الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

الْوَصِيَّةُ: الْـمَارْكِيـزْ دُو سَادْ

تَرجمةُ وتَذْيِيل: رشيد وحتي

marquis de Sade. Coll Dumoutier. n° 529
أُسْنِدُ تَنْفِيذَ الْبُنُودِ الـمشَارِ إْلَيْهَا أَسْفَلُهُ لِتَقْوَى بُنُوَّتِي، رَاغِبًا فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَهُمْ أَقْرِبَاؤُهُمْ كَمَا كَانُوا سَيَفْعَلُونَ مِثْلِي.

أَوَّلًا: أُعْرِبُ لِلْآنِسَةِ مَارِي كُوْنْسْطُنْسْ رُنِيلْ [Marie-Constance Renelle]، — زَوْجَةِ السَّيِّدِ بَالْطَازَارْ كِينِي [Balthasar Quesnet]، الَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّهُ مَاتَ — بِقَدْرِ مَا تَسْمَحُ لِي بِهِ قُدُرَاتِي الضَّعِيفَةُ، عَنْ بَالِغِ امْتِنَانِي لِلرِّعَايَةِ وَالصَّدَاقَةِ الصَّادِقَةِ الَّتَيْنِ غَمَرَتْنِي بِهِمَا مُنْذُ الْـ 25 أُغُسْطُسْ 1790 حَتَّى يَوْمَ وَفَاتِي، وَهِي مَشَاعِرُ عَبـرتْ عَنْهَا لَيْسَ فَقَطْ بـرقَّةٍ وَنُكْرَانٍ لِذَاتِهَا، بَلْ أَيْضًا بِأَشْجَعِ عَزِيمَةٍ، بِمَا أَنَّهَا تَحْتَ نِظَامِ الْإِرْهَابِ أَنْجَتْنِي مِنَ الـمقْصَلَةِ الثَّوْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مُعَلَّقَةً، كَأَمْرٍ فِي غَاَيَةِ التَّأْكِيدِ، فَوْقَ رَأْسِي، كَمَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ ذَلِكَ. أَهَبُ إِذَنْ وُأُوْصِي، لِلْأَسْبَابِ الـمفَصَّلَةِ أَعْلَاهُ، لِلسَّيِّدَةِ الـمدْعُوَّةِ مَارِي كُوْنْسْطُنْسْ رُنِيلْ، حَرَمِ كِينِي، بِمَبْلَغٍ نَقْدِيٍّ زُهَاؤُهُ 24000 جُنَيْهًا مَسْكُوكًا فِي مَدِينَةِ تُورْ [Tours] وَمُتَدَاوَلًا فِي فَرَنْسَا خِلَالَ فَتـرةِ وَفَاتِي، مُبْتَغِيًا وَقَاصِدًا أَنْ يُجْتـزأَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ أَكْثَرِ الـممْتَلَكَاتِ الَّتِي أَتـركُهَا تَحَرُّرًا وَبُعْدًا عَنِ النـزاعَاتِ الْعَائِلِيَّةِ، مُحَمِّلًا أَبْنَائِي مَسْؤُولِيَّةَ وَضْعِهِ، فِي أَجَلِ شَهْرٍ بَعْدَ يَوْمِ وَفَاتِي، لَدَى السَّيِّدِ فِينُو [Finot]، الـموَثِّقِ الْعَدْلِيِّ بِشَارُنْطُنْ-سَانْ مُورِيسْ [Cahrenton-Saint-Maurice]، الَّذِي أُعَيِّنُهُ، إِثْرَ هَذَا، مُنَفِّذًا لِوَصِيَّتِي، كَيْ يُسْتَعْمَلَ الْقَدْرُ الـمالِيُّ الـمشَارُ إِلَيْهِ، عَنْ طَرِيقِهِ، بَالطَّرِيقَةِ الْأَسْلَمِ وَالْأَنْضَجِ مِنْ طَرَفِ السَّيِّدَةِ كِينِي بِاعْتِبَارِهِ مَوْرِدًا كَافِيًا لِمْأْكَلِهَا وَرِعَايَتِهَا، مَوْرِدًا يُؤَدَّى لَهَا بِشَكْلٍ مَضْبُوطٍ وَعَلى حِصَصٍ دَوْرِيَّةِ، كُلَّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، دُونَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِسْقَاطِهِ أَوْ حَجْبِهِ عَنْهَا مِنْ طَرَفِ أَيٍّ كَانَ. أَبْتَغِي أَيْضًا أَنْ يُحَوَّلَ مَبْلَغُ هَذَا الرِّيعِ لِشَارْلْ كِينِي [Charles Quesnet]، ابْنِ الـمدْعُوَّةِ السَّيِّدَةِ كِينِي، الَّذِي سَيَصِيـر وِفْقَ نَفْسِ الشُّرُوطِ حَائِزًا لِلْمَجْمُوعِ، فَقَطْ فِي حَالَةِ وَفَاةِ أُمِّهِ الـمحْتـرمَةِ. 
تَبَعًا لِهَذِهِ الْإِرَادَةِ الَّتِي أُعَبـر عَنْهَا هَا هُنَا بِخُصُوصِ الـميـراثِ الَّذِي أَتـركُهُ لِلسَّيِّدَةِ كِينِي، فِي حَالَةٍ غَيـر مُفْتـرضَةٍ سَيُحَاوِلُ فِيهَا أَبْنَائِي حَجْبَهُ أَوِ التـراجُعَ عَنْهُ، أَرْجُوهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَنَّ الـمدْعُوَّةَ السَّيِّدَةَ كِينِي كَانَتْ قَدْ وُعِدَتْ آنِفًا بِمَبْلَغٍ مُسَاوٍ تَقْرِيبًا عِرْفَانًا بِعِنَايَتِهَا بِوَالِدِهِمْ، وَأَنَّ تَصَرُّفِي هَذَا لَيْسَ إِلَّا تَطَابُقًا مَعَ نَوَايَاهُمُ الْأُوْلَى وَاسْتِبَاقًا لَهَا، أَقُولُ هَذَا دُونَ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَى ذَاتِي أَيَّةُ شُكُوكٍ قَدْ تـزعِجُهَا وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، خُصُوصًا عِنْدَمَا أُفَكِّرُ فِي فَضَائِلِ الْبُنُوَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُفَّ أَبَدًا عَنْ طَبْعِهِمْ وَتَمْتِيعِهِمْ بِكُلِّ مَشَاعِرِي الْأَبَوِيَّةِ.

ثَانِيًّا: أَهَبُ لِلْمَدْعُوَّةِ السَّيِّدَةِ كِينِي وَأُوْصِي لَهَا، أَيْضًا، بِكُلِّ أَثَاثِي، مَلَابِسِي، مَنْسُوجَاتِي، كُتُبِي أَوْ أَوْرَاقِي الَّتِي سَتُوْجَدُ عِنْدِي خِلَالَ وَفَاتِي، مَا خَلَا أَوْرَاقَ وَالِدِي وَالـمشَارُ إِلَيْهَا كَذَلِكَ بِبِطَاقَاتٍ مُلْصَقَةٍ فَوْقَ الرُّزَمِ، وَهِيَ أَوْرَاقٌ سَتُسَلَّمُ لِأَبْنَائِي.

ثَالِثًا: مِنْ نَوَايَايَ وَإِرَادَاتِي الْأَخِيـرةِ أَنْ لَا يَحْرِمَ هَذَا الْإِرْثُ السَّيِّدَةَ الـمدْعُوَّةَ مَارِي كُوْنْسْطُنْسْ رُنِيلْ، حَرَمَ كِينِي، أَبَدًا مِنْ كُلِّ الْحُقُوقِ، الـمطَالِبِ وَالْنَّفَقَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُطَالِبَ بِهَا بِشَكْلٍ مُطَّرِدٍ فِي عَلَاقَةٍ مَعَ تـركَتِي، وَبِالطَّرِيقَةِ الـمتَاحَةِ.

رَابِعًا: أَهَبُ وَأُوْصِي لِلسَّيِّدِ فِينُو، مُنَفِّذِ وَصِيَّتِي، خَاتَمًا بِقِيمَةِ 1200 جُنَيْهًا مُقَابِلَ الْأَتْعَابِ الَّتِي يُكَلِّفُهَا إِيَّاهُ تَنْفِيذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ.

خَامِسًا: أَمْنَعُ مُطْلَقًا أَنْ يُشَرَّحَ جَسَدِي كَيْفَمَا كَانَتِ الذَّرِيعَةُ لِذَلِكَ. أَطْلُبُ بِبَالِغِ الْإِلْحَاحِ أَنْ يُتـركَ فِي الْغُرْفَةِ حَيْثُ سَأَمُوتُ 48 سَاعَةً، مَوْضُوعًا فِي تَابُوتٍ خَشَبٍ لَنْ يُسَمَّرَ إِلَّا بَعْدَ مُضَيِّ الـ 48 سَاعَةً الـملْزِمَةِ أَعْلَاهُ، وَالَّتِي بَعْدَ مُضَيِّهَا يُمْكِنُ تَسْمِيـر التَّابُوتِ الـمذْكُورِ آنِفًا. فِي هَذِهِ الْفَتـرةِ سَيُبْعَثُ سَاعٍ إِلَى السَّيِّدِ لُونُوُرْمُنْ [Le Normand]، تَاجِرِ الْأَخْشَابِ الْكَائِنِ بِشَارِعِ الـمسَاوَاةِ، رَقْمِ 101 بِڤِرْسَايْ [Versailles]، طَالِبًا مِنْهُ الْقُدُومَ شَخْصِيًّا مَتْبُوعًا بِعَرَبَةٍ، لِحَمْلِ جُثْمَانِي مِنْ أَجْلِ نَقْلِهِ مَخْفُورًا وَفِي الْعَرَبَةِ الـمذْكُورَةِ نَحْوَ غُوَيْبَةِ أَرْضِي فِي مَالـميـزونْ [Malmaison]، حَيْثُ أُرِيدُ أَنْ أُطْمَرَ دُونَ طُقُوسٍ، فِي أَوَّلِ أَجَمَةٍ فِي خَمِيلَةٍ تُوجَدُ يَمِينَ الْغُوَيْبَةٍ، وَأَنْتَ تَلِجُ الـمكَانَ مِنْ جِهَةِ الْقَصْرِ الْقَدِيمِ عَبـر الـممْشَى الـمشَجَّرِ الَّذِي يَشْطُرُهُ نِصْفَيْنِ. سَيُحْفَرُ قَبـري فِي تِلْكَ الْأَجَمَةِ مِنْ طَرَفِ الْقَيِّمِ عَلَى الـمزْرَعَةِ، تَحْتَ إِمْرَةِ السِّيِّدِ لُونُوُرْمُنْ الَّذِي لَنْ يُغَادِرَ جُثْمَانِي حَتَّى يَطْرَحَهُ فِي الْقَبـر الـمذْكُورِ. يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْطَحِبَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الـمرَاسِيمِ، إِنْ شَاءَ، مَنْ يـريدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِي وَأَصْحَابِي مَنْحِي هَذَا الْعُرْبُونَ الْأَخِيـر عَلَى تَعَلُّقِهِمْ بِي، وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يَجْرِي ذَلِكَ دُونَمَا طُقُوسٍ مَأْتَمِيَّةٍ. عِنْدَ إِهَالَةِ التـرابِ عَلَى الْحُفْرَةِ، سَتُنْثَرُ فَوْقَهَا ثِمَارُ الْبَلُّوطِ، وَذَلِكَ لِتَكُونَ أَرْضِيَّةُ الْأَجَمَةِ مَفْرُوشَةً مِنْ جَدِيدٍ، وَلِكَيْ تُعَمَّرَ بِغِطَاءٍ نَبَاتِيٍّ كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ. بِالتَّالِي سَتَخْتَفِي آثَارُ قَبـري عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، مِثْلَمَا أَزْهُو بِأَنَّ ذِكْرَايَ سَتَنْمَحِي مِنْ نُفُوسِ الْبَشَرِ، مَا خَلَا تِلْكَ الْقِلَّةَ الْقَلِيلَةَ الَّتِي شَاءَتْ أَنْ تُحِبَّنِي حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيـرةِ وَالَّتِي آخُذُ مِنْهَا نَحْوَ قَبـري ذِكْرَيَاتٍ بَالِغَةَ الرِّقَّةِ.
حُرِّرَ في شارنطُنْ-سَانْ مُورِيسْ، في كامل وعيي وسلامتي الصحية، فِي يَوْمِهِ الـ 30 من ينايـر 1806.
تَوْقِيعُ: دُونَاسْيَانْ أَلْفُونْسْ فْرُنْسْوَا سَادْ.




تَذْيِيلَاتٌ مِنَ الْـمُتَرْجِمِ عَلَى الْوَصِيَّةِ

هذه وصية لم تُنَفِّذْ منها أسرةُ ساد شيئًا. كل التأكيدات والتكرارات فيها، والتي تبلغ في مَوَاضِعَ منها حدَّ الركاكة، ركاكة مقصودة في أسلوبية كاتب يمتلك زمامَ أدواته، ركاكة تعبِّرُ عن هواجس ساد ومخاوفه من عدم تنفيذ رغباته، رُهَابَهُ تجاه الـموت، مَخَافَتَهُ أَنْ يُدْفَنَ حيًّا. كأنه كان مزعجا لأسرته وباقي أشكال السلطة حيًّا كما مَيِّتًا. دُفِنَ في مقبرة شارنطُنْ، كي يبقى الجسد أسيرًا بعد العجز عن أسر الروح. ونُبِشَ قبـره، كما أجريت لجثته تشريحات عديدة وخضعت جمجمته لاختبارات طبية، لتختفِيَ فيما بعد بشكل مفاجئ، دون أن يُعْثَرَ عليها إلى اليوم.
*
تتميـز هذه الوصية بقدرة تصويـرية ودقة في تحديد الأمكنة كما في نصوص ساد التخييلية، وكأن الكاتب يقوم بإخراج مسرحي لـموكب جنازته وطقوس دفنه بشكلٍ قَبْلِيٍّ، مثلما كان يدير شخصياته في نصوصه السردية والـممثلين في الـمسرح الذي كان يُسَيِّرُهُ في سجنه.
*
لاختيار شجر وثمار البلوط رمزية أيـروسية: الشكل الأشبه بالقضيب والجناس اللفظي في اللغة الفرنسية [gland]، إذ أن للكلمة مَعْنَيَيْنِ: قَدْ تَكُونُ ثَمْرَةَ شجر البلوط، وقد تعني أيضا: الْحَشَفَةَ.
*
العودة إلى العدَمِ من معالم مادية ساد الإلحادية التي عَبَّرَ عنها في أكثر من موقف وموضع في رواياته، أبرزها الـمقطع التالي: "ذاَتَ يَوْمٍ، وَأَناَ أَنْظُرُ إِلَى إِتْناَ Etna، الَّذيِ كاَنَ نَهْدُهُ يَتَقَيَّأُ حُمَماً، وَدَدْتُ لَوْ كُنْتُ هَذاَ الْبُرْكاَنَ الشَّهيِرَ. آهِ يَا فَاهَ الْجَحِيمِ — صَرَخْتُ وَأَنَا أَرْنُو إِلَيْهْ — لَوِ اسْتَطَعْتُ مِثْلَكَ ابْتِلَاعَ الْـمُدُنِ الَّتِي تُحِيطُ بِي كُلَّهَا، كَمْ مِنَ الدُّمُوعِ سَأُهْرِقُ." [جُوسْتِينْ الْجَدِيدَةُ.]. فكرة العودة للعدم هذه تعود من جديد في آخر الوصية، عبر رغبة أخيرة في انمحاء كل أثر جسدي أو معنوي لساد على الأرض وفي ذاكرة التاريخ مباشرة بعد دفنه.
*
مَشَتْ ذِكْرَى ساد، التي أرادها أنْ تَنْمَحِي مِنْ نُفُوسِ الْبَشَرِ، عكسَ ما يريدُ تماما: لم تستطع الرقابة، ولا طول فترات اعتقاله، ولا نَبْذُهُ من طرف الوسطين الأدبي والسياسي أن تسلبَهُ شيئا من جدارته كتابةً وفكرا. على العكس، سادْ يزداد زَخَمًا مع مرور الوقت.
*
لتخليد الذكرى الـ 145 لوفاة ساد، اقتَرَحَ تنفيذَ الوصية — التي أمضى عشر سنين وهو يفكر فيها — الفنانُ الكندي جَانْ بُنْوَا [Jean Benoît]، الذي عرَضَ الفكرة على أَنْدْرِي بْرُطُونْ [André Breton]، فَحَبَّذَهَا الأخير. أقيمت الطقوس في بيت الشاعرة الـمصرية جُويْسْ مَنْصُورْ [Joyce Mansour] وفقَ فُرْجَةٍ مسرحية تحتَ عنوان: تَنْفِيذُ وَصِيَّةِ الْـمَارْكِيزْ دُو سَادْ [L’exécution du testament du marquis de Sade]، كانَت افتتاحا لِـ الـمعرض العالـمي للسريالية احتفاء بأَيْرُوس [Exposition internationale du surréalisme dédiée à Éros]. انطلقتْ الفكرة من اعتبار السرياليين لحركتهم وريثا شرعيا للماركيز الإلهي، وفقَ تسمية پُّولْ إِلْوَارْ [Paul Eluard] لَهُ. كان حفل الوصية مزيجاً من طقوسٍ كاثوليكية هرطوقية وطقوس وثنية، أنهاها بُنْوَا بِأَنْ طَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ بالحديد الحامي حروف اسم ساد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق