الأحد، 17 أبريل، 2016

الهبّة تنقلب نكسة: فرج الحوار





«لقد رأيتك كغول الصّبيان، أو كالطّفل الخفر الباهت يسلك طريق الذّنب، ثمّ يقف في طريقه مبهوتا، ينظر ما وراءه من براءة فاتت، وما أمامه من شجرةٍ حرام تُغويه وعقاب أليم يخافه. فينهدّ عزمه ويجمد، فيقف دون غايته وقد حاد عن نفسه وضلّ الطريق».
محمود المسعدي، "السدّ"، الأعمال الكاملة: 1/106

التقى القائمون في الميدان بالحشّاشين على غير موعد إثر هبّة مثيرة كانوا توقّعوا أن تأخذهم أماما، بعيدا عن المضارب القديمة، فإذا بالحشّاشين يخرجون عليهم من تلابيب الوراء وبردة المجد التّليد (يزعمون أنّها لم تفقد شيئا من بهرجها)، لم يذوقوا لها طعما إلاّ في كوابيسهم وفجائعهم المتواترة، تطالعهم من حين إلى آخر بغزوة أو سريّة أو فتح (يزعم الحشّاشون أنّها من سنن الجهاد الأصيلة) سرعان ما انقلبت إلى مجازر وهزائم ومآتم أتت على الأخضر واليابس، وملأت الأفق حمما والقلوب حسرة وبؤسا.
صاح صائح الحشّاشين بالبشرى على المنبر:
إنّه لفتح عظيم.
استشاط غراب البطريق السّادن، واهتزّ في سدّته محنقا، وزلّ لسانه فهتف بازدراء:
سحقا لهذه الجراثيم.
وكان البطريق على كثب منه يترصّد سقطاته ويقوّم عوجه، فابتدره مؤنّبا:
لا ينطق بهذه السّفاهة حكيم.
وافترتّ شفتاه المتهدّلتان عن تكشيرة ازدراء، أيقن الغراب على إثرها أن لا  قبل له بغصب ربّ المنبر، فاعتلى سدّته ركضا وهمهم معتذرا:
لا  وجود بيننا لجراثيم، كلّنا إخوة في الحقّ.
وأثلج صدره أن سمع البطريق يعلّق على تراجعه بصوت هادئ رصين:  
الاعتراف بالذّنب فضيلة.
أدرك الغراب أنّه نجا. وانتظر أن ينصرف مستجوبه ليخلو إلى مرآته يتأمّل فيها نصره المؤزّر، ولكنّ الصّحفي عاجله بسؤال أخلّ بتوازنه:
هل تنوي يا فخامة الصّولجان أن تلبس ربطة عنق؟
لم يفاجأ أحد لمرأى الغراب متعلّقا برقبة مستجوبه يشبعه لثما. وقيل إنها سقطة أخرى تنضاف إلى سلسلة سقطات القابع في سدّة اللّيث. وغلبت الحسرة الكثيرين على أمرهم وازدادوا يقينا أن الخشب غير الذّهب. وقد كان اللّيث من الذّهب الإبريز، وكانت السدّة في عهده حصنا منيعا. وكان البغاث لمّاعا كالدّراهم الزّيوف، ظلّت السدّة في عهده منيعة كما هي في عهد سلفه. وقد أضحت اليوم زريبة يرتادها صبيان الحشّاشين وجحافل العيّارين من حماة "الثورة"، والكذّابون والمدلّسون والمشعوذون ممّن أصابتهم لوثة القداسة فتوهّموا أنهم بلسان الحقّ ينطقون.

وهتف الغراب بصوت جيّاش:
أعد شعبي أن أفعلها إن فعلها فضيلة السّادن قبلي.
وظلّ أهل الميدان من النّورانيّين في العراء يضمّدون جراحهم، ويتأمّلون خرائبهم، ويتعقّبون في نبضهم ثمالة الفرحة. وما عتم أن انبرى إليهم من جوف النّكسة صوت الرّجاء:
فليسقط الصّولجان.
وكانوا يردّون على الرّجاء بالوجوم. ويتحدّث فيهم الجزع أحيانا فيثير فيهم موات الأسئلة، ثمّ لا يلبثوا أن يتراجعوا إلى الذّهول، ويهمهم منهم من استبدّ به وازع السّكينة:
هل يسقط الصّولجان؟
فاحتدمت في الرّجاء سطوته حتّى خشوا أن يحترقوا بلهيبها:
لو شئناه أن يسقط، سقط. 
خرج عليهم الحشّاشون أفرادا وكتائب ملتحفين وبر وجوههم الكالحة، زيّنوها بما يتنكّر به جنود الحقّ المبين (كذا يزعم من نصّبوا أنفسهم حماة للمعابد والهياكل الّتي لا  تملك ما يطفئ غلّة السّؤال) إذا خرجوا للنّزال، وقد تسربلوا في أشتات من الثّياب تشكّ العين نشازا وقبحا. وكانوا يسحبون وراءهم زكائب فاحمة اللّون ظنّها القائمون في الميدان من عتاد الجهاد لديهم جاؤوا بها من جوف الأحقاب الخوالي إلى زمانهم. يزعم الحشّاشون أنّها من براهين الإعجاز الّذي قام به مناديهم على المنبر. ثمّ لم يلبث أن قال أحد العارفين إنّ هذه المضارب الرّجراجة هي حريمهم المصون جاؤوا بهنّ مددا ليرشدن الغواة إلى سبيل الصّلاح والعفّة. وكنّ يصحن من جوف قلاعهنّ بنعم انعتاقهنّ من نير السّفور، وذل الظّهور، ومغبّة التّعرّض لعيون الفحول المستثارة على الدّوام، يزعمن أنهم يريدون بهنّ نهشا وفتكا. وهنّ اليوم يحرّضن بنات جنسهنّ على الأفول استجابة لمراسم الحقّ الّذي يضيره أن تتعرّض الأنثى لنورالشّمس خشية عليها، وهي اللّطيفة الرّقيقة، أن تتبخّر أو تذوب.
جاء الحشّاشون رجالا ونساء يرفلون في جلال الأجداث وأبّهة التّقوى، ممتشقين خليطا من السّلاح والدّعوة واللّعنات واللّغو يتعهّدون بها مجامرهم الحامية، وانتشروا في الآفاق يرمّمون فيها ما اندثر من المآثر والبيوت والمقامات والقلاع والصّوامع والمسالح. ولم يلبثوا أن رفعوا في الخرائب رايات ومنارات لهم تبشّر الغافلين بقرب الخلاص من درن الدّيمومة، وربقة السّعي، وخبث الطّوارئ، بعد أن انتشر صرح الخلافة عاليا كما كان في فجرالملحمة الّتي هزّت الدّنيا، وقلبت الموازين، وافتتحت التّاريخ وختمته في لحظة، لا تاريخ سواها، كتب على العالمين أن يستعيدوها على مرّ الأيّام، لا يحيدون عن شرائعها قيد نظرة.
وقام مناديهم على المنبر محذّرا من خطر الانزلاق في مهالك البدع، ومن الانحراف عن هدي السّلف الصّالح زمن الصّفاء الأوّل والعزّ. منه ما بثّوه في هيئتهم وكسوتهم من مآثرالدّمامة. يزعمون أنّ جمال المجاهد في ثباته على العهد لا في الخلق تستر جسده. وكانوا يقسمون أنّ هذه الهيئة من صميم الاستقامة، آلت إليهم نقيّة صريحة في الدّواوين والدّفاتر، لم يشبها مين أو باطل، وذادت عنها أجيال من المقاتلة صونا لها أن يبغيها أهل الفسق الغوائل. وهم اليوم مقرّون العزم على التّراجع قدما على نهج الأسلاف في نشرها حربا أو سلما، لن يردّهم عن مرادهم شيء.
نصر أوشهادة.
ثمّ تدافعت جموع الحشّاشين في السّاحات والميادين يطالبون الحياة الدّنيا بالإذعان لناموسهم، أخرجوه من الأدغال والأحراش، ونادوا به مبشّرين، رافعين راياته السّوداء عاليا في السّماء.
وقام البطريق، رأسهم ومهديّهم، على المنبر صائحا:
لا مكان في الأرض بعد اليوم لغير النّاموس. 
فلم تلتفت الدّنيا إلى هذا الغثاء، وكانت في شغل شاغل عنهم بما يجري، فالهبّة نصب عينيها في امتداد الأفق، وليس وراءها إلا الضّباب والفراغ والخسران. استفزّت لامبالاتها حماسة الخطيب فلعلع صوته مهدّدا:
لن نرضى بغير النّاموس.
تجاهلت الدّنيا هذا النّداء العجيب لأنّها جبلت أن لا  تنصت إلى من يحاورها متواريا بوجهه عنها، فذهب في ظنّ كتائب الحشّاشين أنّ الآفة أتلفت في الدّنيا سمعها وأطفأت بصرها، فهي لا تسمع من هديهم شيئا، ولا ترى من جموعهم قليلا أو كثيرا، وعزموا أن يرهقوها نداء ويرهبوها تنديدا حتّى تستدير إليهم بوجهها وتبادلهم كلاما بكلام.
استشاط البطريق فأهاب بالدّنيا مهدّدا:
اختاري بين النّاموس والموت. 
ولكنّ الدّنيا لا تستدير إلى الوراء أبدا، ولا  تكرّر حديثا لها، ولا  تعبأ بما كان من أمجادها أو مخازيها، همّها الأفق أمامها تغذّ نحوه السّير، فمن أرادها لشأن مّا فليسع في إثرها وليدركها إن قدر. فطوبى للقادرين الّذين لا  يلهيهم عن الهبّة نداء لا  تطلقه حناجرهم، يعلمون علم اليقين أنّ الموت لا  يفصح (إن أفصح، ولن يفصح) إلا  عدما. 
أمّا الحياة فمن مراسمها المقرّرة أن لا تنتظر أحدا.
وهكذا كان. ولذلك كانت هذه السّيرة: سيرة الهبّة يرويها واحد من أهلها على لسان القائمين معه في الميدان. امتدّت له يد الغيّ غيلة تروم أن تُعدم فيه مقوله فأفرج عنه الموت وأطلقه في المدى يحكي وجمهور الميدان حوله كالطّوق، يذود عنه بمهجته، ولسان حاله يردّد متحدّيا القتلة: "لن نؤتى من جحركم كرّتين".  
وفي رواية أخرى أنّ الرّعب تخلّل روح الحياة فزعزعها. بل "أصابها في مقتل" زعمت عيون الجيران وكشّافيهم، "فلن تصمد في وجه البغي طويلا". وأبعد آخرون فأكدوا أن العلّة نخرت في الحياة نسغها فباتت هشّة متداعية مشرفة، لن تجديها أهازيج الميدان شيئا لو صمدت لتكبير الحشّاشين. وكم بإمكان الميدان أن يقف في وجوه الهمج؟ وقيل: "لو حدث وانكسرت الحياة فاستباحها الأوباش ورفعوا راياتهم في أكنافها، إذن تغيب الشمس غيبتها الكبرى ويخيم الظّلام". وقيل غير ذلك. والله أعلم. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق