الاثنين، 13 يوليو، 2015

متمردون على الإسلام: فوزية الزواغي

ترجمة : سعيـد بوخليـط

خلال حقبة من حقب تاريخنا، كان بوسع الشعراء التشكيك في وجود الله، دون خشيتهم من فتوى. حقبة، تسامحت مع الوقاحة والدعابة التي تشتم، وكذا الاحتفاء بالخمر. إنها حقبة، القرون الإسلامية الأولى، بحيث كان كل شيء، مباحاً تقريباً.
حوالي سنة 620م، لما تمكن النبي محمد، من تحقيق انضواء قبائل الحجاز، أظهر شخصان "رعونة''، برفضهما اتباعه: مسيلمة، الملقب بـ"الكذاب'' ثم سجاح، إحدى أكبر نسوة،  قبيلة تميم. اسمان، جادلا بخصوص، أن تكون النبوة من أبناء قريش في مكة، وشكلا أول ثنائي متمرد، على امتداد تاريخ الإسلام، ومصدراً لحروب الردة، بعد تحول مجموعة أقاليم إلى الوثنية.
عقود بعد ذلك، هبت عاصفة من التمرد على أرض الإسلام. مبدئياً، طرحت حرية الفكر والسلوك. من القرن السابع الميلادي إلى الثالث عشر، ردد العالم أصداء شخصيات مسلمة، لاتخشى الإعلان عن إلحادها. من مدن بغداد إلى الزهراء، مروراً بشيراز، بلغت الحياة الليلية أقصى نشاطها، عاهرات وغلمان يتوافدون على الصالونات الأدبية، وتدفق غزير للخمر في الحانات، وكذا الفنادق، ثم قصور الخلفاء. الحكام، وإن لم تستهويهم تلك المخالفات، رفضوا مع ذلك، الامتثال لموقف العلماء. 
تلك العقول الحرة، التي كان عليها تحمل محرقة القسطنطينية أو باريس القرون الوسطى، لم يترددوا في الإقدام على تأليف، كتابات شرسة، تدوولت بلا عقاب، وتطرقت إلى موضوعات، مثل سمو العقل على الإيمان. ضمن مسار مسيلمة وسجاح، اندرج ملاحدة من كل الأجناس، شككوا في وجود الله مثل أبي العلاء المعري، أو رفضوا فكرة الرأي الأخير، مثل الوليد بن عبد الملك، وعلى غرار الجاحظ، دحض أطروحة قرآن غير مخلوق.
انتشر لدى البغداديين، بتسامح: "العبقرية العربية اللاذعة''، المكرّسة من طرف رموز كـ ابن المطهر الأزدي والشاعر الهجاء المتنبي، أو كذلك الأصفهاني، صاحب كتاب "الأغاني'' الشهير، ووثائقي الوقائع اللا-أخلاقية.
الزندقة، هي النموذج الآخر، للتمرد بحيث مثلت القصيدة، تعبيرها المميز. بشار بن برد، الشاعر الفارسي، وعاشق الغزل، يعلن ولعه بالتغزل، بينما كان ضريراً، وحينما سألوه عن كيفية تمكنه من العشق، مع أنه لايرى، كان يصفق يميناً وشمالاً، ويجيب شعراً كما الحال مع بيته الشهير: «والأذن تعشق قبل العين أحيانا!».
رفيقه في الوقاحة، ليس سوى أبي نواس، الذي امتدح «الشبق كنموذج لحياة احتفالية»، وانكب على حياة الجنسية المثلية، والإدمان على الخمر. أيضاً، عمر الخيام الذي كرس الشك، وصرخ بأنه :«إذا وجدت جهنم للعاشقين والسكارى، فستغدو الجنة صحراء !».
تواجدت على امتداد البصرة أسواق، كانت مخصصة لملذات الجسد والذوق، أما في القاهرة فقد تطرق شيوخ لموضوع الجنس، تحت أعمدة المساجد. إذا، انتقلنا إلى تونس، وباسم استجابة لطلب من السلطان، ألف الشيخ النفزاوي، كتاباً تحت عنوان ''الروض العاطر''، وهو بحث في علم الجنس ولاصلة له بكتاب "كاماستورا" (النص الهندي القديم).
أيضاً، تدفع قصيدة الحب نحو المبالغة. هكذا، يدعو عمر بن أبي ربيعة، المعجبين به، إلى إنشاد قصائده الغنائية، داخل مساجد مكة. أمّا "ديك الجن"، فيروى أنه أغرم جداً بزوجته، فقتلها كي يتمكن من القيام، بتأبينها شعراً. 
مع هذا المجتمع المسلم المرهف والمنتهِك، لم يبق النساء مستكينات. هكذا، فحفيدة الرسول سكينة بنت الحسين، سترفض الحجاب باسم الجمال، الذي وهبها إياه الله. بدورها، عارضت ليلى الخليلية، الخلفاء دفاعاً عن حريتها، أما في الفترة العباسية فقد اختارت علية بنت المهدي طريق أن تكون موسيقية، بدل كرسي الحكم.
بيد أن سياقاً كهذا، توقف تمدده مع نهاية القرن الثاني عشر ميلادي، فنتيجة تأثير الفقهاء الأرثوذوكسيين، وملوك مستبدين، أقفلت الخمارات واحتجزت النساء. بالتالي، انتقلت "الأصوات الملحدة"، إلى السرية ثم هيمن الصمت. سنة 1257م، اجتاح المغول بغداد، وضربوا صروحها الثقافية كما حطموا خزائنها الكبيرة، بحيث يحكى أن مياه دجلة، صار لونها قاتماً، نتيجة تحلل حبر الكتب. 

مع بداية القرن العشرين، وبعد موجة من القصيدة الرومانسية، تجرأ ثانية الشاعر نزار قباني، كي يتغنى بالحب والجنس. كما استطاعت أقلام نسائية، تحقيق حضورها مثل غادة السمان أو ليلى بعلبكي مؤلفة الرواية الشهيرة "أنا أحيا''، للدفاع عن حقها كي تتحرر من التقليد المهيمن غير بعيد عنا، نهض الإسلام الآسيوي، بمهمة بعث تلك القريحة الحادة، التي سادت بغداد، في الماضي. البنغالية تسليمة نسرين، والهندي سلمان رشدي، صاحب كتاب "آيات شيطانية'' -الذي لامس قدسية رموز دينية جعلت من الرسول شخصية متخيلة- فارتبطا ثانية على طريقتهما بصنف الكتاب الملعونين.
ضمن لائحة أخرى، فإن روائيات مثل نجمة، صاحبة أول رواية إيروسية: l amande ، كتبتها امرأة عربية، ثم في مرتبة أقل الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، سخرن من الطابوهات المرتبطة بالحشمة المفروضة على المسلمين.
إذا التجأ الأدباء إلى الخيال، كي يحسموا تناقضاتهم  مع دين، خصص لهم دوراً ثانوياً، سيتبنى كتاب المقالات نبرة سجالية، بهدف انتقاد الجبهة الإسلامية، نذكر على سبيل المثال المصرية نوال السعداوي، الشخصية الممقوتة جداً عند الإسلاميين، بحيث لم تتوقف أبداً عن التحريض، في سبيل نضالها لتحقيق نسوية على طريقة الغرب، ثم الصومالية أيان حيرسي علي، وكذا الإيرانية شاهدورت جافان، المناهضة لارتداء الحجاب.
غير أن متمردي الإسلام الحاليين، ينتمون إلى مختلف فئات المجتمع الإسلامي، سواء طبقات تنعم ببحبوحة العيش أو على العكس معوزة، وسواء كانت مثقفة أو قليلة العلم، فالآلاف من  الأوفياء غير المعروفين، يبدون نفورهم من الدوغماطيقية الدينية، بكيفية طبيعية، ويتوخون  تأويلاً حداثياً، للدين الإسلامي على مستوى حياتنا اليومية. هكذا فالخروج برأس مكشوف، يعني تمرداً في بعض البلدان الإسلامية.
كذلك، ما تعلق بالإصرار، على إرسال الفتيات إلى المدرسة، أو قرار جعل منظومة أحكام الإرث متساوية، بين الذكور والإناث. المناضلون الجمعويون المنخرطون، في قضايا يكرهها الأرثوذوكسيون، مثل الجنسية المثلية والسيدا والدعارة، ارتقوا إلى مرتبة أبطال. دون الحديث عن هؤلاء المتابعين للبرامج التليفزيونية، الذين يراسلون مسؤولي السمعي والبصري، قصد التبليغ عن الأثر الكارثي للفضائيات الدينية، التي تنقل عدوى الظلامية. مما يدعونا إلى طرح سؤال، حول تسلم مقاومة غير معلومة، لمشعل التمرد، من نخب العهود السابقة؟ المستقبل، من سيعمل على تقييم هذا الحكم. في الانتظار، ينبغي استيعاب أن الاسلاموية، لن تكون غير أزمة عابرة، وكسوف في تاريخ الإسلام المستنير، وسينبعث ثانية غداً، لدى المسلمين ذلك الحس النقدي والساخر. 
ينعتون بـ''الكتاب السوقيين''، بحيث يعرفون كيفية استعمال فن الشتيمة، أو ما اشتهر بالهجاء، الذي ساعدهم على إيجاد منفذ  ضد القانون والأقوياء وكذا الملتحين. إنهم جل كتاب الأدب العباقرة، الذين يستمتعون ببورتريهات ضيوف يثيرون الشفقة، المتواترة في نصوص الآداب العربية، كالبخلاء والمحتالين وكبار الديكتاتوريين ثم المومسات. 
يعتبر، أبو المطهر الأزدي، مؤلف كتاب: "حكاية أبي القاسم البغدادي''، أحد أبرز وجوه، هذا التيار. عاش الرجل، خلال القرنين العاشر والحادي عشر ميلادي، ملتزماً بمبادئه، وقضى جزءاً كبيراً من حياته في بغداد، حيث كان صديقاً في جلسات السكر للشاعر الكبير ابن الحجاج،الوجه الآخر المزعج في الآداب العربي.
ترك لنا الأزدي، عمله ''حكاية أبي القاسم البغدادي''، وقد اكتشفه بداية القرن العشرين، مستشرق ألماني، لكنه لم يصدر قط. لماذا؟ السبب، لأنه نص لامس مستوى معيناً من الفحش، بالتالي فانتقاله إلى أيادي أي قارئ، سيمثل شتيمة للجمهور. أثناء وليمة نظمتها بورجوازية بغداد، ينذر الشخصية الرئيسة نفسه لذلك، ممارساً مهنته بحيوية كـ "شاتم للجمهور''، يهاجم بالتناوب الحاضرين، المدعوين، وآبائهم وذريتهم، وكذا الغائبين، الذين هم باستمرار على خطأ، ثم طبقة المتعجرفين والفاسدين. يسخر من: «المتطفل، المتباهي، الذي يحضرذهنياً كل الولائم، مع أنه لم يكن مدعواً». قبل أن يضيف باستخفاف: «لو تبين لآدم، أنه سينبثق منه خلال يوم، خلفاً لنوعه، لبادر إلى الإخصاء».

* مسيلمة: معارضة النبي
يمثل العدو الأول للإسلام، الدين المتبلور وقتها، واستمات كي يسرق الريادة من النبي محمد، بمنازعته في نبوته، فتساءل: «يصنع محمد، معجزات؟». و«باستطاعتي، أن أقوم، بذات الأمر». «يكتب محمد القرآن؟ سأكتب أنا واحداً، بل وأفضل!». كلما استظهروا أمامه، فقرة من الكتاب المقدس، يصرخ: «سيمدني جبريل، بفقرة مماثلة»، ثم ينتحل الآيات. هكذا، فإن مقطعاً من سورة الكوثر، صار عنده بالكيفية التالية: «إن أعطيناك الجواهر فصل لربك وهاجر إن مبغضك رجل فاجر»، أو هذه الآيات من سورة الفيل، التي غدت وفق الصيغة التالية: «الفيل، ما الفيل؟ وما أدراك ما الفيل؟ له ذنب وثيل وخرطوم طويل!». توفي مسيلمة سنة 633.
  
* ولاّدة: الفاسقة
 بقي اسم ولادة، مرتبطاً بجلال الحقبة الأندلسية. ولدت في مدينة قرطبة، سنة944، ابنة آخر خلفاء أمية، محمد المستكفي بالله. تعتبر، ولادة بمثابة، الصيغة العربية للناقدة الأوروبية مدام دوستايل، وإحدى أكبر الشاعرات. لكنها، بالنسبة للبعض الآخر، مجرد فاجرة وساقطة، منتقدين نموذجها الحياتي، وعلاقاتها العاطفية، المتعددة بما فيها السحاقية. في صالونها الأدبي، حيث تتزاحم نخبة حقبتها، تتكلم الآنسة ولادة، بنبرة عالية واتسمت ردود فعلها بالشجاعة. لم تكن تخشى من استقبال ضيوفها وهي مرتدية لباساً شفافاً، وتزركشها بأبيات شعرية، مثل:
أمكن عاشقي من صحن خدي         وأعطي قبلتي من يشتهيها

*أبو نواس: المولع بالخمر والغلمان
إنه الطفل المزعج، للأدب العربي. اسمه الحقيقي، هو الحسن بن هانئ الحكمي، ولد حوالي سنة747 في إيران، وتوفي ببغداد حوالي سنة815. قطع مع القصيدة ذات الإلهام البدوي والغزلية، متغنياً بعشق الخمريات والتباهي بتجربته الخاصة، كشخص يهيم وراء الملذات، عاشقاً للجنسية المثلية وكذا الخمر. تعددت الروايات بخصوص موته: يحكى عن موته وسط خمّارة، وتحدث البعض الآخر عن السجن، إن لم يكن قد قتل مثلما ادعى البعض الثاني.

*الوليد بن عبد المالك: الخليفة الملحد
هو ابن الخليفة الأموي، أمية اليزيد ابن عبد المالك (القرن الثامن). ينتمي إلى صنف العاشقين: «فليشهد الله والملائكة والمستقيمين، أني أعشق الغناء والخمر والتهام الخدود الجميلة». حبابة وسلامة عاهرتان، تغنيان له. حينما يحدث الخمر تأثيره، يشرع في تمزيق ملابسه ويلتفت نحو إحداهن، صائحاً: «ألا تريدين التحليق بي». أصبح خليفة، فكان يبادر إلى استدعاء رفقة الملذات، وهم في الأغلبية شعراء ماجنين، ولم يكن يخشى من استفزاز الآخرين بسلوكاته اللا-دينية. يروى عنه، أنه عزم على تنظيم جلسات سكر، على سقف المسجد المقدس في مكة أثناء موسم الحج. أيضاً، وجهت له تهمة كونه مزق القرآن، ووصف النبي بالمخادع.

*الشيخ النفزاوي: شيخ الإباحية
هو دليل على أن الإسلام، لايكون دائماً حانقاً من الجنس واللذة. أبو عبد الله محمد بن عمر النفزاوي، المولود في تونس حوالي سنة1420، صاحب كتاب موجز إيروسي، الأكثر شهرة في العربية: "الروض العاطر"، الذي كتبه بطلب من الحاكم الحفصي، لتونس، أبو فارس عبد العزيز المتوكل. لقد وضع من خلاله، جرداً حول كل ما يتعلق بالجنس، يسمي الأعضاء الجنسية، ويصف مختلف الأوضاع، ويستحضر الأسرار المساعدة على زيادة الشهوة، والوصفات المثيرة لها. يحذر، من الأمراض المنقولة جنسياً، ويقدم علاجات وتعاليم صحية، بل يذهب حدّ تأويل الأحلام الإيروسية، ثم ضمن كل ذلك، حكايات تجاري، تلك الحكايات الأكثر مجوناً، لألف ليلة وليلة، مع إضافة الضابط البيداغوجي.

*الجاحظ: الرائد قبل عصر لافونتين
    الجاحظ الذي اشتهر بثقافته الموسوعية، عاش ما بين 776 و867، زمن  أول الخلفاء العباسيين، أي في أوج الحضارة الإسلامية. تطرقت كتبه إلى علم الحيوان ثم المعجم والبلاغة، مثلما استفاضت في الأخبار والعادات والأمثال، مستعملاً قريحة عنيفة وساخرة. كتابه "الحيوان''، الذي تطرق إلى الحيوانات، هو الأكثر شهرة. ثم كتابه ''مفاخرة الجواري والغلمان''، حيث أعطى الكلمة لتلك الشخصيات الهامشية: الجنسي المثلي، الزوج المخدوع، الزوجة الخائنة، اللوطيون، العاهرة. 
كان الجاحظ موضوع سخرية، بسبب دمامته المثيرة للاشمئزاز، لكن معرفته جعلته موضوع احترام. توفي في البصرة، بعد أن وقعت عليه كتبه.


مصدر النص الأصلي:
la revue.  numéro 50. mars 2015. PP ;112 -117.                                       
                           

         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق