الأربعاء، 17 يونيو، 2015

صوت جورج باتاي


ترجمة حسين عجة



في 21 ماي 1958، وبعد نشره لكتاب "الأدب والشر"  « La Littérature et le mal »، أجرى بيار دوميات (Pierre Dumayet) الحوار التالي مع جورج باتاي. إنه الحوار التلفزيونيّ الوحيد الذي قبل باتاي بإجرائه.





"الأدب والشر" عنوان كتاب جورج باتاي


بيار دوميات: بودي، يا سيد باتاي، فحص عنوان كتابكم أولاً، قبل الدخول في موضوع الكتاب نفسه، الذي سنطرح عبره بعض الأسئلة؛ هل يمكنك أن تقول لنا ما هو ذلك الشر الذي تتحدث عنه؟

جورج باتاي: أعتقد أن هناك نوعين متناقضين، من حيث المبدأ، للشر. يرتبط الأول منهما بضرورة سير الأشياء بطريقة طيبة، من الناحية الإنسانية، ومن ثم وصولها إلى الغايات المنشودة منها؛ فيما يكمن الآخر إيجابياً في كبح بعض المحرمات الأساسية، منع القتل، على سبيل المثال، وتحريم بعض الممكنات الجنسية.

 بيار دوميات: هل تريد القول إنه لا يمكن فصل الأدب عن الشر، وهما مترابطان بعضهما ببعض بصورة جذرية؟

 جورج باتاي: أجل، حسب قناعتي. بطبيعة الحال، قد لا يظهر ذلك بوضوح في البداية، لكن يبدو لي أنه إذا ما ابتعدَ الأدب عن الشر، فسرعان ما سيصبح مملاً. قد يبدو هذا الأمر مُدهشاً. ومع ذلك، أعتقد أنه يجب علينا بسرعة إدراك مسألة أن الأدب مطالب بوضع القلق على المحك، وأن القلق مؤسس دائماً على شيء يتجه نحو الشر، على شيء سوف يتحول بصورة مؤكدة إلى شر جسيم، يضع القارئ من ثم أمام أفق، أو على الأقل أمام إمكانية قصة تنعطف نحو الشرّ بالنسبة لمن يهتم بها، وسآخذ مثالاً، لتبسيط الموقف، عن الرواية، التي بوضعها القارىء أمام موقف كريه يثير التوتر، تجعل الأدب يتفادى ضجر القارىء.

بيار دوميات: وبالتالي يكون الكاتب، أو في مطلق الأحوال الكاتب الجيد، مذنباً دائماً عندما يكتب.

جورج باتاي: غالبية الكتاب لا تشعر بذلك. غير أنيّ مقتنع بتلك الخطايا العميقة. فالكتابة هي دائماً القيام بشيء ما مناقض للعمل. قد لا يبدو هذا من وجهة نظري منطقياً تماماً، ومع ذلك، فكلّ كتب التسلية هي بمثابة جهود تفلت من العمل.
 

بيار دوميات: هل يمكنك أن تذكر لنا اسم كاتب أو اثنين ممن شعروا بذنب الكتابة؟ أو شعروا بأنفسهم مذنبين لأنهم كتاب؟

جورج باتاي: حسناً، يبدو لي أن هناك بودلير وكافكا، اللذين تناولتهما في كتابي. فكلاهما، الواحد كالآخر، كان على وعي بأنه يقف إلى جانب الشر، وبالتالي، فهما مذنبان. بالنسبة لـ بودلير، كان الأمر واضحاً، فقد كتبَ تحت عنوان "أزهار الشر"، وذلك ما يمثل بالدقة فكره. أمّا فيما يتعلّق بـ كافكا، فإنه عبر عن هذا بوضوح أكبر. فهو يعتقد بأنه لم يكتب إلاّ بحكم تمرّده على عائلته، ومن ثم كان قد وضعَ نفسه في موقف الجُرم. صحيح أن عائلته جعلته يشعر بأنه مذنب لأنه كرس حياته للكتابة. وكان أجدى له أن يواصل النموذج الذي سارت عليه العائلة، أي يمارس نشاطاً تجارياً، ولذا فهو قد سلك، بخروجه عن ذلك النموذج، طريقاً شريرة. 

بيار دوميات: هل تعتقد أن كافكا وبودلير قد شعرا بذنب ولو بنزعة صبيانية لأنهما كانا يكتبان؟

جورج باتاي: أعتقد أنهما شعرا، بصورة ملحوظة، وقد عبرا عن ذلك أيضاً، بأنهما في موقف الطفل أمام والديه. فالطفل الذي يتمرد على عائلته يضع نفسه، بالنتيجة، في موقف الشعور السيء، لأنه يتذكر بأن والديه، اللذين يحبهما، كانا يقولان له باستمرار إنه لا ينبغي عليه القيام بهذا. وأن ذلك شيء شرير بالمعنى القوي للمفردة.

بيار دوميات: لكن إذا كان المرء يشعر بالذنب وهو يكتب، لأن الأدب شيء طفوليّ، فلا بد وأنك تظن أن الأدب شيء صبياني تماماً.

جورج باتاي: أعتقد أن ثمة ما هو صبيانيّ جوهرياً في الأدب. وقد يبدو ذلك غير متوافق، نوعاً ما، مع إعجاب البعض بالأدب، وأنا أشاركهم هذا الإعجاب، بيد أني أظن أنه لا يمكن فهم الأدب بعمق أكبر، وبصورة جوهرية، ما لم نضعه إلى جانب الطفل، و لا يعني ذلك أننا نُدني من مقامه.

بيار دوميات: لقد كتبتَ كتاباً عن الإيروسية، من وجهة نظرك، فهل الإيروسية في الأدب شيء طفوليّ؟

جورج باتاي: لا أعرف إذا ما كان الأدب يختلف عن الإيروسية بشكل عام، لكن يبدو لي أنه من الأهمية فهم الطابع الطفولي للإيروسية بمجموعها. يكون المرء إيروسياً حينما ينبهر كطفل بلعبة ما، لعبة محرمة. والفرد الذي تبهره الإيروسية هو ذلك الذي يجد نفسه في موقف أمام والديه. يخاف ممّا قد يحدث له، لكنه يذهب بعيداً من أجل الشعور بذلك الخوف، ومن ثم فهو لا يكتفي حقاً بما يكتفي به الأفراد البالغون العاديون، إذ لا بد له من الشعور بالخوف. كذلك من الضروري أن يجد نفسه في ذلك الموقف الذي كان فيه طفلاً، أي الموقف الذي كان يشعر فيه بصورة متواصلة بتهديد التوبيخ، ولو بطريقة قاسية. بشكل لا يُطاق ولا يُحتمل.

بيار دوميات: أعتقد من الضروري الرجوع إلى عنوان كتابك، فتلك الطفولة وهذه الصبيانية المدانتان، لا تشكلان عموماً إدانة للأدب والشر؟

جورج باتاي: من المؤكد أنهما بمثابة تحذير، أي أنه ينبغي علينا التحذير من إمكانية مواجهة خطر ما، لكن من الممكن أيضاً إعطاء ما حذرنا منه وسائل مواجهة هذا الخطر، مواجهة الخطر الذي يمثله الأدب، والذي أظن بأنه خطر كبير وجديّ، بيد أن المرء لا يكون إنساناً إلاّ عندما يواجه مثل ذلك الخطر؛ فعبر الأدب نكون أمام الأفق الإنساني الذي يُعاد إرساؤه ثانية بوضوح، فالأدب لا يتركنا نعيش من دون إدراك الأشياء ضمن أفقها الأكثر عنفاً. لنفكر بالتراجيديات وشكسبير، وغيرهما من عديد الحالات التي تتماثل جوانب كثيرة منها معهما. الأدب هو ما يجعلنا نواجه الأسوأ ومعرفة كيفية مواجهته وتخطيه.  باختصار، من يلعب يجد في اللعب قوة للتغلب على ما في اللعب من رعب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق