الثلاثاء، 5 أبريل، 2016

بارت بقلم بارت: رولان بارت


ترجمة لطفي السيد

حاولت أن أبحث عن كلمات تقدّم هذا المفكر المراوغ والمستفز فلم أجد أبلغ أو أدق أو أعمق من كلمات هذا الميتادور الفرنسي الذي حاول أن يروض الكثير من الثيران المعرفية [مشروعات فكرية، شخصيات أدبية وفكرية، أجناس أدبية، مراحل فكرية، نظريات نقدية...] ونجح في الكثير من جولاته:
«لا ترهق نفسك بالبحث عن حقيقة أصلية وراء ما أكتبه. لا تحاول أن تقيدني بمعنى محدّد لا أودّ تقبله. أنا مثل البصلة، لا قلب لي ولا منتهى. مجرد أغلفة فحسب. أنا مثل اللذة، وقتية تماماً ومبددة. ليس لي هوية محدّدة، ولا جوهر ثابت. أنا، من أكون؟ استعصاء على التحديد، روغان لا نهائي وانتهاك لكل التخوم والحدود. لست موضوعاً للاستهلاك بل ساحة للإنتاج. أنا إشارة حرّة. ودال عائم بلا مدلول، أشير فقط إلى ذاتي المتلونة. أستعصي على التعريف لأنني أومض بحرية لا نهائية. مركز لأراء شتى وتأويلات متعدّدة، نقطة متلاشية، متقلب دائماً.»
كما يقول في"بارت بقلم بارت" في شذرة الصفة:
«يمقتُ كلَ صورةٍ عنه، يعاني أن يكون متعينًا، يعتبرُ أن كمالَ أي علاقة إنسانية يكمنُ في هذا الفراغ من الصورة: يُلغي فيما بينه، من واحدةٍ لأخرى، الصفاتِ؛ ثمة علاقةٌ تتوصفُ من جانبِ الصورة، من جانب الهيمنة، من الموت.
(في المغرب، لم تكنْ لديهم أي صورة بشكلٍ واضحٍ عني؛ الجهدُ الذي كنتُ أبذلَهُ، في طيبةٍ غربيةٍ، لأكون هذا أو ذاك، بقي بلا مردود: فلا هذا ولا ذاك قد بعثني في شكل صفةٍ جميلةٍ؛ لم يخطرْ لهم أن يعلقوا عليّ، كانوا يرفضون، عن غيرِ قصدٍ، أن يغذوا ويتملقوا متخيَّلي. في البداية، هذا الصمم في العلاقة الإنسانية كان به شيءٌ ما منهِك؛ لكنه تدريجيًا ظهر بوصفه نعمةً من الحضارة، أو بالفعل، بوصفه الشكلَ الجدلي للحوار الغرامي).»

   رولان بارت الفيلسوف والمنظر والناقد الفرنسي وربما الروائي كما يقول في كتابه هذا "بارت بقلم بارت": «يجب النظر لكل هذا  وكأنه روي من قبل شخصية روائية.»، كان قد ولد في 12 نوڤمبر 1915 وتوفي في 25 مارس 1980 إثر حادث مأساوي. رولان بارت هذا الإنسان/القرد العاري كان قد تنقل بين حقول معرفية ونظريات أدبية ونقدية عدة فهو قد انتقل من البنيوية إلى ما بعد البنيوية ليشكل تياراً فكرياً -مع مجايليه من الفلاسفة والنقاد والكتاب، فوكو، لاكان، دريدا، چيل دولوز وغيرهم الكثير، فيما أطلق عليه ما بعد الحداثة.
    في كتابه هذا "بارت بقلم بارت" يقسم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول وهو كما أسماه "المتخيل الصوري" حيث يستعرض فيه مجموعة من صوره الفوتوغرافية التي تمثل مراحل مختلفة من حياته (ولا سيما مرحلة الطفولة والشباب أو المرحلة غير المنتجة أو غير الإبداعية كما أسماها). وفي هذا القسم يكون بارت ذاتاً مرئية (هو من في الصورة أو مركزها) وذاتاً رائية (حيث ينظر لهذه الصور ويكتب، كما يقول، ما يتخيله عنها).
    إلا أن الذات الرائية تنظر للذات المرئية فتجد نفسها في حالة انفصال واغتراب عنها (حتى لو كان الرائي والمرئي رولان بارت نفسه).
   هل التأمل يُحدث حالة من الاغتراب؟
  في القسم الثاني، يقوم رولان بارت بتفكيك ذاته/ عاداته/ قراءاته/ ثقافته/ فلاسفته وكتابه ومنظريه، حتى يراها جيداً، يفهمها جيداً، يعيها جيداً؟ إنه يفترشها كالبائع في السوق –ليس لبيعها- ولكن لتفكيكها قطعة قطعة، كطريقته في الكتابة: الشذرات؛ وحتى يتسنى له رؤيتها جيداً في الهواء الطلق وفي نور الشمس. ولكن حتى لو كانت الرؤية تحت أكبر وأسطع مصباح في الكون وهي الشمس، هل سيستطيع رؤيتها وفهمها جيداً؟ إن بارت في هذا الكتاب يقدّم شكلاً جديداً في كتابة رواية السيرة الذاتية [auto-fiction]  وليس في  كتابة السيرة الذاتية [autobiographie] إنها رواية عن عقل متمرّد، يحاول -بنبشه في عقله و بتبصره لجسده ومعاينته لمجتمعه الصغير أو الكبير وبقفزه بين أشجار الثقافة والحياة- أن يقدّم شهادة روائية يقوم فيها السرد على الفوتوغرافيا وطبوغرافيا الصفحة وعلى الخطاب المتعدّد في ضمائره النحوية ومستوياته اللغوية والفكرية والفلسفية وعلى الخيال وعلى ما نظن أنه واقعي أو حقيقي؛ لذا علينا أن ننتبه  لها وقراءتها بوعي منفتح ويقظ.



مقتطفات من الكتاب


نحوَ الكتابةِ
الأشجارُ حروفُ هجاءٍ، هكذا كان يقول
 الإغريقُ. من بين كل الأشجار- الحروف، النخيلُ
 الأكثرُ جمالًا. الكتابةُ، الجذلةُ والمتميزةُ
 كرشقِ  أشجارِ النخيلِ، لها أثرٌ عظيمٌ: التداعي.
في الشمال، شجرةُ صنوبرِ وحيدةٌ
 تنتصبُ فوقَ تلةٍ قاحلةٍ.
 تنامُ؛ الثلجُ والجليدُ
 يلفونَها بمعطفهما الأبيض.
 تحلمُ بنخلةٍ جميلةٍ،
هناك في بلدِ الشمس،
 التي هي آسفةٌ، كدرةٍ، وحيدةٍ،
 على جرفِ النار.
هنري هايني


(1) فاعل/ تفاعلي
فيما يكتبُ، هناك نصانِ: النصُ الأولُ تفاعلي، يحرّكه سخطٌ، مخاوفُ، ردودٌ داخلية متسرّعة، بارانويات صغيرة، دفاعات، مشاهد. النصُ الثاني فاعلٌ، تحرّكه اللذةُ. ولكن أثناء الكتابة، التنقيح، الامتثال لحبكة الأسلوب، يصبحُ النصُ الأول هو نفسه فاعلًا؛ ومنذئذ يفقدُ إهابَهُ التفاعلي الذي لم يعدْ موجودًا إلاّ من خلال لويحات (بين أقواس صغيرة).

(2) الصفةُ
يمقتُ كلَّ صورةٍ عنه، يعاني من أن يكون متعينًا، يعتبرُ أن كمالَ أي علاقة إنسانية يكمنُ في هذا الفراغ من الصورة: يُلغي فيما بينه، من واحدةٍ  لأخرى، الصفاتِ؛  ثمة علاقةٌ تتوصفُ من  جانبِ الصورة، من جانب الهيمنة، من الموت.
   (في المغرب، لم تكنْ لديهم أي صورة بشكلٍ واضحٍ عني؛ الجهدُ الذي كنتُ أبذلَهُ، في طيبةٍ غربيةٍ، لأكون هذا أو ذاك، بقي بلا مردود: فلا هذا ولا ذاك قد بعثني في شكل صفةٍ جميلةٍ؛ لم يخطرْ لهم  أن يعلقوا عليّ، كانوا يرفضون، عن غيرِ قصدٍ، أن يغذوا ويتملقوا متخيَّلي. في البداية، هذا الصمم في العلاقة الإنسانية كان به شيءٌ ما منهِك؛ لكنه تدريجيًا ظهر بوصفه نعمةً من الحضارة، أو بالفعل، بوصفه الشكلَ الجدلي للحوار الغرامي).


(3) المُيَسَرة
الساعي وراء المتعةِ (بما أنه يعتقد هذا)، يرغبُ في حالٍ تكون في مجملها الرفاهية؛ لكن هذه الرفاهية أكثرُ تعقدًا من الرفاهية المنزلية التي يحدّد مجتمعُنَا مبادئها: إنها الرفاهية التي يعدُها، يمارسُها هو نفسُهُ (مثل جَدي [ب]. الذي-في نهاية حياته- أنشأ منصةً صغيرةً بطول نافذته، حتى يرى جيدًا الحديقةَ كلَّها وهو يعمل) هذه الرفاهية الشخصية، يمكن أن نسميها: الميسرة. فالميسرة تحصل على وجاهة نظرية (لا ينبغي أن نأخذ مسافة فيما يتعلق بالنزعة الشكلية، بل بما يتعلق بميسرتنا وحسب"، 1971*)، كما تحصل على قوة أخلاقية: إنها الخسارة التطوعية لكل بطولة، حتى عبر المتعة.

(4) شيطانُ التماثُل
الوحشُ الأسودُ لـ سوسير، إنه اعتباطية (العلامة). ووحشها، التماثل. والفنون "التماثلية" (السينما، التصوير الفوتوغرافي)، المناهج "التماثلية" (النقد الجامعي، على سبيل المثال) مشوَّهة السمعةِ. لماذا؟ لأن التماثلَ ينطوي على أثرٍ من الطبيعة: إنه  يُنصبُ "الطبيعي" مصدرًا للحقيقية؛ وما يضافُ لـ (لعنة) التماثل، هو أنه لا يمكنُ ردعُه (23، البلاغة Ré): ما إنْ يرى شكلٌ ما، حتى يُشَبَهه بشيءٍ ما: يبدو أن الإنسانيةَ محكومٌ عليها بالتماثل، أي في نهاية المطاف بالطبيعة. ومِن ثَمّ تكونُ جهودُ الرّسامين، الكتاب للهروب من ذلك. كيف؟ عبر مدخلين متناقضين، أو، لو فضلنا، سخريتين تضعان التماثلَ موضعَ التهكمِ، إما بادعاء احترام إلى حدٍ كبيرٍ مسطح (إنها النسخةُ التي أُنِقذَت)، وإما بالتشويهِ المنتظمِ-تبعًا لبعضِ القواعدِ-  للموضوع المحاكى (التحليل النفساني، نقد وحقيقة، 64 CV).
بعيدًا عن  هذه الخُروقات، ما يتناقض بشكلٍ مفيدٍ، والتماثل المنطوي على الشر، إنه التداعي البنائي البسيط: التشاكلُ، الذي يختزلُ استعادةَ الموضوع الأول في إشارة تلميحية تناسبية (اشتقاقيًا-أي في الفترات السعيدة لـ اللغة- التماثل يعني التناسب).
(يرى الثورُ اللونَ الأحمرَ عندما يسقطُ الطُعمُ على  وجهه؛ يتطابق الأحمران، الغضبُ والرداءُ: الثور في تماثل كامل، أي تخيلٍ كاملٍ. عندما أقاوم التماثلَ، في الحقيقة ما أقاومه هو التخيل: والمعرفة: التحام العلامة، تشابه الدالِ والمدلولِ، النزعة التشاكلية المستمرة للصور، المرآة، الطعم الآسر. وكلّ التفسيرات العلمية التي يستخدمونها في التماثل -وهي فيلق- تشارك في الطعم، وتشكل التخيل العلمي).

(5)  على السبورةِ
M.B، أستاذُ الفصل الثالث (A) في ليسيه لويس لوجران وهو شيخٌ صغيرٌ، اشتراكي وقومي. في بداية العام، كان يُحصي بشكلٍ مهيبٍ على السبورة أقاربَ التلاميذ الذين "سقطوا في ميدان الشرف"؛ الأعمام والأخوال، أبناء الأعمام والأخوال، كانوا كُثرًا لكني كنت الوحيدَ الذي يستطيع أن يُعلنَ عن أبيه؛ كنت متضايقًا من ذلك، باعتباره علامةً زائدةً. ومع ذلك، مُسحت السبورة، ولم يتبق أي شيء من هذا الحداد المُعلن-إلاّ-في الحياة الواقعية، الصامتة دائمًا- صورة المنزل دون مَرسى اجتماعي: ليس هناك أبٌ ليُقتل، ليس هناك عائلةٌ لتُكره، ليس هناك محيطٌ ليُنبذ: إحباط أوديبي كبير!
   (هذا الأستاذ M.B نفسُهُ، بعد ظهر السبت، وعلى سبيل التسلية، يطلبُ مِن أحد التلاميذ أن يقترحَ عليه موضوعًا للتأمّل، أيا كان، وإن كان سخيفًا، ولم يتنازل عن أن يستخلص من ذلك موضوعَ إملاءٍ صغيرًا، سيرتجله وهو يسير في الفصل، ليؤكد سيطرتَه المعنوية وطلاقته في التنقيح).
مصاهرةٌ كرنفالية للشذرات والإملاء: في بعض الأحيان ستعود الإملاء هنا -بوصفها شكلًا حتميًا للكتابة الاجتماعية- مُزقًا من الكتابة المدرسية.

(6) النقودُ
بسبب الفقر، كان طفلًا مقصيًا اجتماعيًا، لكن ليس خارج طبقته: لم  يكن ينتمي لأي وسط (بالنسبة لـ مدينة B، البيئة البورچوازية، لم يكن يذهب إليها إلاّ في العطلات المدرسية: زيارة، كأنه في رحلة ترفيهية)؛ لم يكن يشارك في القيم البورچوازية، التي لا يمكنه السخطُ عليها، بما أنها لم تكن في نظرهِ سوى مَشاهدَ من اللغة، تعود للجنس الروائي؛ كان يشارك في أسلوب الحياة فحسب (1971 ،11). هذا الفن بقى، غير قابل للفساد، ففي وسط الأزمات المالية؛ ما عرفناه، ليس الفقرَ لكن العسرة؛ أي: إرهاب المصطلحات، مشاكل العطلات، الأحذية، الكتب المدرسية، وكذلك الغذاء. من هذا الحرمان الممكن احتماله (دائماً العسرة المالية) ربما خرجت فلسفةُ صغيرة عن التعويض المجاني، عن التَحَدُد التضافري للمتع(*)، عن الميسرة (التي هي تحديدًا مضادة للعسرة المادية). مشكلتُه التكوينية كانت بلا شك النقودَ، وليس الجنسَ.
   في خريطة القيم، النقود لها معنيان متضادان (إنها ثنائية المقوم الدلالي): إنها مدانةٌ أشد إدانة، ولا سيما في المسرح (شن كثيرًا من الهجمات ضد مسرح المال، في العام 1954 تقريبًا)، ثم  ردّ لها الاعتبار، فيما بعد فورييه، بواسطة رد الفعل  ضد النزعات الأخلاقية الثلاث التي ناوأتها: النزعة الماركسية، المسيحية، الفرويدية (SFL،90). ومع ذلك، بكل تأكيد، الممنوعُ، ليست النقودَ المحجوزة، المحتفظ بها، المكدسة؛ بل النقودُ المُنفَقة، المهدَرة، المحمولة بواسطة حركة الخسارة نفسها، التي ستصبح لامعةً بسبب بذخ الإنتاج؛ تصبح النقودُ حينئذ استعارة عن الذهب: ذهب الدال.

(7) السفينةُ أرجو
      صورةٌ مألوفة: صورة السفينة أرجو(منيرة وبيضاء)، حيثُ يستبدل الأرجونوت شيئًا فشيئًا  كلَ جزء، حتى إنهم يصلون في نهاية المطاف لسفينة جديدة تمامًا، دون  ضرورة لتغيير اسمها أو شكلها. السفينةُ أرجو هذه عظيمة الفائدة: تزود المرموزة بموضوع بنائي بشكل كبير، يجرى إبداعُه، ليس بواسطة العبقرية، الإلهام، التصميم، التطور، ولكن بواسطة عملين متواضعين (لا يمكن أن يُدركا عبر أي  شكل باطني للإبداع): الاستبدال (قطعة تطرد الأخرى، كما في أحد النماذج) والتعيين (الاسم ليس مرتبطًا أبدًا باستقرار القطع):  من كثرة التجميع  الداخلي بنفس الاسم، لم يعد أي شيء باقيًا من الأصل: أرجو هي كائن بلا أي سبب آخر سوى اسمها، بلا أي هوية سوى شكلها.
أرجو أخرى: لدي فضاءان  للعمل، الأول في باريس، والآخر في الريف، بين الأول والآخر، ليس هناك أي موضوع مشترك، لأنه لم يُنقلْ أي شيء قط. ومع ذلك هذه الأماكن متطابقة. لماذا؟ لأن الأدوات المتاحة (الورق، الأقلام، المكاتب، عقارب الساعة، منافض السجائر) هي نفسها. هذه الظاهرة الخاصة كافية لإلقاء الضوء على البنيوية: النظام يتسيد فوق وجود الكائنات.

(8) الغطرسة
لا يحبُ أبدًا خطابات الانتصار. يمقتُ إهانةَ أي شخص، فما إن يلوح النصرُ في مكان ما، حتى تتملكه رغبةُ أن يَحمْل نفسه لمكان آخر(فلو كان إلهًا، كان سيقلب بلا توقف الانتصارات- ما يفعله الله بالتأكيد!). مرورًا بخريطة الخطاب، الانتصار الأكثر عدلًا يصبح قيمةً  لُغويةً سيئة، غطرسة: الكلمة -المعاينة عند باتاي الذي يتحدث في مكان ما عن غطرسات العلم- قد امتدت إلى كل الخطابات المنتصرة. أعاني إذن من ثلاث غطرسات: غطرسة العلم، غطرسة الدوكسا، غطرسة المناضل.
الدوكسا (كلمة سوف تعود كثيرًا)، إنها الرأي العام، العقليةُ المسيطرة، إجماعُ البورچوازي الصغير، الصوت الطبيعي، عنف الفكرة المسبقة. يمكن أن نسمي دوكسولوجي (كلمة ليبنتز) كل طريقة في الكلام تتفق مع المظهر الخارجي، في الرأي أو في الممارسة.
في بعض الأحيان يأسف لاستسلامه لـ اللُغويات. حينئذ سيقول شخصٌ ما: ولكن، بدون ذلك، لم تكن لتستطيع الكتابة! الغطرسة تدور، كنبيذٍ قوي بين المدعوين للنص. المتناص لا يتضمن فحسب نصوصًا مختارة بعناية، محبوبة سرًا، حرة، متروية، سخية، لكن أيضًا نصوصًا مشتركة، منتصرة. يمكنكم أن تكونوا النصَ المتغطرسَ لنصٍ آخرَ.
ليس من المفيد كثيرًا أن نقول «الأيديولوجية المسيطرة»، لأن هذا حشوٌ: فالأيديولوچية  ليست شيئًا آخر إلا الفكرة بقدر سيطرتها (pit،53). لكن أستطيع أن أستخف وأقول: أيديولوجية متغطرسة.

(9) إشارةُ العرّاف
في كتاب S/Z (ص.20)، وحدة القراءة (مقطع القراءة) جرى مقارنتُها بهذه القطعة من السماء المقطوعة بعصا الكاهن. أعجبته هذه الصورة: لا بد أن هذا كان جميلًا، فقديمًا، هذه العصا كانت موجهة نحو السماء، أي نحو ما لا يمكن التصويبُ نحوه؛ وهذه الإشارة مجنونة: رسم حد على نحو جليل حيث لا يبقى أي شيء مباشرة -إلاّ الإصرار العقلي على الديكوباج- يكرس لإعداد طقسي تمامًا واعتباطي تمامًا لمعنى ما.

(10) القبول، لا الاختيار
«ماذا يعني؟ إنها الحربُ الكورية. مجموعة صغيرة من متطوعي القوات الفرنسية تقوم بدوريات على نحو غامض بين شجيرات كوريا الشمالية. أحدهم، مجروحًا، استقبلته فتاة كورية صغيرة، قادته إلى قريتها، حيث استقبله الفلاحون: اختار الجندي أن يبقى بينهم، معهم. الاختيار، يعني على الأقل اختيار لغتنا. ليس أبدًا لغة ڤيناڤر: في الواقع نحن لا نشهد اختيارًا، ولا حوارًا، ولا فرارًا من الخدمة، ولكن بالأحرى قبولًا تدريجيًا: الجندي تقبل العالم الكوري الذي اكتشفه...»
(حول كتاب "اليوم أو الكوريِين"، لـ ميشل ڤيناڤر، 1956).
فيما بعد بكثيرٍ(1974)، وبمناسبة رحلته إلى الصين، يحاول أن يستعيدَ كلمة القبول هذه، ليُفهم قراءَ العالم- أي عالمه- إنه لم "يختر" الصين ( لقد كانت تنقصه عناصر كثيرة جدًا ليوضح هذا الاختيار)، لكنه قَبِلَ في صمت (ما  أسماه "سخافة")، مثل جندي ڤيناڤر، بما كان يعمله هناك. كان لا يكاد يفهم هذا: ما يعلنه الجمهور المثقف، إنه اختيار: كان لا بد أن يخرج من الصين كثورٍ وثب من السياج إلى الساحة المعبئة: هائجًا أو منتصرًا.

(11) الحقيقة والزعم
انزعاجه، في بعض الأحيان الحاد جدًا -صار في بعض الأمسيات، بعد أن قضى طوال اليوم في الكتابة، إلى نوع من الخوف- ينتج مما كان لديه من عاطفة لإنتاج خطاب مزدوج، حتى إن الطريقة تجاوزت نوعًا ما الهدف: لأن الهدف من حواره ليس الحقيقة، ومع ذلك يصبح هذا الخطاب تقريريًا.
(إنه نوعٌ من الضيق كان قد تملكه في فترة مبكرة جدًا؛ يجتهد في السيطرة عليه –وإلاّ ينبغى التوقف عن الكتابة- من خلال تمثيل أن اللغةَ هي التي تكون في حالة تقريرية، وليس هو. يا له من علاج باعث على السخرية، العالم يجب أن يتوافق على ذلك، أن يضيف لكل جملة فقرة من عدم اليقين، كما لو أن أي شيء جاء من اللغة يمكنه أن يهز اللغة).
(بنفس العاطفة، في كل شيء يكتب، كان يتخيل أنه سيجرح أحد أصحابه – ليس نفسه أبداً:  فليعمل).

(12)  الحالة الاستشرائية
       عالقٌ: أنا محاصرٌ، متعين في مكان (عقلي)، في مقرٍ طائفي (غير الطبقة). ضد أي مذهب داخلى وحيد: مذهب الاستشرائية (المسكن المنجرف). الاستشرائية تتفوق على اليوتوبيا (اليوتوبيا تفاعلية، تكتيكية، أدبية، تعالج المعنى وتحركه).


(13) ذاتية الدلالة
النسخةُ الغامضة، تلك التي تثير الانتباه، هي النسخة المُنتزَعة من خطافها: إنها تستنسخ وتعود في نفس الوقت تمامًا: فلا يمكن أن تستنسخ إلا أثناء عودتها، إنها تعرقل التسلسل اللانهائي من النسخ المتماثلة. هذا المساء، صبيا فلور سيأخذان فاتح الشهية لـ بونابرت؛ الأول لديه "رفيقته"، الآخر نسي أن يأخذ لبوساته ضد الأنفلوانزا؛ كان في خدمتهما ( بيرنو ومارتيني) فتى بونابرت الذي هو بدوره في الخدمة (عظيم أسفي، لم أكن أعرف أنها رفيقتك): هذا يتم تداوله، عبر الألفة ونظرية الفعل المنعكس، ومع ذلك تبقى الأدوار منفصلة قسرًا. آلاف الأمثلة لهذا الانعكاس، الفاتن دائمًا: مصفف الشعر يقوم بتصفيف الشعر، مساح الأحذية (في المغرب) يقوم بمسح الأحذية، الطباخ يقوم بإعداد الطعام، الممثل يذهب إلى المسرح في يوم عطلته، صانع الأفلام من يرى الأفلام، الكاتب مَن يقرأ الكتب، الآنسة م.، عاملة آلة كاتبة صغيرة السن، لا تستطيع أن تكتب دون محو كلمة "محو" ؛ السيد الوسيط لا يجد أحدًا يمده (بالنسبة لاستخدامه الشخصي) بالموضوعات التي يقدمها للعملاء، إلخ. كلّ ذلك، ذاتي الدلالة: الحول المزعج (مضحك ومسطح) لعملية مقفلة: شيء ما كجناس ناقص، طباعة فوقية(*) مقلوبة، مستويات من السحق.

(14) القُطيرة
في زمن سابق كان هناك ترامواي أبيض يقوم بالخدمة من بايون إلى بيارتيز؛ صيفًا، كان يُربط به عربةُ قطار مفتوحة، من دون إعاقة: القطيرة. سعادة كبيرة، كل الناس كانت تود الصعود إليها، كان المشهد على امتداده إلى حدّ ما موقرًا، وكنا نسعد في نفس الوقت بالبانوراما، بالحركة، بالهواء. اليوم، لم يعد هناك لا القطيرة  ولا الترامواي، والرحلة من بيارتيز صارت  تمثل سُخرة. ذلك ليس لتجميل الماضي بشكل أسطوري، والتعبير عن ندم على مرحلة شباب منقضية، بزعم الندم على ترامواي. فهذا  لنقول إن فن الحياة ليس تاريخًا: لا يتطور: اللذة التي تسقط، تسقط للأبد، ولا يمكن تعويضُها. تأتي لذاتٌ أخرى، لا تُستبدل بأي شيء. ليس هناك تقدم في الملذات، لاشيء غير الطفرات.

(15) عندما كنتُ ألعبُ بالقضبان...
عندما كنت ألعب بالقضبان، في لوكسمبورج، لذتي العظمى ليست في استفزاز الخصم، وأن أُقدم لنفسي حقها في الاغتنام بجسارة؛ إنه تحرير السجناء– مما كان أثره وضع كل الأطراف من جديد في حالة تداول: عادت اللعبة مجددًا للصفر.
خلال اللعبة الكبيرة لسلطات الكلام، نلعب أيضًا بالقضبان:  أي لغة ليس لها صولجان على الأخرى إلا وقتيًا؛ يكفي أن يبرز ثالث من الصف، حتى إن مهاجمه يضطر للتقاعد: في صراع البلاغات، لن يكون النصر أبدًا إلا مع لغة ثالثة. وهذه اللغة مهمتها تحرير السجناء: نثر المدلولات، التعاليم الشفاهية. كما القضبان، لغة على لغة، إلى ما لانهاية، مثل القانون الذي ينقل دائرة المصطلح. حيث المزيد من الصور: صورة اليد الدافئة (يدٌ على يد: الثالثة تعود، لم تعد الأولى)، صورة لعبة الحجارة، الورق والمقصات، صورة البصل، المغلف بجلد دون لُب. الاختلاف لا يلتزم بأي خضوع: ليس هناك  نسخة أخيرة.

(16) أسماء العلم
جزء من طفولته، كان قد استُلب عبر إصغاء خاص: إصغاء لأسماء أعلام من البورچوازية القديمة في بايون، التي كان يسمعها تتكرّر طوال النهار من جدته، المولعة بالوسط الاجتماعي الريفي. هذه الأسماء كانت فرنسية تمامًا، ومن خلال هذه الشفرة أيضًا، مع أنها في الغالب أصلية؛ كانت تشكل إكليلًا من الدلالات الغريبة على مسامعي (لإثبات أنني أتذكرهم بشكلٍ جيدٍ جدًا: لماذا؟): مدام لوبوف، باريه ماسان، ديليه، ڤولجريه، بوك، ليون، فرواس، دو سان باستو، بيكونو، بواميرو، نوڤيون، بوكولو، شانتال، لاكاب، إنيريكيه، لابروش، دو لاسبورد، ديدون، دو لينيرول، جارانس. كيف نقيم علاقة غرامية مع أسماء أعلام؟ دون أي تلميح عن الكناية: هؤلاء السيدات غير مرغوب فيهن، وكذلك لسن لطيفات. ومع ذلك، من المستحيل قراءة رواية، مذكرات، دون هذا الشرهِ الخاص (أثناء قراءة مدام ينل، أراقب باهتمام أسماء طبقة النبلاء القديمة). هي ليست فقط لُغويات لأسماء أعلام ما لا بد منها؛ إنها كذلك إيروتيكة: الاسم، كالصوت، كالرائحة، سيكون نهاية الفتور: الرغبة والموت: «التنهيدة الأخيرة الباقية من الأشياء»، كما قال مؤلف من القرن الماضي.

(17) عن الحماقة، ليس لديّ حقٌ...
من إحدى المسرحيات الموسيقية التي سمعها في إذاعة FM  التي تبدو له "حمقاء"، يستخلص هذا: الحماقة نواة صلبة يتعذر قسمتها، بدائية: لا شيء يمكن القيام به لتفكيكها علميًا (لو أن هناك تحليلًا علميًا ممكنًا للحماقة، كان كل التليفزيون سينهار). ما هي؟ عرض، رواية جمالية، ربما استيهام؟ ربما لدينا رغبة في أن نوضع في الجدول؟ رائع، خانق، غريب؛ وعن الحماقة ليس لدي الحق في أن أقول-في المجمل- إلاّ هذا: إنها تفتنني. الافتتان سوف يكون العاطفة الحقيقية التي ينبغي أن توحي لي بالحماقة (إذا وصل الأمر لنطق الاسم): إنها تعانقني (مستعصية، ليس لأي شيء عليها صولجان، تأخذكم لـ لعبة اليد الدافئة).

(18) الوَلَهُ بفكرةٍ ما
في فترة ما، كان متحمسًا لـ النزعة الثنائية؛ النزعة الثنائية كانت بالنسبة له موضوعًا غراميًا حقيقيًا. لم يكن يبدو له أبدًا أن ينتهي المطاف بهذه الفكرة لتكون مستغلة. نستطيع أن نقول كل شيء مع اختلاف وحيد كان يُحدث فيه نوعًا من السعادة، واندهاشًا مستمرًا.
الأمور العقلية تشبه الأمور الغرامية، وفي إطار النزعة الثنائية، ما كان يعجبه، إنها كانت صورة. وهذه الصورة، وجدها، فيما بعد، متطابقة، ضمن التناقض القيمي. ما كان ينبغي أن يحيد (في داخله) بالسيميولوچيا، التي كانت تمثل بداية مبدأ المتعة: كل سيميولوچيا تتخلى عن النزعة الثنائية لن تعنيه.

(19) الفتاة البورچوازية
في خضم الاضطراب السياسي، يعزف على البيانو، يرسم  بالألوان المائية: كل الاهتمامات المزيفة لفتاة بورچوازية في القرن التاسع عشر. أقلب المشكلة: ما الذي كان، في ممارسات الفتاة البورچوازية قديمًا، يتجاوز أنوثتها وطبقتها؟ ما هي يوتوبيا تصرفاتها؟ الفتاة البورچوازية كانت تنتج بلا فائدة، بحماقة، بالنسبة لنفسها، لكنها كانت تنتج: إنه شكلها الاستهلاكي بالنسبة لها.

(20) الهاوي
  الهاوي(من يمارس الرسم، الموسيقى، الرياضة، العلم، بلا براعة أو منافسة)، الهاوي يجدد متعته (الهاوي[amator]: مَن يحب وما زال يحب)، هو ليس بطلًا على الإطلاق (للإبداع، للأداء)؛ يتحرك برشاقة (من أجل لا شيء) عبر الدال: عبر المادة النهائية مباشرة للموسيقى، للرسم؛ فممارسته؛ وعلى نحو عادي، لا تحتوي على أي إيقاع [rubato] (هذا الهروب من الموضوع لصالح النعت)؛ يكون-ربما سيكون- الفنان المضاد للبوروازية.

(21) عتابٌ مِن بريخت لـ ر. ب.
    دائما ما يبدو رولان بارت  كأنه يود الحدَّ من السياسة. ألم يعرفْ ما يبدو أن بريخت كان قد كتبه له بكل وضوح؟
«فأنا مثلاً أود  أن أحيا بقليل من السياسة. هذا يعني أني لا أود أن أكون ذاتًا سياسية. ولكن ليس لأني  أود أن أكون موضوعًا لكثير من السياسة. في هذه الحالة لا بد أن أكون موضوعًا أو ذاتًا للسياسة؛ ليس هناك اختيار آخر؛ إنها ليست مسألة ألا تكون  لا هذا ولا ذاك، أو الاثنين معًا؛ ولذلك يبدو إذن ضروريًا أن أعمل بالسياسة ولا يخصني حتى تحديد أي قدر لا بد أن أعمل به. ولذلك، من الجائز فعلًا  أن تُكَرَس كل حياتي حتما لـ السياسة، حتى لو جرى التضحية بها» (كتابات حول السياسة والمجتمع. ص57).
مكانه (محيطه)، إنها اللُغة: فهو في هذا المكان يأخذ ويرفض، في هذا المكان جسمه يستطيع أو لا يستطيع. أيضحي بحياته اللغوية من أجل خطابه السياسي؟ يريد بالفعل أن يكون ذاتًا، لكن ليس متحدثًا سياسيًا (المتحدث من يتدفق خطابه، يحكيه، وفي نفس الوقت يُعلم به، يوقعه). ولأنه لا يستطيع فصل الواقع السياسي عن خطابه العام، المكرّر، يُسقِط حقه في السياسي. ومع ذلك، من خلال سقوط الحق هذا، يستطيع على الأقل أن يعطي لما يكتب معنىٍ سياسيًا: فهو كما لو كان الشاهد التاريخي على تناقض ما. تناقض ذات سياسية حساسة، نهمة وصامتة (لا يجب فصل هذه الكلمات).
فالخطاب السياسي ليس الوحيد الذي يكرّر نفسه، يعممها، يجهدها: فمتى كان هناك تغيرٌ في الخطاب، يستتبع ذلك النسخة اللاتينية للكتاب المقدس وموكبها المنهك من الجمل غير المتحركة. لو أن هذه الظاهرة العامة بدت له بشكل خاص لا تقبل التسامح في حالة الخطاب السياسي، ذلك لأن التكرارَ يأخذ فيها مظهر نقطة التحول: الخطاب السياسي يكرس نفسه من أجل علم أساسي للواقع، نزوده استيهاميًا بقوة أخيرة: قوة قمع اللغة، اختزال كل الثرثرة حتى في رواسبها الواقعية. من الآن فصاعدًا كيف يكون التسامح دون حداد حيث يعود أيضًا السياسي لمصاف اللغويات، ويتوجه نحو الثرثرة؟
(حتى لا يجرى استلاب الخطاب السياسي عبر التكرار، لا بد من ظروف نادرة: أو أن يؤسس هو نفسه صيغة جديدة من الخطابوية: إنها حالة ماركس؛ أو، بكل تواضع،  بواسطة فهم بسيط لـ اللغة -بواسطة علم آثاره الخاصة-، ينتج المؤلف نصًا سياسيًا صارمًا وحرًا في آن، يضطلع بسمة تفرده الجمالي، كما لو أنه ابتكر نوعًا ما قد قيل: إنها حالة بريخت، في كتابات حول السياسة والمجتمع؛ أو بالأحرى أيضًا حيث السياسي، بعمق غامض وغير محتمل، ينشط ويحول مادة اللغة نفسها: إنه النص، نص القوانين، على سبيل المثال).

(22) ابتزاز النظرية
كثير من النصوص الطليعية (غير المنشورة بعد) ملتبسة: كيف نحكم عليها، نفهمها، كيف نتكهن بمستقبلها، القريب أو البعيد؟ تثير الإعجاب؟ تثير الملل؟ جودتها الواضحة أمر مقصود: إنها شغوفٌ بخدمة النظرية. ومع ذلك هذه الجودة هي أيضاً ابتزاز (ابتزاز النظرية): أحبوني، حافظوا علىّ، دافعوا عني، بما أنني أتوافق مع النظرية التي تنادون بها؛ ألم أفعل ما فعله أرتو، كا، إلخ؟ - ولكن أرتو، لم تصنعه فحسب "الطليعية"؛ بل كذلك الكتابة؛ كا لديه أيضًا سحر... إنها خواص، على نحو دقيق، لم تعترف بها النظرية، وأحيانًا أيضًا تتقيؤها. فلتتوافق على الأقل مع ذائقتك وأفكارك، إلخ. (المشهد يستمر، لا ينتهي).

(23) شارلي شابلن
طفلًا، لم يكن يحب إلى حد بعيد أفلام شارلي شابلن؛ بينما  في وقت لاحق -ودون أن يتعامى عن الأيديولوجية الفوضوية والمهدئة للشخصية (أساطير40)- وجد نوعًا من البهجة في هذا الفن، الشعبي جدًا (فقد كان  كذلك) والمخادع جدًا في نفس الوقت؛ إنه فن مركب، يتناول مواربةٍ العديد من الأذواق، والعديد من اللغات. مثل هؤلاء الفنانين يُحدثون فرحة كاملة، لأنهم يعطون صورة لثقافة تمايزية وجماعية في آن: جمعية. تعمل هذه الصورة إذن كالحدّ الثالث، الحدّ التخريبي للتناقض الذي نحن محبوسون فيه: الثقافة الجماهيرية أم الثقافة الفوقية.

(24) الفيلم الكامل
مقاومة السينما: الدال نفسه موجود دائمًا، طبيعيًا، أملس، مهما كانت بلاغية الأسطح؛ إنه- دون كلل- مسترسل من الصور؛ فالعرض السينمائي (اسم على مسمى: جلد بلا فُرجة) يسير، كشريطٍ ثرثار: استحالة الوضعية القانونية للشذرة، للهايكو. قيود التمثيل (تماثل العناوين الإلزامية لـ اللغة) تلزم بتلقي كل شيء: عن رجل يمشي في الثلج، حتى قبل أن يمنح دلالة، كل شيء مُنح لي؛ بينما في الكتابة، على العكس، لست مضطرًا لرؤية كيف صُنعت أظفار البطل -ولكن، لو استهواه- يخبرني النص، وبأي قوة- أظفار هولدرين الطويلة جدًا.
(هذا، المكتوب بالكاد، يبدو لي  بمثابة اعتراف بالتخيلي؛ كان يجب أن أعلنه ككلام حالم كان يحاول معرفة لماذا أقاوم أوأشتهي؛ للأسف محكوم عليّ بالزعم: تفتقد الفرنسية [وربما كل اللغات] صيغة نحوية تخبر على نحو خفيف [صيغتنا الشرطية شديدة الثقل تمامًا]، ليس على الإطلاق عن الشك العقلي، ولكن عن القيمة التي يبحث عن تحويلها لنظرية).

(25) الفقرات
غالبًا، في كتاب الأساطير، السياسي  في الطرف الأخير (فمثلًا: نرى إذن أن "الصور الجميلة" لقارة مفقودة لا يمكن أن تكون بريئة: لا يمكن أن يكون بريئًا من ضياع القارة التي جرى استعادتها في باندونج). هذا النوع من الفقرات له بلا شك وظيفةٌ ثلاثية: بلاغيةٌ (الجدول ينغلق على نحوٍ زخرفي)، إشاريةٌ (جرى استعادة تحليلات موضوعاتية، في الحالات القصوى، بواسطة مقترح عن الالتزام)، اقتصاديةٌ (عبر الطرح السياسي نحاول استبدالَ  حذف أكثر خفة؛ إلا إذا كان هذا الحذف ليس إلا الطريقة الوقحة التي بها نبعد برهانًا واضحًا).
في كتاب ميشليه، تظهر أيديولوية هذا المؤلف مشحونةً في صفحة واحدة (الأولى). R.B. يحافظ ويتخلي عن  النظرية الاجتماعوية السياسية: يحافظ عليها بوصفها توقيعًا، ويتخلى عنها بوصفها ضجرًا.

(26) التوافقُ
 قمتُ بالتسجيل كعازفٍ على البيانو، في البداية، كان بسبب حب الفضول لسماع نفسي؛ ولكن سرعان ما توقفتُ عن سماعي؛ فما أسمعه، هو، أحد مظاهر الادعاء التي يمكن أن يقولها عن - الموجودة من باخ ومن شومان-  المادية البحتة لموسيقاهم؛ لأن المقصود من قولي، أن المسند يصبح غيرَ ذي صلة؛ بينما في المقابل، ثمة أمرٌ مفارقٌ، عندما أسمعُ ريختر أو هورفيتز، ألفُ صفة تأتيني: أسمعهم، هم، وليس باخ أو شومان.
-ماذا يحدث إذن؟ عندما أستمع  لنفسي بعد الانتهاء من العزف -أمرُّ باللحظة الأولى من الشفافية بينما ألحظُ الأخطاءَ التي فعلتها واحدًا تلو الآخر- يحدث نوعٌ من التوافق النادر: ماضي عزفي يتوافق مع حاضر استماعي، وعبر هذا التوافق  يُلغى التعليق: لم يعد باقيًا إلا الموسيقى (من نافلة القول إن ما بقي، ليس مطلقًا "حقيقة" النص، كما لو كنت قد استعدت شومان "الحقيقي" أو باخ" الحقيقي").
عندما أزعم الكتابة عما كتبت من قبل، تحدث بنفس الطريقة حركةُ إلغاء، ليس للحقيقة. لا أحاول أن أضع تعبيري الحاضر في خدمة حقيقتي السالفة (في النظام الكلاسيكي، كان يُكرس هذا المجهود باسم الأصالة)، أتخلّى عن المطاردة المضنية  لقطعة قديمة من نفسي، لا أحاول ترميم نفسي (كما يُقال عن أحد المعالم). لا أقول: «سأصفُ نفسي»، ولكن: «أكتب نصًا، وأدعوه R.B« أمتنع عن المحاكاة (الوصف) وأسلم نفسي للتعيين. ألا أعرف أن، في مجال الذات، ليس هناك مرجعٌ؟ الحقيقة (البيوجرافية، النصية) تلغى في الدال، لأنها تتوافق مباشرة معه: في أثناء كتابة نفسي، لن أقوم إلا بتكرار العملية القصوى التي بواسطتها بلزاك، في سارازان، قام "بالتوافق" بين الإخصاء والمخصي: أنا نفسي رمزي الخاص، أنا التاريخ الذي يحدث لي: أتحرك بحرية عبر اللغة، ليس لدي أي شيء أقارنه بي، وفي هذه الحركة، ضمير المتخيل، "أنا"، يوجد غير ملائم؛ عالم الرموز يصبح بالمعنى الحرفي مباشرًا: الخطر الجوهري لحياة الذات: الكتابة عن الذات ربما تظهر فكرة طنانة؛ لكنها أيضاً فكرة بسيطة: بسيطة كفكرة الانتحار.
ذات يوم، نتيجة الكسل، أرجع إلى كتاب الـ يي كينج(*) فيما يخص مشروعي. أسحب السداسية 29: موسيقى(*) كآن، الهوة المحفوفة بالمخاطر: خطر! هوّة! حفرة! (العمل فريسة للسحر: للخطر).
مكان صورة

(27) القياسُ منطق
يُجرى تطبيقٌ دقيقٌ واستعاريٌّ، حرفيٌّ وغامضٌ في نفس الوقت، من اللسانيات على موضوع ما بعيد: فالإيروتيكية السادية، على سبيل المثال (SFL ،34 )- هي ما تحكمه في الحديث عن القواعد النحوية السادية. كذلك يُطبق النسقُ اللساني (الأنموذج الصرفي "paradigme"/ التركيب التعبيري "syntqgme")  على النسق الأسلوبي ويُصنف تصحيحات المؤلف تبعاً لمحورَيّ الورقة (NES 138)؛ كذلك، يسعد بوضع تداعيات بين المفاهيم الفورييه وبعض الأجناس القروسطية (العرض المختصر والإزاحة الطفيفة 95   SFL). لا يبتكر، ولا يجمع حتى، إنه  ينقل: بالنسبة له، القياس منطق: يسعد بإزاحة الموضوع، بنوع من خيال تجانسي أكثر منه استعاري (نقارن بين أنساقٍ، وليس بين صور)؛ فمثلًا، لو تحدث عن ميشليه، سيعمل على ميشليه الذي ادعى أن ميشليه اشتغل على المادة التاريخية: يعمل على مجموع الزلات، يطبطب (I. 28)
هو نفسُهُ يبلور نفسَه أحيانًا، يُكرّر جملة بجملة أخرى ( على سبيل المثال: «ولكن لو كنت أود الطلب؟ لو كان لديّ بعض الشهية الأمومية؟» (PIT. 43). إنه، كما لو كان، بإرادته الإيجاز–ولن  يخرج منه- يكدس إيجازًا على إيجاز، دون أن يعرف أيهم أفضل.

(28) الحقيقة والصلابة
«تكمنُ الحقيقةُ في الصلابة»، يقول بو وجدتها (Eureka). إذن، من لا يساند الصلابة يمتنع على علم أخلاق الحقيقة؛ إنه يُحرّر الكلمة، الجملة، الفكرة، ما إن يتخذوا ويتحولوا للحالة الصُلبة، للقالب (ستريوهات تعني صُلبًا).

(29) معاصرٌ.. ماذا؟
ماركس: «مثلما عاشت الشعوب القديمة مرحلةِ ما قبل تاريخها عبر الخيال، عبر الأسطورة، نحن، الألمان، عشنا مرحلة ما بعد تاريخنا الفكري في الفلسفة. نحن معاصرون فلسفيًا للحاضر، دون أن نكون معاصريه تاريخيًا». بنفس الطريقة، لست إلا المعاصرُ التخيلي لحاضري الخاص: معاصرٌ لـ لُغاته، يوتوبياته، أنساقه (أي لرواياته)، باختصار لأسطورته أو لفلسفته، ولكن ليس لتاريخه، ومن ثَمّ لا أسكنُ إلاّ الانعكاسَ الراقص: على نحو استيهامي. 

(30) مديحٌ ملتبسٌ للعَقد
    الصورة الأولى التي لديه عن  العَقد(الميثاق) هي في المجمل موضوعية: العلامة، اللغة، السرد، المجتمع، يعملون وفق عقد، ولكن بما أن هذا العقد في الغالب أكثر تخفيًا، تستند العملية النقدية إلى فك شفرة تعقد الأسباب، الحجج، المظاهر، باختصار كل الطبيعي الاجتماعي، لإظهار التبادل المنظم الذي تستند إليه المسيرةُ الدلالية والحياة الجماعية. ومع ذلك، على مستوى آخَر، يكون العقد موضوعًا سيّئًا: إنه قيمة بورجوازية، لا تقوم إلا بشرعنة نوع من القصاص الاقتصادي: التنازلات المتبادلة، مُسمى العقد البورچوازي: في مديح المحاسبة، العائد، لا بد إذن  من قراءة الخسيس، والساقط. كذلك في نفس الوقت وعلى مستوى أخير، العقد مرغوبٌ بشكلٍ دائم، كالعدالة في عالمٍ أخيرًا "مُطّرد": الميل للعقد في العلاقات الإنسانية، الشعور بأمان عظيم بمجرد أن يعتمد العقد، وكراهية التلقي دون عطاء..إلخ. بما أن الجسمَ يتدخل في ذلك مباشرة- فنموذج العقد الجيد، هو نموذج عقد الدعارة.. لأن هذا العقد، المعلن عدم أخلاقياته في كل المجتمعات وكل الأنظمة (عدا المتقادمة جدًا)، يتحرّر في الواقع مما يمكن أن نسميه المعضلة التخيلية للتبادل: إلى أي شيء أستندُ في رغبة الآخَر، إلى ما أنا عليه بالنسبة له؟ العقد يزيل هذا الدوار: في المجمل هو الوضع الوحيد الذي تستطيع أن تُدرك فيه الذات دون الوقوع في صورتين معكوستين بل مكروهتين أيضًا: الوضع "الأناني" (الذي يطلب دون قلق من أنه  لا يملك أي شيء ليعطيه) ووضع" القديس" (الذي يعطي مُحَرِمًا على نفسه طلب أي شيء على الإطلاق): سياق العقد يرواغ هكذا امتلاءين؛ مما يتيح ملاحظة القاعدة الذهبية لكل مسكن، المفكوك شفرتها في ممر شيكيديه (*): «دون أي إرادة للفهم ومع ذلك دون أي قربان.» ( EPS،149)

(31) العائق
حُلُمه (المعترف به؟)هو أن ينقل إلى مجتمع اشتراكي بعض الأمور السحرية (لا أقول: القيم) من فن الحياة البورچوازية (يوجد منها- كان يوجد منها القليل): و هو ما يسميه العائق. يعترض هذا الحُلم شبح الكليانية، وهو ما يعني أن الواقع البورچوازي  مدانٌ بلا تمييز، وأن أي انفصال للدال يعاقب بوصفه طائفةً تجلب الدنس.
ألا يمكن الاستمتاع بالثقافة البورچوازية (المشوهة) كما الاستمتاع بالغرائبية؟

(32) جسمي لا يُوجد
   بالنسبة لي لا وجود لجسمي إلاّ في شكلين شائعين: الصداع النصفي والحسوية. وهما ليستا حالتين خارقتين، ولكن على العكس مدروستان جدًا، يمكن الوصول لهما أو علاجهما، كأننا، في هذه الحالة أو تلك، قررنا اللجوء لـ الصور المجيدة أو الملعونة للجسم. الصداع النصفي ليس إلاّ مجرد الدرجة الأولى من الألم الفيزيائي والحسوية لا  ينظر لها عادة إلا كنوع من رفض تسلم بضاعة المتعة.
   من ناحية أخرى، جسمي ليس بطلًا. الطابع الخفيف، المشع، لـ الألم أولـ اللذة (الصداع النصفي يداعب أيضًا بعضًا من يومياتي) يتناقض وما يشكله الجسم في مكان أجنبي، مصاب بالهلوسة، معقل الأشكال العدوانية الحادة؛ فالصداعُ النصفي (هكذا أدعو، تقريبًا وبلا تحديد، ألمَ الرأس البسيط) واللذة الحسية ليسا إلاّ علمَي الشعور الجسمي، والمسئولَين عن فردانية جسمي، دون إمكانية تمجيد أي خطر: جسمي مسرحي على نحو ضعيف حتى بالنسبة له.

(33) الجسم التعددي
«أي  جسم؟ لدينا منه العديد» (.39 ،PIT) لديّ جسم مهضم، لدي جسم تعافه النفس، وثالث مصدوع بصداع نصفي، وهكذا دواليك: حسوي، عضلي (يد المؤلف)، مزاجي: وبشكلٍ خاص انفعالي: ما يكون متأثرًا، مُحَلحَلًا، مُكَدسًا أو متحمسًا، أو مذعورًا، دون أن يبدو عليه أي شيء. من ناحية أخرى، أنا مأسور حتى الافتتان بالجسد الاجتماعي، الجسم الأسطوري، الجسم الاصطناعي (جسم الممثلين التنكريين اليابانيين) الجسم الداعر(جسم الممثل) وفضلًا عن هذه الأجسام العامة (الأدبية، المكتوبة)، لدي، إن استطعتُ القولَ، جسمان موضعيان: جسم باريسي (نشط، متعب) وجسم ريفي (مستريح، ثقيل).

(34) الضلعُ
هذا ما فعلتُ بجسمي ذات يوم:
   في ليزان، في 1945، لكي يُجروا لي عملية الاسترواح الصدري، انتزعوا جزءًا من ضلعي، الذي استعدته فيما بعدُ بشكلٍ رسمي، مطويًا في قطعة من الشاش الطبي (بالفعل صرح الأطباء السويسريّون، أن جسمي يخصني، في أي حالة مفككة جعلوني هكذا: أنا مالك عظامي، في الحياة كما في الموت). احتفظتُ لفترة طويلة في أحد الأدراج بهذه القطعة مني، قضيب عظمي يُشبه جزءًا من ضلع الضأن، لا أعرف ماذا أفعل به، ولا أجرؤ أن أتخلص منه مخافة أن أتعدى على شخصي، على الرغم من أنه لم يكن مفيدًا لي تقريبًا حبسه هكذا في مكتب، وسط الأشياء "القيمة" مثل مفاتيح قديمة، كتيب مدرسي، بطاقة رقصٍ من الصَدفِ وحافظة ورق جَدتي B المصنوعة من قماش التفتة الوردي. وذات يوم، فهمت أن وظيفة كل درج هي تلطيف، تطويع موت الأشياء بتمريرها لمكان ورع، لمصلى مترب حيث -تحت غطاء إبقائها على قيد الحياة- نصونها فترة مناسبة  في احتضار كدر، لكني لن أجرؤ أن ألقي بهذا الطرف مني في القمامة العامة للبناية، سأطوح هذا الضلع وشاشه من أعلى الشرفة، كأني أنثر بشكل رومانتيكي ذرات رمادي، في شارع سيرفاندي، وهناك لا بد أن يأتي كلبٌ ما ليتشممها.

(35) المنحنى المجنون للإيماجو
R.P، المدرس بالسوربون، تناولني في حينه بوصفى منتحلًا،T.D. تناولني بوصفى مدرسًا في السوربون.
(ليس تنوع الآراء هو ما يُدهش ويثير؛ إنه تضاربها التام؛ ماذا يثير تعجبك: يا لَلمصيبة! هذه ستكون بشكل خاص متعة  بنيوية- أو تراچيدية).

(36) زوج من الكلمات القيم
 تتضمن بعض اللغات، على ما يبدو، ثنائيات المقوم الدلالي: كلمات لها نفس الشكل ومعانٍ متناقضة. بنفس الطريقة، عنده، من الجائز أن تكون كلمة واحدة جيدة وسيئة، دون سابق إنذار: الـ"بورچوازية" جيدة، عندما نحيلها لوجودها التاريخي، الصعودي، التقدمي؛ وسيئة عندما تكون مُوسرة. أحيانًا، وبالمصادفة، اللغة نفسها توفر التشعب المزدوج للكلمة: الـ"بناء"، قيمة جيدة في البداية، ثم فقد مصداقيته عندما بدا أن كثيرًا من الناس فهموه بوصفه شكلًا جامدًا ("خريطة" "ترسيمة"، "نموذج"؛ لحسن الحظ، "البنيوية" موجودة هناك، تتناول التغيير، متضمنة القيمة الجيدة بامتياز: الإجراء، والإنفاق المنحرف («من أجل لا شيء»).
كذلك، وعلى نحو خاص جدًا، ليس الإيروتيكي، لكنها النزعة الإيروتيكية التي تمثل قيمة جيدة. النزعة الإيروتيكية مُنتج الإيروتيكي: خفيفة، منتشرة، زئبقية؛ ذلك يتداول دون أن يتجمد: مغازلة متعددة ومتنقلة تربط الذات بما يحدث، تتظاهر بالتوقف، ثم تنطلق من أجل شيء آخر(ثم أحيانًا، هذا المشهد المتغير جدًا يكون مبتورًا، ومفصولًا عن جمود مفاجئ: الحب).

(37) النيوءة المزدوجة
تحال النيوءة للغذاء واللغة كذلك. من هذه الجملة الملتبسة (المتحذلقة) يستخرج الوسيلة التي يعود بها لمشكلته القديمة: مشكلة الطبيعي.
في حقل اللغة، الدلالة الإشارية لا يُتَوصل إليها حقًا إلا بواسطة لغة ساد الجنسية (SFL،137)؛ من جهة أخرى، وهي ليست إلا أداة لُغوية اصطناعية، حينئذ تُستَخدم لتخييل الطبيعي النقي، المثالي، المصدق، لـ اللُغة، وتتطابق-في حقل الغذاء-  نيوءة الخضراوات مع نيوءة اللحوم، صورة ليست أقل نقاءً من الطبيعة. لكن هذه الحالة الآدمية للغذاء وللكلمات لا يمكن الدفاعُ عنها: تُستعاد النيوءة على نحوٍ مبَاشر بوصفها علامةً لنفسها: اللغة النيئة لغة بورنوجرافية (تشير بشكل هيستيري لمتعة الحب)، والأمور النيئة ليست إلاّ قيمًا ميثولوجية لوجبة متحضرة، أو زخرفة جمالية لصينية يابانية. تعبر النيوءة إذن إلى التصنيف المقيت للطبيعة المستعارة: ومن ثم، هناك نفور عظيم تجاه نيوءة اللغة وفجاجة اللحمة.

(38) التفكك/ الهدم
فلنعترف أن المهمة التاريخية للمثقف (أو للكاتب)، قد تكون اليوم المحافظة على تفكك الوعي البورچوازي وتعزيزه. لا بد إذن من الاحتفاظ للصورة بكل دقتها؛ أي أن نزعم طوعًا البقاء في الداخل من هذا الوعي وأننا سوف نخربه، نضعفه، نقوضه، في موضعه، شأنه شأن قطعة من السكر مغموسة في ماء. يتناقض التفكك إذن مع التفكيكية: لكي نهدم الوعي البورچوازي، لا بد أن نُفلت منه، هذه الخارجانية لن تكون ممكنة إلا في وضع ثوري: اليوم في الصين الوعي الطبقي في طريقه للتفكيك، وليس للتفكك؛ لكن من جهة أخرى(هنا والآن) في نهاية المطاف لن يكون الهدم إلا إعادةَ  بناء مكان للكلام حيث ستكون الصفةُ المميزة الخارجانية: خارجية وثابتة: هذه هي اللغة الدوجمائية. ففي المجمل، لكي نهدم، لا بد أن نستطيع القفز. لكن نقفز أين؟ في أي لغة؟ في أي مكان من الوعي السليم والعقيدة السيئة؟ بينما أثناء إجراء التفكك، أقبلُ أن أصطحبَ هذا التفكك، لأقوم بعمل تفكك لنفسي، تدريجيًا: أتزحلق، أعلق نفسي وأسحب.

(39) المعبودة H
قوة التمتع بالانحراف (كما يحدث في حالة انحراف المعبودتين H: المثلية الجنسية [homosexualité] والحشيش [haschisch]) دائمًا  ما تكون مستخفًا بها. القانون، الدوكسا، العلم، لا يريدون فَهمَ أن الانحراف، بكل بساطة، يقدم سعادة؛ أو لنحدد أكثر، ينتج أكثر: أنا أكثر حساسية، أكثر إدراكًا، أكثر  ثرثرة، أكثر تشتتاً، إلخ. وداخل أكثر هذه يقع الاختلاف (وبالتالي، نص الحياة، الحياة بوصفها نصًا). ولذلك، هي معبودة، شكل توسلي، طريق للشفاعة.

(40) الأصدقاء
يبحث عن تعريفٍ لهذا المصطلح القادم من "المبادئ الأخلاقية"،التي قرأها عند نيتشه (المبادئ الأخلاقية للجسم عند قدماء الإغريق)، الذي يقابله بمصطلح الأخلاق؛ لكنه لا يستطيع أن يبلوره بوصفه مفهمومًا؛ فقط يستطيع أن يودعه حقلَ الممارسة، موضع البحث. هذا الحقل بكل وضوح بالنسبة له حقل الصداقة، أو بالأحرى (لأن هذه الكلمة من النسخة اللاتينية حادة جدًا، مفرطة التحفظ): حقل الأصدقاء (متحدثًا عنهم، لا أستطيع أبدًا إلا  أن أتناولني، أتناولهم، في حالة إمكانية الاختلاف). في هذا الفضاء من العواطف المثقفة، يقابل ممارسة هذه الذات الجديدة حيثُ النظريةُ تبحثُ عن نفسها اليوم: يشكل الأصدقاء شبكة بينهم، وكل منهم لا بد أن يدرك فيها نفسه خارجًا/ داخلًا، خاضعًا عبر كل حوار لمسألة الانتباذ: أين أكون بين الرغبات؟ أين أنا من الرغبات؟ طرحت عليّ المسألة عبر تطور تقلبات الصداقة الكثيرة. وهكذا يكتب يوميًا نصًا متحمسًا، سحريًا، الذي لن ينتهي أبدًا، صورة لامعة عن كتاب متحرّر.
كما  يحلل  المرء رائحة البنفسج أو مذاق الشاي -كلاهما يبدو متمايزًا جدًا، فذًا جدًا، فائقَ الوصف تمامًا- لبعض العناصر التي ينتج  تركيبها الدقيق الذاتية الكاملة للمادة، كما كان يخمن أن ذاتية كل صديق -التي  كانت تجعله  محبوبًا- تكمن في مزيج قُدرت جرعته على نحو لطيف- ومنذ ذلك الحين أصبحت أصلية تمامًا، بقوائم من الصفات المجمعة في مشاهد عابرة، يوميًا. كل منهم كان يعرض أمام نفسه الإخراج الباهر لأصالته.
في بعض الأحيان، في الأدب القديم، نجد هذا التعبير الغبي بشكل واضح: دين الصداقة (الولاء، البطولة، غياب الجنسانية) ولكن بما أنه يبقى من الدين فحسب الافتتان الطقسي، كان يُحب الحفاظَ على القوائم الطقسية للصداقة: والاحتفال مع أحد الأصدقاء بالتحرّر من مهمة، وبالابتعاد عن القلق: الاحتفال يزايد على الحدث، يضيف له إضافة لا داعي لها، متعة ضارة. هكذا، بشكل لا يفسر، هذه الشذرة كانت قد كُتبت في النهاية، بعد كل الشذرات، بوصفها شكلًا من الإهداء 3 سبتمبر1974).
لا بد من الاجتهاد في التحدث عن الصداقة بوصفها صداقةً موضعية محضة: ذلك يحررني من النطاق الوجداني- الذي لا يمكن الحديث عنه دون ضيق، بما أنه من الطراز التخيلي (أو بالأحرى: أعترف بضيقي حيث التخيل قريب جدًا: أحترق).

(41) العَلاقة المميزة 
لم يكن يبحث عن علاقة حصرية (امتلاك، غَيرة، مشاهد)؛ لم يكن يبحث أيضًا عن علاقة مُعممَة، مشاعيّة؛ ما كان يريده، ما كان يريده في كلّ مرّة علاقة مميزة، تتميز باختلاف حساس، يقدم  للحالة بنبرة وجدانية فريدة بشكل مطلق، كنبرةِ صوتٍ ذي بذرة لا تُضاهى؛ وأمر مفارق، وفي هذه العلاقة المميزة، لم يكن يرى أي عائق في مضاعفتها: لا شيء غير الامتيازات، في مجملها؛ المجال الودي هكذا كانت تعمره العلاقات الثنائية (ومن ثمّ خسارة كبيرة للوقت: كان يلزم رؤية الأصدقاء واحدًا واحدًا: مقاومة المجموعة، الزمرة، الهزيمة). ما كان قد بحث عنه، تعدد بلا مساواة، من دون اللا- مبالاة...

(42) انتهاكُ الانتهاكِ
التحرر السياسي من الجنسانية: إنه انتهاك مزدوج، للسياسي من الجنسي،  وعلى نحوٍ مُتبادَلٍ. لكن ذلك لا يمثل شيئًا: فلنتخيل الآن الدخولَ من جديد في النطاق السياسي الجنسي المكتشف هكذا، المعترف به، المتجول والمحرر... ضفيرة من العواطفية: ألن يكون هذا آخر الانتهاكات؟ انتهاك الانتهاك؟ لأنه في نهاية المطاف سيكون الحب: ما سيعود: ولكن في موضع آخر.

(43) الدرجة الثانية والآخرون
أكتب: هذه هي الدرجة الأولى لـ اللُغة. ثم، أكتب أني أكتب: تلك هي الدرجة الثانية منها. (قال، من قبل، بسكال: «الأفكار الهاربة، كنت أود أن أكتبها؛ أكتب، بدلاً من، أن تهرب مني»).
اليوم نحن نقوم باستهلاك عظيم لهذه الدرجة الثانية. جانب جيد من عملنا الفكري يعتمد على حمل الشك على أى لفظ أثناء توضيح تسلسل درجاته؛ هذا التسلسل لا نهائي، وهذه الهوة مفتوحة لكل كلمة، هذا الجنون اللُغوي ، ندعوه علميًا: تلفظ (نفتح هذه الهوة أولًا لسبب تكتيكي: تدمير الوله بملفوظتنا، وغطرسطة علمنا).
الدرجة الثانية هي أيضًا طريقة حياة. يكفي دحر قول ما، عرض ما، جسم ما، حتى ينقلب رأسًا على عقب، المذاق الذي قد يكون لدينا عنه، المعني الذي قد  نمنحه له، هناك عدة إيروتيكات، جماليات من الدرجة الثانية: (الكيتش، على سبيل المثال). نستطيع أيضًا أن نصبح مهووسين بالدرجة الثانية: إن طرح الدلالة الإشارية، العفوية، الكلام الفارغ، السطحية، التكرار البريء، غير مسموح به إلا في لغات تشهد، على نحو خفيف حتى، بسلطة الانخلاع: المحاكاة، الإبهام، الاقتباس المختلس. بمجرد أن يفكر تصبح اللغة متآكلة، ولكن بشرط: ألا يتوقف عن عمل ذلك إلى ما لانهاية. لأني لو بقيت في الدرجة الثانية، أستحق الاتهام بالنزعة العقلانية (الموجهة من البوذية تجاه أي تفكير بسيط)؛ لكن لو انتزعت شجاعة التوقف (عن العقل، عن العلم، عن الأخلاق)، لو وضعت الكلام في عجلة حرة، حينئذ سأفتح الطريق لانفصال لا نهائي، وسألغى الوعي الجيد لـ اللُغة.
 يتناول كل خطاب عبر لعبة الدرجات. يمكن أن نسمي هذه اللعبة: علم دراسة  تدرج مستويات اللغة bathmologie. كلمة مولدة ليست جديدة تمامًا، لو وصل الأمر لفكرة علم جديد: علم تدرج مستويات اللغة. وهذا العلم سيكون خارقًا، لأنه سيزعزع الحالات المعتادة للتعبير، والقراءة والاستماع ("الحقيقة"، "الواقع"، "الصدق")؛ تأثيره سيكون بمثابة الصدمة: وسوف يتعدى- كأننا نقفز خطوة- كل تعبير.

(44) الدِلالة الإشارية بوصفها حقيقةً لُغويةً
عند الصيدلي فاليز،  يُخضع بوفارو بيكوشيه ورقَ العنّاب لاختبار الماء: «يتخذ مظهر جلد خنزير، مما كان يشير للقوام الجلاتيني».
الدلالة الإشارية ستكون خرافة علمية: خرافة عن  حالة "حقيقية" لـ اللغة، كأنما يوجد في  كل جملة جذر اشتقاقي (الأصل والحقيقة). الدلالة الإشارية/ الدلالة الضمنية: هذا المفهوم المزدوج ليس له إذن قيمةٌ إلا في حقل الحقيقة. في كل مرة أحتاج لاختبار رسالة (لأزيل عنها الوهم)، أخضعها لإلحاح خارجي، أختزلها لنوع من الجلد الكريه، الذي يشكل الركيزة الحقيقية. المقابلة ليس لها استعمالٌ إذن إلا في إطار عملية نقدية تناظر تجربة التحليل الكيميائي: في كل مرة أعتقد في الحقيقة، أحتاج لـ الدلالة الإشارية.

(45) صوته
( لا يقصد صوت أي شخص -ولكن! تحديدًا: يقصد، يقصد دائمًا صوتَ شخصٍ ما)
أحاول تدريجيًا أن أقدم صوته، أجرب مقاربة وصفية: رشيق، هش، فتيّ، إلى حد ما منهك؟ لا، ليس بالضبط هذا؛ بالأحرى: مفرط الثقافة، به مذاق إنجليزي. وذلك: موجز؟ نعم، لو أطور: ويحمل عبر هذا القدر من الاقتضاب، ليس التواء (تقطيب) الجسم الذي يستعيد نفسه ويرسخها، ولكن على العكس السقوط المنهك لـ ذات بلا لغة التي تهدّد بحبسة لغوية، يكافحها: على العكس من  الصوت الأول، وهو صوت بلا بلاغة (ولكن ليس بلا رقة)، لكل هذه الأصوات، يلزم أن أبتكرَ الاستعارةَ الرائعة التي، عندما تقابلها ذات مرّة، تستحوذ عليك لـلأبد؛ لكني لا أجد، كم تكون القطيعة عظيمة بين الكلمات التي تواتيني من الثقافة، وهذا الكائن الغريب (أهو فقط صوتي؟) الذي أذْكره بشكل عابر في أذني.
عدم القدرة هذه تأتي من هنا: الصوت قد مات بالفعل، وفقط عبر الإنكار اليائس ندعوه حيًا: هذا الفقد النهائي، نمنحه اسم انحناء: الانحناء، هو الصوت فيما مضى دائمًا، صامت.
من هنا، حتى نفهمَ ما هو الوصف: يستنفد نفسه ليستعيد خاصية الكائن البشري، وهو يتظاهر (وهم عبر النكوص) بتصديقه، بأنه يريده على  قيد الحياة: "منحهُ الحياة" أى "رؤية الميت". الصفة هي أداة هذا الوهم؛ مهما قال -عبر كفاءته الوصفية فحسب- تكون الصفة جنائزية.

(46) الفصل
الفصل هو الإشارة الجوهرية للفن الكلاسيكي. "يَفصل" الرسام ملمحًا، صورة منعكسة، وإذا لزم الأمر يكبره، يعكسه، يجعل منه عملاً فنيًا؛ وعلى الرغم من أن العمل سيصبح بالفعل مترابطًا، غير دال أو طبيعي (مادة دوشامب، سطح أحادي اللون) ولأنه يخرج دائمًا، أيًا ما أردنا، -خارج السياق الفيزيائي- (جدار، شارع)، سيكون مُكرّسًا على نحو حتمي كعمل فني. في هذا الصدد، يكون الفن نقيضَ العلوم الاجتماعية، الفليلوجية، السياسية، التي لا تتوقف عن دمج ما هو مميز فيها (هي لا تميزه إلاّ لإدماجه على نحو أفضل). إذن لن يكون الفن أبدًا بارانويا، بل دائمًا منحرفٌ وفيتشى.

(47) جدليات
يبدو أن الكل يوضح أن خطابه يسير طبقًا لجدلية ذات حدين: الرأي الجاري ونقيضه، الدوكسا  والبرادوكسا، النمط الثابت والتجديد، التعب والطزاجة، الميل والنفور: أحب/ لا أحب. هذه الجدلية الثنائية، هي جدلية المعنى نفسها (دال/ غير دال) وجدلية اللعبة الفرويدية (Da / Fort): جدلية القيمة.
ومع ذلك، هل هذا بالفعل حقيقي؟ بداخله، تترسم جدلية أخرى، تسعى للإعلان عن نفسها: يجرى التخلي عن تناقض الحدود عند اكتشاف حد ثالث، وهو ليس توليفيًا ولكن إزاحيُ: كل شيء يعود، لكنه يعود بوصفه رواية، أي في دورة حلزونية أخرى.

(48) التعدّد، الاختلاف، الصراع
في الغالب يلجأ إلى نوع من الفلسفة، تُسمى على نحوٍ غامض التعدّدية. مَن يدري إذا كان هذا الإلحاح على التعدّد ليس وسيلةً لإنكار الثنائية الجنسية؟ لا ينبغي أن يكون التناقض بين الجنسين هو قانون الطبيعة؛ ينبغي إذن أن تذوب المواجهات والنماذج، تعددية المعاني والأجناس معًا: المعنى سيتجه نحو تعدديته، تشتته (عبر نظرية النص)، ونوع الجنس لن يجرى استلابُه عبر أي تصنيف(لن يوجد، على سبيل المثال، إلا مثليات جنسية، حيث التعدّد سيفسد كل خطاب مؤسس، ومركزي لدرجة أنه سيبدو له تقريباً عدم جدوى التحدث عنه).
كذلك، الاختلاف، كلمة مُلحة ومبجلة للغاية، مناسبة ولاسيما أنها توفر أو تنتصر للصراع. فالصراع جنسي، دلالي؛ والاختلاف تعدّدي، حسي، نصي؛ لأن المعني، ونوع الجنس هما مبادئ البناء، والتأسيس؛ الاختلاف هو مظهر أيضًا لغبارٍ ما، لتشتت ما، لالتماع ما، لم يعد يعنيه أن يجد خلال قراءة العالم والذات، تناقضات، ولكن تجاوزات، تعديات، انسرابات، انزلاقات، انزياحات، انحدارات.
كما يقول فرويد في كتابه (موسى والتوحيد) قليل من الاختلاف يؤدي للعنصرية العرقية. لكن الكثير من الاختلاف يبعدنا عن ذلك نهائيًا. المساواة، الديموقراطية، الحشد -كل هذه الجهود لا تستطيع إبعاد "الاختلاف الأصغر"-  بذرة اللاتسامح العرقي. إنهما التعددية، الاستبدال، ما يلزما، دون كبح.

(49) الميل للانقسام
الميل للانقسام: الجزئيات، المنمنمات، الدوائر السوداء، الإيضاحات اللامعة (مثل الأثر الناتج عن الحشيش كما يقول بودلير)، منظر الحقول، النوافذ، الهايكو، الخط، الكتابة، الشذرة، الفوتوغرافيا، المسرح الإيطالي، باختصار، اختيار، كل مفصلة لعالم الدلالات أو كل ذخيرة الفتشي. لقد فُرض هذا الميل تدريجيّاً: فن الطبقات الصاعدة يعالج عبر التأطير (بريخت، ديدرو، أينشتاين).

(50) العزفُ على البيانو، خفةُ الأصابع
العزف على البيانو، "خفة الأصابع" لا تشير مطلقًا لقيمة من الرشاقة والرقة (ما يُقال إذن عن "طريقة العزف") لكنها فحسب طريقة ترقيم الأصابع الموجودة لعزف هذه النوتة أو تلك؛ تقرّ خفة الأصابع بطريقة متروية ما سيصبح طريقة آلية: الأمر في مجمله برنامج آلة، تسجيل حيواني. في هذه الحالة، إن عزفت بشكل سيئ جدًا، فضلًا عن غياب الرشاقة، التي هي مشكلة عضلية محضة، ذلك لأنه ليس لدي خفة الأصابع المكتوبة: أرتجل في كل عزف-أيًّا ما كان- مكان أصابعي، وبالتالي، لا أستطيع أبدًا عزف أي شيء دون خطأ. المنطق في ذلك واضح جدًا حيثُ أريد متعة صوتية مباشرة وأرفض ضجر المران، لأن المران يمنع المتعة -بالفعل، كما يقال، وبقصد الحصول على أعلى متعة لاحقة (مثل الألهة في أورفيوس، نقول لعازفي البيانو: لا تنظروا للوراء مبكرًا بخصوص آثار عزفكم) فالقطعة -عبر الإتقان الصوتي الذي نتخيله دون أن نصل إليه أبدًا- تتحرك إذن كقطعة من وهم: أخضع نفسي بسعادة لكلمة نسق الوهم: «مباشرة!»، هذا ثمن الخسارة الفادحة للواقع.

(51) الموضوع  السيئ
الدوكسا (الرأي)، التي تشكل استخدامًا واسعًا في خطابه، ليست إلاّ «موضوعًا سيئًا»: دون أي تعريف من خلال المضمون،  فقط من خلال الشكل، وهذا الشكل السيئ، هو دون شك: التكرار-ولكن ما يتكرر يكون أحيانًا جيدًا؟ الموضوع، الذي يمثل مادة نقدية جيدة، هو بالفعل أمر يتكرر؟- التكرار النابع من الجسم يكون جيدًا. فالدوكسا مادة سيئة لأنها تكرار ميت، التي لا تنبع من جسم شخص- على خلاف ذلك ربما،  تحديدًا، تنبع من جسد الموتى.

(52) الدوكسا/ البارادوكسا
تشكيلات تفاعلية: الدوكسا (رأيٌ جارٍ) قد طُرحت، بشكل لا يحتمل؛ وكي أتحرر منها، ألتمس بارادوكسا؛ ثم تطلى هذه البارادوكسا بالقار، تصبح هي نفسها تصلبًا جديدًا، دوكسا جديدة، ويجب علىّ أن أذهب بعيدًا نحو بارادوكسا أخرى.
فلنعيد هذه المسيرة مرة أخرى. في أصل العمل الفني، عتامة العلاقات الاجتماعية، الطبيعة الزائفة؛ الهِزة الأولى إذن هي إزالة الوهم (أسطوريات)؛ ثم تتجمد عملية إزالة الوهم في تكرار، إنه ما يجب إزاحته: يحاول علم السيميولوچيا (المُلتًمس إذن) أن يزعزع، ينشط، يدعم الإشارة، الوضع الأسطوري، بمنحهِ منهجًا؛ هذا العلم بدوره يحتضن كل تخيل: وفاءً لعلم سيميولوجي يتوالى علم (في الغالب حزين جدًا) السيميولچيين؛ علينا إذن أن نهتم به، ونولج -في هذا التخيل العاقل- بذرة الرغبة، مطلب الجسم: إنه إذن النص، نظرية النص. لكن النص مجدّدًا يجازف بالتجمد: يكرّر نفسه، يصك نفسه في نصوص مضجرة، شاهدة على طلب للقراءة، وليس لرغبة الإعجاب: النص يميل للانحطاط في شكل كلام فارغ. أين يذهب؟ أنا هناك.


ملاحظة: مقتطفات من ترجمة كتاب "بارت بقلم بارت" الذي سيصدر كاملاً قريباً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق