الاثنين، 29 يونيو، 2015

تمهيد كتاب "الأدب والشر": جورج باتاي

ترجمة: محمد العرابي


    الجيل الذي أنتمي إليه ضاج بالصخب، جاء إلى الحياة الأدبية وسط ضجيج الحركة السريالية. ولقد طغى إحساس على السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، بأن الأدب يختنق ضمن قيوده. وبأنه كان يحمل، في طياته على ما يبدو، بذور ثورة ما.
   هذه الدراسات التي تفرض نفسها عليّ بانسجامها، ألّفها رجل ينتمي لمرحلة النضج. بيد أن معناها العميق يعود إلى ضجيج مرحلة الشباب، والتي تمثل صداها المكتوم. والشيء الذي يعطيها كبير دلالة في ناظري، ظهورها [على الأقل في صيغتها الأولية] في قسم منها في مجلة "نقد"، هذه المجلة ذات المنحى العلمي الجاد الذي تستمد منه كل غناها.
   علي أن أسجل هنا مع ذلك، إذا كنت أحياناً قد أرغمت على إعادة كتابتها، فإن ذلك يعود إلى أني لم أستطع، في غمرة الضجيج المستبد بعقلي، أن أعطي بداية لأفكاري إلاّ ضمن تعابير غامضة.
   إن الضجيج أساسي هنا، وهو يشكل معنى هذا الكتاب. لكن آن الأوان لكي نخرج به إلى وضوح الوعي. لقد آن الأوان... ويبدو لي أحياناً أنه لم يعد هناك من وقت. وعلى الأقل فالوقت يضغط.
تستجيب هذه الدراسات للمجهود الذي واصلت بذله لأستخلص معنى الأدب... فالأدب إمّا أن يكون معناه جوهرياً أو لا يكون. والشرّ –الشكل الحاد للشرّ– الذي يُعتبر الأدب تعبيراً عنه، يحظى بالنسبة لنا، على ما أعتقد، بالقيمة المطلقة. بيد أن هذا المفهوم لا يتحكم في غياب الأخلاق، بل يستوجب نوعاً من فائض الأخلاق.
   الأدب هو نوع من التواصل، والتواصل يحكم الصدق: والأخلاق القويّة توجد ضمن هذه الرؤية انطلاقاً من التواطؤ في معرفة الشرّ، مما يؤسس للتواصل المكثَّف.
   الأدب ليس بريئاً، فهو مذنب، عليه في النهاية أن يقرّ بأنه كذلك. والفعل وحده هو من يملك الحقوق. الأدب هو، ولطالما أردت ببطء أن أبيّن  ذلك، الطفولة المستعادة أخيراً. لكن الطفولة التي سوف تحكم، هل ستكون لها ثمة حقيقة؟ أمام ضرورة الفعل، تفرض استقامة كافكا نفسها، التي لا يتوافق معها أي من الحقوق. وكيفما كان الدرس المستفاد من  مؤلفات جان جينيه فإن مرافعة سارتر لصالحه لا يمكن قبولها، في النهاية يتوجب  على الأدب أن يترافع على أساس الاعتراف بالجريمة.

هامش:
    ما ينقص هذه الدراسات هي دراسة تتناول أغاني مالدورر لـ لوتريامون، بيد أن تصريحها بالشرّ يجعلها غير ضرورية. هل من المفيد القول إن نص لوتريامون: الأشعار تتجاوب مع موقفي؟ إن الأشعار، بل والأدب، «تترافع على أساس اعترافها بالجريمة». إنها تُدهش، بيد أنه إذا كان بالإمكان فهمها، ألا يكون ذلك انطلاقاً من وجهة نظري؟  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق