الجمعة، 18 مارس، 2016

العالم، اللغة والجسد؛ تأملات في المعنى..: جان لوك نانسي



أجرت المقابلة: كاتي لوبلان
ترجمة: الأزهري ريحاني

يتناول جان لوك نانسي(*)، أحد أكبر الفلاسفة الفرنسيين الحاليين، في هذا اللقاء مع "مجلة أيس" قضايا "العالم" و"العولمة"، "السكنى"، "العالمية والمحلية"، "الآخر والجسد" ممّا يشكّل  بالنسبة له "المعنى" في عالم متغير.
******


أيس: لقد أبديت في كتابك "خلق العالم والعولمة" آراء حول مسائل كثيرة. هل تعتقد أنه ما يزال ممكناً اليوم تفكير الإيتوس بطريقة هيدغر؟ وهل السكنى(**) الشعرية في نظرك ما زالت ملائمة لطبيعة العيش الذي تفرضه علينا العولمة اليوم؟ هل تعتقد أن السكنى الشعرية أمر ممكن في فقدان الجذور؟

JEAN-LUC NANCY By Luca del Baldo 
جان لوك نانسي: نعم بالطبع، وحتى أقول ذلك الآن ومباشرة وبطريقة مبسطة، أعتقد أنه لا يوجد ثمة ما يمكن أن يعارض فكرة أنه يمكننا إيجاد طريقة أخرى في السكنى؛ إن التجذّر، المحلية والمجاورة، ومفاهيم وصوراً تصور"الريف" و"المدينة"، "الحي" و"الجهة" تضمنت هي أيضاً قدراً من الصعوبات ومن المحدودية. علينا ألاّ نتسرع في الحكم عل عالم ماض في إرباك طرقنا الأكثر ثباتاً في "السكنى" وفي "التجذر"، في الانتماء إلى"وطن" أو"ثقافة". إن كل واحد من هذه الانتماءات كانت أكثر جوراً ممّا نريد أن نستذكر من جهة، وأقل بساطة وتوحيداً مما نحن نعتقد، من جهة أخرى.
 لقد كنا ننتمي في القديم إلى عدّة مناطق، ننتمي في القديم إلى عدة مناطق، إلى لغات عديدة ومساكن عديدة.. وكنا أكثر حرية في الحركة مما نحن عليه في أحيان كثيرة اليوم، حيث تلغي سرعة التنقل أحياناً حقيقة الحركة.
 إن الإيتوس، مثلما يفكره هيدغر، لا يتجمّع بشكل أساسي في "السكنى" المتجذرة، وإنما في التأهب المتشدد نحو اللغة.
إن "السكنى شاعراً" تعني تأسيس السكنى على ما يقتضيه القول. وهذا الاقتضاء هو ذلك الذي يعني أنه لا ينبغي أبداً الاعتقاد أنه يمكن أن "ينجز" معنى ما، أو أنه يمكن العثور عل معنى جاهز. فما اللغة إلا وسيلة للتوليد غير المحدود للدلالات..
 والتفلسف هو عدم التخلي عن السأل عما يعنيه "التفلسف". بل أكثر من ذلك، هوأن نفهم أن التفلسف يستمد قوته من أنه غير قابل لأن يختزل إلى معنى، إلى مفهوم، إلى معرفة أو إلى مهارة..
أقول هذا ليس من أجل رفض كل هذه التخصيصات، الدلالات أو المماثلات لتبقى "الورشة" مفتوحة باستمرار ولكن شاغرة.. كلاّ. ينبغي علينا أن ندلّ، أن نقول، أن نسمّي وأن نصوغ كلّ ذلك، ولكن في مرحلة ثانية ينبغي أن نسائل، أن نشكّ، أن نراجع "المعنى" وأن نراجع أنفسنا.
فهل ينبغي أن نسكن في التنقل، في الترحال والسفر..؟ السكنى لا كمحض مقيم ولا كمحض مرتحل، ولكن كمسافر.. نعم.. فليس المسافر ذلك السائح صاحب الفضول، لكنه ذلك الذي يسكن التغرب.. إنّ التغرب شرط للعالم: فلكي يكون هناك عالم ينبغي عبور البلدان.


أيس: كان فكتور هيغو يقول أنه لكي يأمل امرؤ أن يصبح شاعراً يوماً ما عليه أن يهتم بالترجمة. فهل يشكل السفر، بالمعنى الذي تستعمل به هذه الكلمة هنا وبكل ما يحمله من "جهد" اقتباسي، معادلاً وجودياً لترجمة كهذه؟ وهل يعدّ السفر شرطاً مسبقاً للترجمة بما هي تعبير شعري؟

جان لوك نانسي: إنه لأمر حساس جداً.. نعم، ولكن السفر دون التنقل من بلد إلى آخر، ودون التخلي عن العادات.. سفر كهذا لا يقوم عل قرار أوبرنامج. إن الأمر يتعلق بأن نترك أنفسنا ننجر إلى طريق أخرى. وليس من شأن التغرب أن يأتي عنوة، فهو إمّا أن يحدث أو لا يحدث. إن الإحساس بالغربة إحساس شديد القوة وعلينا، متى أتى واستولى علينا، قبوله كنعمة. وليس هناك من تعارض بين هذا النوع من السفر وبين السفر الحقيقي.
 من الجميل أن يستولي علينا جمال الصحراء مثلاً، أو شوارع مدينة القاهرة، أوهيوستن، موسكو أو طوكيو. وإذا لم تمنعني صحتي من ذلك فسوف أسافر أكثر لأتذوق الهند وأفريقيا خصوصاً. وليس عن طريق السفر فقط يمكننا أن نكتشف أو أن نتعلم. كلاّ، إننا نحسّ بالغربة (أي ليس ذلك الاغتناء المفترض عن طريق الاختلاف، وإنما العوز والتجرّد والعري: إننا نحس بأن التعدد والاختلاف هما بالقدر الذي يصعب مواجهته.. وأنه لا يمكن أن نقيم أوصالاً هي مستحيلة؛ نشعر بإنسانية مختلفة عن الإنسانية ذاتها [التي نعرف]، وكيف أن كل شخص يوجد في مسكنه وكيف أن هذه المساكن تبقى بعيدة عن بعضها البعض.. هذه هي سكنى العالم، إنها استحالة إبقائه مجتمِعاً.

أيس: من العالم، من السكنى، من التغرب.. إلى الجسد.. الجسد الذي يواجه ذاته في مؤلفك. هل يتعلق الأمر بـ جسد-في-العالم؟ وهل يمكن أن يكون كل جسد جسداً في العالم أو "وجوداً في العالم"؟

جان لوك نانسي: لا يواجه الجسد نفسه -أقول هذا على فرض أنه يمكنه ذلك- ولكن بمعنى ما، يواجه الجسد نفسه بالنظر، باللمس، الخ.. بدون أن يوجد في العالم طبعاً، لأن العالم ليس إلاّ مجموع يتقارب الأجسام الحيوانية والنباتية والمعدنية. ومجموع تلك الأجسام ليس جسماً، إنه تجاور يتعلق فيه الكلّ بالكل.. الجميع يستند على الجميع، يتقارب أو يتنافر.
 لكن، لأرجع إلى ما كنت بصدده من قبل: إن مجموع "العالم" لا يقوم عل التجميع، فهو ليس مُجمّعاً؛ لا هو تركيب لعناصر ولا هو اجتماع منظم. إن الأجسام تطلق إشارات تجعل قوى ما تتحرك، وتخلق مساحات (تنقص أو تزيد) بينها، أو تمّحي إلى غاية حدودها الخاصة، وإلا فإنها ستنصهر.
إن العالم هو هذه اللعبة، هو هذه الشبكة المتكونة من الفوارق والمجاورات، أي إمكانية تنقل ما يصدر عن الأجسام ولكنه ليس بجسم، إنه "المعنى". إن الجسد مواجهاً لنفسه هو الجسد مواجهاً للمعنى الذي يصدر عنه وعن الأجسام الأخرى.

أيس: عندما تصور العالم كلعبة، كشبكة فوارق، وعندما تؤكد على أهمية ما يصدر عن الأجسام.. هل تعتبر مقاربتك نتيجة فكر يهتم بـ"البرانية"؟ وأنا أطرح عليك هذا السؤال فإني أفكر في الطريقة التي ينظر بها ميشال أنري (Michel Henry) إلى الفلسفة الغربية في كتابه "في الفينومينولوجيا" والتي يصفها، تحديداً، بالفكر البراني. أين تضع نفسك أمام حكم كهذا؟

جان لوك نانسي: لا أعرف بالضبط ما المقصود–"فكر البرانية" لا في عموم هذا الاستعمال ولا في السياق الخاص لـ ميشال أنري. وإني لأعترف أنني لا أحبذ الدخول في هذه المعارضات. إن الجواني والبراني متلازمان، ويتشكلان معاً: الواحد منهما يتشكل بالآخر ومن أجله.. أو قل الواحد منهما يوجد في الآخر.
ليس هناك خارج (خارج العالم، خارج النص، خارج الذات)، وما يفرض علينا نفسه ويستدعي اهتمامنا، ما يفاجئنا دوماً وفي كل مرة، هو "خارج مطلق"، خارج هو من البرانية بحيث لا يوجد "فيه" شيء.. لا ينتمي شيء إلى أي شيء.
 لهذا أقول أننا "بالداخل" مطلقاً، وأن هذه "الجوانية" تتأثر مبدئياً بدخالة "البراني" وانبجاسه العنيف وانفتاحه، حيث يتلاشى كل ما هو "جواني". وما يمدنا بالمعنى هو تقاسم ذلك "البراني" غير القابل للمقاسمة. إن العالم لهُو "الجواني" الذي يشتمل على "البراني" كنفي داخلي..

أيس: برأيك، ما هي المقولة، وما هو الشعور والمؤثر، التي ينبغي توافرها، في إطار العلاقات الإنسانية، لجلب المعنى أو لنحته من جديد؟ وهل تعتقد أنه يمكن للرغبة، بوصفها مقولة أنطولوجية، أن تضبط العلاقات بين البشر؟ ولماذا؟ وهل يمكنها تجمع البشر في إطار الأخلاق والكرامة؟

جان لوك نانسي: سأجيبك مع أني قد أكون مجرِّداً جداً في ردي. نعم، أعتقد أنه يمكننا تفكير الرغبة بهذه الكيفية. أي التفكير فيما يمكن أن يشكل، وحده، "معنى" (وليس "دلالة" بيننا، أي بمعنى التنقل) وهو الرغبة، إذاً فهمنا الرغبة ليس باعتبارها الاشتهاء، الاندفاع نحو ..، أو الحاجة إلى الاستحواذ على شيء ما، وإنما باعتبارها الحركة التي من خلالها نعطي عندما نأخذ.
إنه غالباً ما يُنظر إلى الرغبة باعتبارها الرغبة في أخذ شيء ما –وهوما أصفه بالاشتهاء-، الاندفاع أو الحاجة.
ولن أنكر أن هذه الحركة تجاه الآخرين تشبه تلك التي تتجه نحو الأشياء (بالمعنى المألوف). هذه الرغبة لا تُسهم في إنماء كينونتي وإنما في إنماء ما أمتلك. يكون هناك إنماء لكينونتي عندما آخذ شيئاً ما (وقد يكون هذا الشيء شخصاً) ولا أشبع رغبة إلا بالقدر الذي أجد نفسي، في الأوان ذاته، مدفوعاً إلى أبعد.. إلى أن أرغب أكثر. وهكذا فإني عندما أشبع جوعي فإني لن أرغب في الأكل أكثر؛ بينما عندما أتلذذ بأكلة لأنني استمتع بطيبتها وبتعقد تركيبتها، وبمهارة إعدادها، فإني أرغب في الاستزادة، ليس زيادة في الكمية ولكن لتجديد ذلك الإحساس، تلك اللذة وذلك الذوق. والأمر نفسه عندما ألتقي شخصاً ما: يمكنني أن أكون راضياً، إلى حد ما، عن استجابته لما أنتظره منه (ما تعلق بالعلاقات المهنية مثلاً، العلاقات الحميمية، العاطفية والجنسية، أو الجمالية)، كما يمكن أن أنجذب نحو اشتهاء أكبر، و[الرغبة] في أن أكون أكثر [ممّا أنا عليه]: متضامناً، رفيقاً، صديقاً، حبيباً، وأن أحسّ مع الآخر أو فيما بيننا، بمزية ما نتقاسمه. قد يبدو كل هذا "ساذجاً" أو حتى مثالياً، ولكنني أجد نفسي راغباً-أو مدفوعاً إلى الرغبة- في الاعتقاد العميق بأنه هكذا ينبغي أن يكون الأمر.
ظل هناك إمكانيتان وحيدتان: فإمّا أن يظل مجتمع ما متماسكاً، ما توفر على قوى فاعلة فيه تُبَنْينه (الأساطير، الطقوس، المماثلات "الطوطمية" أو "الرمزية"، وكذا مراكز وأدوار وظيفية، أبوية، تراتبية) يمكن تحديدها، أو أن نمكّن الرغبات في مجتمعنا، الذي لا يتوفر على أشياء كثيرة مما ذكرت، من أن تجد طريقها إلى التحقيق. ذلك أن الرغبات هي، في نهاية المطاف، كلّها رغبة في أن يُعترف لها بأنها موضوع للرغبة، أو قل إن الرغبة هي "أن نكون مرغوبين" كموضوع للرغبة.
إن الحديث هنا هو أساساً وفي نهاية الأمر حديث عن الحب. هذه كلمة تبقى غير واضحة، وليس من قبيل المصادفة أن تكون مصدراً لكثير من اللبس. كما أنه ليس من قبيل المصادفة أيضاً إذا كان يلازم حضارتنا "الحب المسيحي" الذي هو، في آن واحد، أبشع أنواع الرياء الديني من جهة، والجواب الوحيد، كما يقول فرويد، عن العنف، والذي يمكن أن يكون في مستواه، من جهة أخرى. إنه جواب مستحيل وغير قابل لأن يُمارس. ولكن، ماذا لو تعلق الأمر باكتشاف أن رغبتنا هي رغبة في المستحيل؟
كلام كثير يمكن أن يقال. بيد أنني أريد التأكيد على ما يلي: عندما يعرف شخص ما أنه مرغوب كموضوع (للرغبة) فإنه يمكنه، آنذاك، أن يرغب بنفسه ذاتها.. يمكنه أن يُعجب بذاته. ولا أحد يمكنه ذلك بدون أن يكون محل إعجاب الآخرين. لهذا، ينبغي الإعجاب بالذات (ولا أقصد "مجاملة الذات"). هذا ما ينبغي حتى نكون مع الآخرين ومع العالم، و"المعنى" هو هذا الـ"مع"، لا أكثر ولا أقل.



الهوامش
(*) ولد جان لوك نانسي سنة 1940 بمدينة بوردو (bordeaux) الفرنسية. تأثره بجاك ديريدا الذي أصبح صديقاً له، واطلاعه على كتابات ألتوسير، دولوز، هيدغر، بلانشووهولدرلين جعل منه مفكراً في قضايا العالم والإنسانية. عمل أستاذا للفلسفة بجامعة ستراسبورغ منذ 1968 وإلى غاية 2004. وهو يجوب العالم اليوم، رغم كبر سنه والمرض، يحاضر ويلقي الدروس.
 (**) فضلنا استعمال "سكنى" ترجمة لـ l’habiter  وHabitation بدلا من "إقامة" أو "الحل" الذين يترجمها إليهما البعض، نظرا لطابع الدوام الذي يحايثالإقامة باعتبارها مكوثاً غير محدود، مما لا يحتمل فكرة "السفر" و"الترحال" ذلك أن "السكنى" ملازمة للحركة.


المصدر: عن مجلة "أيس" الجزائرية، فضاء العقل والحرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق