الجمعة، 19 يونيو، 2015

عبد الوهاب مؤدب : حالياً، القرآن رهينة

حوار: سفين أورتولي
ترجمة: سعيـد بوخليـط

عبد الوهاب مؤدب

في حوار، أجري معه سنة 2010، تقاسم معنا عبد الوهاب مؤدب الذي غادرنا مؤخراً (1946-2014)، عشقه لكتاب بقي يستحوذ عليه، منذ نعومة أظافره. تحدث، عن الأسئلة المتعلقة بإسلام اليوم، وتأويل القرآن، ثم وضعية المرأة، مروراً بالإسلاموية والإسلاموفوبيا، بحيث عرض لنا مقاربة أنثروبولوجية وأسطورية، بعيداً عن الرؤى الجذرية القديمة.





1-س- القرآن نص جميل، لكنه صعب، وينهض على التكرار، ويظهر غِلظة.
ج- يشكل غموض القرآن، معطى على الرغم مما يقوله القرآن عن نفسه: «بلسان عربي مبين». جميع فقهاء اللغة، أقروا بصعوبة لغته. ثم في وقتنا الحالي، تبدو تلك الكثافة أكثر خشونة، فالقارئ العربي الذي يقرأ القرآن، يعتقد أنه فهم كل شيء. عندما أستحضر طبيعة تلك اللغة، فإني أتكلم عن ''لغة أبوية''، كما اللاتينية بالنسبة لـ دانتي (Dante). لغة، تنسج ألفة غريبة، مع لغة الأمومة، فالعربية الدارجة التي بواسطتها يتحدد القارئ، كذات متكلمة، تغدو مستعدة كي تدرك سر ثنائية اللغة العربية، المحافظة على الهوة بين الكتابي والشفهي. لكن ماهو مكتوب، كما نتعلمه في المدرسة، يمثل لغة معاصرة بعيدة كل البعد، عن عربية القرآن التي تم تثبيتها لأكثر من قرن بعد وفاة الرسول، بين القرن الثامن والتاسع الميلادي. مع ذلك بين هاتين الحالتين للغة، يبقى جانب المعجم موضوع تثمين، والعبارات متعددة. من هنا، اللبس في الوضوح. طيلة فترة تعلمي القرآن، سنوات الطفولة، كنت مفتوناً بملاقاة  كلمات معروفة، ضمن جمل غامضة، لكنها مع ذلك، موحية، تجعلك تسافر: انطلاقاً منها، أبدعت نصي الخاص. التكرارات بالنسبة للاستذكار، هي مصدر للهذيان والتيهان. أيضاً، يثير القرآن الخوف والرعب، جراء التحولات القيامية التي يصفها، وكذا التهديدات التي يتحدث عنها، تناوبياً بجانب الوعود. ففي سورة الرحمن، مثلاً وإلى جانب مشاهد تحيل على فضاء الريف، نجد أيضا هذه «الكتلة  من النار» فـ: «يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران»(الآية) ، «فإذا انشقت السماء»(الآية)،و«يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام»(الآية)، ثم «يطوفون بينها وبين حميم آن»(الآية): هكذا، يمتزج الجمال بالسديم.


2-س- المفكرون المسلمون أو الثقافة الإسلامية، يظهرون غالباً منزعجين من استحضار مقاربة محض أسطورية أو أنثروبولوجية للقرآن؟
ج- يستبطن القرآن، من طرف المسلمين، مثل طابو. شخصياً، منذ البداية وإلى غاية الخوف الذي يثيره لدي، اتسمت على الفور، علاقتي مع النص القرآني، بنوع من التجاوز، حيث دخلت في منافسة مع كلماته، وابتكرت ذهنياً نصي الخاص. هكذا، أمام التعبير القرآني، سعيت عفوياً أن لاتحتفظ به، ذاكرتي كما هو، فتحولت عن الانسياق وراء  تكرار تراكيبه التعبيرية، وبلاغته المتأتية من البديع، وكذا الاستعارات، والمجاز المرسل، ثم التوزيع التماثلي أو اللا- متماثل، للمتضادات. أمام التعبير القرآني، أبحث عفوياً عن مادة تعبير، تهمني كذات. من خلال هذه المبادرة المتسامحة، سيشتغل القرآن مثل دليل، يختبر قاعدة تقتضي عقاباً، جراء الانتهاك. هي قاعدة، لا تُستبطن سوى بين طيات، هاجس الخطأ. سيأخذ القرآن، تصورنا بعين الاعتبار، إذا قاربناه من زاوية الأسطورة، أي مثل دراما تفتح منفذاً على الإلهي، المرتكز على البحث الجمالي والإيتيقي. يلعب القرآن بفعالية، دوره الأنثروبولوجي، بتهيئة زاوية نظر، يبعث عبرها صوتاً للمطلق مخاطباً الإنسان، الذي يعتريه النقصان، ويحاصره الخفي والمجهول. لكن، هذه الوظائف الأسطورية والأنثروبولوجية، لاتمنع قط من النظر تاريخياً للقرآن، باعتباره موضوعاً، ألهمته مضامين عدة. دون، أن أرتدي وزرة الباحث، يحدث معي أثناء أسفاري، اكتشاف الآثار المنقوشة أو الأركيولوجية، التي أمكنها المساهمة في تشكله. مثال، مأخوذ من سورة الرحمن: يستعيد ذات الكلام، إلى المختارين: «متكئين على فرش بطائنها من استبرق  وجنى الجنتين دان»(الآية54). مثل تذكر للنحاتين المخلِدين للمتوفين المدفونين في "تدمر" السورية، والمنتمين إلى دائرة التأثير العربي، والتي في إطارها، نشأ نبي الإسلام.

3-س- لنتكلم عن جمالية هذا النص: ماهي السورة أو الآية التي أحببتموها بشكل خاص؟
ج- بالتأكيد، سورة  الرحمن. إنها جميلة على نحو خاص، وسميت تقليدياً بـ ''عروس القرآن''. كثير من عبدة الأصنام، استسلموا لسحرها، واعتنقوا الدين الإسلامي، بعد أن استمعوا إليها. نص مقفى، موزون بلازمة، يوظف الأمر ثم التناظر، من خلال اسم إشارة غير موجود في الفرنسية: لازمة تتكرر ثمان وعشرين مرّة، على امتداد ست وتسعين آية. إنها مختصرة جداً: فبأي آلاء ربكما تكذبان. إنها تتجلى حسب إيقاع، يجمع بين مقاطع لفظية مقتضبة وطويلة، ثم الفردي والثنائي، حسب علاقة فيثاغورية.  بالتالي، ترجمة الآية :  (vous deux ;lequel des dons de votre seigneur démentez-vous).
يفقدها سحرها، حتى ولو وجدنا ثانية، مع الترجمة، الخمسة عشر مقطعاً أصلياً. هذه السورة، تجسد تجليها العروضي، عبر تآلف بين الصورة والميلوديا وكذا الفكر: حسب أسلوب تناظري رشيق، احتفت السورة بالثنائي، وفق إحالات متعددة على الطبيعة [نمو النبات، الشجر، السماء، الأرض، فاكهة النهمين، نخيل بغصن غزير، حبوب غنية بالحشفات، نبات عطري، بحران، حديقتان، حجر كريم، مرجان..]، كما لو من أجل توضيح مبدأي المذكر والمؤنث، اللذين يسكنان عمق الكائن. هذه السورة، تفتح إمكانية، أن نكتشف داخل القرآن على تقارب مع مذهب ''الطاوية''، أي ذاك المنحى الذي طوره ابن عربي (1240-1165)، متناغماً مع "لاوتسو" و"تشونغ تسو"، كما أوضح ذلك المختص في الدراسات الإسلامية، الياباني، "طوشيهيكو إيزوتسو" في عمله: الصوفية والطاوية. 

4-س- تتكلمون عن دراستكم للقرآن، فماذا جسد لكم ذلك، وأنتم طفل؟
ج- لقد تعلمت القراءة والكتابة، وأنا في سن الرابعة، ثم وجدتني أمام النص القرآني، بواسطة أبي، أحد علماء الزيتونة في تونس، المسجد-الجامعة، الذي بني أواسط القرن التاسع، بأمر من الخليفة العباسي في بغداد، مثلما تشير الكتابة الكوفية، التي تزخرف أساس القبة، وتغطي كل ضلعها، المقابل للمحراب. هذا التلقين المبكر، خضع للتقليد البيداغوجي: أن يبدأ التعلم القرآني عند سن الرابعة أو الخامسة، ثم يستظهر الطفل مجمل الكتاب مابين سن العاشرة والحادية عشر. هكذا يستطيع التمكن من اللغة، ثم أيضاً اكتساب ذاكرة، يواصل بفضلها تعلمه. فيما يتعلق بحالتي، لم يستمر الأمر سوى ثلاث سنوات، وانتقلت نحو معارف المدرسة العصرية الفرنكفونية-العربية. لقد بدأت دراستي للقرآن، من نهايته، أي السور القصيرة، الشعرية، والمقفاة، والملائمة للاستذكار. أيضاً، درست الجزء الذي يلي سورة الفاتحة حتى سورة الرحمن. 
   
5-س- منذ مدة تتعارض قراءتان للقرآن: قراءة حرفية وأخرى تأويلية. ماذا تظنون؟
ج- المقاربة الحَرفِية، مرفوضة لسببين: غموض النص وكذا تناقضاته المتعددة، والتي ترسم لانهائية المعنى. هناك منهج التأويل، والتفسير والشرح، الذي أفرز أساتذة كباراً، لا يُدرسون اليوم إلا فيما ندر. كذلك، تم تهميش المفسرين الإصلاحيين، المنتمين للقرن التاسع عشر، الذين كيفوا المعنى، حسب دلالة العصر. المعنى الإسلامي المشترك في الوقت الحالي، تطبعه التفسيرات الأصولية، للمصري "سيد قطب" (1906-1966)، وكذا الباكستاني "أبو الأعلى المودودي"(1903-1979)، رؤية عملت على تجذير استلهام المعنى الحرفي، والارتقاء به نحو إيديولوجية معركة، تحركها حرب الحضارات، والتي شجعت على الانحراف نحو حركة مجاهِدة مناهضة للغرب. أيضاً، هذا النوع من القراءة المفسدة للعقول، تفسح في المقابل المجال، لتسيُّد منهجية الفقهاء، والذين يضخون النص القرآني، بقوة شرعية، غير موجودة. تحت هذه الذريعة، تموضعت الشريعة: ولكي تكون شرعيتها قطعية، فقد أحكمت نفسها ببأس رادع، تجاه الكتابات التي تضمر ممكناً شرعياً آخر دقيقاً، غير كاف من أجل إرساء قانون. أضاف الأصوليون، بخصوص القرآن، قراءة سياسية ومقاتلة، حسب دائماً نهج الفقهاء التوسعي، هكذا صار القرآن اليوم رهينة، يتكرس حوله الطابو. بالتالي، اعتقاله داخل القلعة الإسلامية، ربما يتعلق بما يحوم حوله من تهديد،لأن هذا العصر يبقى موسوماً بالشك وفك السحر: تراجع الدين، سيمس الإسلام أيضاً، لذلك فالإمساك بالقرآن كرهينة، بمثابة إشارة عن غريق يتشبث بطوق نجاة، وسط أمواج عاتية.  
 
6-س- بماذا أوحت إليكم هذه الوقائع الثلاثة الحديثة، ارتباطاً بجوهر ورسالة  القرآن: قضية المآذن في سويسرا، والاعتداء على كورت فيسترغارد (westergaard)، الرسام الكاريكاتوري الدنماركي من طرف شاب صومالي، ثم إعلان شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، عن رفضه للنقاب؟
ج- منع المآذن، هو قرار ديمقراطي، يهم الشعب السويسري. لقد وقفنا من خلال تلك المآذن، عن إسلاموفوبيا تاريخية، طبعتها أصولية مفرطة، تحددت كتبلور لقراءة إسلامية  للقرآن، أعلت من الحمولة السياسية والقتالية والشرعية. لم يشر القرآن إلى المآذن، لكن الفقهاء وجدوا مادة قرآنية، للاستدلال عليها:«إذا نودي للصلاة». تاريخياً، هذه النٌّصب، تبرز كعلامات عن قوة إمبريالية، تمارس باسم الإسلام، ونجاحها الفني يدنو بها من المنارات القديمة، والأعمدة المصرية وكذا الأبراج البابلية. إن قراءة للقرآن، تقتحم توافق العلماء، ستخلخل مسألة قدرية المئذنة. فلا شيء في النص، يمنع أن يٌقترح على أوروبا، مساجد مستقبلية بصوامع مفترضة، تأخذ علوها ورمزية ارتفاعها بشعاع الليزر. أما الاعتداء، على رسام الكاريكاتور الدنماركي، فيندرج ضمن منطق الرعب، الذي تكرسه القراءة الأصولية للقرآن، المدافعة عن هرمية للمعنى، بهدف تثمين الآيتين المثيرتين: السيف والحرب، واللتين تستثمران من قبل خالقي الفتن المادحين للجهاد، ضد من يسمونهم: «الصليبيين وأبناء صهيون». في كتابي الأخير: (Pari de civilization)، أظهرت ضرورة النهوض بمعركة المعنى. الفصل المعنون بـ "صدمة التأويلات"، يزيل بشكل مضاعف مفعول هذا الآيات التي تتنفس الموت، بإرجاعها إلى سياقها التاريخي، ثم أن نجابهها بآيات أخرى تحث على احترام الكياسة في العلاقة مع الآخر، لاسيما اليهود والمسيحيين، داعية إلى وضعية السلام الدائم والوئام بين الجميع، كما تنسجم مع المدافعين عن  الولاءات، كي يسارعوا إلى التنافس نحو السياق الإتيقي. أما فيما يتعلق، بالنقاب أو البرقع [فلاينبغي الخوف من  توظيف هذه الكلمة، والتي بحسب المعاجم القروسطية، مرادفة للنقاب]، فقد اتصف موقف شيخ الأزهر بالصواب: لانعثر على أي أثر بين طيات النص القرآني، يأمر به، بل في إمكانك أن تقرأ بوجه مغاير، الآيات، التي شكلت أصلاً للحجاب: مع الخمار[مايغطي]، فلم يقل بإخفاء الشعر ولا الوجه ولا الأيادي ولا ربلة الساق، لكنه ينصح "النساء بارتداء الجلباب''، وترك التأويل مفتوحاً، يتكيف مع أنماط اللباس المحلية. خلال أزمنته الأولى، عمل القرآن على تطوير قضية النساء، بمنحهن وضعاً قانونياً، مع الإبقاء على لامساواتهن. إذا توخينا البقاء ضمن فكر القرآن، فينبغي الإقرار، أن ماشكل وضعاً متقدماً، توارى بعد ذلك. حالياً، الثابت هو مساواة الأجناس والأنواع سواء من الناحية القانونية أو السياسية. لقد تجاوز التطور الأنثروبولوجي، المضمون القرآني حتى في بعده المتقدم. بمساواتهن مع الرجال، أضحت النسوة منذئذ مبدعات على مستوى جميع الميادين. اختلافهن، لكن في نطاق إقرار المساواة الطبيعية بين الأجناس، التي تصورها أفلاطون وتعززت مع ابن رشد. ثم وصلنا إلى الزمن، الذي تكهن به نص رامبو: la lettre du voyant. حيث النساء، لم يعدن قط ملهمات للشعراء، لكنهن بدورهن شاعرات. أفق كهذا، هو ماينبغي للقرآن، التوافق معه.

7-س- وماذا عن هذا الحديث :«بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً فطوبى للغرباء»
ج- رائع جداً! لقد جعلت منه لازمة، لأحد مؤلفاتي حول تجربة الاغتراب والمنفى. حديث، يحيلنا على مرحلة الإسلام الأولى، أي الحقبة المكية، حينما كان محمد منخرطاً في علاقة مع المسيحية، وتعاليم العقيدة الألفية، ورؤيويا، وميتافيزيقيا، ونبي الأقلية، أعزل، متمرداً على الأوليغارشية القرشية، بعيداً عن كل سيادة وتطلع سياسي، تشريعي أو عسكري. إسلام غريب، عن العصر والدولة، وحاضرة يميزها اللغز والغموض، ممّا يدعو إلى الانسحاب. إسلام، يتسم بزخم الشعور الديني. هذه الوصلة عن البداية،  تشكل جانباً أبدياً في رسالة القرآن، وستنتهي باختراق كل القلوب. أما العهد المدني، التيولوجي- السياسي، فقد عرض دراما قابلة للتلف، ظرفية، عتيقة ومتهافتة. لكني فزعت، خلال اليوم، الذي علمت فيه أن هذا الحديث، أضحى مرجعياً لدى الجماعات الأكثر راديكالية عند الإسلاميين، إلى غاية ملهمي وكذا أنصار القاعدة. هؤلاء، يشعرون بالنفي والاغتراب حتى ضمن المسلمين. يشيعون، الموت بالتضحية بأنفسهم على محرقة المقدس، باعتبارهم غرباء، وسط عالم فاسد. يتخيلون أفعالهم الإجرامية، طاهرة. إذن، كما ترون، كل شيء يتوقف على التأويل، ويبدو أن حرب المعنى لن تنتهي.

المصدر:  

Philosophie-magazine: hors-série; Avril 2015pp;16-18



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق