السبت، 12 مارس، 2016

الرب، الهاتف المحمول وصوت ماوراء القبر: جاك ديريدا



ترجمة سعيد بوخليط

تقديم
 خلال ندوة نظمت سنة 1997، تأمّل جاك ديريدا، في العلاقة بين عودة الديني، والوسائل التقنية الحديثة للتواصل. ديريدا، الذي توفي سنة 2004، طبع بقوة الفكر المعاصر، لاسيما داخل الولايات المتحدة الأمريكية. في نصه، المعنون بـ: "إلاّ الصحافيين!"، وهو عمل لم ينشر سابقاً، صدر هذا الأسبوع لدى دار النشر "غاليلي"، يتساءل من خلاله ديريدا، عن الكيفية التي ساهمت بها وسائل التواصل الحديثة في هذه «العودة المثيرة للديني».
 كتب ديريدا بعض، ما يلي
*****
إن الأكثر جِدّة، وقوة، بخصوص ما نحن بصدد التكلم عنه، ليس مقدار إنتاج الصور وذيوعها، لكنّه الصوت. إذا نظرنا إلى الأخير، باعتباره وسيطاً لتأثر ذاتي، وعنصراً للحضور المطلق، بالتالي إمكانية الاحتفاظ بصوت شخص ما، قد مات أو غاب كلياً، وإمكانية تسجيله. أريد القول، بأن إعادة إنتاج ونقل صوت الميت أو الحي- الغائب، عكست إمكانية خارقة وغير مسبوقة. ما يتأتى لنا، عبر الصوت الذي أُنتج ثانية، انطلاقاً من إنتاجه الأصلي، وسَمه طابع من الأصالة والحضور، لا تعادله بهذا الخصوص، أي صورة بتاتاً.
القوة التليفزيونية، هي صوتية، على الأقلّ حسب كونها اتصالاً لاسلكياً. طبعاً، لا يساورنا كثيراً من الشك، ونحن بصدد إعادة تركيب اصطناعية وتألفية، لصوت مقارنة مع صورة. نعلم بوجود أصوات مختلقة، لكننا لا نرتاب في صوت، بقدر من السهولة والبساطة، مثلما نفعل نحو الصور. هذا يعود إذن، إلى قيمة الحضور الفعلي، التي يتيحها لنا طيف الصوت الذي أنتج ثانية، عند مستوى، وحسب بنية، لن يدركها قط، الافتراض المرئي.لأن التأثر الذاتي، الظاهراتي، يحيلنا على قرب حي وكذا المنبع الباعث والمنتج، وهو ما لا تصنعه الكاميرا، الملتقطة لصورة ما. تسجيل صوت، ينتج ثانية، منتوجاً. هنا، "الصورة" الصوتية، بمثابة إنتاج حي، وليست بشيء-تمثيلي. بهذا المعنى، ليست حتى بصورة، بل إعادة خلق للشيء ذاته، للمنتوج نفسه. أنا متأثر دائماً، حينما أستمع لصوت شخص ميت، شعور لا ينتابني في المقابل، عندما أرى صورة فوتوغرافية، أو صورة شخص متوفى، ثم سأكون أقلّ انتباهاً لذات الإمكانية مع يوميات الهاتف. لكن تخيلوا، أنّكم بصدد الاستماع على جهاز لتسجيل المكالمات الهاتفية، صوت شخص تتصلون به وقد توفي للتو لحظتها، أو ببساطة أصابته في غضون ذلك، الحبسة الكلامية. أمرٌ قابل للحدوث، كما تعلمون…، أفترض أنها تجربة مشتركة بيننا.
تتجلى هنا، إعادة إنتاج، بقدر كونها، خلقاً جديداً للحياة من طرفها ذاتها، ثم وُثق الإنتاج كمصدر، وليس كصورة. إنها صورة، لكنها تنمحي كصورة، وتمثيل يقدم نفسه باعتباره، تمثيلاً خالصاً. يمكننا، التوثيق للحياة، وتحويلها ذاتها إلى طيف، في إطار تأثرها الذاتي. ندرك ذلك، عندما يتكلّم شخص ما، فإنه يعلن عن نفسه. لكن شخصاً ثانياً، يتوخى أن  يُرى، فلا تتم بالضرورة رؤيته. مع الصوت، يفترض أن التأثير الذاتي نفسه، قد سُجل وأذيع. افتراض، يشكل الحبكة الجوهرية لإصغائنا. أتكلّم هنا، عن الصوت وليس ما هو مجهور عموماً، عن الغناء مثلاً وليس الموسيقى عموماً. هي نقطة بالمطلق جوهرية، فيما يتعلق بعودة الديني، في كل مكان، حيث يمرّ عبر الصوت.
 بوسعي أيضا التأثّر آنياً، بالكلام المسجل لميت أو ميتة. يمكن، أن يلامسني هنا والآن، صوت صادر من وراء القبر. اللازم، هو الاستماع هنا والآن، حسب ما رمّمه التأثّر الذاتي، في إطار الحاضر، لذاك الآخر الميت، متكلماً أو مغنياً: مثل حاضر ثان حي.
لكن، يمكنني أيضاً، بفضل آلة للاتصال اللاسلكي، قادرة على إعادة الإنتاج، مخاطبة نفسي، فأتكلّم، وأجيب الآخر، المتجسد من خلال حضوره [إذن موت أو حياة، انطلاقاً من هذا، لا يصنع الفارق إلا قليلاً]. معجزة التكنولوجيا، بحيث بوسعي كذلك، التضرع بواسطة هذه الآلات التي تكرّر، كما هي أصلاً، الكلمات والقواعد اللغوية، واللغات، والسلوكات المرموزة، ثم الشعائر، وسط فضاءات وفي خضم لحظات، هنا والآن، اعتبرها بالمطلق متفردة و: يستحيل استبدالها.

بل يمكنني التضرع للرب، سواء كان حياً أو ميتاً. رب ميت أو حي، بناء على هذا، يتجلّى نوع من الفارق. يمكنني، الارتقاء صوبه بصلاتي، عبر هاتف محمول، أرتحل به مع الهنا-والآن، لجسدي الخاص، كما لو كان جسدي "مصدري" و"نقطة الصفر" فمي، ويداي، وأذني.
انطلاقاً من مسافة شبه لانهائية، وبفضل الأقمار الاصطناعية، بوسعي ليس فقط مخاطبة الرب، لكن بشكل أفضل الإيمان به، ممّا يجعلني أعتقد، أني أبلّغه فوراً، بأناملي إحدى صلواتي بالهاتف المحمول، وأنا حاضر في حي بروكلين، أو مشلول الحركة في حي "مي شيريم" اليهودي الأرثوذوكسي، ليس الاختلاف كبيراً، أخاطب الرب بواسطة التليفون انطلاقاً من حائط المبكى. كما وقع ذات يوم، لـ"Bitton Nahman"، بحيث التقط له أحد الصحافيين صورة [انتشرت الصورة] خلال اللحظة التي وضع فيها هاتفه المحمول على الحائط، فنقل بالتالي صلاة صاحبنا، وقد كان يصلي، داخل هاتفه المحمول الملتصق بالجدران. ما ينقص، هذا الأرشيف، كي يصير كاملاً، هو المحتوى المسجل للصلاة نفسها. صلاة الهاتف المحمول، وقد مضت وانتقلت فوراً، من الحائط نفسه. لكن الرب يعلم، ونحن كذلك، بأن هذا لم يكن مستحيلاً، وسينجح ''البابارازي" أو مطاردو المشاهير، خلال يوم من الأيام، في القيام بذلك على نحو أفضل.
بخصوص هذا التعبير"عودة الديني"، ما العمل حتى لا نكتفي بأشياء، هي صحيحة، غير أن الجميع يعرفها ويكررها؟ طبعاً، ارتبطت هذه العودة بانهيار أشياء كثيرة، إمبراطوريات، وأنظمة شمولية، ومنظومات فلسفية، وترابطات نصية، إلخ. صحيح، لكن هذا، لايكفي ربما، من أجل تناول ما يحتفظ به تعبير"عودة الديني"، من بُعد مسرحي.
لم يختف الديني، بالتالي بقي حياً، فقط تم قمعه داخل المجتمعات الشيوعية الشمولية والمستعمرات إلخ. لم يمت الإسلام، أو مضى نحو حال سبيله، بل تعرض فقط للهيمنة والرقابة والمنع، داخل عدد من المستعمرات.
لا تعني العودة، أبداً أن الدين قد عاد، لكنه فقط يشغل المشهد، وهو مشهد عمومي وعالمي. مع مرّة أخرى، ما تدل عليه مختلف تضمينات العودة، باعتبارها تجلياً وظهوراً طيفياً جديداً. العودة، هو ظهوره ثانية على المشهد، وليس قط نشأته ثانية: الدين، لا يولد ثانية. بالتالي، ما علينا سوى ملاحظة ما جرى في روسيا وأمكنة أخرى. نحس، أن هذا الدين المختفي طيلة ستين سنة، تحت كنف التوتاليتارية، لم يكن قط حياً، ثم هاهو بغتة يعاود الظهور ثانية على المشهد، أكثر حياة من ذي قبل.
بين الاستيقاظ والعودة، يتبلور لمعان هذا التجلّي: أمكن الواحد أخيراً، ممارسة دينه بطريقة جلية، في إطار قوة طبيعة الظاهرة، وزوال القمع «القمع وفق معناه المتعلق باللاوعي كما السياسة». هنا، ونتيجة القمع، تتراكم قوّة، ووجود بالقوة، وتدفق لليقين، ثم نمو مفرط لقوة مذهلة.

مصدر النص: L obs :numéro2675 ;2016.pp ;58-59.
                                                          

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق