السبت، 28 فبراير، 2015

مدخل إلى رواية «رحلة إلى نهاية الليل» لفرديناند سيلين: جورج باتاي

ترجمة: حسين عجة


   لا يتمثل البؤس في الألم وحده، وإنما بكونه ركيزة لعدد من الأشكال الإنسانية التي يضطلع الأدب فيها بوظيفة التعبير الدلاليّ عن القيمة [تولّد الفاقة والأمراض السارية كالجرب عند المصابين بها شعوراً بالعظمة (conscience de grandeur)، يستحيل بلوغه في الظروف العادية]. ولفهم هذا التناقض بين الإنسان وشقائه المادي من الجدير القول إن الدين المسيحيّ اضطلع، في الماضي، بتلك الوظيفة.
   يمكن التعامل مع رواية سيلين الشهيرة باعتبارها وصفاً لعلاقة الإنسان بموته الشخصي، وهي حاضرة، عبر السرد، في كل صورة من صور البؤس الإنساني. فاستخدام الإنسان لعلاقته بموته الشخصي – الذي يمنحه الوجود الراهن معنىً مرعباً- ليست بالممارسة الجديدة أبداً: لا تختلف جذرياً عن التأمّل الرهباني أمام جمجمة. ومع ذلك، تكمن عظمة "رحلة إلى نهاية الليل" في عدم إثارتها أو استدعائها لشعور الشفقة، وهذا ما يجعلها تنفي العبودية المسيحية التي ربطت الشعور بالبؤس: ما عاد الشعور بالبؤس اليوم، ومن دون قبول أشكاله الأكثر انحطاطاً – من القذارة إلى الموت، ومن الكلبية إلى الجريمة- بحاجة لإذلال الكائنات الإنسانية أمام قوة فائقة، ذلك لأن الشعور بالبؤس قد كف أن يكون شيئاً خارجياً أو أرستقراطياً، لكنه بؤس معاش؛ كما أنه لم يعد يستند إلى سلطة إلهية، حتى وإن كانت أبوية: على العكس من ذلك، لقد تحوّل إلى مبدأٍ لأخوة تتعاظم كلّما أصبح البؤس ضارياً، كذلك يغدو الفرد الذي يشعر به أكثر صدقاً، كلّما اعترف بانتمائه له، ليس من خلال الجسد أو البطن، ولكن عبر الحياة برمتها.

   لم يعد الوقت ملائماً للعب اللعبة الحمقاء لدى إميل زولا، الذي يستعير عظمته من بؤس البشر، فيما يبقى هو غريباً (étranger) عن البؤساء. إن ما يصون "رحلة إلى نهاية الليل" ويمنحها دلالتها الإنسانية يكمن في المبادلة العملية للحياة مع أولئك الذين يُلقي بهم البؤس خارج الإنسانية – مبادلة للحياة والموت، للموت والانحطاط: ثمة نوع محدّد من الانحطاط قائم في أساس الأخوة، حينما تكون الأخوة بمثابة التخلّي عن المطالبات بالشعور الشخصيّ، وبالتالي تتبنى مطالبات البؤس والشعور به، أي وجود العدد الأكبر. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق