الجمعة، 25 مارس، 2016

حاشية عن الإستيطيقيّة الأيروسية لدى جورج باتاي: محمد بن حمّودة




يستهل جورج باتاي الكتاب الذي اجتزأنا منه النص الذي بين أيدينا (الحاشية قراءة لـ "الإيروسيّة: إقرار الحياة حتى الموت" لجورج باتاي ترجمة محمد علي اليوسفي) بما يلي: «يمكن القول عن الإيروسيّة إنها إقرار الحياة حتى الموت». وهذا الإفراط في الالتزام يقوم دليلاً أكيداً على الطبيعة الإستطيقيّة  للإيروسيّة. إذ من البين أن للإيروسية صلة عضويّة بالآخر الألوهيّ كما حدّث عنه إتيان سوريو. على النقيض من الدور الذي يضطلع به "الغير" (Autrui)، يجزم سوريو أن الآخر الألوهيّ لا يمكن أن ينبثق دون أن يربك نظام حساسية الأفراد. وإن شئنا الدقّة فسنجد أن تماثلهما حاصل أساساً على مستوى اشتراكهما في استحداث المباشرة على مستوى التأثّرية. فعالم الألوهيّ هو، كما يذكر باتاي ذلك في الفقرة السادسة من كتابه الموسوم "نظرية الدين"، هو عالم العدوى، ثم إن عدواه خطيرة ولا حدّ لها لأنّها تقوم على نسف كلّ الحدود. وإذا كانت الإنسانية، لا الحيوانية هي الذي تحِنُّ إلى عالم الألوهيّ، فذلك لأن الإنسانية ترفض وضع الكمون (L’immanence) ولا تقبل أن تكون من جملة العالم. ولذلك ينتهي باتاي إلى صياغة نقيضة الوجود الإنساني كما يلي:

«ولو كان الإنسان يستسلم للمحايثة بلا تحفظ لكان من شأنه أن يخفق في الإنسانية، لن يكملها إلاّ ليفقدها ومع مرور الزمن تعود الحياة إلى الحميمية الخالية من التيقظ كما لدى الحيوانات. أما المشكلة الملحة التي تطرحها استحالة الوجود الإنساني من دون أن يكون الإنسان شيئاً، واستحالة إفلاته من حدود الأشياء من دون العودة إلى النوم الحيواني، فإنها تجد حلها المحدود في الاحتفال بالعيد.»(1)*

“The Unveiling” by Conor Harrington
من منظور باتاي الحفل، بوصفه إحدى تجليات وفاعليات الإيروسيّة، يسمح للإنسان بأن يتخلّص من الثبات الحيواني دون أن يتشيّأ مع ذلك وينتهي إلى المصادرة على برّانية الطّبيعة. ولذلك كان أوّل الاقتضاءات الملازمة للإيروسيّة هو مواجهة الرّعب اللازم لتقرير الوجود: رعب الجملة المحسوسة وما يلازمها من ذوبان، منتظم للشخصيّة. ومعلوم أن الجملة المحسوسة لا ناموس لها إلاّ قانون الأكثر والأقلّ. ولذلك جزم بلانشو أن «الأكثر (Le trop) هو التجربة»(2). ذلك أن الذّوبان المذكور يرضي احتياجات نفسيّة مباشرة، ويرضي علاوة على ذلك نوعاً من البناء المعماريّ الرّوحي الذي تستنكف من منظوره الذّات أن ترتاح في الوحدة الموحّدة وتطلب، في القابل، الوحدة المسرفة في التّأكيد. وبسبب من إسرافها التوكيديّ تحديداً تتلاءم خبرة الأكثر مع إحساس بالثّراء والثروة والتّبذير الكريم والذي يحيل على شتّى التوافقات والمنطلقة باستمرار من البصر إلى السّمع، ومن الذهن إلى الإحساس التي تجعل ملكات الجسد وكأنّها تتبادل الأصداء لتجربة خسوف الجسد وطرق انطلاقه. وهو ما يقوم دليلاً على أن التجربة الإيروسيّة، من حيث أنّها تجربة حسّية، هي دائماً تجربة-حدّ و ذلك لتعارضها الجذريّ مع المطلب الأوّل للرّأي، ألا وهو «الراحة في الوحدة». هكذا تمسكاً بفرط المعلومية الملازمة لخبرة الأكثر تذعن-الإيروسية لاستحالة تذويت اللذّة (L’impossibilité de subjectiver la jouissance) ولتعارضها مع خبرة العبْر ذاتية. وفعلاً، فلفرط  تمسّك باتاي بالعلاقة الإستطيقية مع الوجود، فإنّه لم يكن لكتاباته من غرض آخر تتأمّله وتُمحِّصُه خارج مسألتي اللاّانقسام والتّعدّد، عُنْصُرَيْ النّظرة الإستطيقيّة للعالم. ومنه اختلاف اقتصاد الموت ضمن التجربة الإيروسيّة عنه ضمن التجربة النّظريّة. فإذا كان الموت كما ورد ذكره في نصّ هيغل عن فرط المعلومية غايته موت الذات بإزاء الطبيعة، فإن خبرة الموت كما يبلورها نص باتاي هي، على النّقيض من ذلك موت بإزاء الذات. وعلى هذا الأساس كان بالإمكان القول إن شرط الإيروسيّة الأوّل هو رفض الانفصالية والتمسّك بالتعدّد على اعتبار أنه التجلّي غير المنفصل. وهو ما يحيل على القول بمصادرة مناقضة للمصادرة الفلسفية المقابلة لها: فإذا كانت الفلسفة تعتبر أنّ السيادة، من حيث أنّها كمال، هي من باب المعاني لا من باب المباشر(3)، فإنّ الخبرة الحسيّة عموماً، والإيروسيّة خصوصاً، تنطلق من المصادرة المناقضة. ومنه توكيدها لإمكانية خبرة سيادية لا تقول ببرّانية الطبيعة. وفي ذلك كان باتاي يستعيد لحسابه التمييز النيتشويّ الخطير بين السيادة (Souveraineté) والسيطرة (Maîtrise  ) [ومنه عقم كل الحديث الذي تردّد عن صلة نيتشه بالنازية. وإذا كان لا بدّ من التجنّي على فيلسوف لتبرير "الجحيم الاجتماعي"، من حيث هو كذلك، فإن اتهام تصور السيد الهيغلي أقرب لنوعٍ من الصلاحية، وهو المؤمن بقيم السّيطرة ومرتهن باعتراف الآخرين به]. وحين ننظر للمسألة فقط من زاوية النظر والتي تعنينا -سواء ضمن الكتاب برمّته، أو في حدود ما تسمح به علاقة التلاصق (La Contiguïté) الذي نقيمها مع نص باتاي من خلال الحاشية التي نحن بصددها-فإننا سنلاحظ أنه في وقت أراد فيه أن يعالج كل القضايا ضمن الشرط الإستطيقي (La condition esthétique)(2)، فإن هيغل جعل من الشرط التّاريخي الأفق الذي تُسْتَمَدُّ منه البداهة الأسمى. بل إن إقباله على الفلسفة وتوثينه لقدرة العقل على فهم العالم والوجود، يُمَثِّل في جزء منه ردّ فعل على الرعب الملازم لتقرير الوجود كما خبره هو شخصياً وكما أخبر عنه في أكثر من موضع.

وبمجرد الاعتماد على ما ذكرنا لكل من نيتشه وهيغل، يمكن ملاحظة أن وضع الامتلاء هو وضع أوّلي [بمعنى استهلالي[ عند نيتشه وأن الموت هو الوضع الأوّلي عند هيغل. وقد رأينا كيف أنه شدّد على ضرورة تسرّب الموت لكل شيء وكيف أنه يشرط ذلك التسرّب بقدرة نُسمّيها اليوم تجريداً وسماها هيغل «الانتزاع عن الواقع». في المقابل، يرتبط وضع الامتلاء النّيتشويّ بالمباشرة على مستوى التأثّرية وهو ما يحيل على خبرة الوجد بوصفه حالة من اللاتمايز المؤلم. إذ لا ينفكّ الوجد المذكور عن تجربة انفكاك المركز (Un décentrement)، تنفكّ إثره الذات المتصلبة من ذاتها لتنفتح على الرابطة المنبثقة بشكل موال لانفكاك التّمركز المشار إليه. معنى ذالك أنه من منظور نيتشه لا ينشأ الفكر "انتزاعياً" كما هو الحال مع هيغل، كما ولا ينشئ بعملية تراكمية وإنما هو في عود أبديّ، فينبثق ويعاود الانبثاق، وهو في كل مرّة موسوم بالإكتمال ولكنه مع ذلك لا تكفُّ عينه عن الإنقلاب. وعلى أساس لا نهائية انبثاقية الفكر الإستطيقي وتراكمية الفكر النظري، ميز نيتشه بين الفنّان وبين الإنسان النظريّ بملاحظته أنه «إذا كان لا يمكن للفنان أبداً -في كل مرّة تنكشف الحقيقة، إلاّ أن يظل مُعلّقاً، النّظرة منخطفة نحو ما بقي من الغطاء بعد انكشافه فإنّ الإنسان النّظريّ هو ذلك الذي يَلْقَى، بانتزاعه للحجاب، الراحة والرضاء»(5).
مجمل القول إنّ تعارض الإستطيقيّ والنّظريّ إنّما هو تعارض بين فكر توجُّدي لأنه يستمدّ بواعثه من موقف مفتون بلانهائيّة التعدّد الموسوم بها العالم وبين العقل بوصفه دين الثقافة، أي بوصفه قوّة موحِّدة على أرضية تعطيل قدرة المقدّس التوحيديّة وهدفها تأسيس دائرة وفاق نموذجها اللغة. وإذا كنّا توقّفنا عند رهانات هذا التّعارض فذلك لأن توظيف باتاي للإيروسيّة إنّما غايته القصوى هي تخطّي هذا التّعارض المذكور، أي التعارض بين الشرط الإستطيقيّ وبين الشرط التاريخيّ. حقاً، إن الأرضية التي يطرح باتاي على أديمها مسائله هي أرضية إستطيقية. وليست الأرضية المذكورة إلاّ المحسوس من حيث هو فراغ ينسج حوله المتكلم كلاماً متحولاً إلى ما لا نهاية، وينفعل به العائش على كل الأنحاء. وما يهمّ في التجربة -الحدّ هو قدرتها على أن تجلو "جوف |لـ-"أنا" الذي أنا هو. وهو المعني الذي قصد إليه باتاي حين أشار في النصّ أعلاه إلى أصليّة الوجود في الداخل وعموميته [وهو ربّما، ما سيحدو لاكان إلى القول: «ليس من ذاتي إلا غير المعبّر عنه»). ومع ذلك يجزم باتاي أن «المعشوق يعادل، لدى العاشق، لدى العاشق وحده بلا شكّ-ولدى أيّ عاشق، حقيقة الوجود». فهل معنى ذلك أن الوجود الداخلي هو وجود غفل من الحقيقة؟
جواب باتاي يفيد أن للوجود في الدّاخل حقيقة، ولكنّ عيبها أنها حقيقة دائمة ومؤكّدة، كما المباشرة، ضمن خبرة الوجود في الدّاخل، تترادف مع أقصى البعد، أي تترادف، وبشكل مفارق، مع الانفصالية. ومنه خطورة دور المعشوق في الوصل بين الذّات وذاتها، وذلك بتعليق الانفصالية وإحلال اتّصالية إيروسيّة محلّها. معنى ذلك أنّ الوجود في الدّاخل لا تخبره الإنسانيّة إلا بوصفه جُرحاً، ومنه قدرته على أن يكون الواسطة من أجل تأسيس الإتّصالية. وهو ما عبّر عنه باتاي بقوله:

«التواصل يتطلب نقصاً، منفذاً، إذ انه كالموت يدخل عبر عيب في الدرعِ. إنه يحتاج لشرخين ظرفيين في ذاتي، وفي الآخر»(7)**

على هذا النحو، أمل باتاي في تخطّي التّعارض النيتشوى/ الهيغلىّ، وذلك باستنبات مشروع هيغل التوحيدي على أرضية نيتشه التوجّدية. بأكثر دقّة نقول، إنّ باتاي أمل في أن يتخطى التعارض بين ما أسماه "مجتمع الأشخاص" و "مجتمع الأشياء"(8). ولذلك كان سؤاله المركزي هو هل يمكن للفكر أن يحوّل التشيء إلى سيادية؟ هنا أيضاً يعوّل باتاي على الإيروسية لتتجاوز التعارض ببن الطابع الشخصي للسيادة النيتشوية والطابع الكلّي للعملية الهيغلية. ولكن كيف يمكن للأيروسية بأن تسهم في إمكان تعايش السيادة والسلطة؟ جواب باتاي كان هو المباينة (L’hétérologie). ومعلوم أن باتاي كان يطمح إلى تأسيس علم مستحدث عمّده بـ"علم المباينة" (L’hétérologie). ذلك أنّ الدراسات الأنثروبولوجية والنّفسيّة وغيرها تبيّن، كلّ من موقعها، كيف أنّ للمباين قوّة جلال جاذبة جذباً يدعو إلى القول بأصلية محتده. خاصّة وأن الآخر الذي يربط باتاي بينه وبين إيجابيّة المقدّس "هو آخر الأقاصي" (Le tout autre). ومن ناحيته، يجزم هابرماس أن باتاي ينطلق «من فرضية بيولوجية تنصّ على أن العضويّة الحية تراكم طاقة أكبر ممّا تتطلب عملية إعادة إنتاج الحياة. هذه الطاقة الفائضة تُستثمر للنمو. ولكن حين يتم استقرار هذا النمو يكون من الضروري إنفاق فائض الطاقة بشكل غير منتج -يجب تبديد الطاقة بلا فائدة- مبدئيّاً يمكن حدوث مثل هذا الأمر. بشكل "مفضّل" أو بشكل "اضطراري". إنّ الحياة الاجتماعيّة الثقافية لا تفلت من ضغط الطاقة الفائضة.»(9) هكذا، إذا كان العقل لا يكوّن بنيانه إلاّ باستبعاد العناصر المباينة، فإن الموقف الإيروسي منهمك في طلب الجزء من كيانه التقديريّ والذي خسره بفعل الإنشطار الذي يحدثه الوعي على ملكات الإنسان وكيانه. ولذلك صح القول إذ إغراء الإيروسيّ هو من إغراء الالتئام الموالي للانشطار. ولكنّ الالتئام المطلوب من طرف باتاي، ليس غاية نفسه، وإنّما هو حافظ على أثر من أصول علاقة باتاي بالسّورياليّة. هذه المدرسة الأدبيّة التى كان بنجامين يقول إن هدف مشروعها بمجمله كان «كسب قوى الثمالة لجانب الثورة»(10). ورغم كون باتاي كان أقرب إلى السوريالية منه لـ نيتشه -وذلك لإدراكه البعد التّضحويّ للمقدّس بوصفه تضحية بالحياة من أجل قيم الفعل- فإنّه مع ذلك لم يكن يعتقد في جذرية التخطّي الذي تدّعيه السّورياليّة. فالكتابة الأتوماتكية التي تأمل بها السوريالية في بلوغ علاقة تلقائية بالوجود، لا تستوفي شرط انتهاك النفس (L’expiation) والذي هو قادر بالفعل أن يضع العتبة  والتّخم محل مساءلة وتقويم. كما أنه عن طريق انتهاك النّفس يتاح للذات أن تنخرط في الزّمن، بما أن الزمن ليس إلاّ باطنيّة وقد تقاطعت مع خارج ما. والحاصل أنّ تجربة انتهاك النّفس سمحت لـ باتاي بأن يتبين أن للسّيادة أصولاً غامضة ينبغي البحث عنها من ناحية الإنفاق أكثر من ناحية الاستخدام والتوظيف. وهو ما عير عنه من خلال مقولة "الإنفاق غير المنتج" (La dépense improductive). على هذا النحو يعاود باتاي طرح مسألة الألوهيّ وعلاقته بالشرّ من حيث هو امتلاك الفردية الدائمة والمؤكدة، وليجعل من الإيروسية أفق الخبرات السّيادية. وعلاقة الإيروسيّة بالشرّ هي مضمون الفرق الجذريّ الذي يميّزها عن القانون بوصفه مُكوِّن الرغبة. ومنه تناقض مقصدها مع مقاصد القانون وحليفه، في الغرب وعلى مدى طويل، الكنيسة. فقبل أن ينافس المحلّل النفسي دور القسّ في تقبّل الاعترافات، وقبل أن تأخذ الوسائل السّمعية البصريّة نصيبها من المنافسة المذكورة، قامت الكنيسة في الغرب، بعقلية تهجير منهجيّ للألوهيّ، وذلك تحت ستار إلصاق الشرّ بالشّيطان وتوصيف الرّبويبة بالخيريّة. وفقد بالتّالى المقدّس كل إيجابيّة واختزلت تجربة التخطّى إلى فاعلية نافية قوامها التدنيس. وقد عبّر باتاي عن هذه التحوّلات ضمن الكتاب المتضمّن للنصّ الوارد أعلاه، بقوله:

«عموماً، بِتعارض التدين المسيحي مع روح الانتهاك، اختزلت الديانة المسيحية المقدس في طابَعه المبارَك وطَرَدَت عنها المقدس اللعين نحو حَيِّزِ المُدَنَّس. في المرحلة الوثنية من الدين، كان مجموع المجال المقدس يتكون من الطاهِر والدَّنِسِ. أمّا المسيحية فطرحت عنها الدنِس. وتم، بعد ذاك، إبعاد المقدس الدَّنِس نحو العالم المُدَنَّس. كان الشيطان مطروداً من العالم الإلهي. ولم يعد الانتهاك أُسَّ الألوهية بل سقوطَها [..] في المرحلة الوثنية من الدين، كان الانتهاك مؤسِّسًا للمقدّس، الذي كانت لم تكن طِباعه الدَّنِسةُ أقلّ قدسية من باقي الطباع المعاكِسَة [..] ساعتَها، سقطت الأيروسية ضمن حيز المدنَّس وصارت في نفس الوقت موضوع إدانة جذرية. تطوّر الأيروسية موازٍ لتطور الدَّنَس. التماثل مع الشر متوائِمٌ مع الجهل بالطابع المقدَّس [..] وعارضت الكنيسة الأيروسية عموماً. لكن الاعتراض كان مؤسَّسًا على طابع مدنَّسٍ للشرّ كان يعتبر النشاط الجنسيَّ أمراً خارجَ أواصرِ الزواج»(11)***

هكذا دجّنت السلطة، متحالفة مع الديانات، الميل الإستيطيقيّ نحو السّيادة ورسّخت بدلاً عن ذلك عادة الإذعان لمشروطيةٍ قوامها استهلاك مواز للحاجات وحاجات منضوية تحت مقياس الجوع. وكما قال بلانشو، فإنه «عندما يكون هناك عنف، كلّ شيء يكون واضحاً، ولكن عندما يكون هناك إذعان، ربما يوجد فقط تأثير عنف داخليّ يختبئ في باطن الرضى الأكثر يقيناً». وهو الإذعان الذي تدفعه الفاشية إلى حدوده القصوى، إذ تستغلّ الفراغ الذي تركه التّهجير للألوهيّ وما تلاه من سلب المقدّس لكلّ إيجابيّته، فتوجّه استعدادات الجماهير الإيروسيّة نحو شخص القائد. وفي ذلك يقول باتاي: «إنّ المدّ الوجداني الذي (...) يربط بين القائد ومريده - والذي يتخذ شكل توحُّدٍ (...) يرتبط بالوجدان المشترك للسلطة وللطاقات التي يشتدّ عنفها، ويزداد خروجها عن كل حدّ والتي تتحكم في شخصية القائد وتغدو في حوزته بلا تحديد.» (ذكره هابرماس، ص 333). أي أنّ الفاشية تقوم بتحويل رفض المجتمعات للانفصالية ولتكريس الوجود المنقسم. إذ الحاصل هو أن تكريس برّانية الوجود أمراً فعلياً، بفضل التّسييج المعماريّ للوجود وبفضل تطوير التقنية للقدرة على الانفصالية إلى أبعد الحدود، سمح للوجود التاريخي للإنسان بأن يتمركز على ذاته بشكل يوشك أن يفصله تماماً عن الحياة كما انبثقت عن الطبيعة. فإذا كانت كلّ المجتمعات القبل صناعية تدرك أنّه لا سبيل للإنتظام المدنيّ إلاّ بتضييق التّصريف الطّبيعيّ للوجود، وعدّدت، من أجل هذا التّضييق، الأنساق الرمزيّة (أساطير، شعائر، علاقات قرابة، تبادل اقتصاديّ..) فإنّها كانت كذلك على وعي بضرورة جبر الضّرر الإستطيقيّ الحاصل لأفرادها من جرّاء العنف الملازم لقيام النّظام الرّمزيّ، عنف من طبيعة سيميولوجيّة. وقد بيّن رونيه جيرار (René Girard) بجلاء كيف كانت المجتمعات تكثّف كل العنف الأصليّ المكبوت جماعيّاً في شخص ضحيّة واحدة، وكيف أنّه ينبغي أن يكون من مواصفاتها كونها ذات وجاهة عند القوم وأنّها إلى جانب ذلك مرتكبة لذنب. على هذا النّحو، تضطلع الضّحيّة بالنّسبة إلى أفراد مجتمعها بدور بيداغوجيّ يلمسون خلاله مدى ما للحرام وللتحريم من صلاحية رمزيّة واجتماعيّة. وعلى هذا النّحو يوظّف العقل الحرام من أجل تأسيس حدّ النفس ودعوة الفرد للإلتزام به. ولكن تطوّر مجريات الأمور خلال التاريخ الغربي دفعت هذا التوظيف السيميولوجي إلى حدّ أخضع العقل هو الآخر لصرامة المبدأ الذي أسّسه هو بالذات. فالعقل نفسه، تفتَّتَ بعد قيام الثورة الصّناعيّة إلى أشكال مختلفة للعقلانية وللتّراكم السريع للتّرتيبات العقلانية المستخدمة في كل الأنساق [جنائيّ، استشفائيّ، مدرسيّ...]. وقد أوجز بلانشو هذا التّذويب للعقلانيّ ضمن مسامّ كلّ الجسد الإجتماعى بقوله: «إنّ عقلنة الفظيع أصبح واقعة من وقائع تاريخنا الغربيّ المعاصر»(12).
مجمل القول إنّه، كما تقوم الدّول الحديثة بتسييج الحقل الاجتماعيّ برُمّته (فتصبح الصعلكة والترحال تشرداً)، كذلك أدى استيعاب الأنساق الأخلاقيّة لمجمل قطاعات الحياة الاجتماعيّة إلى زوال الحد الفاصل بين الحرام والمسموح به وفقد بالتالي المقدّس كل إيجابية واختزلت تجربة التخطّي إلى فاعلية نافية قوامها التّدنيس.


هوامش:

1) G. Bataille, La théorie de la religion, Gallimard, Coll., Idée, 1973, p. 72.
2) موريس بلانشو، التجربة-الحدّ، ترجمة جورج أبى صالح، ضمن مجلة "العرب والفكر العالمي"، العدد العاشر، ربيع 1990 ، ص 65. لعلّه، من أجل تيسير اكتناه التجربة- الحدّ، بالإمكان ربطها بتلك الخبرة التي أسماها هيغل، "فرط المعلومية". ونسوق فيما يلي نص "هيغل" الذي يتَّهم ضمنه "فرط المعلومية"، وذلك لتمكين القاريء من فكرة أكثر ما يمكن دقة عن تعارض الفلسفة مع إستطيقا اللاّمنقسم وذلك لتعارض لخبرة التجربة-الحدّ مع التجربة النظرية. يقول هيغل: «وبالإجمال فالمعلوم جداً نحن أبعد ما نكون عن علمه وما يبعدنا عنه إلاّ معلوميته المفرطة هذه تحديداً. فأشيع السّبل إلى إدخال الوهم على النفس والغير هي أن نفترض في مجال المعرفة معلومية هذا الشّيء أو ذاك وأن نجيزه على هذا الأساس. مثل هذه المعرفة مهما طال كلامها لا تتحرّك قيد أنملة من مكانها دون أن تدري سرّ جمودها. الذات والموضوع، الله، الطبيعة، الفهم، الحساسية، الخ... كل هذه ينهض البناء عليها دون امتحان باعتبارها أموراً معلومة لا يداخل الشكّ صحّتها، فهي نقط ثابتة يبدأ منها المطاف ويعود. وبذا تدور الحركة هنا وهناك بين الثوابت دون أن أتلمّس منها إلاّ السّطح. وعندئذ يتخلّص العلم والامتحان في أن يتحقّق كلّ واحد من مطابقة الكلام لما في تمثّله، من كون الأمر يبدو له كذلك ومن كونه معلوماً أو ليس بالمعلوم.
إن تحليل تمثّل من تمثّلاتنا، كما كان يتأدّى عادة، لم يكن يزيد عن كونه العمليّة المعطلة لصورة معلوميّته هذه. فأن نحلّ تمثلاً إلى عناصره الأصلية يقوم في ردّه إلي لحظاته التي فقدت على الأقلّ صورة التمثل المتحصّل عليها ولكنها هي الذي تكون الخاصية المباشرة لما هو في ذاته. صحيح أن هذا التحليل إنما ينتهي في الأغلب إلى أفكار جدّ معلومة، تحديدات صلبة ثابتة بيد أن هذا المنفصل، هذا [الحد] العاطل من التحقق الفعلى، لحظة لها قيمتها الجوهرية: فما ندخل الحركة على الوجود العياني إلاّ لأنه نفسه يتقسم ويتجرد. القسمة فعل الفهم وعمله، أي عمل أدعى القوى للعجب وأعظمها، أو بالأحرى عمل القوة المطلقة. فالدائرة القابعة في نفسها مغلقة عليها ضامة معاً جميع لحظاتها باعتبارها جوهراً، هي العلاقة المباشرة التي لا تثير بذلك أدنى استعجاب، فأمّا أن يحصل العرض بما هو كذلك، منفصلاً عما حواليه، أن يحصل هذا المرتبط الذي لا حظّ له من الوقع الفعلي إلا بصلته بغيره على وجود خاص به وعلى حرية متميزة -لتلك هي قوة السّلب المعجزة وطاقة الفكر أو الأنا الخالص. إن الموت -إذا أردنا أن نسمّي كذلك هذا الانتزاع عن الواقع- هو الأمر المرهوب فوق كلّ أمر، والإمساك بما تسرّب الموت إليه هو ما يقتضى القوّة الأثبت. فأمّا الجمال العاطل من القوة فيمقت الفهم، لأن الفهم يقتضي منه ما لا وسع له به. ولكنّ حياة العقل ليست تلك الحياة التي ترتد فزعاً أمام الموت وتصون نفسها من الدّمار، بل تلك التي تحمل الموت وتثبت فيه». هيغل، علم ظهور العقل، ترجمة مصطفى صفوان، دار الطليعة، بيروت، 1981 ، ص ص 30—31 (التشديد من هيغل).
3) ابن سينا مثلاً يقرّر، منذ الصفحات الأولى لكتابه "الإلهيات" (تحديداً الصفحة السابعة) أن «الكمال من باب المعاني لا من باب المباشر».
4) لا بأس، وإن كان في الأمر تكرار، أن نذكر بكلام نيتشه عن الشرط الإستطيقي المذكور. يقول نيتشه:
« La condition esthétique d4une abondance de moyens de communiquer, en même temps que d’une réceptivité extrême pour les excitations et les signes. Elle est le point culminant dans la communication et la transmissibilité entre les vivants, elle est la source du langage. C’est là que les langues ont leur foyer d’origine : le langage des sons, tout aussi bien que le langage des gestes et des regards. Le phénomène de plénitude est toujours au début : nos facultés sont subtilisées dans nos Facultés de plénitude. Mais aujourd’hui encore on entend avec les muscles, on lit même avec les muscles » La volonté de la puissance, paragraphe 357.
5) مرّ معنا كيف أن "هيغل" يربط بين إمكان المعرفة وبين شطب "فرط المعلوميه". هو كذلك يربط بين وضع السّواء (la normalité) وتعاطى النفي الاستطيقي. ومن عينات مثل هذا الموقف ما ورد في رسالته إلى صديقه (Windischman) ، شاكراً له الجهد الذي بذله في تأليف كتاب عن السّحر. يقول "هيغل" يخاطباً صديقه:
 «  Mais, aucun livre n’exige, autant que celui-là, la santé et un état d’esprit serin et ferme dans sa sérénité. Soyez persuadé que dans l’état d’âme que vous me décrivez, ce travail est pour une part -cette descente dans des régions obscures où rien ne se montre ferme, déterminé et certain, où partout brillent des lumières, mais côtoyées par des abîmes ; des lumières qui, troublées par le milieu qui les entoure, projettent des reflets trompeurs plutôt qu’elles n’éclairent; des régions où chaque sentier qui commence s’arrête brusquement, se perd dans l’indéterminé et nous arrache nous-mêmes à notre destination et à notre direction. Je connais par ma propre expérience cet état de l’âme, ou bien plutôt de la raison, lorsqu’elle a une fois pénétré avec intérêt, et avec ses pressentiments, dans un chaos de phénomènes et que, intérieurement certaine du but, elle n’a pas encore traversé ce chaos, elle n’est pas encore parvenue à une vue claire et détaillée de l’ensemble. J’ai pendant quelques années souffert de cette hypocondrie jusqu’à en perdre les forces. » (nous soulignons). Hegel, Correspondances, Tome I, Gallimard, 1962, p 281.
6) .Nietzsche, La naissance de la tragédie, in O.C., 1.1, traduction Ph. Lacoue -Labarthe, Paris, 1977, p. 106
7)     Le coupable, in O.C., Gallimard, t.,V, 1973, p 266.
8) عن هذا التمييز، بالإمكان ذكر مقابلته بين علاقة الأشخاص بالأشياء، ضمن كل من المجتمع البرجوازي ونظيره الاقطاعي. يقول: «لتراكم الثروات من أجل إنتاج صناعي متزايد يكوّن المجتمع البرجوازي مجتمع الأشياء، لا على صورة المجتمع الإقطاعي، مجتمع الأشخاص (...) في المجتمع البرجوازي يتمتع الشيء المقدّر بثمنه نقداً، بقيمة أكبر من قيمة الذات التي في تبعيّتها للأشياء (بمقدار ما تملكها)، لم يعد لها من وجود حقّ من أجل ذاتها ولم تعد لها كرامة حقة». ذكره هبرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة د. فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة السورية، 1995، ص 345.
9) هبرماس، القول الفلسفي للحداثة، مصدر مذكور، ص 260.
10) ذكره هابرماس، نفس المصدر، ص 340.
12) موريس بلانشو، ميشيل فوكو كما أتصوره، ترجمة ماجدة إبراهيم، مجلة "أفكار"، العدد 139، أيلول 1999، تصدر عن وزارة الثقافة بالمملكة الأردنية الهاشمية، 71.

هوامش المدونة
*) أدرج المؤلف هذا النص دون ترجمته:
« La communication demande un défaut, une « faille », elle entre comme la mort, par un défaut de la cuirasse. Elle demande une coïncidence de deux déchirures, en moi-même, en autrui »
 فقمنا بإثبات ترجمته اعتمادا على كتاب: "نظرية الدين؛ رؤية فلسفية"، جورج باتاي، ترجمة محمد علي اليوسفي، دار معد للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2007، صص 75-76
**) أدرج المؤلف هذا النص دون ترجمته:
«  La communication demande un défaut, une « faille », elle entre comme la mort, par un défaut de la cuirasse. Elle demande une coïncidence de deux déchirures, en moi-même, en autrui ».
فتكفلت الباحثة التونسية رويدة سالم بترجمته.

***) أدرج المؤلف هذا النص دون ترجمته:
« Dans l’ensemble, la religiosité chrétienne s'opposant à l'esprit de transgression, le christianisme réduisit le sacré à son aspect béni et rejeta le sacré maudit dans le domaine profane. Au stade païen de la religion, l’ensemble de la sphère sacrée se composait du pur et de l’impur. Le christianisme rejeta l’impur. Le sacré impur fut dès lors renvoyé au monde profane. Le diable était chassé du monde divin. La transgression n’était plus le fondement de la divinité mais sa déchéance [...] Au stade païen de la religion, là transgression fondait le sacré, dont les aspects impurs n’étaient pas moins sacrés que les aspects contraires [...] L’érotisme tomba dans le domaine profane en même temps qu’il fut l’objet d’une condamnation radicale. L’évolution de l’érotisme est parallèle à celle de l’impureté. L’assimilation au Mal est solidaire de la méconnaissance d’un caractère sacré [...] L’église s’opposa généralement à l’érotisme. Mais l’opposition se fondait sur un caractère profane du Mal quitenait l’activité sexuelle en dehors du mariage ».
فاضطلع شاعر المغربي رشيد وحتي بترجمته

المصدر: قضايا الاستيطيقا من خلال نصوص، محمد بن حمّودة، دار محمد علي للنشر، الطبعة الأولى 2001، صص 58-63

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق