الجمعة، 14 أغسطس 2015

نص خطاب ماريو بارغاس يوسا في ستوكهولم

ترجمة اسكندر حبش


يشكل النص التالي الذي نترجمه هنا، الخطاب الكامل الذي ألقاه الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا يوم السابع من كانون الأول، في ستوكهولم، بمناسبة استلامه جائزة نوبل للآداب التي حازها عن العام 2010. كلمة تشكل «جردة» –إذا جاز القول– لمسيرة أدبية طويلة، حيث يعرج فيها على الكثير من الأمور التي شكلت مساراته المتعددة، والتي جعلته في النهاية يتبوأ منصة نوبل اعترافاً بعمله.
كلمة وثيقة لواحد من أشهر أدباء أميركا اللاتينية، يعرض فيها للعديد من الأفكار التي تستحق أن تقرأ، لعلنا تدخلنا أكثر إلى قلب أدب هذا الكاتب. كلمة أخيرة، هي أن العناوين الفرعية في هذا النص هي من وضع المترجم.



تعلمت القراءة وأنا في عمر الخامسة، في صف الأخ جوستينيانو، في مدرسة «دو لا سال» في كوشامبمبا (بوليفيا). شكل ذلك أهمّ حدث في حياتي. بعد سبعين سنة من حصوله، ما زلت أذكر بوضوح هذا السحر، سحر ترجمة كلمات الكتب إلى صور، ما أغنى وجودي، محطماً حواجز الفضاء والزمن، متيحاً لي أن أجتاز مع القبطان نيمو في غواصته عشرين ألف فرسخ تحت أعماق البحار، أن أناضل إلى جانب دانتانيان وأتوس وبورتوس وأراميس ضد المؤمرات التي كانت تحاك ضد الملكة زمن الداهية ريشوليو، أو أن أتنزه في أحشاء باريس، لأصبح جان فالجان، حاملاً على ظهره جسد ماريوس الهامد.
كانت القراءة تحول الحلم إلى حياة والحياة إلى حلم، واضعة بين يدي الصبي الصغير الذي كنت عليه فضاء الأدب. روت لي أمي أن أولى الأشياء التي كتبتها كانت متواليات للقصص التي قرأتها، لأنني كنت أشعر بالحزن على نهاياتها أو لأنني رغبت، يومها، في تصحيح الخواتيم. ربما كان ذلك ما قمت به طيلة عمري من دون أن أدري: أن أطيل في الزمن –بينما كنت أكبر وأنضج وأشيخ– القصص التي ملأت طفولتي بالحماسة والمغامرات.
تمنيت لو أنّ أمي حاضرة هنا الآن، أمي التي شعرت دائماً بالعاطفة الجياشة والتي كانت تبكي حين تقرأ قصائد أمادو نيرفو وبابلو نيرودا؛ كما جدي بيدرو، صاحب الأنف الطويل والصلعة اللامعة، الذي كان يحتفي بأشعاري، والخال لوتشو الذي شجعني كثيراً على استثمار الجسد والروح في الكتابة، على الرغم من أن الأدب، في تلك الحقبة وفي تلك المنطقة، لم يثر الكثير من عشاقه. طيلة حياتي وجدت إلى جانبي أناساً يحبونني ويشجعونني وينقلون لي إيمانهم حين ينتابني الشك. بفضلهم، وبدون شك، بفضل عنادي أيضاً والقليل من الحظ، استطعت أن أخص جزءاً كبيراً من وقتي لهذا الشغف، لهذه الآفة ولهذا السحر: أن أكتب، أن أخلق حياة موازية استطعت اللجوء إليها ضد الضراء، والتي أحالت المدهش إلى طبيعي والطبيعي إلى مدهش، التي بدت الطاووس، التي جملت القبح، التي خلدت اللحظة وجعلت من الموت عرضاً عابراً.
لا شيء كان أسهل من كتابة القصص. حين تصبح كلمات، كانت المشاريع تذوي على الورقة، بينما تتمدد الأفكار والصور. كيف السبيل إلى إحيائها؟ لسعادتي، كان أساتذتي موجودين هنا كي أتعلم منهم وكي أحتذي مثالهم. علمني فلوبير أن الموهبة نظام لازب وصبر طويل. علمني فوكنر بأن الشكل –الكتابة والبنية– هو الذي يحيل الموضوع كبيراً أو فقيراً. بينما مارتوريل وثربانتس وديكنز وبلزاك وتولستوي وكونراد وتوماس مان علموني بأن العدد والطموح هما أيضاً مهمان في رواية بقدر المهارة الأسلوبية والإستراتيجية الحكائية. علمني سارتر بأن الكلمات هي أفعال وبأن على الرواية أو المسرحية أو البحث أن تلتزم بالراهن وبالخيار الحسن، إذ يمكن لها أن تغير مجرى التاريخ. علمني كامو وأورويل، بأن أدباً عديم الأخلاق هو أدب غير إنساني، بينما وجدت عند مالرو، بأن ثمة مكاناً للبطولة والشعر الملحمي في اللحظة الراهنة كما كان عليه الأمر في عصر «الأرغونوت» والالياذة والأوديسيه.
في استدعائي، في خطابي هذا، كلّ الكتاب الذين أدين لهم، قليلاً أو كثيراً، فلأن ظلالهم تقودنا إلى العتمة. إنهم عديدون. لم يفشوا لي فقط أسرار مهنة الكتابة، بل جعلوني أيضاً أسبر أغوار الإنساني، أن أعجب بمآثرهم وأن أرتعب أمام ضياعهم. كانوا أكثر الأصدقاء خدمة، محركي قدري وقد اكتشفت في كتبهم أنه، حتى في أتعس الظروف، ثمة أمل يستحق أن نعيش من أجله، أمل بأنه من دون الحياة لن يمكننا أن نقرأ أو أن نتخيل القصص.
أحياناً سألت نفسي عما إن لم تكن الكتابة –في بلد مثل بلدي حيث هناك القليل من القراء والكثير من الفقراء والأميين واللاعدالة وحيث تبقى الثقافة حكراً على عدد قليل من الناس– تساءلت إن لم تكن امتيازاً أحادياً. بيد أن هذه الشكوك لم تخنق قريحتي، إذ استمررت في الكتابة دائماً، حتى في الأوقات التي كانت فيها الأعمال الغذائية تمتص وقتي بأسره. أعتقد أني تصرفت بتعقل إذ، لكي يزدهر الأدب في مجتمع، علينا بداية أن نصل إلى الثقافة العالية، إلى الحرية، إلى الرخاء إلى العدالة، وإلا لما انوجدت أبداً. على العكس من ذلك، بفضل الأدب، بفضل الوعي الذي شكله وبفضل الرغبات والانطلاقات التي شكلها وبفضل انسحار الواقع بعودة قصة جميلة، نجد أن حضارتنا اليوم أصبحت أقل قسوة مما كانت عليه زمن الحكواتيين الذين أخذوا على عاتقهم أنسنة الحياة عبر أقاصيصهم. لكنا بقينا أتعس بدون الكتب الجيدة التي قرأناها؛ لكنا أكثر امتثالية، أقل قلقاً، أقل خضوعاً ولما انوجدت الروح النقدية التي تشكل محرك التقدم. كل شيء يشبه الكتابة، أن نقرأ يعني أن نحتج ضد عدم كفاية الحياة. نبحث في المتخيل (الرواية) عن الذي لم نعبر عنه، بدون الحاجة عن قول ذلك حتى من دون أن نعرفه، نبحث فيها عن أن الحياة مثلما هي عليه لا تكفي لكي تردم عطشنا المطلق الذي يشكل أساس شرطنا الإنساني وبأن عليها أن تكون أفضل. نبدع الروايات كي نستطيع التعايش، بطريقة ما، الحيوات المتعددة التي نرغب في الحصول عليها حين لا نملك بالكاد سوى حياة واحدة.
بدون الروايات نصبح أقل وعياً لأهمية الحرية التي تحيل الحياة معاشة، وحين يصبح الجحيم –الذي يتكون حين تداس هذه الحرية بأقدام الطغاة– فكرة إيديولوجية أو ديناً. ليتساءل أولئك الذين يشكون بالأدب، الذي يغرقنا بحلم الجمال والسعادة، الذي ينذرنا باضطراد تجاه جميع أشكال الهيمنة، ليتساءلوا لِمَ تخشاه كل الأنظمة المنهمكة بمراقبة سلوك مواطنيها من المهد إلى اللحد، لدرجة أنها على أهبة تشييد أنظمة رقابة كي تقصيه كما رقابتها بكثير من الارتياب للكتّاب المستقلين. في الواقع، تعرف هذه الأنظمة جيداً، أن المجازفة بترك المخيلة طليقة في الكتب يحيل الروايات أداة تحريض كبيرة، حين يقارن القارئ بين الحرية –التي أتاحتها له القراءة بانتشارها– وبين الظلامية والخوف اللذين يؤرقانه في العالم الواقعي. أرغبوا في ذلك أم لم يرغبوا، أعرفوا ذلك أم لم يعرفوا، يعبر القصاصون، حين يبدعون القصص، عن عدم رضاهم بإظهارهم أن العالم صُنع بطريقة سيئة، وأن حياة المتخيل أغنى من الرتابة اليومية. إن تجذرت هذه البديهية داخل الحساسية والوعي، ستحيل المواطنين أكثر قدرة على المجابهة، على عدم قبول أكاذيب أولئك الذين يرغبون في إقناعنا بأنهم يعيشون بشكل أفضل وبطمأنينة أكبر، بين القضبان، ووسط محاكم التفتيش والسجانين.


الجسور
يمدّ الأدب الجيد الجسور بين البشر المختلفين، وحين يتركنا نشعر بالمتعة أو بالعذاب أو حين يفاجئونا، نجده يجمعنا بعيداً عن لغاتنا ومعتقداتنا وعاداتنا وأحكامنا المسبقة التي تفرقنا. حين ابتلع الحوت الأبيض الكبير، «آشاب» في البحر، خفقت قلوب القراء، بالطريقة عينها في طوكيو وليما وتومبكتو. وحين ابتلعت مدام بوفاري الأرسنيك، أو حين رمت آنا كارينينا نفسها تحت عجلات القطار وحين صعد جوليان سوريل إلى المقصلة، وحين في قصة «الجنوب» لـ بورخيس، خرج الطبيب اللطيف خوان دالمان من المقهى كي يواجه قاتلاً بالسكين، او حين تيقنا بأن سكان كومولا، هذه القرية الواقعة في بيدرو بارامو، قد ماتوا، فإن ثمة رعشة مماثلة تنتاب القارئ أكان يعبد بوذا أو كونفوشيوس أو المسيح أو الله أو حتى لو كان غنوصياً. أكان يرتدي سترة وربطة عنق أم كان يضع جلابية أو كيمونو أو بومباشاس. يخلق الأدب أخوة في قلب التنوع الإنساني ويزيل الحدود التي يصطنعها بين الرجال والنساء الجهل والايديولوجيات والأديان واللغات والحمق.
كما عرفت العصور الماضية الرعب، يعرف عصرنا هذا رعب المتعصبين والإرهابيين الانتحاريين، إذ ثمة عينة قديمة مقتنعة بأنها حين تقتل تكسب الجنّة، بأن دماء الأبرياء تغسل العار الجماعي وتصحح الظلم وتفرض الحقيقة على المعتقدات الخاطئة. هناك العديد من الضحايا التي تقدم كل يوم في مختلف أنحاء العالم من قبل الذين يعتبرون أنفسهم مالكي الحقيقة المطلقة. كنا نعتقد أنه مع انهيار الإمبراطوريات التوتاليتارية سيفرض كل من التعايش والسلام والتعددية وحقوق الإنسان نفسه وبأن العالم سيترك خلفه الهولوكست والمذابح والغزوات وحروب الإبادة. بيد أن لا شيء من ذلك حدث. إننا نرى أمامنا مرور أشكال جديدة من البربرية، التي ينسجها التعصب، ومع تضاعف أسلحة الدمار الشامل، لا نستطيع أن نستبعد فرضية أن أي مجموعة من المنقذين المجانين يمكن لها أن تحدث يوماً كارثة نووية. علينا أن نقطع الطريق عليهم، أن نواجههم وأن نشل حركتهم. ليسوا كثيري العدد على الرغم من أن ضوضاء جرائمهم ترن في كل أرجاء هذا الكوكب كما أن نقف مذهولين من الرعب من جراء هذا الكابوس. علينا أن لا نقف مكتوفي الحراك من قبل أولئك الذين يرغبون فيسلبنا حريتنا التي تحصلنا عليها طيلة هذه السيرورة الطويلة من الحضارة. يجب أن ندافع عن الديموقراطية الليبيرالية التي، وعلى الرغم من جميع «مساوئها»، لا زالت تعني التعددية السياسية والتعايش والتسامح وحقوق الإنسان واحترام النقد والانتخابات الحرة، وتناوب السلطة، أي تعني كل الذي أخرجنا من الحياة المتوحشة وقرّبنا –على الرغم من أننا لم نصل إليها في الواقع– من الحياة الحلوة والمتكاملة التي صنعها الأدب، أي تلك الحياة التي لا يمكن أن نستحقها إلا باختراعها، إلا بكتابتها وبقراءتها. حين نواجه التعصب القاتل فإننا بذلك ندافع عن حقنا في الحلم كما في تحويل أحلامنا إلى واقع.
مثلي مثل العديد من كتّاب جيلي، انتسبت في شبابي إلى الماركسية واعتقدت بأن الاشتراكية ستصبح العلاج الذي ينبغي استغلاله تجاه الظلم الاجتماعي الذي كان يكبل بلادي وأميركا اللاتينية وباقي دول العالم الثالث. بعد مغادرتي اشتراكية الدولة والجماعية، كان انتقالي، لأكون الديموقراطي والليبرالي الذي أنا عليها –الذي أحاول أن أكونه- طويلاً وصعباً. تحقق ذلك ببطء بعد أن تيقنت من متوازيات أحداث الثورة الكوبية، المثيرة جداً للحماسة في بداياتها، والمثال السلطوي والعمودي للاتحاد السوفياتي، وشهادات المنشقين التي كانت تُهرّب من خلف أسلاك الغولاغ الشائكة، واجتياح تشيكوسلوفاكيا من قبل حلف وارسو، كما بفضل مفكرين مثل ريمون آرون وجان فرانسوا روفيل وإيزيا برلين وكارل بوبر إذ أني مدين إليهم بإعادة تثميني للثقافة الديموقراطية ولمجتمعاتها المفتوحة. شكل هؤلاء المعلمون مثالاً للوضوح والجرأة، حين تراءى وكأن الانتلجنسيا الغربية قد سقطت –برعونة أو انتهازية– تحت تأثير سحر الاشتراكية السوفياتية، أو تحت –وهنا الأسوأ– الضوضاء الدموية للثورة الثقافية الصينية.

مدن
حلمت منذ طفولتي في أن أذهب إلى باريس، إذ بعد أن سحرني الأدب الفرنسي، اعتقدت بأن العيش هناك وتنشق الهواء الذي تنشقه بلزاك وستاندال وبودلير وبروست، سيساعدني لأن أصبح كاتباً حقيقياً، وبأن عدم خروجي من البيرو سيجعلني شبه كاتب في أيام الآحاد والأعياد. صحيح جداً أني مدين لفرنسا وللثقافة الفرنسية بتعاليم لا تنسى، كأن أقول إن الأدب هو وحي بقدر ما هو نظام، إنه عمل وعناد. عشت هناك حين كان سارتر وكامو لا يزالان على قيد الحياة ويكتبان، عشت سنوات بيكيت وباتاي ويونسكو وسيوران، زمن اكتشاف مسرح بريشت وسينما إنغمار برغمان، زمن المسرح الوطني الفرنسي أيام جان فيلار وأوديون جان لوي بارو، زمن الموجة الجديدة والرواية الجديدة، زمن تلك خطابات أندريه مالرو وشجاعاته الأدبية. ربما عشت أيضاً أكثر العروض الأوروبية مسرحة ألا وهي عواصف الجنرال ديغول أولمبية. بيد أن أكثر ما أعترف به لفرنسا هو جعلها لي أن أكتشف أميركا اللاتينية. هناك عرفت أن البيرو تشكل جزءاً من «طائفة» كبيرة واحدة متحدة بالتاريخ والجغرافيا وبالإشكاليات الاجتماعية والسياسية، متحدة بنوع من كينونة واحدة وبهذه اللغة اللذيذة التي تتكلمها وتكتب بها. جعلتني أكتشف أن أميركا اللاتينية تنتج، في تلك السنوات، أدباً جديداً ومثيراً. في فرنسا قرأت بورخيس وأوكتافيو باث وكورتاثار وغارسيا ماركيز وفوينتس وكابريرا إنفانتي ورولفو وأونيتي وكاربانتييه وإدواردس ودونوسو والكثير غيرهم ممن ثورت نصوصهم حينذاك الكتابة السردية باللغة الإسبانية وبفضلهم اكتشفت أوروبا وجزءاً كبيراً من العالم بأن أميركا اللاتينية ليست فقط قارة الانقلابات العسكرية والزعماء السياسيين الهزليين والثوار الملتحين ومراقص المامبو والتشا تشا تشا، بل هي أيضا قارة الأفكار والأشكال الفنية والفانتازيات الأدبية التي تتخطى الطرافة لكي تتحدث لغة كونية.
منذ تلك الفترة وإلى أيامنا، تطورت أميركا اللاتينية، وإن عرفت في ذلك الزلات والعثرات، لكن وكما قال سيزار باييخو في هذا البيت: «هناك، يا اخوتي، الكثير للقيام به». نعاني اليوم بنسبة أقل من الدكتاتورية، ما عدا في كوبا وفنزويلا، وثمة استعداد لمساعدتهما، كذلك من بعض الديموقراطيات الموهومة الشعبوية والمثيرة للضحك كما في بوليفيا ونيكاراغوا. لكن في باقي القارة، وبطريقة ما، نجد ديموقراطية تعتمد على توافق شعبي كبير، وللمرة الأولى في تاريخنا، لدينا يمين ويسار يحترمان –كما في البرازيل وتشيلي والأوروغواي والبيرو وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان والمكسيك وفي كل أميركا الوسطى تقريبا– الشرعية وحرية الانتقاد والانتخابات وتعاقب السلطات. في هذا يكمن الطريق الصواب، وإن استمر الأمر على ما هو عليه، إن حاربت الفساد الماكر وتابعت عملية اندماجها في العالم، فإن أميركا اللاتينية لن تبقى قارة المستقبل بل ستصبح قارة اليوم.
لم أشعر أبداً بأني غريب في أوروبا وللحق أقول ولا في أي مكان في العالم. في الأماكن التي عشت فيها، في باريس ولندن وبرشلونة ومدريد وبرلين وواشنطن ونيويورك، في البرازيل أو في جمهورية الدومينيكان، شعرت دائماً أني في وطني. وجدت دائماً مأوى استطعت فيه أن أعيش بسلام، أن أعمل، أن أتعلم أشياء، أن أغذي أوهامي وألتقي بأصدقاء، أن أقوم بقراءات جيدة وأجد مواضيع للكتابة. من دون أن يقترحوا عليّ ذلك، لم يتراء لي أنني أصبحت مواطناً من العالم، حتى إن ذلك لم يضعف ما نسميه «الجذور»، علاقتي مع موطني –وهذا ما ليس له أي أهمية كبرى– إذ حدث الأمر على هذه الطريقة. فالتجارب البيروفية لم تعد تغذي كتابتي ولم تعد تظهر دائماً في قصصي، لدرجة أنها أصبحت تجري بعيداً جداً عن البيرو. أعتقد أن العيش لفترة طويلة بعيداً عن البلد الذي ولدت فيه –أو بالأحرى الذي نسجت فيه علاقات قوية مضيفاً إليها منظوراً صافياً، بالإضافة إلى الحنين الذي يجيد التمييز بين الطارئ والجوهر– يبقي في التماعه كل الذكريات. حب مسقط الرأس ليس واجباً، بيد أنه، وكما كل حب آخر، حركة قلبية طارئة، كتلك التي تجمع بين حبيبين، بين الأهل والأطفال، بين الأصدقاء في ما بينهم.
أحمل البيرو في أحشائي لأني ولدت فيها، كبرت فيها وتشكلت فيها، كما أني عشت هناك تجارب الطفولة والشباب التي كونت شخصيتي، وسنّت موهبتي، ولأني أيضاً أحببت هناك وبغضت وتمتعت وتألمت وحلمت. ما يجري فيها يصيبني باضطراد، يلامسني، يغيظني أكثر مما يجري في أي مكان في العالم. لم أبحث عن ذلك ولم أفرضه على نفسي، لقد حدث بهذه البساطة. بعض مواطنيّ اتهموني بالخيانة وبأني على أهبّة الاستعداد لأن أفقد مواطنيتي حين طلبت –في فترة الدكتاتورية الأخيرة– من حكومات العالم الديموقراطية بمعاقبة النظام بفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية عليه، وهذا ما فعلته دائما مع كل الدكتاتوريات مهما كانت طبيعتها، أكانت دكتاتورية بينوشيه أم دكتاتورية فيديل كاسترو، دكتاتورية طالبان في أفغانستان أم دكتاتورية الملالي في إيران، دكتاتورية النظام العنصري في جنوب إفريقيا أم دكتاتورية المستبدين العسكريين في برمانيا (تسمى ميانمار حالياً). وسأقوم بالأمر عينه غداً –لا شاء القدر ولا سمح بذلك البيروفيون– إذا وقعت البيرو مرة أخرى ضحية انقلاب أحال إلى عدم ديموقراطيتنا الهشّة. بالتأكيد، لم أفعل ذلك تحت تأثير إحساس متسرع وعاطفي كما لاحظ بعض الكتبة المعتادين على الحكم على الآخرين انطلاقاً من «صغرهم». ما قمت به كان عملاً مطابقاً لقناعاتي بأن الدكتاتورية تمثل الشر المطلق لأي بلد، إنها مصدر الفجاجة والفساد، إنها مصدر الجراح العميقة التي تحتاج وقتاً طويلاً لتندمل، تسمم مستقبل البلد وتموضع عادات وممارسات سيئة تستمر طيلة أجيال لتمنع بذلك بناء الديموقراطية. لذلك يجب محاربة الدكتاتوريين بدون رحمة، وبشتى الوسائل الممكنة، بما فيها العقوبات الاقتصادية. من المعيب أن لا نجد الحكومات الديموقراطية تتضامن مع أولئك الذين يواجهون الدكتاتوريات بشجاعة، من أمثال «النساء البيضاوات» في كوبا، والمقاومين في فنزويلا، أو أونغ سان سو كيي وليو كزاوباو، إذ أنها تبدو عطوفة لا تجاه هؤلاء الأشخاص بل تجاه جلاديهم. هؤلاء الشجعان، في محاربتهم من أجل حريتهم يناضلون من أجل حريتنا أيضاً.
أحد مواطنيّ، جوسيه ماريا أرغويداس، وصف البيرو بأنها بلد «الدماء كلها». لا أعتقد أن ثمة صيغة أفضل لوصف بلدي. هذا ما نحن عليه، وهذا ما نجده في شراييننا، في شرايين كل البيروفيين. أأردنا ذلك أم لم نرد نحن مجموعة تقاليد وأعراق ومعتقدات وثقافات أتت من أربع أرجاء الأرض. أفتخر بشعوري بأني سليل الثقافات الما قبل كولومبية التي كانت تصنع النسيج ومعاطف الريش في ناكزا وباراكاس، وسيراميك الموشيكاس أو الإنكا التي تعرض في أفضل متاحف العالم. أنا سليل بنائي ماتشو بيتشو وشيمو الكبير وشان شان وكويلاب وسيبان ووهواكاس والشمس والقمر. أفتخر أيضاً بالأسبان الذين حملوا في حقائبهم إلى البيرو –مع السيوف والخيول– بلاد الإغريق وروما، التراث اليهودي – المسيحي، النهضة، ثربانتس، كيفيدو، غونغورا، كما اللغة القشتالية القاسية التي خففها الآندييون. ومع اسبانيا جاءت أفريقيا بمتانتها وموسيقاها وخيالها الخصب لتغني التعددية البيروفية. لو نقبنا قليلاً لاكتشفنا أن البيرو –تماماً مثل «ألف» بورخيس– هي عيّنة صغيرة عن العالم بأسره. أي امتياز مدهش في أن لا تكون هناك هوية لبلد ما لأنه يحمل الهويات كلها!
بالتأكيد كان فتح أميركا قاسياً وعنيفاً، مثل كل الفتوحات، ويتوجب علينا نقد ذلك، لكن من دون أن ننسى في ذلك، أن الذين ارتكبوا هذا النهب وهذه الجرائم، كانوا في مجملهم أجداد أجداد أجدادنا وأجداد أجدادنا، أي الأسبان الذين ذهبوا إلى القارة الأميركية واختلطوا فيها لا الذين بقوا في أراضيهم. ليكون هذا النقد صائباً، عليه أن يكون أيضاً نقداً ذاتياً. لأننا حين استقللنا عن اسبانيا –منذ مئتي سنة– نجد أن أولئك الذين أداروا السلطة في المستعمرات القديمة، وبدلاً من أن يستردوا الهندي ويعيدوا الحق إليه بسبب الأضرار القديمة التي ارتكبوها بحقه، نجدهم وقد أكملوا استعباده بالطمع عينه والوحشية ذاتها مع العلم أن الفاتحين، في بعض البلدان، قد استأصلوه وأبادوه. لنقل صراحة: إن إعتاق السكان الأصليين، منذ قرنين، هي مسؤوليتنا الخاصة لكننا فوتنا الفرصة. لا تزال هذه القضية معلقة في أميركا اللاتينية بأسرها. ما من استثناء واحد بعد لهذا الخزي ولهذا العار.
أحب اسبانيا بقدر ما أحب البيرو وديني تجاهها كبير أيضاً بكبر اعترافي بجميلها. بدون اسبانيا لما وجدت نفسي الآن فوق هذه المنصة، لما كنت هذا الكاتب المعروف؛ من دونها، لكنت مثلي مثل غيري من الزملاء غير المحظوظين، لكنت بدون شك في حاشية المستكتبين السيئي الحظ وبدون ناشرين وبدون جوائز وبدون قراء ولتم اكتشاف هذه الموهبة –التي قد تشكل العزاء الوحيد– في الأجيال اللاحقة. في اسبانيا نُشرت كتبي كلها وحظيت هنا باعتراف كبير؛ كما أن أصدقاء مثل كارلوس بارال وكارمن بالسيلس، كما غيرهم، قد بذلوا قصارى جهدهم ليجدوا قراء لقصصي. منحتني اسبانيا جنسيتي الثانية حين كدت أفقد جنسيتي الأصلية. لم أشعر يوماً بأي تعارض بين كوني بيروفيا وبأن أحمل جواز سفر اسبانيا لأني اعتقدت دائماً بأن اسبانيا والبيرو هما قفا ووجه الشيء نفسه، وليس ذلك وقفاً على شخصيتي أنا، بل ينسحب ذلك على كل الحقائق السياسية مثل التاريخ واللغة والثقافة.
من كلّ السنوات التي عشتها فوق التراب الاسباني، أذكر لمعان السنوات الخمس التي قضيتها عند حبيبتي برشلونة في بداية السبعينيات. كانت دكتاتورية فرانكو لا تزال قائمة ولا تزال تقتل بعد، بيد أنها كانت يومها بمثابة حاشية ثوب منسولة وبخاصة في مجال الثقافة، إذ كانت الرقابة غير قادرة بالاحتفاظ بممارساتها القديمة. ثمة مسارب كانت تُفتح لم تعد معها الرقابة قادرة على سد هذه الثغرات التي امتص المجتمع الإسباني منها الأفكار الجديدة والكتب والتيارات الفكرية والقيم والأشكال الفنية التي كانت ممنوعة إلى تلك الفترة بسبب اعتبارها أعمالاً تخريبية. ما من مدينة أخرى أفضل من برشلونة مثلت بداية هذا الانفتاح أو عاشت مثل هذا الغليان المماثل في مجال الأفكار والإبداع. لقد أصبحت عاصمة اسبانيا الثقافية، المكان الذي يتوجب علينا أن نكون فيه كي نتنشق مقدمة الحرية التي حلّت لاحقاً. وبطريقة ما، أصبحت أيضاً عاصمة أميركا اللاتينية الثقافية عبر كمية الرسامين والكتاب والناشرين والفنانين الذين قدموا إليها من بلدان أميركا اللاتينية وسكنوا فيها أو عبر الذين كانوا يمرون في برشلونة، لأنه يجب عليهم أن يكونوا هنا إن أرادوا أن يصبحوا شعراء وروائيي ورسامي وموسيقيي زمننا. شكلّت تلك الفترة بالنسبة إليّ سنوات لا تنسى من الرفقة والصداقة والتشارك والعمل الثقافي الخصب. وكما كانت باريس من قبل تماماً، أصبحت برشلونة برج بابل، مدينة كوسموبوليتية وكونية، حيث من المثير أن تعيش فيها وتعمل، وحيث –وللمرة الأولى منذ الحرب الأهلية– اختلط فيها الكتّاب الأسبان بكتّاب أميركا اللاتينية وتآخوا واعترفوا بأنهم أسياد تقليد واحد وحلفاء في مشروع مشترك؛ وبأن ثمة يقيناً بحتمية نهاية الدكتاتورية وبأن الثقافة في اسبانيا الديموقراطية ستكون البطل الرئيسي.

القومية
على الرغم من أن الأمور لم تجر بهذا الشكل بالضبط، إلا أن الانتقال الاسباني من الدكتاتورية إلى الديموقراطية كانت واحدة من أجمل قصص أزمنتنا المعاصرة، إذ أظهرت –حين تهيمن الحكمة والعقل وحين يتخلى الخصوم السياسيون عن التعصب لصالح المصلحة المشتركة– كيف يمكن لأحداث مدهشة أن تحدث كتلك التي نراها في روايات الواقعية السحرية. أثار الانتقال الاسباني من الهيمنة إلى الحرية، من الركود إلى الازدهار، من مجتمع التناقضات الاقتصادية غير المتساوية كما في العالم الثالث إلى بلد من الطبقة الوسطى، اندماجه في أوروبا وتبنيه خلال سنوات قليلة لثقافة ديموقراطية، أثار إعجاب العالم بأسره وأتاح أيضا البدء بتحديث اسبانيا. شكل ذلك بالنسبة إليّ تجربة مؤثرة وغنية وبخاصة في عيشها عن قرب، كل لحظة، من الداخل. لدرجة أن القوميين –هذه الآفة التي لا شفاء منها في العالم المعاصر كما في اسبانيا– لم يتمكنوا من إفساد هذا الحدث السعيد.
أحتقر القوميات بكل أشكالها: الإيديولوجية –بالأحرى الدينية– القروية، ذات الأفكار القصيرة والخاصة، التي تلتهم الأفق الثقافي وتفشي داخله أحكاماً إثنية وعنصرية، لأنها تحول، إلى قيمة عليا، إلى خاصية أخلاقية وأونتولوجية، الظرف الطارئ لمكان الميلاد. كما الدين، كانت القومية في الوقت عينه السبب في أتعس المذابح في التاريخ، كمذابح الحربين العالميتين والنزيف الدامي، الراهن في الشرق الأوسط. ما من شيء آخر كالقومية، ساهم بشكل أكبر في بلقنة أميركا اللاتينية، المدماة بمعارك وخلافات عديمة المعنى، مبذرة بذلك مصادر خيالية بدلاً من بناء المدارس والمكتبات والمستشفيات.
علينا أن لا نخلط القومية وغمامتها ورفضها «للآخر»، التي تشكل دائماً مصدر عنف، مع الوطنية، هذا الشعور السليم والكريم، أي هذا الحب للأرض التي أبصرنا عليها النور والتي عاش فوقها أجدادنا حيث شكلوا فيها أحلامهم الأولى وحيث هي منظر مألوف من الجغرافيا والكائنات العزيزة على قلوبنا والأحداث التي تصبح لحظات – مفاتيح من الذاكرة ومن الدروع ضد الوحدة. ليس الوطن علماً أو نشيداً، ولا الخطابات القاطعة حول الأبطال الإشكاليين، بل هو حفنة من الأمكنة والأشخاص الذي يؤهلون ذاكرتنا ويخضبونها بالحزن والأحاسيس الحارة، أينما كنّا، إذ يشكل ملجأ نستطيع العودة إليه.
البيرو بالنسبة إليّ هي هذه «الأريكيبا» هذا المكان الذي ولدت فيه لكني لم أعشه. مدينة جعلتني أمي وجديّ وعماتي وأخوالي وعمومي وخالاتي أتعرف عليها عبر ذكرياتهم وندمهم، لأن كل قبيلتي العائلية –وكما عادة الأركيبيين عامة– حملت معها دوماً المدينة البيضاء خلال وجودها المترحل. البيرو هي هذه البيورا الصحراوية، هذه الخروبة والحمار الصغير الصبور، الذين كان يسميه البيورانيون في شبابي «قدم الآخر» –تسمية حزينة وجميلة– كان هذه المدينة التي اكتشفت فيها أن اللقلق ليست هي من تحمل الأطفال إلى العالم، بل الأزواج بارتكابهم الرعب الذي كان يعدّ خطيئة مميتة. البيرو هي مدرسة سان ميغيل ومسرح فاريداديس حيث شاهدت للمرة الأولى على خشبته أول مسرحية صغيرة كتبتها. إنها زاوية دييغو فيريه وكولون التي نسميها «الحي السعيد»، والتي بدلت فيها سراويلي القصيرة بالبنطال، وحيث دخنت سيجارتي الأولى وتعلمت الرقص ووقعت في الغرام وغازلت الفتيات. إنها هذه الصالة المغبرة والمتمايلة، صالة تحرير صحيفة «لا كرونيكا»، حيث وأنا في السادسة عشرة من عمري، خطوت أولى خطواتي في عالم الصحافة، وهي مهنة، إلى جانب الأدب، احتلت تقريباً حياتي بأسرها وأتاحت لي، مثل الكتب، أن أعيش أكثر، أن أعرف العالم بشكل أفضل وأن أعاشر أناساً من طبيعة مختلفة ومن آفاق متنوعة، أناساً ممتازين، طيبين، أرذالاً ومنفرين. البيرو هي مدرسة ليونسيو برادو العسكرية حيث تعلمت أنها لا تختزل بالطبقة الوسطى التي عشت ضمنها بل هي بلد كبير وقديم، عنيف وغير متساو، تهزه جميع أنواع العواصف الاجتماعية. البيرو هي هذه الخلايا السرية في كاويدي حيث كنت برفقة حفنة من زملائي في جامعة سان ماركوس، نحضر الثورة العالمية. البيرو، هي أخيراً، أصدقائي في حركة الحرية الذين أمضيت معهم ثلاث سنوات، وسط القنابل، وبدون كهرباء، ووسط التفجيرات الانتحارية، إذ نذرنا أنفسنا للدفاع عن الديموقراطية وعن ثقافة الحرية.
البيرو هي باتريسيا، نسيبتي، ذات الأنف الخانس والطباع الجامحة، التي حالفني الحظ بالزواج منها منذ خمس وأربعين سنة ولا زالت تتحمل إلى اليوم عاداتي وعصابي وثورات غضبي التي تساعدني على الكتابة. بدونها لحمل حياتي منذ زمن طويل إعصار سديمي ولما عرفت ولادة ألفارو وغونزالو ومورغانا، ولا أحفادي الستة الذين يطيلون في وجودنا ويضيفون إليه المتعة. إنها (باتريسيا) هي التي تحل المشكلات، وتدير المصاريف، وتحيل السديم إلى انتظام وتبقي الصحافيين بعيداً، وتدافع عن وقتي وتقرر المواعيد والتنقلات، وتوضب الحقائب وتفرغها، وهي على درجة من الكرم، حتى حين تظن نفسها بأنها توبخني، تكيل لي أجمل أنواع المديح: «ماريو، لا تصلح لأي شيء، سوى للكتابة«.

الكتابة
لنعد إلى الكتابة. لا تشكل جنة طفولتي بالنسبة إليّ أسطورة أدبية، بل هي واقع عشته وتمتعت به في منزل العائلة الكبير ذي الطوابق الثلاثة، في كوشابامبا، حيث مع أنسبائي ورفاق المدرسة، كان بإمكاننا أن نقلّد أقاصيص طرزان وسالغاري، كما في إدارة محافظة بيورا، تحت الروافد التي كانت تعشش فيها الخفافيش، التي تشكل ظلالاً صامتة تحيل سرّ ليالي هذه الأرض الحارة، المنجمة، إلى ليال مأهولة. في تلك السنوات، كانت الكتابة لعبة تصفق لها العائلة، كانت نعمة إذ يطلبون مني القيام بذلك، أنا الحفيد، ابن الأخ، الولد الذي يدون أب، لأن والدي كان توفي وصعد إلى السماء. كان سيداً طويل القامة، جميلاً، ببذلته البحرية، إذ كانت صورته تتصدر الطاولة قرب سريري وبعد أن أتلو صلواتي كنت أقبلها قبل أن آوي إلى الفراش. ذات صباح في بيورا، وأعتقد أنه يوم لم أشف منه مطلقاً، أسرت لي والدتي بأن هذا السيد، في الواقع، لا يزال حياً، وبأننا سنذهب، في ذاك اليوم بالذات، للعيش معه في ليما. كنت في الحادية عشرة من عمري، ومنذ ذاك الحين، تبدل كلّ شيء. فقدت براءتي واكتشفت الوحدة، السلطة، الحياة الراشدة، الخوف. تمثلت نجاتي بالقراءة، قراءة الكتب الجيدة، التجائي إلى هذه العوالم التي مثل العيش فيها أمراً مدهشاً، كثيفاً، مغامرة إثر أخرى، وحيث كنت أشعر معها بالحرية وبالسعادة من جديد. كانت الكتابة، بالخفاء، بمثابة خطيئة لا تُفشى، نذرت نفسي إليها، كانت شغفاً ممنوعاً. توقف الأدب عن أن يكون لعبة، ليصبح شكلاً من مقاومة المحنة، من الاحتجاج، من الثورة، من الهرب مما لا يطاق: سبب عيشي. منذ ذلك الحين وإلى اليوم، وفي جميع الظروف التي شعرت فيها بهزيمتي وبموتي وبأنني على حافة اليأس، كان انكبابي جسداً وروحاً على عملي كقاص بمثابة النور الذي يشير إلى خروجي من النفق، خشبة النجاة التي ستحمل الغريق إلى الشاطئ.
على الرغم من أن ذلك كله يمثل الكثير من الجهد ويجعلني أتعرق كثيراً، إلا أنه وكما كل الكتّاب كنت أشعر أحياناً بتهديد الشلل أو جفاف المخيلة، بيد أن ما من شيء جعلني أحس بالمتعة في الحياة سوى تمضية أشهر وسنوات وأنا أبني قصة، منذ ولادتها غير المتيقنة، أي منذ أن سجلت الذاكرة هذه الصورة بدءاً من تجربة معيوشة لتصبح قلقاً وحماسة وفانتازية ولغاية إنباتها في مشروع وفي قرار بمحاولة تحويل هذا الضباب المأهول بالأشباح إلى قصة. «الكتابة هي طريقة حياة»، قال فلوبير. نعم، بالطبع، هي طريقة في عيش الوهم والفرح، عبر نار تشتعل داخل الرأس، عبر النضال ضد الكلمات العصية لغاية ترويضها، عبر سبر أغوار هذا العالم الفسيح على طريقة صياد يركض خلف طرائده كي يغذي المتخيل النابت لتوه وليخفف هذه الشهية الشرهة والمتعاظمة للقصة التي تريد، باضطرادها، أن تلتهم باقي القصص كلها. في النهاية نصل إلى الإحساس بهذا الدوار التي تدفعنا إليه الرواية وهي في طور الاختمار، حين تأخذ شكلاً لتبدأ العيش على حسابها الخاص، عبر شخصياتها التي تتحرك وتتصرف وتفكر وتحسّ وتتطلب الاحترام والاعتبار، إذ لا يمكننا أن نفرض عليها سلوكاً ما بشكل اعتباطي، أو أن نحرمها من حرية قرارها من دون أن نقتلها، وإلا لفقدت القصة قدرتها على الإقناع. هذه هي التجربة التي تسحرني كما لو أني بعد في التجربة الأولى المليئة، المدوخة، تماماً كما لو أننا نمارس الحب مع المرأة التي نحبها من أيام، أسابيع، أشهر، بدون توقف.
حين حدثتكم عن المتخيّل، حدثتكم كثيراً عن الرواية وقليلاً عن المسرح أحد الأشكال الأخرى الحاضرة. بالتأكيد ثمة ظلم كبير في ذلك. كان المسرح حبي الأول منذ أن شاهدت للمرة الأولى في مراهقتي على مسرح سيغورا في ليما مسرحية «موت مسافر مؤتمن» لـ آرثر ميلر. كان عرضاً غمرني بالعاطفة ودفعني إلى كتابة مسرحية درامية حول الإنكا. لو عرفت مدينة ليما، في الخمسينيات حركة مسرحية لربما كنت الآن مسرحياً وليس روائياً. وبما أن ذلك لم يكن حاضراً، فقد توجهت إلى السرد أكثر فأكثر. بيد أن حبي للمسرح لم يتوقف، استدار على نفسه وغفا في ظل الروايات، كما لو أنه إغواء وحنين، بخاصة حين أشاهد بعض المسرحيات التي تستولي عليّ. في نهاية السبعينيات دفعتني ذكرى قاسية عن عمّة لي، بلغت المئة من عمرها، إلى كتابة قصة، إذ قطعت مع الواقع المحيط بها كي تلتجئ إلى الذكريات والمتخيل. شعرت، كشارة من القدر، بأنها كانت قصة للمسرح، وبأنها فوق الخشبة فقط ستعرف الحياة وبهاء المتخيل. كتبتها برجفة المبتدئين المُثارين وعرفت متعة حقيقية حين تمّ إخراجها على الخشبة حيث قامت ببطولتها نورما ألييندرو. ومذ ذاك، وبين روايتين وبين كتابي بحث، كتبت المسرح عدة مرات. لكن ما لم أتصوره أبداً، هو صعودي في السبعين من عمري لأمشي فوق الخشبة كي أمثل. هذه المغامرة المتهورة، جعلتني أعيش للمرة الأولى، لحماً ودماً، أعجوبة ما يمثله ذلك لشخص أمضى حياته يكتب الروايات، ليجسد خلال ساعات شخصية من بنات خياله، ليعيش المتخيل أمام الجمهور. لن أستطيع أبداً شكر صديقي العزيزين المخرج جوان أوليه والممثلة أيتانا سانشيز غيخون، لأنهما دفعاني إلى مشاركتهما هذه التجربة المدهشة.
الأدب هو تمثيل مخادع للحياة، ومع ذلك، يساعدنا بشكل أفضل على فهمها، على قيادتنا في المتاهة التي ولدنا فيها، التي نجتازها والتي نموت فيها. إنه يعوضنا عن الخيبات والكبت اللذين تصفعنا بهما الحياة الحقيقية إذ بفضله نستطيع أن نفك شيفرة –ولو جزئياً– هذه الهيروغليفية التي يشكلها الوجود بالنسبة إلى غالبية الكائنات البشرية، وبخاصة بالنسبة إلينا نحن المسكونين بالشك أكثر من اليقين. نحن الذين نعترف بترددنا أمام مسائل معقدة مثل السمو والمصير الفردي والجماعي والروح ومعنى التاريخ أو عدم معناه، وما وراء المعرفة العقلية..
شعرت دوماً بالدهشة وأنا أتخيل ظروف أجدادنا غير الأكيدة، إذ ما إن اختلفوا عن الحيوان، حتى ولدت اللغة التي سمحت لهم بالتخاطب في ما بينهم والذين بدأوا في الكهوف حول النار، في الليالي العامرة بالتهديدات –الصواعق والعواصف..– بدأوا باختراع القصص لروايتها على أنفسهم. إنها لحظة قدرنا المصيرية، إذ عبر هذه الدوائر البدائية للكائنات المعلّقة بصوت الحكواتي وخياله، بدأت الحضارة، بدأ الدرب الطويل الذي أنسننا، تدريجياً والذي سمح لنا بإبداع فكرة الكائن الأسمى حين نزعناه من القبيلة، ومعه أبدعنا فكرة العلم والفنون والحق والحرية وسمح لنا تقصي الأحشاء البشرية والجسد الإنساني والفضاء والسفر عبر النجوم. هذه الحكايات والأقاصيص والأساطير –التي رنت للمرة الأولى مثل موسيقى جديدة أمام المستمعين الذين شعروا بالخجل من أسرار وأخطار عالم كان لا يزال مجهولاً وخطراً– لا تزال تمثل حماماً منعشاً، مرفأ لهذه الأرواح المشردة التي تعتبر أن الوجود يعني الأكل وإيواء العناصر والقتل والزنى. ما إن يبدأوا بالحلم جماعياً، بتقاسم أوهامهم، التي يدفعهم الحكواتيون إليها، حتى يتوقفوا بالارتباط بمجرى الحياة، بهذا الإعصار من النشاطات المتوحشة، لتصبح حياتهم حلماً ومتعة وفانتازيا وتصميماً ثورياً ومعركة من أجل إخماد هذه التطلعات وهذا الطموح الذي يثيره عندهم أصحاب الوجوه المتخيلة، كما رغبة في سبر أغوار المجهول الذي يحيط بهم.
لاحقاً، اغتنت هذه السيرورة التي لم تتوقف أبداً بولادة الكتابة، وبأن القصص لا تُسمع فقط بل أصبح بالإمكان قراءتها ما أتاح لنا الوصول إلى استمرارية الأدب. من هنا علينا أن نردد دائماً، وبدون توقف، إلى أن نقنع الأجيال القادمة: الرواية هي أكثر من تسلية، أكثر من تمرين ثقافي يشحذ الحساسية ويوقظ الروح النقدية. إنه حاجة لا غنى عنها كي تستمر الحضارة في الوجود ولتتجدد محتفظين بأفضل الأمور الإنسانية داخلنا. لكي لا نعود إلى بربرية اللاتخاطب ولكي تبقى الحياة وتطول ولا تُختصر ببراغماتية الاختصاصيين الذين يرون أعماق الأشياء لكنهم لا يشاهدون ما يحيط بها. لكي لا نصبح عبيد وخدم الآلات التي تخدمنا بعد أن نخترعها. ولأن عالماً بدون أدب سيصبح عالماً بدون رغبات وبدون مُثُل وبدون نعمة، عالماً آلياً محروماً مما يجعل الكائن بشرياً حقاً: القدرة على الخروج من أنفسنا كي نصبح آخر وآخرين، معجونين بطين أحلامنا.

سؤال الأدب
من الكهف إلى ناطحات السحاب، من الهراوة إلى أسلحة التدمير الشامل، من حياة القبيلة إلى عصر العولمة، ضاعف متخيل الأدب التجارب الإنسانية مانعاً بذلك أن يسقط الرجال والنساء تحت وطأة الخمول والانكفاء على الذات والاستسلام. ما من شيء زرع القلق، هزّ الخيال بهذا القدر كما الرغبات مثل حياة الكذب هذه التي نضيفها إلى تلك الحياة التي نعرفها بفضل الأدب كي نتعرف في النهاية إلى هذه المغامرة الكبرى وإلى هذا الشغف الكبير الذي لن تقدمه إلينا هذه الحياة الحقيقية. إن الأكاذيب في الأدب تصبح حقائق من خلالنا، وقراءه –الذين يتحولون بعد قراءته– يصابون بعدوى التطلعات وذلك بخطأ المتخيل، ليعيدوا طرح الأسئلة دائماً على تفاهة الواقع. عبر هذا السحر الذي يهدهد خيالنا بوهم أننا نملك ما لسنا نملكه، وبأننا أصبحنا ما لسنا نحن عليه في الواقع وبأن ندخل إلى قلب هذا الوجود المستحيل حيث نشعر بأنفسنا –مثل آلهة الوثنيين– بأننا أرضيون وفانون، عبر ذلك كله، يُدخل الأدب في أرواحنا التمرد واللا امتثالية وهما الأمران اللذان يقفان خلف كل الجرأة التي ساهمت في تقليل العنف في العلاقات البشرية. قلت تقليل العنف لا إنهاؤه لأن عنفنا الخاص سيبقى دائماً قصة غير منتهية. لهذا علينا أن نستمر في الحلم، في القراءة والكتابة، وهذا ما يشكل الطريقة الأكثر فعالية التي وجدناها لكي نعزي من شرطنا الفاني، لننتصر على استهلاك الزمن ولنحيل المستحيل ممكنا .ً



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق