفية هو مشهد خادمته وهي تجمع كل ما تركه وما سرقته هي دون علمه في صُرة ملابس وسلة كبيرة.
موقف مشابه تخيله «بلزاك» في روايته «ابن العم بونس»، حيث مدبرة شئون المنزل السيدة «سيبو»، تحاول الاستيلاء على المجموعة الفنية الرائعة الخاصة بالفتى العجوز المشرف على الموت.. عزوبية «بونس» جعلت منه فريسة سهلة: «تلك الوحدة العميقة المظلمة، وذلك الألم البالغ الذي نال منه معنويًّا قبل أن يكون جسديًّا، وعدم جدوى الحياة بالنسبة له، كل ذلك يدفع أعزب، لا سيما إن كان ضعيفًا ساذجًا طيب القلب، إلى التعلق بالشخص الوحيد الذي يعتني به كما يتشبث الغريق بلوح خشب».
ويبدو الوضع العام مثيرًا للشفقة أكثر من كون الرواية كوميديا أخلاقية، والتي لا يستيقظ خلالها الصبي الصغير أبدًا، رغم كمّ المصائب المحيطة به، حتى يصل به الأمر إلى مأساة خالصة.
بعد لحظات من موت «بونس»، ذكرها «بلزاك» بسرعة: «إنها السيدة «سوفاج» [Sauvage]، اسم على مسمى ([Sauvage] تعني المتوحشة).. بدم بارد جردته من ملابسه وفردت ذراعيه، ثم وضعته في غطاء بعدما طوته كورقه داخل مظروف أو كبضاعة اشترتها من أحد المحلات وعلبتها».. هنا أيضًا ليس ضروريًّا تمثيل كوميديا الحزن، كما أنه لا داعي لاستكمال طقوس الحداد التي تصاحب الأموات في المعتاد، فبمجرد موت الأعزب يصبح شيئًا غير مرئي.. «مدام سوفاج» تسرع في خياطة كفن «بونس» لإزاحة الجثة من الوجود.
مشهد الموت وحيدًا ألهم العالم خوفًا مشتركًا، ففي العصور الوسطى، وطبقًا لملاحظة «فيليب آريس» [Philippe Ariès](5): «الموت الملعون هو موت الرحالة الذي هجره الجميع على الطرق أو غرقًا في المياه»، ويضيف «آريس»: «في القرن التاسع عشر، وبالرغم من علمنة الأخلاق، فإن ذلك الموت الذي يحدث دون شهود ظل مثيرًا للفزع، ووجب التخلص منه بأي ثمن». ولكن هناك ما هو أخطر من ذلك، فبما أن الأعزب يموت دون ذرية ولا يترك خلفه ورثة مباشرين، فإنه بذلك يثير أزمة خلافة تفتح هوة في تسلسل الزمن، فالزمن لم يعد يمشي على إيقاع خلافة الابن للأب، التي تسمح للابن بدوره أن يصبح أبًا، فالوقت يصبح مثل ذلك التراث، لا يمكن نقله إلى ذرية مباشرة، فهو يتبدد بدلًا من أن يتسلسل.
تبديد الوقت والممتلكات الناتج عن موت الأعزب، يثير كذلك خيال البروليتاريا، فهم يحتشدون بشكل مدمر في محاولة للظفر بأي شيء من حاجياته المتناثرة، وطبقًا لأيديولوجية المتملكين، فإن الجشع الحيواني عند عامة الشعب يتفلت من عقاله بمجرد ضعف المراقبة التي تفرضها الطبقة البرجوازية، ولأنه ضعيف ومعزول بطبيعته ككائن بلا وريث، فالأعزب مدان بعدم قدرته على حماية العادات الدائمة التي تحمي الاستقرار الاجتماعي ضد قوى «البؤساء» الثورية المدمرة، وذلك على حد وصف «لوي كواياك» [Louis Couailhac].
فأمواله تتحول لقضية إعادة توزيع همجية للثورة، فحينما يموت الأعزب يكون الخدم وحراس البنايات والبوابون متصدرين المشهد، منتهكين بذلك قدسية الموت، والقوانين التي تنظم انتقال تركة المتوفى.
موت الأعزب يُسقط الأقنعة: فهو يُبرِز على السطح البهيمية التي تهدد باستمرار، ليس فقط الطبيعة الإنسانية ولكن التاريخ نفسه، والتي من الممكن أن تتحول في أي لحظة إلى فوضى ثورية.
الموت الوضيع للأعزب هو الجانب المظلم للميتة الجميلة التي يحظى بها البطريرك كما هو متخيل في العادات الغربية، ففي مشاهد من نوعية تلك الواردة في لوحة «يعقوب الذي يبارك أبناء يوسف»، لـ [Rembrandt] «رامبرانت» عام 1656(6)، أو في لوحة «ابن جروز المعاقب» عام 1778، حيث الأب الميت محاط بعائلته، وفي تلك اللوحة أيضًا نجد الأم وأطفالها في حالة بكاء وخدم المنزل يشاركونهم الحزن، بينما قطة (كرمز للوفاء) جالسة عند طرف السرير (علمًا بأن القطة في الأساس رمز للامبالاة).. ليس في هذا المشهد ما يمكن أن يُروى، فالشهود سيحتفظون بذكرى الأب وسيصنعون كرامة لحدث تاريخي.
الأب إذن موعود بالخلود بما أنه أنشأ أسرة، ولأنه استطاع أن ينقل لأولاده حياة غنية بالشرف والحكمة والمال، ذلك الخلود يضمنه له الشهود، وذلك على العكس تمامًا من الأعزب حينما يموت بلا شهود، فالخادمة المنشغلة بسرقة سيدها ليس لها أي مصلحة في تخليد ذكراه أو في الاحتفال بلحظة الموت، بخلاف موت البطريرك، حيث كل كائن، من الزوجة للقطة، يحضر ذلك المشهد ويكون شاهدًا عليه.
حينما ينظر الأطفال إلى والدهم المحتضر، فإنهم يشاهدون ماضيهم الذي هو على وشك الانتهاء، فيما الأب يرى في أعينهم مستقبله الذي هو على وشك البدء.. المستقبل يلتفت إلى الماضي والماضي يتطلع للمستقبل، وحضور الأولاد (الذكور تحديدًا) يضمن له أن اسمه سيبقى، وأن نسله لن ينقطع.
أن يكون الابن مباركًا مثل ابن يوسف، أو أصابه الندم قبيل الموت مثل الابن الضال الذي جاء طالبًا الصفح والغفران من والده في «الابن المعاقب»، أو أن تكون النهاية الوشيكة للأب لحظة عذوبة استثنائية كما عند «رامبرانت»، أو أن تصبح ذريعة لفيض من العواطف الجياشة، كما عند «جروز»، فإن كل ما سبق يخلق، في كل الأحوال، رابطًا يشكل العمود الفقري للوقت الإنساني.
بالمعنى الإنساني، فإن موت البطريرك كان مفيدًا، فهو يترك خلفه أولادًا، وموعود بحياة بعد الموت.. موت الأب يضمن استمرار الماضي والحاضر والمستقبل، إذ إن موته لا يشكل نقطة نهاية بل بداية جديدة، بعكس موت الأعزب الذي يحكم على الوقت بالبقاء ثابتًا جامدًا منغلقًا على نفسه، غير مؤثر في أي شيء حوله، فيحنما يموت الأعزب، فإن المستقبل لم يعد، والماضي لا يكون له أي أثر.. موته لم يخلق شيئًا جديدًا، فالموت كان موجودًا في ذاته وبداخله، إنه يقوض الوقت الإنساني من داخله ويهدره.
في القرن التاسع عشر، نجد العديد من نسخ الألواح المزدوجة، التي تصور الحياة في الجنة والعذاب في الجحيم، وذلك على غرار لوحات «بوس»(7)، ففي لوحة تجسد الأخلاق المسيحية صادرة عن مجموعة «لا بون برس» [LA Bonne Press](8)، نجد في إطار اللوحة ناحية اليسار رب أسرة ممددًا على فراشه يتنازعه الموت، وإلى جواره زوجته وأطفاله يبكون، وقدِّيسة تتلو له ما تيسر لها من الإنجيل.. وجه الأب يبدو عليه الهدوء، ويداه معقودتان على هيئة صليب، بينما روحه على وشك أن تتصعد للسماء، بينما إطار اللوحة ناحية اليمين يظهر فيه أعزب فاسق تحيطه نقوشات جنسية، ومن الواضح أنه مر بصنوف من العذاب قبل الموت، وفي قمة تلك اللوحة الفنية الملونة يظهر المسيح محاطًا بميزان تمسكه ملائكة، ومن البديهي أن كفة الخير تميل لصالح الأب، فيما تميل كفة الأعزب ناحية الشر. المغزى من تلك اللوحة يخترق معنويات كل من يشاهدها، حتى عند العزاب الملحدين الذين لا يعتقدون في عدالة إلهية، فالرعب من تلك اللحظة المستقبلية يفرغ حاضرهم من مضمونه ويلتهمهم من الداخل.
في رواية «الصديق الجميل» لـ«موباسون»(9)، نجد الشاعر «نوربير دو فارين» الرجل الوحيد العجوز الذي لا يملك «أبًا ولا أمًّا ولا أخًا ولا زوجة ولا أولادًا، ولا إله»، يفضي إلى «صديقه الجميل» خوفه المسيطر عليه من الذهاب إلى العدم.. «نوربير دو فارين» يظهر في هذه الرواية متحدثًا رسميًّا باسم مؤلف أعزب هو نفسه تعذبه فكرة أنه لن يكون موجودًا يومًا ما.. «نوربير دو فارين» لا يؤمن بالبعث ولا يؤمن بالخلاص، والموت بالنسبة إليه هو الفراغ المطق الذي لن يفعل شيئًا سوى تمديد عزلته.. والتصور المسيحي عن حياة ما بعد الموت ليس إلا قمة السخافة، وهو مثل ما نادى به «روكانتان» بعد ذلك بنصف قرن، ولكن على العكس من «روكانتان» الذي ترعبه فكرة أن يكون لديه أطفال، يندم «نوربير دو فارين» على أنه لم تكن له ذرية، فنجده ينصح صديقه الجميل بالقول: «تزوج يا صديقي، فإنك لا تعرف معنى أن تعيش وحيدًا في مثل سني.. فحينما تكون عجوزًا سيكون من الجيد أن يكون لك أطفال».
في الفكر البرجوازي خلال القرن التاسع عشر، ليس الأعزب فقط محكومًا عليه بميتة بشعة، بل العاهرات أيضًا: من فتاة الشارع الأكثر بؤسًا، إلى العاهرة الأغنى بين نظيراتها، حتى وإن كانت ثرية وجميلة، فواقعها الميت ينخر في حياتها، وليس لديها الكثير من الوقت لتعيش تقلبات الحياة، ففي رواية «أسرار باريس» لـ«أوجين سو»، لم تتحمل «فلور دو ماري»، التي ارتقت لمصافِّ الأميرات، عار ماضيها، وماتت كمدًا وقهرًا بعدما ارتدت الحجاب، وكانت آخر كلماتها: «العفو..».
أما في رواية «روائع ومآسي العاهرات»، فإن العاهرة «إيستر» تنتحر بسبب حبها لـ«لوسيان روبميبريه»، وصاغ «بلزاك» ببضع كلمات: «مشهد، مفاجأة، وليس مثيرًا للحزن».
وكما في حالة «ابن العم بونس»، يفجِّر هذا الموت الأطماع الأكثر بهيمية، فحبيبها البارون «نوسينجون»، الذي بكاها بشدة، أصبح موظفًا مصرفيًّا، ولكن لم يكن له همٌّ سوى التساؤل عن الـ750000 فرانك التي منحها إياها، أما خدم «إيستر» فقد استولوا، تحت سمع وبصر حبيبها، على أموال تحت جثتها التي كانت لم تفقد حرارتها بعد، بحجة التجهيز لمصاريف الجنازة، قبل أن يلوذوا بالفرار.
وفي رواية «البؤساء» لفيكتور هوجو، قضت «فانتين» نحبها مبكرًا، وإن ماتت ميتة القديسين محاطة بالراهبات.
ليس لأي من هؤلاء النساء الحقُّ في الزواج، حتى وإن أتيحت الفرصة لبعضهن مثل «فلور دو ماري»، فالموت المبكر هو النهاية الوحيدة المقبولة للعاهرات، أما فكرة زواجهن فلا يمكن تخيلها. ما يخلق اشمئزازًا غامضًا عند القارئ هو أن موت العاهرة يكون مصحوبًا بحب تلصص مرضي، فبما أنها كانت «امرأة عامة» فإن جثتها أيضًا تتحول إلى علف للحيوانات يُقدم للقارئ الذي يتحول إلى متلصص على الخصوصيات.
العاهرة هي المرأة التي لنا الحق في النظر إلى جسدها دون خجل، وهي أيضًا الجسد الميت المحروم اجتماعيًّا من طقوس الوفاة.. ذلك الجسد المنتزع من عهد الإنسانية، أصبح من الآن فصاعدًا شيئًا مقدسًا لا يمكن لمسه، ولكن الكاتب الذي لا يتورع عن دفن عاهرة، لا يتردد أيضًا في نبش قبرها وتعرية جثتها، وكما هو معلوم للجميع، فإن «مارجريت جوتيه» بطلة «غادة الكاميليا» أصيبت بمرض السل، ذلك المرض الذي يصيب الرومانسيين والنبلاء (ولم تُصب بمرض الزهري).. ولكن ما هو معروف بدرجة أقل، هو أن الرواية التي كتبها «أليكساندر دوما الابن» بدأت بمشهد جنائزي مروع، إذ تم نبش قبر «مارجريت جوتيه» واستخراج جثتها بناء على طلب من «أرمون دوفال»، حيث تم نزع الكفن، والكشف عن وجهها المتحلل، الذي اختفت منه شفتاها ولم يعد في مكان عينيها سوى ثقبين، ثم يبدأ السرد عن طريق العودة طويلًا إلى الخلف.. إلى العلاقة بين «مارجريت» و«أرمون»، ولكن في كل مرة تظهر «مارجريت» في أبهى صورها الرائعة، يطغى على ذلك المشهد مشهد وجهها المتحلل، وتفوح رائحة جثة متحللة لتزكم الأنوف بدلًا من رائحة عطرها الخلاب، وما هو أبعد من التقليد الاستعاري للكتّاب المغرورين، الذي يجعل أنياب الموت تطغى على ابتسامة الجمال، فإنه من المهم بالنسبة للكاتب أن يتم انتهاك خصوصية العاهرة حتى في الموت، وحتى ظلمة القبر لا يمكن أن تحميها من نظرات جمهور جشع يريد أن يلتهمها بعينيه.
في المقبرة الأدبية المخصصة للفتيات الشهيرات اللائي وقعن في حقل العار، فإنه من المؤكد أن الفتاة «نانا» هي صاحبة الميتة الأكثر بشاعة، والأكثر تعبيرًا عن الرعب المستوحَى من جسد الفتاة العاهرة، فبعد الاستسلام لمرض الجدري الذي قضى على ابنها «لويزيت»، كانت «نانا» قابعة طوال الوقت في غرفة بفندق بشارع «بوليفار»، كانت أشبه بالميتة، وطوال حياتها كانت محاطة بالأصدقاء والمحبين والمتطفلين، وفي نفس الوقت كان لها عائلة صغيرة مكونة من ابنها «لويزيت» وخالتها، ولكن في الصفحات الأخيرة من الرواية «أصبحت نانا» وحيدة تمامًا، وكان الشاهد الوحيد على موتها هو المؤلف نفسه «إيميل زولا»، الذي لم تترك نظراته الفاحشة أي تفصيلة من وجه نانا المشوه على نحو بشع، دون أن ينقلها للقارئ بدقة، فبعدما امتلأ جسدها ببثور وقشور وجروح متقيحة، لم يعد لـ«نانا» أي علاقة بالإنسان أو الإنسانية، حيث بات وجهها كـ« قطعة الطين الطرية الذي اختفت ملامحه تمامًا، وغاصت عيناها في لحم فسد وتحلل»، وتحت قناع الجدري هناك مرض آخر خفيٌّ لا يقل بشاعة هو الزهري.
غير أن هناك روائيين طبيعيين آخرين، يبدو «زولا» بالمقارنة بهم مثل عذراء خجول، إذ لا يتورعون عن وصف الآثار المدمرة للزهري على العاهرات ببرود طبي مروِّع، ففي رواية «فيروس حب» لـ«أدولف تابارون»(10)، التي ظهرت في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 1886، نلمس قاع الرعب والبشاعة، حيث يصف مشهد موت العاهرة «ألفونسين» بعدما غطتها القروح وخرج الصديد من أكثر من فتحة، وبرز العظم من بعض أجزاء جسدها، واحتضرت وحيدة وسط كميات من برازها.
«زولا» من جانبه كان يعتبر الزهري من المحرمات التي لا يمكن الحديث عنها، وكان يستبدله بالجدري المائي لأسباب تتعلق بالحياء، ومن الأسباب التي يمكن أن تفسر استبداله الجدري بالزهري، هو أن الزهري في مراحله الأخيرة يدمر العقل ويؤدي إلى الجنون، وهو ما يمكن أن يعفي «نانا» من جرائمها، أو أن «نانا» شخصية هيستيرية وليست مجنونة.. من جديد إذن يظهر الغرض الاستعاري عند الكاتب، فهو لا يريد أن يعفي «نانا» من جرائمها، فهو يعاقبها على ذنوبها التي هي -في نفس الوقت- ذنوب المجتمع الذي ترمز إليه، إذ إأن «الفيروس الذي أصابها من النوم على ضفاف جداول الأنهار، ومع الجيف، حوَّلها إلى خميرة أفسدت المجتمع، وفي النهاية صعد إلى وجهها وأفسده أيضًا».
من الغرفة التي ماتت فيها «نانا» يمكن أن نسمع بوضوح جمعًا من الغوغاء يصرخون وهم يلوحون بالمشاعل: «إلى برلين.. إلى برلين!!»، كانت فرنسا تستعد للدخول في حرب كارثية، ضد ألمانيا، كبدتها هزيمة منكرة، وخسارة خيرة شبابها، واحتلال أجزاء كبيرة من أراضيها، واندلاع حروب أهلية في الأقاليم.. لقد غرقت فرنسا في الفساد حتى أذنيها.. أفسدتها فتاة عاهرة بجسدها البشع.. تحمل «نانا» في داخلها الموت الذي قضى عليها، إنها في حد ذاتها مرض.. مرض نقلته إلى المجتمع لأنها ضاجعت الجيف والحيوانات، وربما الرجال المستلقين على قارعة الطريق، الذين يغمض المجتمع عينيه عنهم عمدًا.
«إيميل زولا» الذي دافع عن «دريفوس»(11)، يبدو أنه اعتنق الأيديولوجية البرجوازية التي سخر منها «سارتر» في «الغثيان»، ويرى «زولا» أن العهر والعاهرة يجب أن يكونا خارج نطاق التسامح.. حتى وإن ماتت ميتة القديسين مثلما حدث مع «فانتين» و«فلور دو ماري»، فالموت في حالتها ليس إلا ختامًا طبيعيًّا لانحطاطها.. يجب فصل القمامة وإبعادها عن المجتمع، فخطر العدوى يبدو كبيرًا.

مثل موت الأعزب في « الغثيان»، يشكل موت العاهرة في «نانا» عقابًا مثاليًّا، إنه ليس تضحية بضحية بريئة، ولكنه حكم بالإعدام، إن موت كل أعزب وكل عاهرة هو عمل انتقامي ضد أشخاص تمت إدانتهم، ليس فقط لأنهم عاشوا حياة لا جدوى من ورائها، ولكن لأنها حياة مدمرة بعدم جدواها، وعنف العقاب يتناسب مع مقدار الخطيئة، فقد تم الحكم بالموت على الأعزب والعاهرة من قِبَل المجتمع؛ لأنهما لم يضحيا من أجله، فقد كتب «ستندال» [Stendhal]، عام 1839: «الرجل هو: ابن وأب وأخ وزوج، وتلك الروابط الأربعة تتصارع مع الفطرة أولًا، أو مع حب الحياة، بمعنى أن الرجل إما أن يضحي بحب الحياة من أجل أبيه أو أخيه أو ابنه أو زوجته، أو أنه يفعل العكس فيضحي بهم جميعًا من أجل حب الحياة».

الأعزب ليس أبًا ولا زوجًا، والعاهرة في القرن التاسع عشر تتمركز في نقطة ضد أطروحة الزواج والأمومة، فالعاهرات والعزاب مذنبون برفضهم إعطاء حياتهم لأسرهم ثم «بتفضيل الفطرة وحب الحياة على بذل أنفسهم»، فالعاهرة لا تمنح نفسها بل تبيعها، والأعزب أيضًا يرفض منح نفسه بإنجاب أطفال ليكونوا عونًا وذخرًا للأمة، إذ إن ضلالهم، الذي لا يمكن معاقبتهم عليه بالقانون، يتم معاقبتهم عليه بموت إلهي، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من موت الأعزب والعاهرة موتًا مسرحيًّا كما لو كان محاكاة ليوم القيامة.

الرب الإله هو الحكم الوحيد والمقرر لمصير هؤلاء الكائنات عديمي الأسرة، ومع ذلك فإن السمة الدينية لتلك المشاهد سطحية بامتياز، فثمة تقليد كاثوليكي راسخ في الذاكرة، ويعطي لكل صورة معنى استعاريًّا يتم استخدامه في تمرير درس أخلاقي برجوازي علماني مفاده: كل رجل وامرأة ليس لديهما أطفال مصيرهما إلى الموت؛ لأنهما لا يقدمان شيئًا مفيدًا للمجتمع، ولا يخدمان أحدًا.

وفي مقال «الصحة وفسيولوجيا الزواج» من القاموس الكوني العظيم لمؤلفه «بيير لاروس»(12)، نجد خلاصة وافية للتفكير الجمهوري العلماني، نجد بشكل واضح «المصطلح الطبيعي للحياة مرادف لمصطلح القدرة الإنجابية، وجميع الكائنات العضوية مدعوة للتوقف عن الوجود حينما تفقد قدرتها على التكاثر».

لأنهم لم يخلقوا حياة جديدة للأمة التي منحتهم الحياة، فإن العاهرات والعزاب محكوم عليهم بموت يراه معاصروهم عقابًا أقل مما يستحقون، حتى وإن كان احتضارًا مثل الحيوانات أو تعفنًا مثل النباتات، وموتهم لا يؤدي إلا لتوازن «طبيعي» بإزاحتهم كطفيليات في الحياة.

وكانت صورة الأعزب مرتبطة دائمًا بلاعب القمار أو المبذر الذي يلاحقه دائنوه، ففي المخيلة الشعبية يكون العزاب المنحلون والعاهرات البغايا نماذج للإنفاق دون حساب، وفي الغالب يدمر أحدهما الآخر، ولكن الأشياء الفاخرة في عالمهم ليست كما تبدو في ظاهرها، بل هي عكسها، وهو ما يتضح من طاقم الأسنان الرديء الذي انكشف بموت «مارجريت جوتييه» في «غادة الكاميليا»، أما الشاب الأعزب الغندور المتأنق فيصبح شيئًا غير ذي قيمة، غير مرغوب فيه حينما يصيبه العجز.

يبدو الأعزب خارج نطاق الأعمدة الأساسية للاقتصاد العام للمجتمع، إذ إأن فكرة «الاقتصاد» نفسها مترسخة في العالم المنزلي، فكلمة "Economie" بالفرنسية مشتقة من كلمة "oikonomia" اليونانية، وأصلها "oikos" أي المنزل، وتعني إدارة المنزل أو التدبير المنزلي، إنه فن إدارة المنزل أو إدارته بحرص، فالاقتصاد يتمحور حول السيطرة، وفي بعض الأحيان التقليل من النفقات، وهو ما لا يبدو أن العاهرات والعزاب قادرون على تحقيقه من المنظور البرجوازي في ذلك العصر، ففي القرن التاسع عشر كان من الطبيعي رؤية العاهرات والعزاب مدينين بشكل ممنهج متسلسل تاريخيًّا فيما يشبه الموت الاجتماعي، وبالنسبة لـ«بلزاك»، و«شارل بودلير»، فإن الدين كان هاجسًا يوميًّا، ولم تكن المشكلة لهما تتركز فقط في كسب قوت يومهما من الأدب، ولكن أيضًا في تسديد ديون تتراكم يومًا بعد يوم.

وفي عام 1842، كتب «بلزاك» شاكيًا: «حتى الآن، وبالعمل مثلما أعمل، لم أستطع تسديد ديوني أو العيش كما يعيش الآخرون»، أما «بودلير» فكتب إلى والدته، عام 1858: «أعتقد -وبشكل جاد- أنني أستطيع تسديد ديوني خلال عامين لو قمت بعمل دءوب دون السقوط في الأوهام وفقدان التركيز»، ولكنه يعترف في نفس الخطاب: «ولكن رغم كل القرارات التي أتخذها يأتيني الشيطان متسللًا داخل رأسي مع كل صباح في هيئة الفكرة التالية: لماذا لا تأخذ يومًا من الراحة ناسيًا كل شيء؟»، ويضيف:«كل يوم أقول: سوف أفعل، ولكن فجأة تحدث كل الأشياء الطارئة»، وفي مذكراته يلخص «بودلير» طموحاته باقتضاب: «المجد، وأن أدفع كل ديوني.. ولكن حتى الآن لم أسعد برؤية خطة تتحقق». «بودلير» يثبت من جديد أن إنجاز عمله يتلخص في سداد ما عليه من ديون، أما «بلزاك» الروائي الذي لا يعرف الكلل أو التعب إليه طريقًا، وصاحب الخيال الذي لا ينضب له معين، فقد أمضى حياته بالعمل في شركات تبغ، على أمل الخروج من حلقة ديونه المفرغة. وقبل سنوات معدودات من أن يعرف هو أيضًا مصيرًا قريبًا من الشقاء، سخر «بودلير» من «بلزاك» في مقال بعنوان «كيف للمرء تسديد ديونه وهو لا يفتقر إلى العبقرية؟» بالقول: «ذلك العقل الشعري الممتلئ بالأرقام، كما لو كان مديرًا ماليًّا، هو نفسه الرجل الذي يعاني إفلاسًا أسطوريًّا في شركات وهمية غير حقيقية، لطالما نسي تلميع مكاتبها وإضاءة مصابيحها».

وكان أحد حلول «بلزاك» لتكوين ثروة، يتلخص في إيجاد راعٍ بنوايا مخلصة يراهن بأمواله على اسمه، ثم يقوم «بلزاك» بالعهدة إلى أحد زملائه الأقل موهبة بكتابة المقالات التي وعد بها، ومن خلال مقال «بودلير» اتضح كيف ساهم «بلزاك» في موسوعة «الفرنسيون يرسمون أنفسهم» لـ«ليون كورمر»(13)، كما أن «بودلير» نفسه اعترف بأنه كان يتعاقد على رواية واحدة مع أكثر من مؤلف لكي يحصل منهم جميعًا على مبلغ من المال على سبيل المقدم.

على النقيض من «بودلير» كان «بلزاك» يبيع اسمه في بعض الأحيان باعتباره رأس المال الوحيد الباقي له، بأن يسمح لناشرين بوضعه على بعض الأعمال دون أن يكون ساهم فيها فعليًّا، مقابل مبلغ من المال، بما أن الانحراط في كتابة الأعمال الأصلية لا يساعد في تسديد ديونه، فإنه يساهم في تزوير الأدب، كمن يقوم بتزوير العملة.

والدَّيْن الذي يضع صاحبه في أكثر المواقف غرابة ورومانسية، يفسح المجال لفائض أكبر من الخيال، فالكاتب المدين يفبرك القصص ويذر الرماد في العيون، ويتنكر في بعض الأحيان، مثل «بلزاك» الذي كان يوقع في بعض الأحيان على أعمال باسم مستعار.. «بلزاك» الغشاش كان يتصور بلا توقف عالمًا على طريقته الخاصة، حيث أكثر في «الملهاة الإنسانية»(14) من الشخصيات التي تعاني هاجس الدَّيْن مثله، ومنخرطة في شركات «مغالية ووهمية» من أجل الحصول على المال.

عند «بلزاك» نجد شخصيات مثل «لوسيان» و«راستنياك»، يمكنها الاعتماد على مساعدات أسرهم، ولكن طموحاتهم الضخمة تتخطى حدود ما يمكن أن يمنحه لهما والدان بقلب كبير وإمكانيات محدودة، ففي «روائع ومآسي العاهرات» نجد «الأعزب الغندور والمزور والعاهرة» وهي ألقاب أطلقها «بلزاك» على «لوسيان دو روبمبيريه وفوتران وإيستر» الغارقين جميعًا في الديون. إنه الدين الذي يستخدمه كنقطة انطلاق للمؤامرات الخيالية الدنيئة التي يقوم بها «فوتران»، ويشغل آلية السرد، فالثلاثي الجهنمي يستنزف ثروة تم الحصول عليها عن طريق الجريمة، لأنها في الأساس عهد بها أصدقاء «فوتران» إليه حينما كان في السجن، فلكي يتمكن «لوسيان» من إقامة حفل زواج باهر، اقترض 60 ألف فرنك واشترى أرضًا بمليون أخرى، وأصبح ثريًّا بأموال ملطخة بالعار، حيث استخدم «إيستر» كطُعم لخداع موظف مصرفي بأحد البنوك.

الدَّيْن هو أيضًا شكل من أشكال المضاربة بالنسبة للعاهرات، لأن تعريف الدعارة يندرج تحت بند من بنود الأنشطة العشوائية، فالعاهرات الشهيرات يستثمرن أموالهن في التجارة في الأشياء الثمينة، أو يبحثن دومًا عن زبائن جدد يتعين الحفاظ عليهم، ومن أجل استمرار النجاح يجب التظاهر بعدم الاحتياج إلى المال، والفتاة التي تمشط الشوارع كل ليلة بحثًا عن زبون تراهن على فرص نجاحها. إنها حلقة مفرغة يكاد يكون من المستحيل الخروج منها، إذ يجب خسارة مبلغ من المال على أمل ربح المزيد فيما بعد، ففي «فيسيولوجيا المومس» الذ ظهر عام 1841 لـ«موريس آلوي»(15)، نجد الدَّيْن المتسلسل أحد أهم ما يميز المومسات «فلنظهر إلى أي مدى هي مجبرة على إشباع من معها، فبسرعة كبيرة يتدفق بين يديها نهر من ذهب، وبمعنى أدق فلنظهر كيف تلتهم 1000 فرنك في ليلة واحدة»، علمًا بأن الأموال التي تكسبها البغيُّ لا تكفي لسداد ديونها، ولكن ليس أكثر من أن ما يربحه الكاتب الأعزب لا يسمح له بتوفيق أوضاعه.

الدَّيْن لا يضع المال فقط موضع رهان، فالمومس المدينة تكون دائمًا في موقف لا يؤدي بها إلا لأحد شيئين: إما أن تبيع نفسها، أو تستبدلها مقابل المال.. تلك الديون لا يتم تسديدها إلا غاليًا جدًّا، وذلك من وجهة نظر المجتمع البرجوازي، حيث إن الموت وحده كفيل بمحو تلك الديون.

ومن أجل التكفير عن حياة انحلال وضلال، ليس أقل من أن يضحي المرء بنفسه مجانًا، فالطريقة الوحيدة التي تتيح لـ«مارجريت جوتييه» التخلص من ذنوبها هي التألم كما يتألم الشهداء، فالمجتمع يدفع على جسدها، والقارئ الذي لا يمكنه شراء جسد امرأة مثلها تمكن منها في النهاية مقابل المال.

المومسات الكبيرات تعرفن نهاية بشعة وحيدة، تقبلن بها ثمنًا على ماضيهن.. «لم أكن أعلم أن الجسد يمكن أن يتألم هكذا.. يا إلهي! لقد مضت حياتي.. إنني أدفع اليوم ضعفين»، هكذا صرخت «مارجريت» وهي تنازع الموت بعدما أدار لها كل معارفها القديمة ظهورهم، واستولى حاجب محكمة على أموالها، فيما اكتشف «أرمون» احتضارها في وقت متأخر من خلال عشيقته، وعلى العكس من «نانا» فقد ماتت «مارجريت» بعدما اعترفت، وقال الكاهن الذي تولى مراسم موتها: «عاشت كخاطئة، ولكنها ماتت كمسيحية».

في «الجحيم»(16) لـ«دانتي»(17)، لا نجد المرابين في نفس الدائرة، ولكنهم في حظيرة قوم لوط الذين ارتكبوا جرائم مخالفة للطبيعة.

المرابي يخرق قوانين الطبيعة؛ لأنه يخلق فائضًا من المال انطلاقًا من لا شيء، والعاهرة التي تحول جسدها لدَيْن حي، مثل الكاتب المجبر على «الإنتاج» أكثر فأكثر من أجل أن يستطيع العيش، والأسوأ أن كلًّا منهما يجد المغفل الذي يساعده على إنجاز عمله، وكلاهما يتأمل في العدم، فالعاهرة التي لا تنتج شيئًا ملموسًا تبدو كمن يصنع الفراغ، والكاتب المدين يراهن على وعود بكتب سينتجها في المستقبل، وعلى سمعته التي تبقى له في بعض الأحيان الشيء الوحيد الذي يملكه، وإذا كان العاهرات والعزاب يضاعفون من علاقاتهم الاجتماعية غير الدائمة، فإنهم لا يمكنهم الاعتماد على المساندة المالية والأخلاقية والقانونية للأسرة والمجتمع، فالدين يضعهم في أدنى درجات الضعف، ويكشف عن العنف المتأصل في كل الأنظمة الاجتماعية.

في «أصل الأخلاق»، يرى «نيتشه»(18) أن فكرة العدالة قائمة على العلاقة الاقتصادية الأولية بين المقرض والمدين، وهو ما يُطلَق عليه خطأً «عدالة» أو«عقوبة»، تخفي -خارج أي نطاق أخلاقي- آلية اقتصادية بسيطة، فالعلاقة بين الدائن والمدين تضمن السِّلم الاجتماعي، بمقياس أن يكون لها القدرة على حماية نفسها بنفسها في المستقبل، والتي بدونها لا يمكن أن يكتمل أي تطور اجتماعي، حينما لا يستطيع ذلك الشخص الذي يعيش بالتقسيط أن يسدد ما عليه لدائنه، حينما يخل بعقده مع المجتمع الذي يحميه مقابل ذلك الثمن، وفي هذا الإطار كتب «نيتشه»: «غضب الدائن المصاب بالإحباط، يدفعه نحو حالة من التوحش التي كانت حتى لحظة إصابته بالإحباط محتواةً من قِبَل المجتمع.. فالعقاب، في هذه المرحلة من الحضارة، ليس إلا محاكاة لموقف عادي تجاه عدو خانع مكروه غير مسلح، لم يفقد فقط كل حق وأي حماية، ولكن كل أمل في النعمة والعفو».

المومس والأعزب، اللذان لا يقدمان للمجتمع نسلًا، يقترضان دون أن يكون لديهما القدرة على تسديد ديونهما، وبما أنهما لا ينجبان، فهما بذلك قاما بإلغاء ديون المجتمع لهما.

في «قاموس العلوم الطبية» يتساءل «جاك برتيون» [Jacques Bertillon]: «ألا يدين الشخص البالغ لعائلته بأفضل ما فيه؟ ألا يدين لها بحياته وتربيته وفضائله وتعليمه، وبجزء من ثروته على الأقل؟ وإذا كان يرفض أن يأخذ دوره في إنشاء أسرة، وإذا فضل البقاء أعزب، فهل يختلف في ذلك شيئًا عن مدين يرفض عمدًا سداد ما عليه، ويعلن أنه معسر مفلس تجاه المجتمع؟».

تعريف الأعزب إذن هو: رجل يرفض سداد ما عليه من ديون للمجتمع.

في فكر القرن التاسع عشر، العاهرات والعزاب يغلقون المستقبل حينما يضعون أنفسهم خارج نطاق الأسرة.. لا يملكون أطفالًا ولا يعملون على بناء مستقبلهم بصبر، ويكرسون حياتهم للعيش عكس الزمن، أو في فجوات منه، وفي مدينة كبيرة مثل باريس تعيش العاهرة حياة التشرد، تظهر وتختفي في الشوارع، وتنتقل من بيت دعارة لآخر، ولا تحتفظ بأغراضها الخاصة وقتًا طويلًا، فعلى العكس من الصورة المشاعة عن بيت الدعارة كسجن مدى الحياة، فإنه يبدو من شهادات معاصرين مثل «بارون دو شاتيليه» ومفتش الشرطة «ليكور»، أن الفتيات ينتقلن بسهولة من بيت دعارة لآخر، أو ينتقلن للعيش وحيدات.

بالنسبة للفتيات الأقل حظًّا، فقد تكون الإقامة في المستشفى أو في حجر صحي تعسفي، جزءًا من وجود غامضِ المستقبل، والعاهرات ذوات الحظوة يتنقلن باستمرار تبعًا لمواردهن واحتياجاتهن المالية، وكان الاندهاش غير قليل حينما تختفي عاهرة عن الأنظار لفترة طويلة، أو حينما يغيِّبها الموت؛ ذلك لأن الدعارة جزء من وقت حلم عشوائي، أو من كابوس.

غير أن حياة الأعزب البوهيمي غالبًا ما تكون أقل استقرارًا من حياة فتاة الشارع، ففي رسالة لوالدته كتب «بودلير» غاضبًا: «في شهر واحد اضطررت أن أغير مسكني 6 مرات.. أنام في عشش بين البراغيث، وفي أفضل الأحوال يُلقَى بي من فندق لآخر».

وحينما يقرر أعزب وعاهرة العيش في سكن مشترك فإنهما بذلك لا يشكلان زوجين، بل هي مزيد من العزلة تُضاف لعزلة أخرى، ويفعلان ذلك بدافع العوز. في 12 ديسمبر 1856، قام الأخوان «جونكور» بزيارة للشاعر «تيودور دو بان فيل» [Théodore de Banville](19)، الذي كان مقيمًا برفقة الممثلة المومس «ماري دو بران»، ورغم تمسكهما الشرس بالعزوبية، فإنهما كانا في غاية الحزن من هذا التعايش غير المستقر، لدرجة ندمهما على مميزات الزواج البرجوازي، وهو ما دفعهما لكتابة السطور التالية:

«لست أدري ما الذي يشعر به المرء في حياة مضطربة مزعجة تعذب صاحبها بالديون وبالتنقل من مكان لآخر.. أسرة تفرضها الصدفة.. لست أدري أي حزن وأي كرب وأي معارك تخبر بها هذه الجدران الصامتة! لا شيء مبهج على الإطلاق. أفراد الأسرة البرجوازية هم أسعد الناس ولا شك، إنهم ينتقمون في كل لحظة من أولئك الذين يظنون أنفسهم يعيشون حلم الكتابة والإبداع.. أي سعادة يحظى بها المرء في تلك العزلة المزدوجة مع فتاة؟!!».

وبحزن بالغ اختتم آل «جونكور» كلامهم بالقول: «الحياة الرهيبة التي يعيشها هؤلاء الناس هي بكل تأكيد خارج نطاق الأسرة، وخارج نطاق المعنى العام للحمقى والأدعياء والأغنياء».

الزوج الهامش، المشكّل من الفتاة والفنان، يُكمل -على النقيض- انتقام المجتمع البرجوازي من البوهيمية الفنية والأدبية، فالأخوان «جونكور» عاشا لفترة، وعلى غير المعتاد، مع أمهما كأسرة لم يكن فيها من البرجوازية سوى سبل الراحة، ولكن هذين الأعزبين المرتبطين بالحياة معًا، يشكلان على الأقل أسرة من وجهة نظرهما، وما صدَّهما في حياة «تيودور دو بان فيل» و«ماري دو بران» معًا، هو تدمير البناء الأسري وحالة اللااستقرار المسيطرة عليهما، فالعزوبية لا تنكر الأسرة بالضرورة، ولكن العزوبية المرتبطة بالدعارة تتمركز دون أدنى شك خارج نطاق الأسرة.

في رواية «مارتا» لـ«أويوسمانس»، انتهى المنزل الذي كونه الشاعر الشاب «ليو» والعاهرة «مارتا» بأن أصبح شيئًا لا يُطاق للشاعر الشاب، فهذا «اللصق»، كما كان يُطلق على مثل هذا النوع من التعايش، لا يقدم أي ميزة من مميزات الزواج البرجوازي، فيما ينتج كل ما فيه من مساوئ يومية: شجار لأتفه الأسباب، مشاكل بسبب المال، عدم تناغم في الأفكار، فالفتاة «مارتا» لم تكن تتفهم الطموح الأدبي للشاعر «ليو»، وبعيدًا عن علاج وحدة ذلك الشاعر، فإن إقامته مع تلك الفتاة جعل حياته أكثر ألمًا وأكثر عقمًا، وانتهى الأمر بـ«ليو» بأن أنهى ارتباطه بـ«مارتا» ثم قرر الزواج على الطريقة البرجوازية.

هشاشة ارتباط الأعزب بالعاهرة ليست فقط على المستوى المادي، ولكن على المستوى الميتافيزيقي أيضًا، ويبدو وجودهما معًا ضعيفًا، ليس بسبب افتقادهما للموارد فقط، ولكن لأنهما يجدان أنفسهما على اتصال دائم بالموت وفقدان الأمل والجنون.

في القصيدة النثرية التي كتبها «بودلير» بعنوان «الآنسة بيستوري»، يصعد الشاعر إلى مسكن الفتاة التي قابلها ليلًا بمحض الصدفة في أحد شوارع الضواحي الباريسية، ليكتشف أن الفتاة لديها هوس جنوني بالأطباء، وحلمها أن يكون لها عشيق جراح يرتدي معطف الأطباء الملطخ بدماء مرضاه، وهنا سُقط في يد «بودلير»، وأصابته دهشة عارمة من تلك الميول السادية، فتوجه إلى الله قائلًا:

«يا أيها الخالق!
هل يمكن أن يكون هناك وحوش بهذا الشكل؟
وكيف وُجدوا؟
هل كان من الممكن ألَّا يوجدوا؟».

وتنتهي القصيدة دون أن نعرف ما الذي حدث للآنسة «بيستوري» أو للشاعر، الذي اتضح من خلال الأضواء الضعيفة في غرفة الفتاة أن وجوده معها لن يطول.

فتاة شارع مثل الآنسة «بيستوري» وأعزب ملعون مثل «شارل بودلير»، كان من الممكن ألَّا يكونا في الوجود من الأساس، ومع ذلك تبقى حياتهما، رغم أية مظاهر، واقعًا وحشيًّا وانحرافًا مؤقتًا عن القوانين الطبيعة، فحينما تكون هذه الحياة بلا ذرية، ويختفي أصحابها ويعودون إلى العدم بمجرد موتهم، لا يمكن تفسيرها إلا بأنها ملهاة أو مزحة من الخالق، فهي تأتي من لا شيء وتنتهي إلى اللامبالاة، فتلك الحياة العارضة في قناة الجيل ليست مخصصة للبقاء أو للإنتاج.

حتى قبل أن يتم النظر إليها باعتبارها مؤسسة اجتماعية، فإن الأسرة آلية مؤقتة، فطبقًا لقاموس «لاروس» العالمي الكبير في القرن التاسع عشر: «الأسرة مستمدة من مبدأ طبيعي عام وضروري، وهو المحافظة على النوع، فمن وجهة نظر أنها استمرار للنوع فإنها بذلك تكون الحلقة الأولى في السلسة الإنسانية العظيمة».

واعتمد تعريف «لاروس» على الرأي القانوني لـ«بورتاليس»(20)، الذي يرى في الزواج قبل أي شيء: «مؤسسة ينشئها الرجل والمرأة، ويتحدان فيها من أجل استمرار النوع»، أما عن السعادة التي يحق لكلا الزوجين أن ينتظرها كل منهما من الآخر فهو لم يأت على ذكرها البتة، فالزواج ليس هدفه إشباع الرغبات الفردية، ولكن تحقيق مصير مزدوج على الصعيدين البيولوجي والاجتماعي في نفس الوقت.

موت رب الأسرة مثل الزواج، إذ إنه أيضًا يحقق الحفاظ على نسل من النوع البشري، من حيث إنه يضمن أن جيلًا جديدًا سيرث ما تركه جيل سابق، وبالتالي فلن يكون محرومًا، إنه (موت رب الأسرة) يُعد حلقة من سلسلة طويلة تتميز بها الاحتفالات البرجوازية في القرن التاسع عشر.

الزواج الذي يقسم الوقت إلى «قبل» و«بعد» هو -بلا شك- الحدث الأهم في الحياة الخاصة، فالزواج يمنح الاستقرار، ويسمح ببناء اسم، ويُكسب صاحبه الاحترام، حيث إن البقاء كشاب عجوز أو كفتاة عانس خارج نطاق الأوامر الدينية، فهذا يعني أن المرء بنفسه يدين نفسه.

في مذكراتهم يقارن الأخوان «جونكور» الزواج بما أسمياه «القضاء المتمدد»، مقابل القضاء الجالس في إشارة للقضاة، والقضاء الواقف في إشارة لممثل الادعاء، ويضيفان: «جلال الزواج وبهاؤه يعطيان الرجل مقعدًا ووظيفة وقوة»، ثم يأتي بعد ذلك الميلاد والتعميد والتناول ودراسة الأطفال، ثم الموت والدفن. كل تلك الأحداث تقرها سلطات مدنية أو دينية، حيث تقارب بين أعضاء الأسرة الواحدة، وتجعلهم يمارسون دورهم كما ينبغي لأفراد العائلة، وهم بذلك يحفظون ويعززون الروابط بين الأجيال، ويؤكدون على استمرارية الماضي والحاضر والمستقبل.

الزمن لدى الأسرة مرتكز دومًا على الإعداد للمستقبل، وما يهم أفرادها قبل كل شيء هو نقل تراث ثقافي واقتصادي لذريتها، ففي القرن التاسع عشر أصبح الطفل يحظى بأهمية أكثر فأكثر، حيث باتت العناية أكبر بصحته وتربيته وأخلاقه، كما كان هناك نوع من الرقابة على ميوله الجنسية، فضلًا عن العمل على دمجه في الحياة الأسرية وتجهيزه للاضطلاع بمسئولياته، وبحسب ما لاحظه أحد المتخصصين في مجال الفسيولوجيا: «لم يعد الطفل كما كان في السابق عضوًا بلا تأثير، بل أصبح له احترام موازٍ لاحترام رب الأسرة»، غير أن احترام الابن في الأسرة البرجوازية بالقرن التاسع عشر ينبع أولًا وأخيرًا من كونه يحمل صفة الوريث، والمشرع ضمن له هذا الدور أولًا، صانعًا منه وريثًا شرعيًّا للتراث، وحارمًا أبويه من إمكانية تجريده من هذا الحق، ويتمثل دوره في تلقي الإرث الثقافي والاقتصادي للأسرة، وضمان نقله للجيل التالي، كما أن عليه أن يضمن استمرار اسم العائلة، يقول «ستندال» عن والده في «حياة هنري برولار»(21): ولكي يتمكن الطفل من تلقي إرث عائلته، يتوجب على الأب والأم توظيف وقتهما بشكل جيد، بدلًا من إهداره في أنشطة بلا قيمة، فالوقت في حد ذاته ثروة لا تقدر بثمن، يجب الاستثمار فيه وادخاره والحفاظ عليه، من خلال الاطلاع على كتب في الحسابات وفي العقل والمنطق، وفي قراءة جرائد يومية تكشف التفاصيل المفيدة في الحياة اليومية.

حياة العاهرات والعزاب تقلب رأسًا على عقب مفهوم الوقت الذي حدده المجتمع البرجوازي، فبالتنازل عن الوقت المحدد للعيش عمومًا مقابل الاستمتاع باللحظة الراهنة، يبدو هدفهم قتل الوقت بدلًا من استغلاله، ففي قصيدة نثرية بعنوان «مطلق النار الغندور» لـ«شارل بودلير»، يقول هذا الأخير عن الوقت: «اقتلوا هذا الوحش.. أليس هو الاحتلال الأكثر شرعية لكل منا؟!»، وفي «الفرنسيون يرسمون أنفسهم» يؤكد الصحفي «تاكسيل ديلور» أن العاهرة والفنان البوهيمي يتشاركان نفس الكسل، ويضيف: «المغازلة والتودد للنساء أصبحت اليوم طريقة لقتل الوقت، ونمط عيش الفنان».

ولا يتم النظر إلى العاهرات باعتبارهن نساء غير ذات قيمة، فقط بسبب أخلاقهن، ولكن لأنهن يعشن اليوم بيومه دون التفكير في الغد، وهو ما يفسر الدين الذي يسلسلهن طوال الوقت، فهن يصلن لمصيرهن أسرع من النساء الأخريات، ويلتهمن المستقبل في الحاضر.

«بارون دو شاتيليه» يوضح: «من الصعب الحصول على فكرة ما من خلال روح الطيش والجمود التي تميز العاهرات، كما أن من الصعب دفعهن لاتِّباع منطق عقلاني، فأتفه الأشياء تلهيهن وتطغى على تفكيرهن، ألا يمكننا من خلال فهم الروح المسيطرة عليهن وافتقادهن البصيرةَ فهمُ كيف أن القلق من الغد لا يشغل تفكيرهن؟ وتلك اللامبالاة التي يتحدثن بها عن مصيرهن في المستقبل؟

في «جلد الحزن»(22)، وفي أثناء انعقاد وليمة كبرى، سأل أحد المدعوين المومس «أكيلينا» عما إذا كانت تفكر أحيانًا في المستقبل، فأجابت ضاحكة: «المستقبل؟! ولِمَ أفكر في شيء لم يوجد بعد؟ إنني لا أنظر قَطّ خلفي ولا أمامي، أليس كافيًا أنني أهتم بيومي؟».

العاهرة ينحصر أفق حياتها في الحاضر، فغالبًا ما يكون نمط الزبون الذي تبحث عنه، الأعزب صاحب الميول الطفولية الذي يريد أن يقضي كل وقته في اللهو والمرح، ويجد متعته في الطعام الجيد. فيما لم يكن متخيلًا بالنسبة لامرأة من المجتمع الراقي، أن تذهب لمطعم مع رجل ليس زوجها، أما النساء المتأنقات اللائي لا هم لهن سوى متع الحياة فكن يجبرن أزواجهن على عشاء باذخ على طريقة الأعزب الطفولي.

نعود مرة أخرى للوليمة الكبيرة في «جلد الحزن» حيث أحد الشخصيات الرئيسة وهو «رافائيل دو فالانتان»، الذي كان متعايشًا مع كتاب وصحفيين ورساميين وموسيقيين ونحاتين، ومن بين النساء لم يكن هناك سوى عاهرات مثل «أكيلينا».

في القرن التاسع عشر كان الجميع يعتبر العاهرات شرهات «آكلات اللحم النيئ» بالمعنى الحرفي للكلمة، فضلًا عن زيادة الوزن التي كانت نتيجة طبيعة لحياة مترفة من الكسل، ولم يتوقف «زولا» عن تصدير هذه الصورة عن «نانا» التي كانت تلتهم ثروات عشاقها الواحد تلو الآخر، وإذا كانت العاهرات عُرفن بلقب «آكلات اللحم النيئ»، فإن القوادين حصلوا على لقب «آكلي اللحم الأبيض». هؤلاء العاهرات الشرهات النهمات «آكلات اللحم النيئ» كانت سمعهتن تتلخص في أنهن ينفقن بسرعة كبيرة كل ما يكسبنه، ولاحظ «بارون دو شاتيليه» أن العاهرات تحب الأشياء الجميلة غير الأساسية، والتي تزول بسرعة مثل الورد والعطور والمجوهرات.

في «مشاهد من حياة البوهيمي»، لـ«هنري مورجر»(23)، نجد العاهرة «ميمي» التي أصيبت بالسل، كانت نموذجًا في التفاهة الصبيانية حتى وهي على مشارف الموت، فقد أوقفت السيارة التي كانت تُقِلُّها إلى المستشفى من أجل مشاهدة معروضات في أحد المحلات وطلبت من عشيقها «رودلف» أن يشتري لها بعض البنفسج وبعض الحلوى!

سحر المجوهرات والعطور ومعاطف الفراء باهظة الثمن، تتقاسمه العاهرات مع «بودلير»، ذلك الشغوف المهووس بكل ما يخص النساء، وبالعالم النسائي المشبع بالروائح والألوان وأصوات حفيف التنورات ورنين المجوهرات.

افتنان «بودلير» بهؤلاء النساء، الذي يعكس إليه صورته الخاصة كما لو أنه يقف أمام مرآة، ليس حسيًّا فقط، وبشكل أكثر عمقًا هو افتنان مرتبط بسحر المكان، فكل ما يخص المرأة في عالم المومسات يعيد في الحاضر إحياء ماض من الجنة حيث اللهو والفراغ ومظاهرهما يحلان محل العمل والألم.

فتيات هوى وفنانون يتركون أنفسهم لأحاسيس تنسيهم مصيرهم المستقبلي، الذي عادة ما يتمحور حول المرض القاتل والموت المبكر.. «بودلير» الشاعر الغندور، يطالب، تحت مسمى الرفاهية، أن يعيش في كسل دائم تلك الصفة المنسوبة دومًا للعاهرات، وفي مذكراته الخالدة يقول: «بفضل الرفاهية كبرت جزئيًّا. وبينما كان لذلك ضرر بالغ عليَّ، لأن الرفاهية دون ثروة تزيد الديون، وعن تلك الديون تنتج شتائم وإهانات، فقد استفدت كثيرًا وبدرجات متفاوتة على مستوى الإحساس والتأمل، ورفع كفائتي كغندور يوقع بالنساء وكمحب للفن».

ذلك الوقت المهدر في التأمل والكسل، وفي بعض الأحيان في الملل، وعادة ما يتخلله إنفاق فيما لا طائل منه، هو وقت الحلم بالشعر وبالدعارة، وإذا كانت الدعارة هي بالإجماع مصدر دخل النساء اللائي لا يردن العمل، فإن الإبداع الشعري مرادف لاشمئزاز بلا حدود، ومدعاة للفخر عند الكتاب الأكثر حداثة، وكان «بودلير» يطلق على الأدباء في عصره «جاهلون حقراء يعملون بكد وجد».

في وقت لاحق كتب «رامبو» [Rimbaud](24)، «موسم في الجحيم»، وهو عبارة عن مجلد شعر نثري، جاء فيه «أُكِنُّ الكراهية لكل المهن، معلمين وعمالًا وفلاحين.. جميعهم حقراء تافهون.. يد تمسك القلم، تعادل يدًا على المحراث».

في مواجهة جحافل العمال المكافحين المنضبطين الذين يبذلون عرقًا ودمًا من أجل كسب قوت يومهم، يحلم الشاعر الطليعي بعالم لا يوجد به أي أثر لكدٍّ وتعب، بما في ذلك آلام الوضع والولادة، والعمل الشعري يجب أن يعطي إيحاءً وهميًّا بأنه خلق نفسه بنفسه كما لو كان برز من العدم، بعيدًا عن أي شكل من أشكال الإنجاب، فهو حينما يظهر يكون نتيجة ليلة إعجازية وليس نتاج يوم عمل اعتيادي.

في حقيقة الأمر، إنه ابتداءً من اللحظة التي لا يحاول فيها الفنان أن يجعل من الوقت شيئًا مربحًا بالنسبة له، فإن الوقت ينفتح له، «ستندال» يوضح في «ذكريات الأنانية»: «لطالما عشت وما زلت أعيش اليوم بيومه، دون أن أفكر في الغد بأي شكل من الأشكال، وتقدم الوقت ليس له علامة إلا يوم الأحد، وفيما عدا ذلك أشعر بالملل وآخذ كل شيء على محمل الشر».

الأعزب يعيش في وقت لا شكل له، فوضى بدائية وفضاء فسيح بلا معالم، والعاهرة الجميلة الكسول تعطي أيضًا انطباعًا بأن لديها القدرة على جعل الوقت معلقًا، وحينما نتساءل عن الأنشطة التي تمارسها العاهرات حينما لا تمارسن عملهن، فإن «بارون دو شاتيليه» يجيب: «يمكننا أن نؤكد دون أدنى شك أن عاهرات القرن التاسع عشر لا يفعلن شيئًا على الإطلاق ويُمضين وقتهن في الكسل والإهمال».

ولكن هناك سبب ملموس لهذا، فبما أن العهر نشاط سري ليلي، فلا يبدو للعاهرات نشاط يومي أثناء النهار، فهي تستريح حينما يبدأ العمال يومهم، وتعمل بينما هم يستريحون من يوم عمل شاق.

في اللهجة العامية كانوا يطلقون على العاهرة «جميلة الليلة الواحدة» أو المرأة التي «تقلب ليلها نهارًا»، فهي تعمل بشكل عكسي الوتيرة، ملغية كل الحدود ما بين وقت العمل ووقت اللهو والفراغ، ومدمرة لمفهوم العمل طوال الأسبوع الذي يعقبه راحة يوم الأحد، ففي «الساعات الباريسية» يضع ألفريد ديلافو [Alfred Delvau] العاملات الشجاعات اللائي يعملن كخياطات وبائعات زهور وغسالات، واللائي يستيقظن في الصباح الباكر للذهاب إلى عملهن، في مقارنة عكسية بالـ«سيدات الصغيرات» وهن خارجات، في السادسة صباحًا، من المراحيض النسائية العامة ذات الضوضاء الصاخبة بعدما عدلن من ملابسهن وزينتهن، ومن حظائر السيارات بعدما قضت كل منهن ليلتها مع رجل مختلف في سيارة ما أو على رصيف ما.

في وقت، كان خلاله أكثر الناس تواضعًا، له مظهران: أحدهما للعمل والآخر ليوم الأحد، فإن «المراحيض ذات الضوضاء» الخاصة بالعاهرات، التي يتحدث عنها «ألفريد ديلافو»، تبدو وكأنها مراحيض مخصصة ليوم الأحد، وهي تبدو وكأنها تعمل دائمًا أو أنها لا تعمل أبدًا، وكما يوضح «ديلافو» فإن «طريق العمل مليء بالشوك وطريق الواجب له عطره»، وأشجار الزنابق التي تزين حي «بريدا» الباريسي كان لها عيب مزدوج، فهي تنمو وتتكاثر ولكنها لا تزين المكان.

وذلك النقد الذي كان موجهًا للعاهرات كان مستخدمًا أيضًا ضد المرابين، فأموالهم كانت تزداد وتنمو اعتمادًا على ديون الآخرين دون أن يقدموا شيئًا مفيدًا.

بتقليدهن نساء الأغنياء غير المجبرات على العمل، ابتكرت العاهرات وعدًا بأحد أبدي خادع، وسبت للضلال والانحلال، ففتيات الهوى يتزينَّ ويهيئن أنفسهن بعناية، ويعطين زبائنهن وهمًا بأن هناك عملًا دون كدّ ومشقة العمال، ودون مخاطر ومخاوف الأمومة.

الفتاة التي تقيم في في بيت دعارة، تحصل فيه على الإقامة والمأكل والملبس، مقابل عبودية جنسية دائمة وديون لا تنتهي لصاحبة المنزل.. مثل السجن أو الملجأ، هكذا هي بيوت الدعارة التي تسمح لها السلطات بممارسة نشاطها، إذ إن الفتيات اللائي يعملن بها يكنُّ في مأمن من الموت جوعًا أو بردًا، ففي رواية «الفتاة إيلزا»، يمنح بيت الدعارة الصغير الواقع في أحد الأقاليم الفتيات المقيمات فيه سكنًا مريحًا مقارنةً بالجحيم الحقيقي الذي أتت منه «إيلزا»، إذ كانت والدتها السيدة المتدينة الحكيمة تعمل في إجهاض وتوليد الحوامل، فكانت تعرض ابنتها يوميًّا لصراخ لا يُطاق جراء آلام الوضع والإجهاض، فضلًا عن مشاهد الدم والأقمشة التي يتم تعبئتها بالقاذورات.. كل تلك المشاهد لم تغادر مخيلة «إيلزا».. «فحينما يكون عملك انتزاع طفل أو تركه يمر، لهو شيء بشع أكثر من كونه محفوفًا بالخطر»، كما تقول والدة «إيلزا»، وعلى النقيض فإن الدعارة حررت «إيلزا» من قلق وآلام الطبقة العاملة: «إيلزا أصبحت متحررة من حياة أمها، حياتها باتت أكثر أمنًا.. الغد.. الغد.. ذلك الهاجس الذي يشغل بال الطبقة العاملة، لم تعد بحاجة لأن تفكر فيه قط.. والنساء اللائي يعشن معها في نفس البيت لا يضربهن رجال، ولا يبحث البؤس عن أي من زميلاتها في المنزل، وكل الرجال والنساء الذين تحتك بهم في غاية اللطف، وهي لا تعاني في الحصول على أي من الوجبات الثلاث«.

ورغم أن كل النساء العاملات في هذا المنزل كن في الأصل فلاحات فقيرات فإن مظهرهن يوحي بأنهن من طبقة أعلى، ولا يحتجن لتلويث أيديهن بحثًا عن لقمة العيش.

في الفكر البرجوازي، تتهرب العاهرة من التزامات العاملة المتزوجة وربة الأسرة، فهي ليست مجبرة على نفس التضحيات ولا تُنهك في عمل مقابل أجر بخس، ولا يقتلها القلق من أجل أطفالها، وبسبب ذلك لا نجد من يشتكي ويحزن من أجلهن في حال المرض أو الموت، فحياتها الجنسية الفاحشة يُنظر إليها على أنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، وهي تثير السخط أكثر من مظهرها الكسول اللامبالي، ففتاة الهوى التي تنكر عالم العمال والحرفيين، الذي بفضله ظهرت إلى النور، لا تؤمن بالغد الذي يتغنون به، وتبذل كل ما في وسعها لتثبت أن المستقبل لن يأتي، وأن المال لا قيمة له.

إذا كان القرن التاسع عشر لديه شعور بتحقيق الدعارة والعزوبية تقدمًا؛ فذلك لأن العاهرات والعزاب يجسدون حالة من الشذوذ المؤقت غير المفهوم، الذي ينمو ويزداد دون أن يتكاثر، ويبدو أنهم مرتبطون بعلاقة نرجسية تثبتهم في الحاضر وتمنعهم التفكير في المستقبل، وإذا كنا نتخيل أن رفض فتيات الهوى لفكرة الغد يحدث بشكل لاشعوري، فإن رفض النسل والذرية هو محض اختيار فلسفي عند العزاب، فالمومسات يتظاهرن بعدم معرفة أن المستقبل موجود، بينما الكتاب العزاب تسكنهم فكرة أنه لا يوجد مستقبل فعلًا، وهو ما يعني أنهم لا يفكرون إلا في العدم.

وبالنسبة للفنانين هناك فكرة أخرى تسكنهم غير فكرة النسل، وهي فكرة الخلود الأدبي التي كانت إشكالية القرن التاسع عشر، فالمجتمع كان يقبل رفض الفنانين العباقرة للإنجاب واستمرار النوع، تحت مسمى المجد الفني، وتحت هذا الغطاء كان البرجوازيون يتفهمون وجود البوهيميين ويقبلون بمبررات مظهرهم الكسول اللامبالي.

منذ ظهور البوهيمية الرومانسية، وأعمال الدكتور "Moreau de Tours"، التي درست العلاقة بين الإبداع الفني والمخدرات والجنون، والفكرة القائلة بأن الفنان العبقري محكوم عليه بالعزوبية بحكم حياته المهمشة، أصبحت مبتذلة من كثرة تكرارها.

في قاموسه العالمي الكبير بالقرن التاسع عشر، يؤكد «لاروس» أن العزوبية المضرة لأغلبية الناس، مفيدة للمفكرين والفلاسفة وللفنانين: «يحتاج الأديب إلى إثارة لا يمكن أن تمنحه إياه الحياة الزوجية الروتينية.. للبرجوازيين العقل والأطفال، أما الكتاب فهم في معضلة كبيرة: الكتب أو الأطفال«.

«جول لافورج» [Jules Laforgue] يلخص تلك المعضلة في قصيدة فكاهية بعنوان «حالة بطلان»، حيث يوضح فيها أن الفنانين الراديكاليين، الذين لا يرضون عن أعمالهم بسبب أنهم لا يستطيعون التعبير فيها بوضوح عن أفكارهم، يرفضون إطلاق أسمائهم عليها، إنهم يميلون إلى التبرؤ من إبداعهم الشخصي كأب يرفض الاعتراف بابن غير شرعي.

وفي سبتمبر من عام 1846 كتب «فلوبير» إلى «لويز كوليه» [Louise Colet]: «من الأفضل ألَّا يكون لي ذرية.. اسمي المظلم سينطفئ معي.. والعالم سيمضي في طريقه كما لو أنني لم أترك أثرًا لامعًا.. إنها فكرة تروق لي أكثر من فكرة العدم المطلق الذي سأذهب إليه».

لا شك أن ذلك يشكل نوعًا من مشاعر جارفة، ولكنه يمثل عجزًا لا مثيل له تجاه المستقبل، فبالكاد حينما بدأ اسمه يعرف الطريق إلى الشهرة، قام الشاب «فيرلين»(25) بعمل دراسة هامة خصصها للحديث عن «بودلير» وشعره، وحينها كتب هذا الأخير لوالدته بأنه لا شيء يرعبه بقدر فكرة مدرسة «بودليرية».. مدرسة مكونة من تلامذته ومريديه التي تنشئ دائرة أسرية تتمحول حول رمز أبوي، بينما «بودلير» الذي يريد البقاء ثابتًا راسخًا في وقت جامد لا يتحرك، يمقت فكرة النسل والإنتاج.

«رامبو» أيضًا يشكل عبقرية فذة متمردة على نسلها الأدبي، ولكنه حينما كان يعيش في إثيوبيا، كان مهمومًا بفكرة امتلاك ذرية من لحم ودم أكثر من اهتمامه بفكرة التعريف بإنتاجه الأدبي، وتقليد أولئك البرجوازيين الذين كان يمقتهم أكثر من أي شيء في حياته، وبشكل هزلي كان يسخر من ماضيه البرجوازي، وبات يخطط لمستقبل يكون فيه متزوجًا ولديه طفل لن يتركه ليدرس الأدب ولكن العلوم، وفي عام 1883 كتب «الرجل ذو النعال من الريح»(26) من مدينة «هرر» الواقعة شرق إثيوبيا إلى عائلته: «للأسف!! ماذا يفيد الرواح والمجيء والمغامرات في بلدان غريبة؟ بمَ يفيد تعلُّم تلك اللغات التي نحشو بها أدمغتنا؟ بمَ يفيد ذلك الألم الذي لا أجد له اسمًا، إن لم أجد يومًا ما بعد سنوات من الشقاء مكانًا يعجبني، أكوِّن فيه أسرة ويكون لي على الأقل ولد أنقل له خبراتي ليكمل من خلالها حياته؟ ليصبح مهندسًا ذائع الصيت أو رجلًا غنيًّا قويًّا ذا نفوذ بالعلم».

«رامبو» الثاني، الإثيوبي، ذلك الشخص الذي يريد أن يغتني ليُنشئ أسرة ويكون له ذرية، مختلف تمام الاختلاف عن «رامبو» الأول، الشاعر الذي كان يناضل للإطاحة بالأيديولوجية البرجوازية، رافضًا بشكل قاطع مفاهيم العمل والأسرة.. إنها قمة السخرية، فالشاعر «رامبو» نجح بأثر رجعي في إحداث ثورة في الأدب، عمل من المفترض أنه في غاية الصعوبة، بينما فشل في العمل الأكثر سهولة، عمل أنجزه كثيرون غيره ولا يحتاج لعبقرية: ألا وهو الزواج وإنجاب الأطفال.

في القرن التاسع عشر، كان الكاتب الطليعي يتخيل أن إنتاجه الأدبي، ليس استمرارًا للتقاليد، وليس كذلك استمرارًا لاسمه الشخصي، ولكنه قطيعة مطلقة مع الماضي، وبلورة للحظة حاضرة لا يمكن تقليدها ولا يمكن إعادة إنتاجها، فهذا العمل يمكن فصله تمامًا عن صانعه، كما أن صانعه نفسه يمكنه أن يتبرأ منه تمامًا؛ ولهذا السبب تنكر الحداثة أساليب الكتابة التلقليدية، وفكرة الإنتاج باسم استمرار النوع، فالعقم إذن يصبح نموذجًا فنيًّا بدلًا من أن يكون إحباطًا.

في «الغثيان»، يقف «روكانتان» على قمة أحد التلال ناظرًا باحتقار إلى جمع من البرجوازيين الذين يتنزهون يوم أحد، قائلًا: «يتمشون في سلام، وإن كانوا كئيبين بعض الشيء، إنهم يعتقدون في الغد، وفي إشراقة شمس يوم جديد.. إنهم حمقى! وما يثير اشمئزازي أنني سأنظر في وجوههم المنتفخة المطمئنة.. إنهم يصدرون تشريعات، ويكتبون روايات شعبية، ويتزاوجون، ويصلون لقمة الحماقة بإنجابهم أطفالًا!».

تكوين أسرة يماثل إنتاج أعمال ديماجوجية، فما هو المفيد في إنجاب أطفال وكتابة روايات شعبية (وليست شعبوية) عند الطبقة البرجوازية؟

الأعزب، الذي جعل من نفسه منبوذًا بمحض إرادته، يرى أن الحياة برمتها شيء لا لزوم له، والسلاح الحاد المصوب ضده يعيد توجيهه في الاتجاه المعاكس، حيث يدين الحياة عديمة القيمة للبرجوازي المتزوج العامل رب الأسرة، إذ إنه بحجة التجهيز للمستقبل يُحكم على البرجوازي بالعيش في حاضر كئيب مثله تمامًا، فالبرجوازي تسير حياته تحت شعار المفيد وليس الجميل، فبالتالي هو لا يبدع شيئًا ولا يخترع شيئًا ولا ينتج شيئًا، وبالنسبة للأعزب فإن النسل لا يضمن إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المستقبل سيكون تكرارًا للحاضر بنفس ما فيه من غثيان، فتبذير البرجوازيين كان بالفعل يثير «الغثيان» من وجهة نظر الأعزب، الحياة نفسهًا فائض وتبذير وبذخ لا لزوم له، والعقم هو السبيل الوحيد للسيطرة على كل ذلك.. في «العد التنازلي» لـ«أويوسمانس» يصرخ «ديزاسانت»: «ما هذا الجنون المتمثل في إنجاب صغار؟! آه!! إن لم يكن باسم الشفقة يجب القضاء على الخلق الآن، فمتى سنفعل؟!!.».

الفنان الأعزب الذي تسكنه مثالية العقم، يعبر عن «اعتراض العقل على الرحم»، كما كتب «فلوبير» لصديقه «إيرنست فايدو» عام 1859، وفي نفس الخطاب هاجم بشكل مقذع الأم التي كان عصره يعتبرها مثالية، مضيفًا: «عبادة الأم من الأشياء التي ستجعل الأجيال المستقبلية تنفجر ضحكًا من تلك الحماقة».
بعد ذلك بعدة أسابيع كتب «ميشيليه»(27) قصيدة غنائية بعنوان «عن الحب»، الذي كان هدفًا لسخريته اللاذعة: «إنه لا يتحدث إلا عنه، ولا يحلم إلا بفتحة المهبل والثدي.. والرضاعة والرباط المقدس.. إنه تأليه الزواج وجعل الفساء الزوجي شيئًا مثاليًّا.. إنه الهذيان الناجم عن تناول مرقة الخضار!».

على النقيض، فإن جسد الأم، الذي يتسخ لا محالة، والذي تسيل منه دفقات من الدم واللبن، يوحي بالاشمئزاز، بينما العاهرة التي يمكن لآثار أمراض افتراضية أن تطفو على وجهها، يمكن معالجتها بأدوات الزينة، تقدم ظاهريًّا وجهًا فظًّا أملس عقيمًا، فلم تعد العاهرة إذن المرتبطة بالقمامة، وإنما الأم التي طالتها القذارة بفعل ابنها، وجسدها الذي تحول لوحل صمغي لزج.

يؤكد «أويوسمانس» أن الزواج يؤدي لأحد شيئين: إما أن تخون المرأة زوجها، أو ألَّا يحدث هذا بفضل العديد من الكوارث والعيوب المتأصلة في السيدات المنحدرات من الطبقة البرجوازية الصغيرة، واللائي هم في الغالب متوعكات مريضات ويعانين من ضعف مزمن بسبب كثرة الحمل والولادة، كما أنهن لا يمنحن أزواجهن إمكانية الجنس غير المشروط كالعاهرات. القدرة على تكرار الفعل الجنسي المتاح دومًا دون السقوط في فخ الإنجاب المقزز، هذا ما يردده الأعزب المتعجرف دومًا، وهناك نكتة شهيرة متداولة عن «موباسون» الذي كان يضاجع فتيات هوى في بيوت دعارة بعقود زواج قانونية كان يحررها كاتب عدل.

على العكس من فتيات الهوى، الزوجة متهمة دومًا بإضعاف زوجها معنويًّا وفكريًّا واقتصاديًّا، فالعلاقة بين الفتاة والزبون لا يمكن أن تنتج ظاهرة تفتيت الأنا المرتبطة حتمًا عند العزاب بالرباط الزوجي.

«فلوبير»، كالأخوين «جونكور»، يرى أن العلاقة العرضية مع فتيات الهوى بلا أي خطورة، في حين أن الزوجة البرجوازية الأم ربة الأسرة تمثل كارثة، علمًا بأن الأخوين «جونكور» الصبيين العجوزين كان يقيمان مع أمهما ولم يفرقهم إلا الموت، وبذلك تم قلب وجهة النظر البرجوازية، فمن وجهة نظر الأعزب، الأم هي العدو الذي يجب قتاله، هي المجنونة الطفيلية والمرض، وعلى الجانب الآخر فإن الأعزب بطبيعة الحال متهم من البرجوازيين بأنه يعيش حياة بلا هدف، يبدد فيها الوقت دون أي فائدة.

وكان اللوم الموجه دومًا للعاهرات والعزاب، ليس فقط عدم توظيف الوقت بشكل جيد، ولكن امتلاك الفائض منه، إذ إن كل الكتاب تقريبًا كانوا يتلذذون بالإشارة للحياة الرتيبة للعاهرات الغارقات في الملل والجمود والقلق، لا سيما عند فتيات بيوت الدعارة، وكان المفكر الاجتماعي المسيحي المتدين "Alphonse Esquiros "، كتب عام 1840 ردًّا على «بارون دو شاتيليه»: «الحالة المعنوية للعاهرات هي أكثر شيء مثير للحزن في العالم»، وأضاف في أطروحته المعنونة «العذارى المجنونات» بنبرة فيها الكثير من الشفقة: «تلك المجنونة الوحيدة الفظة تعاني فراغًا هائلًا في القلب، وحينما تخلو بنفسها وحيدة ينتزع منها الملل والهجران والضعف القوة التي تركتها عندها حياة الانحلال، فتغلق عينيها وتبكي بتثاقل على خطيئتها».

الفتيات يلتهمن الوقت، ولكن الوقت يلتهمهن أيضًا بلا شفقة، وبدلًا من العيش، كما يمكن أن يتخيل البعض، حياة رومانسية متعددة الألوان، تكون نقيضًا لرتابة الحياة البرجوازية، فإنهن يرسمن صورة كاريكاتيرية لربة المنزل المحاصرة من داخلها بالملل والاكتئاب. »مدام بوفاري»(28)، توضح التقارب الساخر بين العاهرة والبرجوازية، فالصفات المنسوبة عادةً للعاهرات مثل: الذكورية والحب بعنف، وحياة الترف والدين المتسلسل، ترسم خصائص شخصية «إيما بوفاري».

«مدام بوفاري.. إنها أنا»، هكذا صرخ «فلوبير» يوم ما.. إذن فأنا «فلوبير» مثل أنا «بودلير».. متخيلة مثل أنا فتاة.. أنا عاهرة، ومن بين كل الشخصيات النسوية التي ابتكرها «فلوبير» لا شك أن «إيما بوفاري» هي أكثر من يستحق أن يُطلق عليها «فتاة»، وانتحارها ونهايتها البشعة يقربها من شخصيات مثل «نانا» و«مارجريت جوتيه».

في أدب القرن التاسع عشر، لا توجد تقريبًا مومس سعيدة، ربما باستثناء بعض قصص «موباسون»، على غرار «منزل تيلييه»، حيث تظهر الفتيات راضيات نسبيًّا بمصيرهن، وغير متطلعات لنمط حياة السيدات البرجوازيات.

أما في «غادة الكاميليا»، فلم يكن مرض «مارجريت» جسديًّا فقط، فسعادتها الهيستيرية كانت تخفي حزنًا دائمًا، وكانت تسعى لإنهاء حياتها كما لو كانت بطيئة جدًّا وطويلة جدًّا، كما لو كانت تُسرع وتيرة الوقت، كما لو كانت تسعى لتقوم بتضحية كبرى لتصنع من نفسها إلهًا، فهي تقول في سطور الرواية: «من أجل أن أكون مستهلكة تمامًا، فإما أن ألقي بنفسي في النار أو أن أموت بإسفيكسيا الخنق بالفحم».

الفتاة «إيلزا»، كما تخيلها «إدموند دو جونكور»، كان لديها كل أعراض الهيستريا.. مرض مألوف عند كل الكتاب الطبعانيين و«المنحلين»، وكانت الحساسية الجسدية المفرطة عند «إيلزا»، والمتمثلة في نوبات تشنج ونوبات عصبية، وحالات اشمئزاز مفاجئ، تعكس لدى «جونكور» تصرفات شخصية وسواسية جريحة الروح وترى الحياة بلون أسود.. فـ«إيلزا» التي كانت تعاني حزنًا هي نفسها لا تفهم له سببًا ولا تعرف له مصدرًا، لم تكن قادرة على السيطرة على جسدها أو التحكم في مصيرها.. «إيلزا لم تكن تقول إنها مريضة، وكانت تكتفي بالقول إنها تعاني مللًا، وكانت تستخدم هذا المصطلح دومًا، الذي لا يعني مللًا عاديًّا بأي حال من الأحوال، ولكن لتوصيف حالة غامضة من الحزن، واضطراب غير مفهوم للأعضاء، وحزن معنوي لا يمكن وصفه».

وإذا كانت «إيلزا» قتلت حبيبها المجند «تانشون»، رغم عشقها له وولعها به، فإنها لم تفعل ذلك لتسرقه كما ظن القضاة، ولكن لأنها لم تكن قادرة على تحمل تبعات ذلك الحب.. ففي لحظة ارتكابها الجريمة كانت إيلزا ترى كل شيء باللون الأحمر كما كانت تصرخ في وجه «تانشون»، والهيستريا التي تملكتها كانت اضطرابًا مؤقتًا جعلها أسيرة حاضر ليس له أصل وبلا سبب ولا غاية.
الهيستريا مثل الكآبة والسوداوية، مرض غامض، ومن الصعب تمييز أسبابه، وعلاجه غير مؤكد، وكآبة فتاة الهوى هي رد فعل لسوداوية الشاب الأعزب.. تلك السوداوية التي وصمت الأدب الحديث في القرن التاسع عشر عند «بودلير» و«ستندال» و«لافورج» و«أويوسمانس» والأخوين «جونكور».. فالهيستريا والكآبة تقلبان الميول الجنسية، فـ«بودلير» و«فلوبير» والأخوان «جونكور» شخصوا حالاتهم على أنها حالة هيستيرية.. «فلوبير» (نصف رجل ونصف امرأة)، الذي صرخ «مدام بوفاري.. إنها أنا»، هل كان يشتكي من ذلك، أم كان يتباهى؟ الإجابة نجدها عند «جورج ساند» وهي نفسها (نصف امرأة ونصف رجل)، حيث تقول: «لدي قلب يخفق من أجل لا شيء، وهذا شيء مفهوم فيما تبقى من حياة عجوزة كانت مصابة بالهيستريا.. ولقد فهمت لاحقًا أن الرجال هيستيريون أيضًا مثل النساء وأنا واحدة منهن.. حينما عملت دراستي النقدية عن «سلامبو»(29)، كنت أقرأ لواحد من أفضل الكتاب وتعرفت من خلاله على كل الأعراض التي أعاني منها».
وإذا كانت العاهرات من نوعية «إيلزا» و«نانا» سوداويات كئيبات دون أن يعرفن السبب، فإن الكتاب العزاب يشخصون الكتابة على أنها سبب لهيستيريتهم والأنثوية التي تصبغ شخصياتهم، وهم يعملون على تغذية هذا الحزن الرقيق الذي يسكن نفوسهم كما لو كان الشيء الوحيد الذي نجا من ابتذال العالم المعاصر.

وفي حالة أعزب مثل «فلوبير»، فإن الكتابة تعني أن تصبح، طواعيةً، أو لا تصبح فتاة، فالعزوبية تعطيه الحرية ليصبح عاهرة هيستيرية، وأن تتكاثر على جسده أعراض الحزن الغامض، وعليه في تلك الحالة أن يتحمل الرغبة والافتقاد معًا.. الرغبة في إلغاء الفوارق الجنسية، والافتقاد لذلك؛ لأن هذا الإلغاء مستحيل، وليس من قبيل المصادفة أن يعترف «فلوبير» في خطاب لأحد أصدقائه بأنه كان لدية رغبة عارمة في أن يخصي نفسه بنفسه حينما كان في التاسعة عشرة من العمر.

ليست النساء من ينقصهن شيئًا (القضيب الذكري)، ولكنه الكاتب الذي يملك قضيبًا منتصبًا على الدوام، ومعرفته بالعاهرات التي تسمح له بإفراغ شهوته تجعله يتحمل تلك الرغبة في الإخصاء وتغيير معالمه الجنسية، وبشكل أوضح فإن الأعزب إذا ما توفرت له الظروف، هو رجل يمكنه إشباع رغباته الجنسية دون الأخذ في الاعتبار حسابات أسرة أو خوفًا من المستقبل، ولكن الرغبة تتحول بسهولة إلى افتقاد.

يرى «أويوسمانس» أن رغبات الأعزب دائمًا متعارضة، فـ«ديزاسانت» على سبيل المثال، كان دائم البحث عن دوافع استثنائية ونساء غريبات الأطوار وكان لديه شعور دائم بعدم الرضا، وهو يجسد الموظف الصغير الأعزب «فولانتان» في «على غير هدى»(30)، والذي غضب غضبًا شديدًا لمجرد أنه لم يجد مطعمًا من تلك المطاعم الحقيرة التي اعتاد ارتيادها ليأكل فيها ما يريد.
الأرستقراطي «المنحط» مزدوج الميول الجنسية، مثل البيروقراطي المتواضع الذي اعتاد ارتياد المطاعم القذرة، كلاهما يعاني من «رغبات كارثية» على حد وصف "Jean Borie"، علمًا بأن شبح الحرمان والافتقاد يسيطر على الرجل الأعزب عمومًا سواء كان موظفًا أو أرستوقراطيًّا أو شاعرًا، فيوم الأحد المخصص للراحة والجلوس مع الأسرة هو يوم العذاب العظيم للأعزب.
وإذا كانت العاهرة هي «امرأة يوم الأحد»، فإن الأحد هو أيضًا يوم الأعزب بامتياز، ولكن هنا حيث يمنح يوم الأحد لزبائن العاهرة الصورة الضالة المضللة للجنَّة، فإن هذا اليوم هو في الأغلب يوم الجحيم للرجل الأعزب، فلا شيء يحمي الرجل في ذلك اليوم من كآبة غير واضحة الأسباب.. فكيف يمكن شغل هذا اليوم الطويل جدًّا وكيف يمكن ملء فراغه الميتافيزيقي؟ هل «يهرب» أم يذهب ليستمتع بربيع ذلك اليوم؟ كما يتساءل «جول لافورج»: بالخارج.. إنه يوم الأحد، لا شيء يمكن فعله، ولكن لا شيء يمكن فعله بالداخل أيضًا، بل لا شيء يمكن فعله على وجه هذه الأرض..!
لقد استطاع «لافورج» أن يذكر أفضل من أي شخص آخر، تلك القتامة التي تهيمن على يوم الأحد الباريسي، حيث رياح تحدث صفيرًا مزعجًا وتجبر جذوع الأشجار العارية على التمايل حسب اتجاهها، مع سماء مكفهرة رمادية اللون تظلل الجميع.. أجراس الكنائس مع عزف البيانو الصادر من شقة أحد الجيران يغزوان رأس ذلك الأعزب المسكين، ويمضي الوقت عليه برتابة رهيبة ولكن بسرعة كبيرة أيضًا.. وأمام هذا الموقف لا يجد «لافورج» إلا اللجوء لغروره ونرجسيته الوهميين، ليردد آلاف المرات دون ملل: «إنني منهك بالفن.. لي أن أكرر ذلك، أوه.. إنني أعاني الصداع!».
مطاردة الوقت الضائع هو هاجس مألوف عند كتاب القرن التاسع عشر، علمًا بأن الفنان الأعزب حر في أن ينظم وقته كيفما يشاء، ولكن هذه الحرية ثقيلة جدًّا، إذ يقابلها خوف رهيب من عدم توظيف الوقت على الوجه الأمثل، وبالتالي عدم توظيف حياته نفسها على نحو جيد، ففي عام 1858 كتب «بودلير» إلى والدته: «تذكري أنني أعيش وحيدًا، وتذكري أن ذلك لا يترك لي سوى القليل من الوقت للعمل»، وبعد عشر سنوات من «مدام بوفاري»، يتساءل «بودلير»: «يا إلهي! هل ما زال لدي الوقت؟ آه لو كنت أعلم حينما كنت شابًّا قيمة الوقت والصحة والمال! هل كنت رحيمًا مع نفسي؟ هل ما زال هناك وقت لكي أصنع شيئًا آخر؟».
الرعب من التكرار يسكن الكاتب الطليعي أيضًا، الذي يكرس وقته للبحث عن الجديد، واستكشاف ما لا يمكن توقعه، ويجبر نفسه على الأصالة فقط بعيدًا عن التقليد.. في كفاحه ضد الوقت والفن لا يتأمل «لافورج» غالبًا إلا كل ما تعكسه نفسه، ويحلم أن يتحد مع نفسه على مستوى القلب والجسد معًا، ولكن الشاعر الذي لا يملك فلسًا واحدًا يعلم أنه سيخسر معركته لا محالة، وفي قصيدة رائعة بعنوان «أعزب، أعزب، كل شيء أعزب»، لا يجد «لافورج» عزاءً إلا في فتيات هوى يشاركنه حزنه السامي:
«نحيي بعضنا البعض أو نتظاهر بذلك
نتعلم معًا في مدرسة واحدة
نهرب معًا ونتلمس خطانا معًا
إنهن مجنونات حزينات يمكن شراؤهن»
في مذكرات لـ«بودلير» بعنوان «صواريخ نارية» يتساءل: «ما الفن؟ الإجابة: الدعارة».. التفسير الأكثر وضوحًا لهذا القول المأثور هو أن الفنان مجبر على بيع إنتاجه الفني مثل العاهرة التي تبيع جسدها لتربح الأموال، وهو ما يعكس ظروف الإبداع الفني.. فحينما يتحول الفن إلى سلعة تباع وتشترى، لا يمكن فصله عن الظروف المادية والاقتصادية التي ولد فيها، ولكن من نفس وجهة النظر هذه، فإن الفنان خاضع لأهواء وتقلبات مزاجية وإلهام، ومجبر دومًا على تقديم الجديد، بعكس العاهرة التي تقدم دومًا بضاعة واحدة.
ولكن بعيدًا عن هذا المعنى الواضح يمكن أن تُفهم عبارة «بودلير» على أنها انعكاس لشيء آخر: الملل. فما يظهر من لوحات العاهرات في القرن التاسع عشر، ليس شغفهم بالمال، بل العكس تمامًا. فبينما يمكننا أن نتخيل أن هؤلاء النساء لا يعشن إلا للمال، فإن الحقيقة أن من يحيطون بهن المملوئين جشعًا وطمعًا هم من يستفيدون منهن، حتى في حالة «آكلة لحوم بشر» مثل «نانا» التي استنزفت كل الرجال الذين عاشروها، يفقد المال حقيقته، فهي تنفق ببذخ غير معقول كما لو أن المال لا يعني شيئًا.
البغاء يضمن دخلًا كبيرًا من المال، مُفقدًا الأموال بذلك قيمتها المادية، إنه شيء معاد ومتكرر، ولكنه مختلف عن العاهرة التي يمكن شراؤها، والتي تظهر بوضوح في التمثيل الأدبي لفتيات الهوى، فالفتاة التي يصيبها الملل هي فنانة فاشلة، فهي ليست فقط موضوعًا يسحر الفنان، ولكنها شيئًا مزدوج؛ وذلك لأن الفنان الأعزب الذي يصيبه الملل هو أيضًا فتاة هوى فاشلة، فالعهر والفن وسيلتان لقتل الوقت، وهو ما يقود عمومًا لنتيجة عكسية: فإن التهمك الوقت فإن ذلك «موت بالتقسيط»، طبقًا لعنوان رواية «سيلين»(31)، وفي تلك اللحظة الحاسمة تنضم قصيدة «بييرو القمري» لـ«لافورج» و«روكانتان» الكئيب لـ«سارتر» إلى أنا «بودلير» الكئيبة، وجميعهم هواة للعاهرات، فلا مجال إذن للندم على أن الفن يتحول لدعارة، بل على العكس؛ فبفضل الدعارة تمكن الفن الأكثر حداثة من التخلص من هيمنة المال كما تخلص من هاجس ابتكار نسل وذرية.

الهوامش:
[1]) رواية فلسفية ظهرت عام 1938، بها بعض من السيرة الذاتية لسارتر. جان بول شارل إيمار سارتر (21 يونيو 1905 باريس- 15 إبريل 1980 باريس). فيلسوف، وروائي، وكاتب مسرحي، وكاتب سيناريو، وناقد أدبي، وناشط سياسي فرنسي. بدأ حياته العملية أستاذًا. درس الفلسفة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. حينما احتلت ألمانيا النازية فرنسا، انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية السرية. عرف سارتر واشتهر لكونه كاتبًا غزير الإنتاج، ولأعماله الأدبية وفلسفتها المسماة بالوجودية، ويأتي في المقام الثاني التحاقه السياسي باليسار المتطرف.
2) العبثية مدرسة أدبية فكرية، تدعي أن الإنسان ضائع، لم يعد لسلوكه معنى في الحياة المعاصرة، ولم يعد لأفكاره مضمون، وإنما هو يجتر أفكاره لأنه فقد القدرة على رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي، نتيجة للرغبة في سيطرة الآلة على الحياة، لتكون في خدمة الإنسان، حيث انقلب الأمر فأصبح الإنسان في خدمة الآلة، وتحول الناس إلى تروس في هذه الآلة الاجتماعية الكبيرة.
3) صحفي وكاتب مسرحي فرنسي، ولد في مدينة ليل في 28 نوفمبر 1810، وتوفي في 12 ديسمبر 1885.
4) هنري مونييه، كاتب ورسام وممثل فرنسي، ولد في باريس في 7 يونيو 1799، وتوفي في 3 يناير 1877.
5) صحفي وكاتب ومؤرخ فرنسي (1914- 1984).
6) رامبرانت هرمنسزون فان راين Rembrandt Harmenszoon van Rijn، رسام هولندي، ولد في أمستردام عام 1606، وتوفي عام 1669، استقر في مدينة أمستردام منذ سنة 1631. نظرًا للقوة التعبيرية الكبيرة التي تتميز بها أعماله ولوحاته الشخصية، بالإضافة إلى معرفته العلمية بنظريات الضوء والظلال، وكذلك القيم الإنسانية النبيلة لأفكاره وتأملاته الشخصية حول مصير الجنس الإنساني، كل هذه العوامل جعلته ضمن كبار أساتذة فن الرسم الغربي. كان له في أثناء حياته شأن كبير، واشتهر أيضًا بأعماله عن طريق الرسم بماء الذهب («الأشجارالثلاثة»، و«قطع المائة فلوران النقدية»، ويسوع يُبشر الناس)، وتأثر بالفنان «كارفاجيوو روبنز» لكنه استخدم تأثيرات الضوء ووضع الألوان بحرية ليبرر الحالة العاطفية والنفسية.
7) هيرونيموس بوس (1450- 1516) رسام هولندي، العديد من أعماله تصور الخطيئة والفشل الأخلاقي الإنساني.
8) مجموعة «بايار» للصحافة التي أنشئت عام 1873.
9) جي دو موباسون Guy de Maupassant (1850-1893 )، كاتب وروائي فرنسي، وأحد آباء القصة القصيرة الحديثة.
10) ولد عام 1863، وتوفي عام 1950، صحفي وكاتب كان قريبًا من الفوضويين.
11) قضية درايفوس (بالفرنسية: L’affaire Dreyfus) هو صراع اجتماعي وسياسي حدث في نهاية القرن التاسع عشر في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة. حيث اتُّهم بالخيانة في هذه القضية النقيب بالجيش الفرنسي ألفريد دريفوس، وهو فرنسي الجنسية يهودي الديانة. هزت هذه القضية المجتمع الفرنسي خلال اثني عشر عامًا، من 1894 حتى 1906، وقسمته إلى فريقين: المؤيدون لدريفوس مقتنعين ببراءته (الدريفوسيون les dreyfusards)، والمعارضون له معتقدين أنه مذنب (les antidreyfus). كان النقيب دريفوس متهمًا في نهاية عام 1894 بأنه أرسل ملفات فرنسية سرية إلى ألمانيا. وكان هذا يعد خطأ قضائيًّا، حيث إن القضاء الفرنسي كان يُعرف بمعاداته للسامية (اليهود)، وقد أثبتت بعد ذلك براءة هذا النقيب. كان المجتمع الفرنسي في ذلك الوقت يعادي السامية ويُكِنُّ كراهية للإمبراطورية الألمانية التي احتلت منطقتي ألزاس ولورين الفرنسيتين عام 1871.
12) بيير لاروس Pierre Larousse (1817 - 1875) هو معجم موسوعيّ فرنسي، أنشأ في عام 1852 دارًا للنشر لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم. من آثاره: «القاموس الجامع الكبير للقرن التاسع عشر» Grand dictionnaire universel du XIXe siecle، ويقع في 15 مجلدًا (1866– 1876).
13) ناشر فرنسي معروف، ولد بباريس في 17 ديسمبر 1801، وتوفي في 29 يناير 1870.
14) عمل جمع فيه قصصًا وقصصًا قصيرة ومقالات وروايات، مكون من 96عملًا.
15) Philadelphe-Maurice Alhoy كاتب وصحفي ومؤلف، له العديد من المسرحيات، ولد بباريس عام 1802، وتوفي بالمدينة نفسها عام 1856.
16) الجحيم هو الجزء الأول من القصيدة الملحمية «الكوميديا الإلهية» التي ألفها «دانتي أليجييري» في القرن الرابع عشر. ويرى الكثيرون أنها من أفضل الأعمال الأدبية على المستوى العالمي. تلقي الملحمة الشعرية نظرة خيالية، بالاستعانة بالعناصر المجازية، لوصف الجحيم بحسب المفهوم المسيحي، الذي تأثر بفلسفة القرون الوسطى، وكان له تأثير على تطور الكنيسة الغربية الكاثوليكية.
17) دانتي أليجييري Dante Alighieri، ولد في فلورنسا في 1 يونيو 1265 - رافينا 14 سبتمبر 1321، ويعرف عادة باسم دانتي، وهو شاعر إيطالي، من أعظم أعماله: «الكوميديا الإلهية» بشقيها «الفردوس» و«الجحيم»، يعتبر البيان الأدبي الأعظم الذي أنتجته أوروبا أثناء العصور الوسطى، وقاعدة اللغة الإيطالية الحديثة. فهي واحدة من الأعمال الرئيسية لعملية الانتقال من العصور الوسطى إلى عصر النهضة الفكري. وتعتبر تحفة من الأدب الإيطالي، وواحدة من قمم الأدب العالمية. ودانتي معروف في الأدب الإيطالي بالشاعر الأعلى. ويسمى أيضًا بـ«أبو اللغة» الإيطالية. وقد كتب جيوفاني بوكاتشيو (1313- 1375) أول سيرة ذاتية لدانتي، في تراتاتيلو.
18) فريدريك فيلهيلم نيتشه Friedrich Nietzsche (أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس، وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة، المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة عمومًا بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء.
19) شاعر فرنسي، ولد في 14 مارس 1823، وتوفي في 13 مارس 1891.
20) جان ماري إيتيان بورتاليس، وُلد في 1 أبريل 1746، وتوفي في 25 أغسطس 1807، هو محام ورجل دولة، وكان يُطلق عليه فيلسوف القانون الفرنسي، وأحد أبرز واضعي القانون المدني الفرنسي المعمول به حتى الآن في فرنسا وعدد من دول العالم.
21) سيرة ذاتية كتبها ستندال ولكنه لم يكملها.
22) رواية لبلزاك نُشرت عام 1831.
23) كاتب فرنسي وُلد في 27 مارس 1822، بالعاصمة باريس، كان من العلامات البارزة في الأدب لفترة طويلة، قبل أن يسقط فجأة ولأسباب مجهولة في طي النسيان.
24) آرثر رامبو، شاعر فرنسي، ولد في شارل فيل في20 أكتوبر 1854، وتوفي في 10 نوفمبر 1891. وكتب أشهر أعماله وهو لا يزال في أواخر مراهقته، وأثنى عليه «فيكتور هوجو» وقتها وقال إنه "طفل شكسبير"، وقد توقف كليةً عن الكتابة قبل أن يبلغ الحادية والعشرين من عمره. وباعتبار «رامبو» مشاركًا هامًّا في حركة التدهور، فقد أثر بطبيعة الحال في الأدب الحديث وكذلك الموسيقى والفن. ويُشار دومًا إلى «ريمبو» على أنه واحد من الطائشين المتحررين من الأخلاق والعادات. وقد سافر في رحلات كثيرة إلى ثلاث قارات قبل أن يموت بعد صراع مع السرطان قبل أن يكمل السابعة والثلاثين.
25) Paul Verlaine بول فيرلين، من أعلام الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر، وُلد في مدينة ميتز في 30 مارس 1844، وتوفي في العاصمة باريس في 8 يناير 1896.
26) لقب أُطلق على «رامبو» نظرًا لأنه كان كثير السفر والترحال.
27) جول ميشيليه Jules Michelet مؤرخ وشاعر فرنسي، ولد في 21 أغسطس 1798، وتوفي في 9 فبراير 1874.
28) رواية لجوستاف فلوبير نُشرت عام 1857.
29) رواية تاريخية لفلوبير تحدث فيها عن المرتزقة من العرب والبربر الذين قاتلوا ضد المسيحيين الإسبان في الأيام الأخيرة قبيل سقوط الأندلس.
30) رواية لأويوسمانس.
31) لويس فرديناند أُجوست ديتوش Louis Ferdinand Auguste Destouches كاتب روائي وطبيب فرنسي، ولد سنة 1894 في ضاحية باريس (كوربفوا)، توفي سنة 1961 في مودن (الضاحية الجنوبية لباريس)،عرف لاحقًا باسمه الأدبي لويس فرديناند سيلين Louis-Ferdinand Céline أو اختصارًا «سيلين» (من اسم جدته). يعتبر سيلين من أشهر وأكثر كتاب فرنسا ترجمةً في القرن العشرين. فكرُه العدميُّ يتميز بنبرة من السخرية والملحمية في آن واحد.

المصدر: المثقفون والجنس والثورة؛ عاهرات وعزاب في القرن التاسع عشر، تأليف لور كاتسارو، ترجمة محمد عبد الفتاح السباعي، نشر دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، الطبعة الأولى 2014، صص 67-103

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق