الأربعاء، 3 يونيو، 2015

ميشال فوكو كما أتخيله: موريس بلانشو

ترجمة إدريس هواري



Michel Foucault, by Hélène Builly
في البداية بعض الكلمات الخاصة. لم تكن لي علاقة مباشرة مع فوكو، لم ألتق به إلاّ مرّة واحدة، ربما في يونيو أو يوليو، في باحة السوربون، في خضم أحداث ماي 68 [قيل لي إنه لم يكن موجوداً] حيث وجهت له بعض الكلمات، كان يجهل حينها من يتحدث إليه [رغم ما قاله المشنعون بماي، كانت لحظة جميلة بمكان أي فرد الحديث مع الآخر المجهول، وغير معروف، شخص بين الأشخاص، حيث تستقبل بدون أية سمة تميزك سوى وجودك كشخص]. صحيح أنه طيلة هذه الأحداث الرائعة كنت أتساءل دائماً: لماذا فوكو ليس موجوداً هنا؟ حيث أعيد له قوته الجذابة، متأمّلاً مكانه الفارغ الذي كان عليه شغله. فقدّم لي جواباً على شكل ملاحظة لم تكن تقنعني: إنه لا يحب الظهور، أو إنه في الخارج. لكن بالضبط مجموعة من الأجانب وحتى البعيدين منهم، مثل اليابانيين، كانوا حاضرين. هكذا ربما ضيعنا فرصة اللقاء.
غير أن كتابه الأول الذي جلب له الشهرة قُدم لي وهو لا يزال مخطوطاً بدون اسم. إن كايوا (R. CAILLOIS) هو الذي كان يحتفظ به، فاقترحه على مجموعة منا. أشدّد على دور كايوا، لأنني أعتقد أنه بقي مجهولاً. وكايوا نفسه لم يكن معترفاً به من طرف المختصين الرسميين. فهو يهتم بأشياء كثيرة: فهو محافظ ومبدع بشكل هامشي، لم ينتم إلى جماعة (SOCIETE) الممسكين بسلطة المعرفة المعترف بها. لكن الحاصل هو أنه صنع لنفسه أسلوباً بالغ الجمال، وفي بعض الأحيان مبالغ فيه حتى يُخيَّلُ إليك أنه أصبح ساهراً –ساهراً صعب المراس- على ما هو متعارف عليه من ألفاظ اللغة الفرنسية. إن أسلوب فوكو بجماله ودقته، وهما قيمتان كما هو واضح متناقضتان، تركته محتاراً. ألا يعرف أن هل هذا الأسلوب الباروكي يقضي على المعرفة المتفردة التي بعلاماتها المختلفة الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية تحيره وتقض مضجعه. ربما لاحظ في فوكو آخره الذي يسرق منه ميراثه. لا أحد يرغب أن يرى نفسه غريباً في مرآة، لا يميز من خلالها ذلك الشخص الذي يضاعفه والذي يجب أن يكونه.
إن الكتاب الأول لـ فوكو [لنفترض أنه الأول] رفع من قيمة العلاقة التي يجب تصحيحها فيما بعد مع الآداب. إن لفظ "الحمق" مصدر لغموض، لأن فوكو لا يعالج الحمق إلاّ بطريقة غير مباشرة، فما يهمه هي سلطة العزل التي في يوم من الأيام السعيدة أو الحزينة، وبقرار إداري بسيط بدأ العمل بتقسيم المجتمع ليس إلى أناس خيرين وأشرار لكن إلى عقلاء وخرقاء. وسيسمح هذا بالوقوف على العقل والعلاقات الغامضة التي تربط –وهي هنا السلطة الملكية- مع ما هو أساسي والذي يجعلها تعترف أنها لا تسود لوحدها.

رجل في خطر.
يجب التساؤل لماذا حافظ لفظ "الحمق" حتى عند فوكو على كل هذه القدرة على التساؤل. ففي مناسبتين يؤاخذ نفسه لكونه أعجب بفكرة وجود عمق للحمق، مما يشكل تجربة أساسية خارج التاريخ، ويكون الشعراء [والفنانون] شهوداً أو ضحايا أو أبطالاً. لكن إذا كان هذا خطأ فإنه كان لصالحه. إذ بفضله [وفضل نيتشه] وعى عدم محبته لمقولة الحمق، وسيتعقبه في الخطاب، والمعنى المستتر، والأسرار المغرية أي المعاني الثنائية أو الثلاثية التي لا يمكن القضاء عليها، إلا بالحط من المعنى نفسه، وكذا الألفاظ والمدلول وحتى الدليل.
وهنا أقول إن فوكو الذي صرح يوماً بتحد "متفائل محظوظ" كان يشعر بخطر يحدق به، وبدون أن يتباهى بما كان يعرفه، كان له حس حاد بالأخطار التي نتعرض لها. فتساءل لمعرفة ما يهددنا، ومع من يجب أن نؤجل الحرب. ومن هنا أهمية مقولة الاستراتيجية بالنسبة إليه. وعليه لو أراد اللعب بالفكر، وسمح بذلك القدر والحظ، لكان رجل دولة [مستشاراً سياسياً] أو حتى كاتباً -هذا اللفظ الذي كان يتحاشى استعماله بقدر من الحشمة والوقار- أو فيلسوفاً خالصاً أو عاملاً غير مؤهل، أي ذاتاً لا تعرف من هي ولا كيف هي.
على كلّ حال، إنه رجل يسير وحيداً، محتاطاً من امتيازات العمق، رافضاً شراكات الماهية، باحثاً عن إمكانية وجود خطب السطح التي تنعكس عليه، لكن بدون سراب وغير بعيد، كما أعتقد، عن البحث عن الحقيقة والمخاطر [وكم هي كثيرة] التي تهدد هذا العمل، وكذا علاقاته الملتوية بعُدّة السلط المختلفة.


وداعا للبنيوية
هناك على الأقل كتابان. الأول غامض والثاني جدّ بسيط. يقدم الكتابان برنامجاً ويفتحان المستقبل على معرفة جديدة، وهما في الواقع وصية متضمنة وعوداً لن تتحقق، ليس بفعل الإهمال والضعف، لكن لأن تحقيقهما يبقى أملاً معلقاً في الأفق. وفوكو وهو يعرض هذا البرنامج يذهب إلى أبعد حد لبيان أهميته بالنسبة إليه – هكذا ربما يصفّي حساباته، ويولي وجهه إلى آفاق أخرى، بدون التخلي عن اعتقاداته. إن فوكو الذي يكتب كثيراً رجل كتوم: يتشبث بالصمت عندما يطلب منه محاوره بحسن نية أو خبثها أن يفسر قضية ما [مع أن هناك استثناءات].
يمثل كتاب "أركيولوجيا المعرفة" و"نظام الخطاب" مرحلة –أو نهاية مرحلة- كان فوكو يطمح فيها، ككاتب، إلى إبراز الممارسة الخطابية وهي تقريباً خالصة، أي لا تحيل إلاّ على نفسها، وعلى القواعد التي تشكلها، ونقط التقائها التي لا أصل لها، وعلى كيفية بروزها بدون رجوع إلى مؤلف ما، وعلى سماتها التي لا تخفي أي شيء. إنها علامات لا تفصح عن أي شيء كونها ليس لديها ما تقوله إلاّ ما قيل من قبل. كتابات ثائرة عن التعليقات [آه من الرعب الذي يشعر به فوكو تجاه التعليق]. إنها مجال مستقل، لكن ليس بشكل كامل لأنها ليست خالدة، لأنها تتحول باستمرار مثل الذرة التي هي في الوقت نفسه واحدة ومتعددة، إذا قبلنا بفكرة وجود كثرة لا يمكن ارجاعها إلى أية وحدة. لكن يمكن القول إن فوكو في هذه المغامرة التي تحتلّ فيها اللسانيات دوراً بارزاً، لا يقوم بشيء آخر، رغم مراميه الخاصة، غير متابعة تفاؤلات بنيوية في طور الموت. [لكنني في وضعية لا تسمح لي بإصدار حكم على هذه المحاولات، لكوني أتبين الآن أنني لم أنطق بأي شيء يكون مع أو ضد اسم هذه المعرفة الوقتية، على رغم الصداقة التي أكنها لبعض متزعميها]. لكن لماذا يستشيط فوكو، الذي يتحكّم دائماً في انفعالاته، غضباً عندما يود البعض إرغامه على ركوب الباخرة التي يقودها ربابنة مرموقون. التفسير الأولي هو أن فوكو يشعر بأن البنيوية مازالت مشدودة إلى النزعة الترنسندنتالية؛ لأنه ما معنى هذه القوانين الشكلية المتحكمة في كل خطاب والتي تبقى بعيدة كلّ البعد عن كل تحولات التاريخ المسؤولة عن ظهورها واختفائها؟ إنه خلط غير دقيق بين ما قبل التاريخي وما قبل الشكلي. لنتذكر الجملة  الانتقامية الواردة في كتاب "اركيولوجيا المعرفة" والتي يقول فيها: «لا شيء سيكون مضحكاً ومغلوطاً سوى مساواة ما قبل التاريخي بما قبل الشكلي مع منح هذا الأخير تاريخاً: صورة ثابتة وفارغة، تبرز يوماً ما فارضة على فكر البشر الهيمنة التي لا يفلت منها أحد والتي يمكن أن تختفي فجأة بدون سابق إنذار: إنها إغماء ترنسندنتالي ولعبة لأشكال وامضة. لا يقع ما قبل التاريخي وما قبل الشكلي على المستوى نفسه وليست لهما الطبيعة نفسها: إذا تقاطعا فلكونهما يحتلان مجالين مختلفين». ولنتذكر الحوار النهائي في آخر الكتاب، حيث يواجه ميشال فوكو نفسه في مبارزة حتى الموت ولا نعرف من منهم سيتلقى الضربة القاضية: «على طول صفحات الكتاب، يقول الواحد منهما، حاولت جاهداً أن تتميز عن "البنيوية"... جواب الثاني وهو المهم: لم أرفض التاريخ [على أن ما يظهر هو أن الخاصية المميزة للبنيوية هو رفضها للتاريخ] إن ما قمت به هو وضعي بين قوسين المقولة الشاملة والفارغة للتحول، لأظهر تحولات ذات مستويات مختلفة، إن ما أرفضه هو وجود شكل واحد للزمانية».
لكن لماذا هذا الصراع الشرس والعنيف، وربما غير المجدي [على الأقل بالنسبة للذين لا يدركون الرهان]؟ إن الوثائقي الذي يريد فوكو تجسيده والبنيوي الذي يرفضه، لا يقبلان الاشتغال إلاّ على اللغة [أو الخطاب]، فقد اعتقد الفلاسفة واللسانيون وعلماء الإناسة ونقاد الأدب في إمكانية الوصول إلى قواعد صورية [إذن لا تاريخية]. وبهذا يجسدون نزعة ترانسندتالية هجينة والتي يمكن لهايدجر تذكيرنا بها في جملة بسيطة وهي: إن اللغة ليست في حاجة إلى تأسيس، مادامت هي التي تؤسس.

متطلبات اللااستمرارية
لكن فوكو عندما يهتم بالخطاب لا يستبعد التاريخ، فهو يبين أن اللااستمراريات والتقديرات ليست بعامة، ولكن محلية، لا تفترض على رغم كل شيء الحفاظ على دوام سرد صامت كبير، أو على شائعة بالغة التأثير وغير محدودة والتي يجب قمعها [أو كبتها] كشيء ملغز لم يُقل بعد، أو لا مفكَّر فيه لا ينتظر فقط إلا الفرصة السانحة للانتقام ولكن يحرك الفكر بابهام وغموض، بجعل هذا الأخير مشكوكا في أمره ولزمن طويل. بمعنى آخر إن فوكو الذي لم يستهوه التحليل النفسي يوماً ما، لا يمكن أن يأخذ بعين الاعتبار وجود لا وعي جمعي كعقدة لكل خطاب، أو لكل تاريخ كنوع من "المنحة الإلهية ما قبل الخطابية" والتي لا يبقى علينا إلاّ أن نعطي معاني شخصية للسلطات العليا قد تكون مبدعة أو هدامة.
لكن يبقى مع ذلك أن فوكو وهو يبعد التأويل [المعني الخفي]، والأصالة [إبراز بداية أصلية (ursprung) النزعة الهايدجرية] وأخيراً ما يسميه هو نفسه "سيادة الدال" [امبريالية الفونيم، والصوت والإيقاع] يشتغل على الخطاب لكي يعزل شكلاً سيطلق عليه اسماً ليس جذاباً هو اسم العبارة: إنه لفظ يمكن القول عنه أنه من السهولة عليه تحديد ما يقصي أكثر من تحديد ما يثبت [ما ينطق] في طوطولوجية تقريباً بطولية. اقرؤوا وأعيدوا قراءة كتاب أركيولجيا المعرفة [هذا العنوان الماكر الذي يذكرنا بما يجب أن نشيح بوجوهنا عنه أي لوجوس البداية أو لغة الأصل] وستفاجؤون بعبارات تنتمي إلى اللاهوت السلبي، حيث يوظف فوكو كل مهاراته لوصفها في جمل رائعة لاستبعادها: «ليس هذا... وليس هذا إيضاً... ولا هذا...» بشكل لا يبقى له ما يمكن قوله لإبراز قيمة ما يطعن أساساً في فكرة "القيمة": ندرة العبارة وفرادتها والتي لا ترمي إلا أن توصف أو تُعاد كتابتها في علاقة مع شروط إمكانيتها الخارجية [الخارج...]، فمن المحتمل أن تؤدي بذلك إلى نشوء سلاسل تصبح في بعض الأحيان حدثاً.
كم نحن بعيدون عن فيض وكثرة جمل الخطاب العادي، حيث لا تتوقف جمله عن التوالد بفعل تراكم لا يمكن أن يوقفه التناقض، ولكن على العكس من ذلك ينشأ عالم تسبب سرعته الدوار. بالطبع إن العبارة ملغزة وندرتها ناتجة عن إيجابيتها كونها لا تحيل على كوجيطو، ولا على مؤلف فريد يعطيها مشروعية، فهي حرّة طليقة لا تخضع لأي سياق يحدّد موقعها ضمن مجموعه [حيث ستحصل على معناها أو معانيها] لذا فهي قبل كلّ شيء تعدد أو بالأحرى تعددية وليست وحدوية: إنها متسلسلة، لأن السلسلة سمتها مما يجعل ماهيتها أو خاصيتها هي امكانية تكرارها [حسب سارتر العلاقة الخالية والمجردة من أي معنى] مشكلة بذلك مع مجموعة أخرى من السلاسل ترابطات جديدة أو تحولات في الفرديات. فعندما تسكن تصبح جدولاً وعندما ترتبط بعلاقات متزامنة ومتتابعة تصبح شذرات وتكون في الوقت نفسه محتملة وضرورية؛ إنها تشبه بكلّ تأكيد المحاولات الشاذة لموسيقى السلاسل [كما يقول طوماس مان].
في كتاب نظام الخطاب الذي هو الدرس الافتتاحي في كوليج دو فرانس [من حيث المبدأ نعلن في هذا الدرس ما سنقوم به في الدروس اللاحقة، لكن سنعفي أنفسنا من قوله مجدداً لكونه قيل في اللحظة التي قيل فيها، إضافة إلى أن هذا القول لا يحتمل التفصيل] يعدد فوكو بوضوح، وربما ليس بشكل محكم [يجب البحث في سبب عدم الدقة هذه، هل هي راجعة إلى متطلبات الخطاب الاستاذي أو لبداية اللامبالاة اتجاه الأركيولجيا ذاتها] المقولات التي ستُعتمد في تحليل جديد. وهكذا يقترح مفاهيم: الحدث، السلسلة، الانتظام، وشروط الإمكان مع مقابلتها بالمبادئ التي حسب اعتقاده هيمنت على تاريخ الأفكار التقليدي؛ وهكذا يقابل الحدث بالابداع والسلسلة بالوحدة والانتظام بالأصالة وشروط الإمكان بالدلالة –الكنز لمخبأ الدلالة المحجوبة. أصبح هذا أمراً مفروغاً منه. لكن ألا يسمح فوكو لأعداء متقادمين من الظهور؟ ومبادئه هي الأخرى، والتي لا نتبيها من خطابه الرسمي بصيغه المثيرة، أليست أكثر تعقيداً؟ مثلاً يتخلص ببساطة من مقولة الذات، مسايراً بذلك تصوراً معيناً للإنتاج الأدبي: لا وجود لمتن، ولا لمؤلف، ولا للوحدة المبدعة. لكن الأمور ليست بهذه البساطة. إن الذات لا تختفي، إذ أن ما بات موضع تساؤل هو وحدتها التي أصبحت أكثر تحديداً، مادام قد أثار البحث والاهتمام اختفاءها [أي هذه الطريقة الجديدة في الوجود والتي هي الاختفاء]، وأيضاً تبعثرها الذي لا يؤدي إلى تبديدها، ولكن إلى إبرازها وهي تحتل مواقع متعددة ووظائف متقطعة [وهكذا نكون أمام نسق اللااستمراريات الذي اعتبر عن خطأ أو صواب لزمن ليس بالهين، أنه خاص بالموسيقى التسلسلية]

المعرفة، السلطة، الحقيقة؟
قس على ما سبق أننا عندما ننسب لـ فوكو عن طيب خاطر شكاً شبه عدمي من مسألة ما يسمى إرادة الحقيقة [أو إرادة الحقيقة الجدية]، أو أيضاً رفضه الحذر لفكرة العقل [ذات القيمة الشمولية] فإنني أعتقد أننا نستخف بتعقيدات الهم الذي يشغله. نعم لإرادة الحقيقة ولكن بأي ثمن؟ ما أقنعتها؟ ما شروطها السياسية المتوارية وراء هذا البحث الجدير بالاحترام؟ هذه الأسئلة تفرض نفسها كون فوكو يشعر، ليس بسبب خبث ما، ولا نظراً لقدر العصور الحديثة [والذي هو كذلك قدره]، ولكنه ملزم بأن يرهف سمعه لعلوم مشكوك في علميتها، علوم لا يحبها، مشتبه في أمرها بسبب اسمها الغريب والشاذ: "العلوم إنسانية" [إنه يفكر في العلوم الإنسانية عندما يصرح بنوع من الزهو النهاية القريبة أو الممكنة للإنسان الذي يشغلنا؛ مع أن كلّ ما نفعله اليوم هو العمل على أن لا نرى فيه، بفضولنا، بعد وفاته سوى موضوع بسيط للتحقيق والإحصائيات، بل أكثر من هذا موضوع للاستبارات. إن الحقيقة مكلفة جداً. لسنا في حاجة إلى التذكير بـ نيتشه لكي نتيقن من ذلك. لهذا فمنذ أركيولوجيا المعرفة حيث كنا نتماهى مع الاعتقاد في استقلالية الخطاب [وهو ما تتغنى به الآداب وربما الفن كذلك] تبينت لنا العلاقات المختلفة بين المعرفة والسلطة، ولمسنا ضرورة الوعي بالآثار السياسية للرغبة العتيقة في التمييز بين الصحيح والمزوّر في هذه اللحظة أو تلك من لحظات التاريخ. المعرفة، السلطة، الحقيقة؟ العقل، العزل، القمع؟ يجب أن لا نستخف بـ فوكو حتى نعتقد أنه يقبل بمفاهيم بسيطة، وارتباطات واهية. إذا قلنا إن الحقيقة هي نفسها سلطة، فإننا لن نتقدم كثيراً، لأن مفهوم السلطة مفهوم عام وغامض، يصلح لجميع النقاشات، ومتعذر الاستعمال ما لم ننزع عنه صفة العمومية. أمّا بالنسبة للعقل فليس من الضروري أن يترك مكانه للاعقل. ما يهددنا مثل ما يخدمنا ليس أقلّ من العقل ومن الأشكال المتعددة للعقلانية، ومن التراكم المتسارع للآليات العقلية، ومن الإغراء المنطقي للعقلانية، التي تشتغل بالشكل نفسه سواء في نسق السجن أو نسق المستشفى وحتى في نسق المدرسة. ويدفعنا فوكو إلى أن نسجل في ذاكرتنا هذه القولة: «إن عقلانية الفظاعة حدث يخص التاريخ المعاصر. لكن اللاعقل لا يكتسب مع ذلك حقوقاً غير متقادمة».

من خضوع الذوات إلى الذات
كما نعرف أن كتاب "المراقبة والعقاب" يسجل انتقال التحليل من التركيز فقط على الممارسات الخطابية إلى دراسة الممارسات الاجتماعية التي تشكل الإطار الخلفي لها، أي بروز السياسة في أعمال وحياة فوكو. تبقى الاهتمامات بشكل عام هي هي؛ لأن المرور من الحجز الكبير إلى الأشكال المختلفة للسجن المستحيل ليس إلاّ بخطوة فقط، لكن الترتيب [الكلمة ملائمة] ليس هو نفسه. إن الحجز الكبير هو المبدأ الأركيولوجي للعلوم الطبية [فيما بعد لن تغرب عن باله هذه المعرفة غير الكاملة التي تزعجه والتي سيجدها حتى عند الإغريق. وستنتهي بالانتقام منه بتركه لقدره وهو ضعيف]. إن النسق الجنائي الذي بدا من سرية التعذيب والتنكيل ومشهد تنفيذ الحكم وصولاً إلى الاستعمال الدقيق "للسجن-نموذج" حيث يمكن أن نحصل على الشهادات الجامعية العليا بينما الآخرون يلجؤون إلى حياة مشبعة بالمسكنات، كلّ هذا يحيلنا إلى ضرورات غامضة وعوائق مشبوهة لنزعة تطورية، مع ذلك، ضرورية وفي الوقت نفسه مريحة. كلّ إنسان يتعلم معرفة من أين أتى سينذهل لما هو عليه، أو عندما يتذكر الانحرافات التي عاشها، سيستسلم لخيبة أمل غير قادر على الحركة، الهم إذا وجد مخرجاً على طريقة نيتشه بالتهكم الجنيالوجي أو القيام بلعبة الانتقادات المحرجة.
كيف تعلمنا مواجهة وباء الطاعون؟ ليس فقط بعزل المرضى ولكن بتطويق جيد للمكان التعس، وإبداع تكنولوجيا لحفظ النظام التي ستستفيد منه فيما بعد إدارة المدن، وأخيراً بالتحقيقات الدقيقة التي ستستغل، بعد القضاء على الطاعون، على التحكم في التسكع [أي حق "الناس البسطاء" في الذهاب والإياب] ويمكن أن يصل إلى حدّ منع الحق في الاختفاء الذي لا يسمح لنا به اليوم، تحت ذرائع مختلفة. إذا كان وباء "طيبة" سببه ارتكاب أوديب للمحارم يمكن أن نقول من وجهة جنيالوجية إن شهرة التحليل النفسي ليست إلا الأثر البعيد للوباء المدمّر. من هنا أصل القول المشهور المنسوب لـ فرويد عند وصول هذا الأخير إلى أمريكا، والذي يدفعنا إلى التساؤل هل يريد أن يقول إن التحليل النفسي والوباء مرتبطان بالأصل نفسه، بالحنين للماضي، وبالتالي يمكن لهما أن يتبادلا الأمكنة؟ على كل حال سعى فوكو إلى الذهاب بعيداً. إنه تعرف أو اعتقد أنه تعرف على أصل "البنيوية" في انتشار الوباء، ووضع خرائط المكان [الفيزيائي والذهني] لأجل تحديد بدقة، حسب قوانين التقسيم، الجهات المنكوبة –هذه الإلزامات تلقن للجسد الإنساني كيفية الخضوع لها، لكي يصبح طيعاً ويشتغل كوحدات قابلة للتبادل، سواء في المجال العسكري أو حتى في المدرسة أو المستشفى: «في الانضباط كلّ العناصر تتبادل الأمكنة مادام كلّ عنصر يتحدد بالمكان الذي يحتله في السلسلة والبون الذي يفصله عن الآخرين».
إن التطويق المحكم الذي يفرض على الجسد الاستسلام للتفتيش والتجزيئ وإذا دعت الضرورة إلى إعادة تركيبه سيجد في يوتوبيا بنتام (Bentham) صورته المثلى التي تبرز السلطة المطلقة وهي عارية [الشيء نفسه نجده في قصص أورويل]. إن وضوحاً مثل هذا [الذي عرَّض هيغو قابل إليه حتى في القبر] له امتياز تراجيدي كونه يجعل العنف الذي يجب أن يتألّم منه الجسد بدون معنى. إن المراقبة –أي كونك مراقباً- ليست فقط المراقبة التي يقوم بها حراس يقظون، ولكن تلك التي تطابق الوضع الإنساني عندما نريد أن نجعلها رزينة وراشدة [مطابقة للقواعد]، ومنتجة [أي نافعة] ستكون عند ذاك مصدر جميع أنواع الملاحظات والتحقيقات والتجارب التي بدونها لا يمكن أن يوجد علم حقيقي. ولا سلطة كذلك؟ لكن هذا ليس بأكيد، لأن أصول السلطة جدّ غامضة، وربما من الأولى البحث عنها في الاستهلاك بدل البحث عنها في الاستعمال، هذا دون الحديث عن المبادئ السلبية المنظمة التي مازالت النزعة العنصرية تحيل عليها إلى اليوم، هذا إذا سمحت لرمزية الدم بالدوام.
عند إقرارنا بما سبق، نشعر أن فوكو يفضل العصور البربرية، لأن العقاب لا يخفى أي شيء من فظاعته عندما تمس الجرائم حرمة الملك ولا تحترم العلاقة التراتبية بين الأعلى والأسفل، ويحتفظ الجاني، وهو يكفر عن جريمته أمام الجميع، بعلامة الفعل الذي جعله خارج الانسانية. [وهذا هو أمر جيل دو رايس، وكذلك المتهمون في رواية كافكا] والدليل على ذلك هو أن الإعدامات لن تكون فقط فرصة يعبر من خلالها الشعب عن فرحه، لكن لحظات يمكن أن يستغلها، وتؤدي إلى الثورات يعبر من خلالها عن قدرته على إنهاء العلاقة الشرعية التي تربطه بالحاكم. وعليه ليس رأفة بالمتهمين يتمّ التستر على مصيرهم والاهتمام أكثر بـ "أرواحهم ونفوسهم" بغية إصلاحهم وإصلاح اعوجاجهم. فكلّ ما يؤدي إلى إصلاح عالم الاعتقال ليس مكروهاً في حدّ ذاته، لكن هذا يمكن أن يخدعنا ولا يظهر لنا الأسباب التي جعلت هذه التطورات مستحبة ومقبولة. يمنحنا القرن 18، عادة، الرغبة في تذوق أشكال جديدة من الحرية –ربما هذا جيد. لكن مع ذلك إن أساس هذه الحريات وأرضيتها الثاوية [كما يقول فوكو] يبقى واحداً لا يتغير، لأننا نجده هو أساس المجتمع الانضباطي  حيث أن قوى التحكم تتوارى بقدر ما تتكاثر. إننا مازلنا أكثر خضوعاً. إن هذا الخضوع الذي لا يبدو فظيعاً ولكنه معقد يجعلنا نتوصل إلى نتيجة مفادها أننا ذوات (sujets) وذوات حرة قادرة على أن تصوغ معرفياً كلّ الأشكال المختلفة لسلطة خادعة، عاملين على تجاهل أصولها الترنسندتالية، وواضعين مكانها قواعد، معتقدين في عقلانيتها، وعندما نسأم منها تبدو لنا منحدرة من بيروقراطية، أكيد، إنسانية، لكنها مرعبة [لا ننسى أن كافكا الذي يحلل بطريقته الفذة البيروقراطية ينحني إجلالاً لها، لانه يرى فيها قوة صوفية غريبة، وبالكاد يمكن اعتبارها لقيطة].

الاقتناع الشخصي
إذا أردنا أن نعرف كم أن عدالتنا في حاجة إلى أصول قديمة، ما علينا إلاّ أن نتذكر الدور الذي يلعبه المفهوم المبهم "للاعتقاد الشخصي". إن سريرتنا لا تبقى فقط شيئاً مقدساً وإنما تجعلنا ننحدر باستمرار من سلالة الوكيل الأسقفي. وإن التحليلية الأخلاقية (das Gewissen) عند هايدجر تستند إلى هذا الإرث الارستقراطي: بداخلنا صوت هو الحكم والقول الفصل. إنه صوت العدالة الذي لا يمكن لأي أحد أن يعارضه مادام لا أحد يحاوره.
ماذا نستنتج؟ بالنسبة للسجن يقع لـ فوكو أن يجزم أن أصوله حديثة [لكن سراديب المساجين ليست حديثة]، أو يسجل –وهذا شيء يلائمه- إن إصلاح السجون قديم قدم هذه المؤسسات. وهذا يعني بالنسبة له أنه من المستحيل إعادة تأهيلنا ليس مؤهلاً بالأساس. ويمكن أن أضيف ألا تظهر الأديرة المنفعة الفائقة للوحدة، حيث يجد الفرد نفسه أمام نفسه (أو مع اللّه)، ويحصل على الخير الكامل من الصمت الذي يحيط به، إنه مكان يتكون فيه القديسون والأتقياء كما يتكون فيه المجرمون الأشداء؟ يمكن أن يعترض على هذا بالقول إن البعض يقبلون ويرضون، بينما يخضع الآخرون. لكن هل هناك فرق كبير، ألا توجد قوانين صارمة في الأديرة أكثر ممّا هي في فضاء السجون؟ وأخيراً أليس المحكومون بالمؤبد هم الذين اعترفوا بذنوبهم؟ إن البون بين السماء والأرض بون صغير أو لا نهائي. لكن ما هو واضح هو أن فوكو لا يضع موضع تساؤل مكانة العقل، بل خطورة بعض النزعات العقلانية، وبالتالي لا يهتم بمفهوم السلطة بشكل عام، ولكن بعلاقات السلطة وبتشكلها وخصوصيتها وأشكال اللعب الخاص بها. فعندما نكون أمام العنف يكون كلّ شيء واضحاً، لكن عندما يكون هناك انخراط ما يصبح هذا فقط أثرا لعنف داخلي يتوارى خلف القبول المعلن. [كم من المؤاخذات وجهت لتحليلات فوكو حول السلطة، كونه لم يمنح مكاناً متميزاً لسلطة مركزية وأساسية. وعليه  قيل بـ "اللاسياسته" ورفضه لمعركة يمكن أن تكون يوماً ما حاسمة [الصراع الأخير] وغياب أي مشروع لديه لإصلاح شامل. لكن ما يتم نسيانه ليس فقط صراعاته المباشرة، ولكن كذلك قراره بعدم المراهنة على "الأحلام الكبرى" التي ليست إلاّ أعذاراً تخدم العبودية اليومية].

من أنا اليوم
إن الموقع الصعب، مع أنه متميز، حسب اعتقادي، الذي يشغله ميشال فوكو اليوم، يتخذ السؤال التالي: هل نعرف أين هو اليوم؟ لأنه لا يقدم نفسه كسوسيولوجي، ولا كمؤرخ، ولا كبنيوي، ولا كمفكر، ولا كميتافيزيقي [إنه يتأرجح بشكل دائم بين الفلسفة والتقليدية ورفض أي فكر جدّي] عندما يقوم بتحليلاته الدقيقة المتعلقة بالعلم الطبي، أو العقوبة في المرحلة المعاصرة والأوجه المتعددة لسلطة متناهية في الصغر، أو بالتوظيف الانضباطي للجسد، أو أخيراً بالمجال الشاسع الممتد من اعترافات المذنبين إلى بوح العادلين، أو بالمونولوجات الداخلية غير المتناهية للتحليل النفسي، فإننا نتساءل هل يضع بين أيدينا بعض الأحداث لها قيمة مفارقة، أو أنه يرسم لنا استمراريات تاريخية نستنتج منها الأشكال المختلفة للمعرفة الإنسانية، أو في النهاية [كما اعتقد البعض] يتجول في مجال الأحداث المعروفة ومن الأفضل المهملة، وبالصدفة ينتقي منها ما يريد لكي يذكرنا أن أية معرفة موضوعية تبقى ريبية، كما أن الاعتقاد في أية ذاتية هو وهم. أليس هو الذي أسرّ إلى ليسيت فيناس قائلاً: «لم أكتب يوماً إلا أوهاماً، وأنا واع بذلك»؟ بمعنى آخر أنا أحكي خرافات وسيكون تهوراً أن تنتظروا مني مواعظ أخلاقية. لكن فوكو لن يكون هو فوكو إذا لم يستدرك على الفور قائلاً: «لكني أعتقد أنه يمكن تشغيل الخرافات داخل الحقيقة». وهكذا لا يضيع مفهوم الحقيقة، كما أن فكرة الذات أو التساؤل عن تشكل الإنسان كذات لا تغيب عن أعيننا. أعتقد أن الكتاب الجيد لـ كلود مورالي: "من أنا اليوم" سيثير انتباهه بدون شك.

مجتمع الدم مجتمع المعرفة
إن عودة فوكو إلى بعض القضايا التقليدية [رغم أن إجاباته تبقى جنيالوجية] سرعت بها بعض الأحداث الشخصية التي لا يمكن لي أن أقرها، ويظهر لي أنه لا جدوى من معرفتها. لقد قدم هو نفسه تفسيراً مطولاً لذلك، رغم أنه غير مقنع، حول أسباب صمته الطويل الذي أعقب صدور أول كتاب لتاريخ الجنسانية، وهو إرادة المعرفة. هذا الكتاب المتميز يبقى من أهم كتبه بوضوحه وأسلوبه الأخاذ وأطروحته التي تقلب الأفكار المتعارف عليها. إن الكتاب يتبع خطى كتاب "المراقبة والعقاب". في هذا الكتاب يفسر فوكو بشكل واضح كيف أن السلطة لا تشتغل من مكان واحد ولكنها تأتي من الأسفل، من باطن الأجساد الاجتماعية، محولة القوى المحلية المتحركة والمتنقلة والتي هي في غالب الأحيان جد متناهية في الصغر، إلى قوى عاتية متحدة، وعند تلاقيها تصبح قوى مهيمنة. لكن لماذا الرجوع إلى السلطة مع أن موضوع تفكيره الجديد هو البحث في آليات جنسية؟ لأسباب عديدة، لكنني لن أتوقف إلا عند اثنين: إن فوكو وهو يحلل السلطة يريد أن يبعد القانون الذي مع أنه يراقب ولنقل إنه يرفض أي شكل من أشكال التمظهرات الجنسية يستمر في تقديم نفسه كمكون من مكونات الرغبة. بالفعل إن المكانة التي يحظى بها الجنس اليوم [هذا اليوم الذي يمكن أن نرجع به إلى ماض بعيد] يجسد المرور من مجتمع الدم المتميز برمزية الدم إلى مجتمع المعرفة الذي هو مجتمع القاعدة والانضباط. إن مجتمع الدم يعني: تمجيد الحرب، وسيادة الموت، والدفاع عن التعذيب، وفي النهاية تبجيل وتشريف الجريمة. تتكلم السلطة حينئذ عن طريق الدم. هذا ما يفسر قيمة النسل [أن يكون لك دم نبيل وخالص وأن لا تتردد من إراقته، وفي الوقت نفسه أن ترفض بالمخاطرة باختلاط؛ ومن هنا أهمية وضع القانون عدم الزواج بالمحارم، وفي الوقت نفسه التركيز على إبراز مساوئه، وحتى الذهاب إلى منعه]. لكن عندما امتنعت السلطة التقيد فقط بالحظوة التي يتمتع بها بالدم والنزعة الدموية [بتأثير من الكنيسة التي استفادت بقلب أدوار قوانين تحالف الزواج –مثلاً تعطيل زواج السلفة] أصبح "الجنس أساسياً" مما لن يقرنه بالقانون بل بالقاعدة، لا بحقوق الأسياد بل بمستقبل النوع –الحياة- تحت مراقبة معرفة تدعي أنها قادرة على تحديد وتقنين كل شيء.
إنه مرور إذن من "النزعة الدموية" إلى "الجنسانية". ويعتبر صاد الشاهد الغامض والمروج العجيب. فما يهمه هو اللذة فقط وما يروق له هو ترتيب الملذات والحق اللامحدود للشهوة. إن الجنس هو الخير الوحيد والخير يرفض أية قاعدة [وهذا مهم] المهم ما ينعش اللذة من خلال الشعور بالرضى والارتياح عند انتهاكها، ولو أدى ذلك إلى موت الآخرين، كموت خاص موت جد فرح بدون ندم أو قلق. يقول فوكو: «إذن التهم الجنس الدم». لكنها مع ذلك نتيجة تتركني في حيرة لأن صاد هذا الأرستقراطي، لم يحتفظ في كتاباته كما هو الأمر في حياته من الأرستقراطية إلاّ ما يجعله يشبع اللذة مع رفضها إلى حدّ لا يمكن تجاوزه، حيث جعل من سيادة الجنس شيئاً مطلقاً. إذا كان في أحلامه واستيهاماته يراكم جرائم الموت بهدف إبعاد الحدود التي أقامها المجتمع أو الطبيعة، وإذا كان شغوفاً بالدم [بشكل أقل من المني] فهو لا يهتم أبداً بالحفاظ على طبقة دم خالص، أو دم متميز. على العكس من هذا: إن جماعة أصدقاء الجريمة لا يرتبطون أبداً برغبة مثيرة للسخرية، ألا وهي تحسين السلالة. التخلص من القواعد الرسمية والتوحد على أساس قواعد سرية هذا هي الرغبة الهادئة التي تعطي للجنس وليس للدم أولويته. إنها الأخلاق التي تبطل استيهامات الماضي، حتى أنه يستهوينا أن نقول إنه مع صاد استحوذ الجنس على السلطة؛ وطبعاً هذا يعني أن السلطة والسلطة السياسية سيمارسان بمكر وحيلة باستغلال آليات الجنس.

العنصرية القاتلة
ببحثه في كيفية انتقالنا من مجتمع الدم إلى مجتمع يفرض فيه الجنس قانونه، وهذا الأخير يستغل الجنس بغية السيطرة، وجد فوكو نفسه مجدداً أمام ما بقي عالقاً بذاكرتنا من أقوى كارثة وأقوى شيء مرعب في المرحلة المعاصرة. يقول فوكو: «إن النازية تمثل التكامل العفوي والمكر –وهذا نتيجة لذاك- لاستيهامات الدم ومنتهى الانضباط». إن الدم بالطبع يعني السمو بتمجيد دم خالص [يخفي الاستيهام البيولوجي فرضية حق الشعب هندي-أوروبي في الهيمنة والذي يجد تعبيره الأسمى في المجتمع الجرماني] وعنده يصبح من اللازم إنقاذ المجتمع الخالص عن طريق القضاء على بقية الانسانية، بدءاً بالإرث الخاص بمجتمع الإنجيل. إن تفعيل إبادة جنس بالكامل في حاجة إلى السلطة بكلّ أنواعها، ومن ضمنها الأشكال الجديدة للبيو-سلطة التي تتطلب استراتجياتها تصوراً محكماً تنظيماً ومنهجاً وتصميماً. إن البشر ضعفاء، لا ينجزون الأسوأ إلا بتجاهله ثم يألفونه ويعملون على تبريره بـ "سمو" نظام انضباط دقيق، وأوامر صادرة من قائد لا يناقش. إن الشذوذ الجنسي في التاريخ الهتلري لا يلعب إلاّ دوراً ثانوياً حتى أنه أُقصي فيما بعد. إن الشذوذ الجنسي الذي هو تعبير عن الرفقة الحربية ليس إلاّ مبرراً لـ هتلر لتقويض المجموعات غير المنضبطة والتي تبقى مع ذلك تخدمه، لكن كونها غير مطيعة فهي تعيد ربط علاقتها مع بعض علامات المثال البرجوازي بتقشفها وزهدها حتى ولو كانت خاضعة لنظام يعتبر نفسه فوق القانون لأنه هو القانون نفسه.
يعتقد فوكو أنه للوقوف أمام تكاثر آليات السلطة التي ستستغلها بصورة وحشية العنصرية القاتلة [بمراقبتها لكل شيء حتى الحياة اليومية] شعر فرويد بضرورة الرجوع إلى الوراء، وهذا ما جعله بحسه المرهف يصبح العدو اللدود للنازية، بإعادته إحياء قانون المصاهرة العتيق أي "رابطة الدم المحرمة عن الأب-السيد": وفي كلمة واحدة يعيد للـ "قانون" على حساب القاعدة حقوقه السابقة بدون أن يجعل من القانون شيئاً مقدساً، أي شيئاً قامعاً إذ أن همه كان هو تفكيك الآليات أو بيان الأصل [المراقبة، الكبت، الأنا الأعلى...]. هذا ما يفسر الوضع الملتبس للتحليل النفسي، فهو من جهة يجعلنا نكتشف أهمية الجنس و"أعراضه" ومن جهة أخرى يحيط الرغبة –من أجل تأصيلها أكثر من محاولة تفسيرها- بالنظام القديم للمصاهرة. وهكذا لا يتجه فرويد نحو الحداثة، بل يشكل بذلك نشازاً، وهذا ما يطلق عليه فوكو لفظ "الانقلاب التاريخي"، وبالتالي رأى فيه خطراً كونه قريبا من النزعة التاريخية التطورية وحتى من النزعة التاريخانية التي هو بعيد عنها.

التحريض للحديث عن الجنس
يجب أن نقول الآن إن فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية لا يقوم بحرب تثير السخرية ضدّ التحليل النفسي. فهو لا يخفي اعتقاده أن الأمر يتعلق بصيرورة تجد كمالها في تطور محايث لتاريخ المسيحية. إن الاعتراف والبوح والبحث في خبايا النفس والتأملات الخاصة بشهوات الجسد، كل هذا يضع مسألة الجنس في مركز الوجود؛ وبالتالي يسمح بالاعتقاد في وجود رغبات غامضة تلف كلّ الجسد الإنساني. إننا نشجع بذلك من نود أن نثنيه ونعطي الكلمة لمن كان محروماً منها حتى الآن، ومنح قيمة كبرى لما كنّا نود إقصاءه بجعله هاجساً. فمن الاعترافات إلى أريكة المحلل النفسي هناك مسافة زمنية [لأنه لا بد من الزمان لتحقيق شيء ما]، ولكن من الأخطاء إلى اللذة، ومن الهمس الخافت إلى الثرثرة اللامتناهية، نجد العناد والتحريض للحديث عن الجنس، بهدف التحرر منه وفي الوقت نفسه لجعله دائماً، كما لو أن شغلنا الشاغل هو أن يكون المرء سيد حقيقته النفيسة، وهو يستشير نفسه والآخرين، حول مجال منبوذ ومستحب وهو الجنس. لقد وضعت علامات على بعض جمل فوكو حيث يعبّر عن حقيقة مزاجه وما كان يفكر فيه: «إننا بعد كلّ شيء الحضارة الوحيدة التي تكافئنا عن اعترافاتنا، بغية الدفع بكلّ واحد إلى البوح بأسراره الجنسية... إنهم استأجروا آذانهم». وخاصة هذا الحكم التهكمي عن الزمان الضائع الذي استغرق لوضع الجنس في خطاب: «ربما سيندهش الناس مستقبلاً ولا يفهمون كيف أن حضارة نذرت نفسها لتطوير آلات الانتاج والهدم ووجدت الوقت الكافي والصبر الضروري لمساءلة القضايا المتعلقة بالجنس بكلّ اهتمام. وربما سيهزؤون منا عندما يتذكرون إن البشر الذي كناه اعتقدنا إنه في هذا المجال هناك حقيقة أو على الأقل حقيقة أقل قيمة من تلك التي طلبناها من الأرض والنجوم والأشكال الخالصة للفكر. سيفاجَأون بإصرارنا على أن ننزع الجنس من ظلامه الذي تنتجه خطاباتنا وعاداتنا ومؤسساتنا في واضحة النهار وتلقي به بعنف». إن هذا النص تأبيني مقلوب، حيث أن فوكو منذ هذا الكتاب الأول حول تاريخ الجنسانية، بريد أن يضع حدّاً لاهتمامات عبثية، مع أنه كان سيخصص لها مجلدات، لن يكتبها في النهاية.

آه يا أصدقائي
سيبحث وسيجد مخرجاً [إن هذا الحل يبقيه جنيالوجياً أو على الأقل أركيولوجيا]، وذلك بابتعاده عن العصور الحديثة ومساءلته للعصور القديمة [خاصة العصر الإغريقي –إنها الرغبة في الرجوع إلى الأصل؛ لكن لماذا ليس العصور اليهودية حيث يلعب الجنس دوراً كبيراً والقانون يجد أصله؟] لكن لأي هدف؟ ربما للابتعاد عن القضايا المقلقة للجنس، والاهتمام ببساطة الرغبات، وتسليط الضوء من جديد على المشكل الذي تطرحه، رغم أنها لا تشغل بال الأسياد الأحرار؛ وكونها كذلك فهي تفلت من قبضة غبطة وفضيحة الممنوع. لكن هذا لا يمنعني من التفكير من أنّ كتاب إرادة المعرفة أعطى فرصة للنقاد لكي يقوموا بمطاردة فكرية [شبيهة بمطاردة أنساب]، كما أنها تجربة خاصة والتي لا يمكن إلا افتراضها، والاعتقاد أن فوكو شعر بها [جسد قوي ينهار، مرض خطير يهدده وله به إحساس غامض، وأخيراً موت قريب سيجعله ينفتح ليس على القلق، وإنما على صفاء الذهن] كلّ هذا سيغير علاقته بالزمان والكتابة. إن الكتب التي سيؤلفها حول موضوعات تظهر لأول وهلة، على رغم أنها تمسه عن قرب، كتب مؤرخ مجتهد وليست كتب بحث شخصي. الأسلوب هو الآخر تغير: هادئ، ساكن، تنقصه الحماسة التي كانت تميز كتبه السابقة. في حوار مع دريفوس ورابينو وعن سؤال عن مشاريعه اللاحقة صاح فوكو في تعجب: «آه سأهتم أولاً بنفسي». قولة يصعب التكهن بما تحمله، على رغم أننا يمكن أن نفكر كما هو الشأن مع نيتشه إنه كان مضطراً إلى الرجوع إلى اليونان للبحث عندهم على الأقل على أخلاق وليس على ايثيقا فردية تسمح له بأن يجعل من وجوده –ما بقي له لكي يعيش- تحفة فنية. لهذا سيتابع عند القدماء تقديرهم لممارسة الصداقة التي لم يجد إلا عند القلائل منا مكانتها المرموقة. إن الصداقة (philia) عند اليونان كما هو الحال عند الرومان تبقى أرقى علاقة إنسانية ممكنة [مع السمة الغامضة التي تفرضها عليها الظروف المتناقضة فهي مرّة علاقة متبادلة ومرّة هيبة] يمكن اعتبارها إرثاً قابلاً للإغناء. إن صداقة فوكو هيبة منحت له بعد موته، عندما نتجاوز الانفعالات والمشاكل الفكرية وأخطار الحياة التي شعر بها خوفاً على الآخرين أكثر من الخوف على ذاته. وبينما اعترف بضرورة قراءة أعماله [بدون آراء مسبقة] أبقى وفياً، ربما بشكل أخرق، للصداقة الفكرية الذي دفعني موته الحزين إلى الاعتراف له بها، متذكراً القولة التي نسبها ديوجين ليريس لأرسطو: «آه يا أصدقائي ليس هناك صديق».


المصدر: مجلة مدارات فلسفية المغربية، عدد 16، 01 يوليو 2008، صص 175-187

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق