الجمعة، 10 يوليو، 2015

قناع نيتشه: جان فرانسوا بلودي


ترجمة : الحسن علاج

فريديريك نيتشه
ثمة قرابة عميقة تجمع بين أبيقور (Epicure) ونيتشه (Nietzsche). مُدينا الديانة الخرافية كالمخاتلات الفلسفية، يبدو الواحد كتجسيد مُسبَّق للآخر. عن فن إسقاط الظواهر وتعرية الأمثلات.


«إني فخور بفهم خُلُق أبيقور على نحو مغاير، ربما، أن أي شيء آخر، والتمتع بكل ما أسمع وأقرأ له سعادة ما بعد الظهيرة للحضارات الأكثر قدماً: ـ إني أرقب عينه وهي تتأمل بحراً شاسعاً مُبيَضّاً، فوق صخور الشاطئ التي تسكن الشمس فوقها فيما تمرح صغار وكبار الحيوان في الضوء، مطمئنةً وهادئةً مثل ذلك الضوء وتلك العين ذاتها» [ العلم الجذل ، ص 45]
خلافاً لفكرة يتم تلقيها، فإن مواجهة نيتشه مع قدماء الفلاسفة لا تقتصر على سقراط ، أفلاطون أو ما قبل السقراطيين؛ فقد شكل أبيقور على الخصوص موضوعاً لتأمّل دائم. إن الفضل يعود قبل كل شيء إلى ريشار روس (Richard Roos) الذي سلط الضوء على أهميته في نظر نيتشه، ولاسيما خلال الفترة الممتدة من 1876 إلى 1881، سنوات صعبة [سنوات "إنساني، مفرط في إنسانيته" و"فجر"] وقد كان أثناءها هذا الأخير مريضاً، ما جعله يغادر نهائياً وظيفته الجامعية بجامعة "بال"، ثم دخل في فترة نقاهة طويلة ميزتها رحلات إلى جنوب أوروبا. إن ارتباط الإحالة الأبيقورية بذلك الوضع يكتسي دلالة عميقة: يستعملها نيتشه كتطبيب، عاملاً على إعادة الإمساك بأصل المذهب الأبيقوري، الذي يرتقي بالفلسفة كصيغة حياة، ثم يسعى إلى الحصول على اللذة المستمرة. أدخل أبيقور مذهبه كطبيب: إن هدف العلاج الفلسفي هو بالضبط إشفاء مريضه، بمعنى تخليصه من قلقه وآلامه، ومن ثَمَّ يحقق السعادة؛ يجعل نيتشه من نفسه مريضاً لـ أبيقور الطبيب. وفي الواقع ، فإنه يتذوق لذَّات ذلك العلاج. علاوة على ذلك فإن المظهر الغذائي بالمعنى الحصري للكلمة، الذي يتأمّله، إنه على العموم كمال السعادة الأبيقورية التي يشعر بها مثل تجربة استثنائية، في مناسبات مختلفة، حيث تتجلى متعة طمأنينة النفس في انفعال جمالي كامل، بتوازن وانسجام كاملين [الاسم الإيجابي لطمأنينة النفس هو «galenismos»، حالة داخلية مماثلة للبحر الهادئ ، الـ  «galene»،  وهو ما يلمح إليه المقطع المأخوذ من العلم الجذل]. المَشاهِدُ الطبيعية هي إيطالية أو سويسرية، الجو خريفي، ثم إن رسم بوسان (Poussin) ولوران (Lorrain) يَسكُنُ نيتشه؛ في ظل هذه الظروف يُعَظِّم هذا الأخير «مبتكر طريقة بطولية وعجيبة في التفلسف: أبيقور» [المسافر وظله ، حكمة 295]
حينما حدث الإشفاء فجأة، «حدثٌ غير متوقع بين الكل»، ابتدأت الفترة الفاصلة حيث هيأ نيتشه "قلب كل القيم"، المشيّد على فرضية إرادة القوّة وتطويراتها الجنيالوجية.
يجعل الوضع الفيزيولوجي للصحة عندئذ التأمل الأبيقوري باطلاً، بدون موضوع بعد الآن. تفتح الصحة التفكير، بشكل متلازم، على آفاق جديدة، تفكير "نعم" و [تفكير] "ربما المهلكة"، تفكير ملاحة أعالي البحار الذي يطغى على التأمل الهادئ.
أبيقور، تذكرةٌ (memento) للمرضى والناقهين، من الآن فصاعداً هو عديم الجدوى؟ فحتى وإن حاول نيتشه أن يتميز عنه، مجادلاً عند الحاجة، وفي الواقع فإن مُعَلِّم الحديقة يظل مرجعاً متميزاً، لاسيما وأنه يتحمل بشكل أفضل بكثير من الآخرين التفسير الجنيالوجي. وبالفعل فإن القرابة بين نيتشه وأبيقور تعتبر متينة: لكي يحس مثله، فإنه يفهمه أفضل من أيٍّ كَانَ. لقد توصل أبيقور إلى نوع من الكمال -كمال البحث عن السعادة-، كما أنه يقدم نموذجاً لأبولينية (apollisme) فلسفية حقيقية: تسهم فلسفة التوازن تلك بالإحساس، الحلم، التمتع بامتلاء الأشكال. ضمن هذا المنطلق، سيعمل نيتشه بانتظام على استحضار نموذج الآلهة الأبيقورية -تلك الآلهة ذات شكل إنساني والتي تتم رؤيتها في الحلم-، ثم إن تلك الإحالة ترتبط مع إعجابه بذلك النموذج الذي يتعذر تجاوزه للحياة الفلسفية التي هي تَجَمُّعُ أصدقاء في الحديقة [الآلهة نفسها تعيش في تجمع، نائية بنفسها عن الشؤون البشرية].
يَقيناً أن أبيقور ظَلَّ على الطريق، فلو تمت مباشرة التفسير الغريزي لموقفه: فقد كان يسعى إلى السعادة، التي تُفهم مثل تسكين للمعاناة، من دون أن يتوصل إلى إعطاء الحق للغرائز القوية؛ مفكر أبوليني، فقد فَقَدَ، أو بالأحرى لم يتوصل إلى الاهتداء، بعد العمل على التنقيب على سقراط، أفلاطون، أرسطو، معنى الديونيزوسي. يمكن للتشخيص أن يفشل آنذاك: يعتبر أبيقور «منحطاً نموذجياً»، إلى حد أنه من الأبيقورية إلى المسيحية، فإن النتيجة كانت جيدة: «إني أرى في هذا الأخير [مذهب الخلاص] تطوراً عظيماً للمُتعِيَّة (hédonisme) على أساس مَرَضِيٍّ تماماً. إن ما يمت إليه بصلة أقرب، لكن مع تكملة مهمة للقوة العصبية والحيوية اليونانية، هو الأبيقورية، مذهب الخلاص من الوثنية. أبيقور، منحط نموذجي: كنت أول من يتعرف عليه مثلما هو. -إن خشية المعاناة، وحتى تلك اللامتناهية في الصغر- فهذا ما لا يمكنه أن ينتهي أبداً إلا في ديانة محب»[ضد المسيح]. إن التوقف عند اللذة ، بالتركيز على "لا" [في المعاناة ، في التهييج]، لهو بالطبع حجب للعمق الغريزي المتعدد لإرادة القوة؛ لنفس السبب الامتناع عن فهم عمن يتوجب عليه الهيمنة على تعزيز إرادة القوة، قوة التوكيد اللامتناهية. زد على ذلك أن الأمر لا يتعلق بمعاتبة أبيقور على ذلك: إن فلسفته باعتبارها كذلك تعتبر عَرَضاً (symptome)، فهي تعبر عن انهاك فيزيولوجي معين. إن "الشهامة"، التي يتصدى لها نيتشه في العلم الجذل، هي أولاً أن تفهم من داخل ذلك الوضع، الذي كابده هو ذاته. إذ أنه يُذكِّر بذلك في هذا هو الإنسان: بصرف النظر عن حقيقة أني منحط، فأنا أيضاً عكس ذلك». فلـ نيتشه حصته من الأبيقورية ، بيد أنه تجاوزها إجمالاً. حسم الأمر؟ إن التمسك بتفسير واحد لا يكفي؛ يفرض هنا تفسير إضافي نفسه.
وبالفعل ، فإن أبيقور يكشف عن قوّة سَمَت بانحطاطه إلى فوق، ثم إن ذلك العلو وتلك الحيوية تم التعرف عليها تماماً من قبل نيتشه. كعارف جيد بـ ديوجين اللايرسي، وبرسائل أبيقور إذاً، لكن أيضا بلوكريس (Lucrece)، كان نيتشه يعرف كل رِقَّةِ الأخلاق الأبيقورية، مجهوده من أجل التخلص من المتعية المبتذلة، والمحتوى الفعال للـ (galenismos)، الذي هو أدنى حالة ثبات منها من حالة استقرار، حالة رغبات ومؤثرات مسيطر عليها. وفي الواقع، فإن أبيقور كان يهدف بشكل أقل إلى الإبطال الجذري للألم من تدجينه وإدماجه في حالة عامة للتوازن، لطيفة لهذا السبب. يتم تحصيل اللذة الأبيقورية بالقوة والبأس [أُنظر الاستشهاد التمهيدي للعلم الجذل]، وليس بالفضيلة المُلَطَّفَة -ثمة تزهد بدون مرضية (morbidité) عنده. بالإمكان إعادة الإمساك حينئذ بالدرس الأبيقوري الكبير في نظر نيتشه: فإن كان يهدف إلى إبطال المعاناة، فإن ذلك يتم بدون ضغينة، بغاية الحفاظ على الجسم؛ فإذا كان منحطاً [يوهم بنهاية السعادة ـ غلطته!]، وهو كذلك يعتبر فاضحاً للأوهام، وعقلاً حراً قدر الإمكان. يسعى أبيقور إلى السعادة، على أنه يدين الفضيلة الـ[خاطئة]. باختصار، فقد تمكن مذهبه من أن يقود إلى المسيحية، على أن هذه الأخيرة شوهت الأخلاق وقدمت عنها صورة ساخرة. وفي الواقع، فإن الأبيقورية هي أيضاً تعتبر مُقَدَّماً نقداً لاذعاً للمسيحية: «أن يُقرَأَ لوكريس، قصد فهم ما قام أبيقور على مقاومته، ليس الوثنية، لكن "المسيحية"، أعني فساد الروح من خلال مفهوم الخطأ، العقاب والخلود» [ضد المسيح].
يقترب أبيقور إذاً بغرابة من نيتشه، ثم إنه يبدو كتجسيد مُسَبَّق عتيق له، من أجل هذا الفن النفيس لتحطيم المظاهر، وتعرية التَّأَمثُلات: إذ أنه يدين الديانة الخرافية، وبنفس الطريقة المخاتلات الفلسفية. إن رفضه للشيء في ذاته (l’en–soi) الأفلاطوني، الذي يجد أصداء له كثيرة عند نيتشه، يترافق بهجوم على الدجل الفلسفي الأفلاطوني ـ وبالضبط ما لاحظه نيتشه في كتاب "في ما وراء الخير والشر" : «لا أعرف شيئاً أكثر سُمِّيَّةً من الدعابة التي أجاز أبيقور بها لنفسه في موضوع أفلاطون والأفلاطونيين: فقد وصفهم بالـ"dionysiakolakes". وللوهلة الأولى، فإن ذلك يعني حرفيا "جلساء دنيس (denys)"، ومكملو الطاغية ومتزلفوه؛ على أن هذا يعني علاوة على ذلك «أنهم ممثلون كوميديون حقيقيون، فلا وجود هناك لأي أصالة». شأنه في ذلك شأن نيتشه، عمل أبيقور على إسقاط الأقنعة، وكشف العمق العاطفي الذي تحجبه احتجاجات الفضيلة والإنشاءات العقلانية. إدانة كوميديا الفلسفة! ثيمة متواترة لدى نيتشه، الذي يحيي نظيراً، من أجل جودة النظرة، تلك النظرة التي يجيزها نفاذ البصر هو الذي قام بتطوير تفسيره الجنيالوجي. وعلى تلك الأرضية، ثمة قرابة حقيقية: ألم يكن الشروع في الاستعمال الفلسفي للجنيالوجيا أبيقورياً؟ يوجد هرمارك (Hermarque)، وريث أبيقور على رأس الحديقة، يحاول بالفعل، في مؤلف مخصص لأصل الحضارة [الذي نقله بروفير (Prophyre) في عن التزهد]، إعادة بناء الـ"جنيالوجيا الطويلة " التي يلتئم الناس وفقاً لشروطها في مجتمع ، يتغيرون من خلال مؤثرات اللذة والألم، موجهون بواسطة البحث عن المنفعة. وبالتأكيد فإن للمتوازي حدوده، لأن الهدف المنشود [التخلص من المعاناة] يسقط هو ذاته تحت ضربة الجنيالوجيا النيتشوية؛ مع ذلك فإن ذلك الترتيب الأبيقوري قام بسبر الحوافز الغريزية، بإدانة الـ"نفاق" الفلسفي، يفسر القرابة الخفية تقريباً بين الفلسفتين.
يعتبر أفلاطون، في نظر نيتشه، كبيراً باعتباره مربياً، لكن أبيقور يظل متفوقاً بسبب الأهمية الحقيقية لتعليمه. وهذا الأخير، الذي يزدري الادعاء الأفلاطوني، "يعيش متَخَفِّيّاً"، كما أنه يسمح لرسالته الفلسفية كي تنعكس إلى تأثير بعيد المدى، غير محدود تقريباً: ففي حياة عزلته يوجد مفتاح تأثيره فما أفلاطون إلا صورة للمربي؛ إن أبيقور الغائص، يجعل من نفسه مربياً حقيقياً للناس الجدد، من أجل المستقبل. علاوة على ذلك، فإن رسالته ذات استراحة مزدوجة: فهي، ظاهرياً من أجل الجميع [سوف يعمل نيتشه أحياناً على تقريب أبيقور من اليسوعيين والاشتراكيين!]، على أنه في واقع الحال، من أجل البعض: إن التعليم حول الطبيعة العادلة للآلهة، اللامبالية بالشؤون البشرية، متمتعة بالسعادة الدائمة في تجمعها الإلهي، تصور بالفعل التبشير بالإنسان الأعلى، التي [الآلهة] تشكل صورة منه ـ وسوف يعترف نيتشه بذلك. وفي الواقع، فإن الفيلسوف الأبيقوري الكامل يجد نفسه مدعوا للعيش «مثل إله بين البشر» [رسالة إلى منيسي]. تلك العزلة وتلك الرسالة ذات المفعول البطيء والمرجَّأ، الرغبة في تجاوز الوهن الإنساني هي الصفات الفلسفية الكبرى في نظر نيتشه، الذي سوف يمضي إلى حد تبني وضع أبيقور جديد: «ينبغي لأعمالنا أن تُفهم خطأً، مثلما أُوِّلَ أبيقور خطأً! إن ميزة كل نبي تكمن في أن يُفهم على وجه السرعة -وهو ما يحط من شأنه! لابد لنا أولاً من امتلاك رجال سوف لن يصبح من خلالهم المعنى مرئياً إلا بعد قرون- لقد كان "مجدنا" إلى حدود الوقت الراهن بئيساً! ـ أرغب في ألاَّ أُفهَمَ خلال مدة طويلة» [شذرات ما بعد الوفاة]. أبيقور ، " قناع" لـ نيتشه، تبعاً لصيغة إرنست برترام (Ernst Bertram)؟ نعم، وأكثر من ذلك بكثير، إذ أن الإزدواج غير محدود: «عاش أبيقور كل العصور، ولايزال يعيش، مجهولاً من أولئك الذين لُقِّبوا ولايزالون يُلَقِّبون أنفسهم بالأبيقوريين، وبدون شهرة إلى جانب الفلاسفة.» [مسافر وظله، حكمة 227].


المصدر: Le Magazine Littéraire، نوفمبر 2003 عدد 425
المؤلف: جان فرانسوا بلودي (Jean – Francois Balaudé)، أستاذ الفلسفة بجامعة ريم شمبانيا ـ أردين، له على الخصوص: أبيقور، رسائل، حكم، أقوال [كتاب الجيب، 1999]، معجم أبيقور [دار نشر إليبس ، 2002]، قراءات نيتشه، عمل مشترك مع فوتلينغ (P.Wotling) [كتاب الجيب، 2000].



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق