الاثنين، 12 مايو، 2014

افتراضات: جورج باتاي


عندما قال نيتشه إنه يودّ لو يُفهَم خلال خمسين عاماً، لم يقصد ذلك بالمنحى الفكريّ. لأنه عاش وهو يكرّر على نفسه أن الحياة والفرحة والموت قد جُلبَت للّعب، لا لعناية الفكر المرهِقة. يشرح هذا ببساطة وبوعي التزام المرء بنفسه. إن ما يجري عميقاً في إعادة تقييم القيم، بشكل قاطع، لَهو المأساة نفسها؛ فهنالك حيّز ضئيل متروك للراحة. لأن جوهر الحياة البشرية هو بالضبط موضع الرعب المفاجئ، وهذه الحياة منقادة بالضحك إلى ذُرى الفرحة بأكثر الأحداث المخزية إمكاناً، بمثل هذه الحقائق الغريبة تقع الأحداث البشرية، تحدث على سطح الأرض، في حالات الصراع المهلِك، جاعلةً إياها لازمةً لفصم عُرى الحقيقة المدرَكَة لكي "توجَد". لكن من العبث وما لا يُطاق أن نحاول مخاطبةَ مَن لديهم عنايةٌ مدّعاة؛ صراعٌ كان دائماً مغامرةً متطلّبة أكثر من أيّ شيء آخر. هكذا، يصبح مستحيلاً أن نخجل مبتعدين عن فهمٍ معبّرٍ لتعاليم نيتشه. كلّ هذا يؤدّي إلى تطوّر بطيء حيث لا يتخلّف شيء بين الظلال.  

1)   افتراضات عن الفاشية
1ـ "قد نسمّي التنظيم الأكثر كمالاً للكون، الربّ(*)".    
إن الفاشية التي تُعيد تركيب المجتمع على أساس عناصر موجودة هي الشكل الأكثر قُرباً من التنظيم؛ بمعنىً آخر، شكل الوجود البشريّ الأقرب إلى الربّ الأبديّ.
في الثورة الاجتماعية (لكن في غير الستالينية(**) كما توجَد اليوم) يصل التحلّل على النقيض إلى حدّه الأقصى.
الوجود كائنٌ في تعارض مع احتمالَين مخادعَين بالتساوي: "التكامل الأبديّ الذي يتحدّى (وهو ما ينتج عنه الربّ)، والتحلّل الأبديّ الذي يمحق الربّ في ذاته". 
يعيد النظام الاجتماعيّ المدمّر تركيبَ نفسه بتطويرٍ بطيء لبغض التحلّل المبدئيّ. 
والبنية الاجتماعية المعاد تركيبها ـ سواءً كانت نتيجة الفاشية أو الثورة المنكَرة ـ تحلّل حركة الوجود، وهي التي تتطلّب تفسّخاً ثابتاً. وتعدّ البنياتُ الوحدويةُ الكبرى العلاماتِ الحماسيةَ لانقلابٍ دينيّ قد يدفع حركة الحياة ما وراء ضرورة خانعة.
يأتي سحر التمجيد النيتشويّ، بالمعنى السامّ للكلمة، من تفسّخ الحياة، وهو يحملها إلى فائض الإرادة نحو القوّة والتهكّم.  

2ـ فيما يتعلّق بالمجتمع، نجد أن سمة الفرديّ كبديل هي إحدى الحقائق النادرة التي تنبعث من البحث التاريخيّ. فمن المجتمع الوحدويّ يتّخذ الفرد شكله وكيانه. وقد أدّت أكثر الأزمات المعارضة، أمام أعيننا، إلى تشكيل مجتمعات وحدوية مشابهة: لم تكن هناك علّة اجتماعية ولا ردّة؛ بل مجتمعات أعادت استكشاف نسق وجودها الجوهريّ، بنيتها الخالدة كما تشكّلت في أكثر الظروف الاقتصادية والتاريخية تنوّعاً.
لاحتجاج البشر على قانون جوهريّ من وجودهم دلالة محدودة واضحة. فالديمقراطية، التي ترتكز على توازن متزعزع بين الطبقات، شكل عابر؛ حيث لا يجلب معها الفخر فقط بل نزق التحلّل.  
ولا يحدث الاحتجاج ضدّ المركزية حتماً بالمعنى الديمقراطيّ. لا يتم حتماً باسم "شيء ضمنيّ"؛ وتقع احتمالات الوجود البشريّ من الآن فصاعداً ما وراء تشكيل المجتمعات "وحيدة الرأس". 

3ـ إدراك المجال المحدود للحماس الديمقراطيّ (بالجزء الواسع المجرّد من المعنى، لأن الستالينيين يشاركونهم إياه) لا يعني بأيّ طريقة قبول المجتمع الوحدويّ. فالاستقرار النسبيّ والامتثال للقانون الطبيعيّ يتداول قطعاً بشكل سياسيّ إمكانية توقيف حركة الدمار وخلق التاريخ، مما لا يزال أقلّ إشباعاً في لحظة واحدة لاحتياجات الحياة. على النقيض، ندين الوجود الاجتماعيّ الخانق والمغلق بتركيز قوى الانفجار الحاسم، التي ليس لها أن تُنفّذ ضمن مجتمع ديمقراطيّ. فقد تكون خطأً فظّاً لتصوّر أن الضرورةَ الحصرية، أو حتى البسيطة، هدفٌ لضغط انفجاريّ لكي يدمّر الرأس والبنية الوحدوية لأيّ مجتمع. إن تشكيل بنية جديدة، لتطوير "نظام"، وتثويره عبر الأرضِ كلّها، لَهو فعل التحرّر الوحيد عن حقٍّ، والممكن الوحيد، لأن التدميرَ الثوريّ متبوعٌ على نحو نظاميّ بإعادة تشكيل البنية الاجتماعية ورأسها.  

4ـ تستقرّ الديمقراطية على تعادل بين متناقضات حرة وضعيفة نسبياً؛ فهي تُقصي كلّ تركيز منفجر. وينتج المجتمع وحيد الرأس من لعبة حرّة من قوانين الإنسان الطبيعية، لكنها كلّ مرة بتشكيلٍ ثانويّ، يمثّل ضموراً ساحقاً وعقماً للوجود. 
المجتمع الوحيد مليءٌ بالحياة والقوّة، والمجتمع الحرّ الوحيد، هو المجتمع الثنائيّ أو متعدّد الرؤوس الذي يمنح متناقضات الحياة الأساسية منفذاً انفجارياً ثابتاً، مع أن إحداها محدودٌ بالأشكال الأكثر ثراءً.   
وتميل ازدواجية أو تعدّد الرؤوس، ضمن الحركة نفسها، لتحقيق سمة الوجود عديم الرأس، لأن مبدأ الرأس هو من قبيل اختزال الوحدة، اختزال العالم في الربّ. 

5ـ "المادة غير العضوية هي الثدي الأموميّ. وأن نتحرّر من الحياة، معناهُ أن نصبح حقيقيين مرة أخرى؛ أن يتمّم المرء نفسه. كلّ من يفهم هذا يعتبرُ العودةَ للهباءِ البليدِ كأنه احتفال(***)".    
"أن نعترف أيضاً بإدراك العالم غير العضويّ؛ وهو إدراكٍ دقيق على نحو جازم ـ سلطة "الحقيقة"! ـ يبدأ الشكّ والوهم مع العالم العضويّ(****)".   
"خسران كلّ تخصّص: الطبيعة المصطنعة طبيعة فائقة. لكن كلّ حياة عضوية دائماً تخصّص. ويمثّل العالم غير العضويّ الموجود خلفها أكبر مركّب للقوى؛ لهذا السبب، يبدو مستحقاً لأكبر توقير. في غير العضويّ، لا يوجد خطأ ولا محدّدات للمنظور(*****)". 
تكشف هذه النصوص الثلاثة، في الوقت نفسه، أولها يوجز نيتشه، والآخران مستلاّن من كتاباته ما بعد وفاته، أحوالَ فخر وفقر الوجود. أن تكون حراً يعني ألاّ تكون دوراً. حين يسمح المرء أن يُحبَس في دور، كمَن يسمح للحياة أن تخصي نفسها. فالرأس، السلطة الواعية أو الربّ، يمثّل أحد الأدوار الذليلة التي تهب نفسها، وتعوّد نفسها، أن تكون نهايةً؛ بناءً عليه، تكون هدفاً لأشدّ بغض لدود. ويحدّد المرء مدى هذا البغض، عموماً، بمنحه مبدأ الصراع ضدّ النظم السياسية الوحدوية: لكنه سؤال عن مبدأ خارج هذا الصراع الذي يعدّ بمثابة نقيض.   

الصورة التي رافقت نص "افتراضات" عند نشرها أول مرة  رسم أندريه ماصون
  

2)   افتراضات عن موت الربّ
............................................
6ـ يعبّر الإنسان عديم الرأس أسطورياً عن الهيمنة المفروضة بالتدمير وموت الربّ، وهكذا نجد التطابق مع الإنسان عديم الرأس يندمج ويمتزج بالإنسان الأعلى، والذي هو حصراً "موت الربّ".  
............................................
7ـ إن الإنسان الأعلى والإنسان عديم الرأس مقيدان بنظير باهر لموقع الزمن، كهدفٍ حتميّ وحريةٍ للحياة منفجرة. وفي الحالتين، يصبح الزمن هدفاً للنشوة، وثانياً، يظهر كأنه "عَوْد أبديّ" في رؤية سورلي(****** أو "نكبة" ("تضحية")، أو أيضاً "انفجار الزمن": فهو، إذن، مختلف عن زمن الفلاسفة (أو حتى عن الزمن الهايدجريّ(*******)) كأنه مسيح لقدّيسين شهوانيين هم من ربّ الفلاسفة العظام. الحركة الموجّهة نحو الزمن تنخرط فجأة في وجودٍ صُلب، بينما الحركة الموجّهة نحو الربّ تصدّ عنه خلال فترة أبكر.  

8ـ يجد الزمن النشوان نفسه في رؤية أشياء تُسبّب المصادفة الصبيانية بفظاظة حين تظهر: جِيِف، عُري، انفجارات، دم مُراق، مهاوٍ، ظهورات شمسية، ورعد.

9ـ حربٌ، إلى المدى الذي هو رغبةٌ في تأمين بقاء أمة، الأمة التي هي هيمنةٌ وطلب للديمومة، سلطة اليمين المقدّس وسلطة الربّ ذاته، تمثّل الصلَف اليائس المقاوم لقوة الزمن الوافرة ولُقيا الأمان في انتصاب ثابت ومخدَّر تقريباً. الحياة القومية والعسكرية ماثلة في العالم لتحاول إنكارَ الموت بتركيزه في عنصرٍ للمجد من دون رهبة. يفصل الجيش والأمة الإنسانَ بعمقٍ عن كونٍ محدّد إلى إنفاق وانفجار غير مشروط لأجزائه: "بعمق"، على الأقلّ إلى المدى الذي تُحتَمل فيه الانتصاراتُ المزعزِعة للنّهَم الإنسانيّ.

10ـ لا يجب أن تُرى الثورة في معرفتها العلنية ومداخلها ومخارجها الواعية فقط، بل في مظهرها الوحشيّ، سواءً كان هذا من عمل المتزمّتين، الموسوعيين، الماركسيين، أو الفوضويين. الثورةُ، بوجودها التاريخيّ المميّز، وهي لا تزالُ تسودُ الحضارةَ الآنية، تبدي نفسها لعيون عالم أبكم من الخوف كالانفجار المفاجئ من المشاغبات غير المحدودة. بسبب الثورة، تنتهي السلطة القدسيّة إلى قوةٍ مؤسّسة؛ سلطة لم تعد تنتسب إلى الربّ، بل إلى الزمن، الذي تُخضع وفرته المجانيةُ الملوكَ للموت، للزمن المتجسّد اليوم في شغب الشعوب المنفجر. حتى بالفاشية، تقلّص السلطة ذاتها كأنها تأسيس لثورة مزعومة ـ بيعة زائفة وقسرية لسلطة مفروضة، وهو تغيّر كارثيّ.    

11ـ يتوسّط الربّ والملوك وأذيالهم بأنفسهم بين البشر والأرض ـ بالطريقة التي يقف بها الأب أمام الابن كعقبة لانتهاك الأم والاستحواذ عليها. ويسودُ التاريخَ الاقتصاديّ للأزمنةِ المعاصرة جهدٌ ملحميّ لكنه مخيّبٌ للعتاة من البشر في نهب ثروات الأرض. الأرض قد نُزعَت أحشاؤها، لكن البشر حصدوا من رحمها بادئ الأمر المعدن والنار، وبهما نزع كلٌّ أحشاءَ الآخر على الدوام. لا ينفجر وَقِيدُ الأرض الداخليّ من فوّهات البراكين فقط؛ بل يلتمع محمرّاً باصقاً الموت بأبخرته في معدن الأمم جميعاً.

12ـ لا يتلمّسُ الحقيقةَ الوهّاجةَ لرحمِ الأرض ويستحوذُ عليها مَن يسيء فهمها. إنه سوء فهم الأرض، نسيان الكوكب الذي يعيش عليه، جهل طبيعة الثروات، بمعنىً آخر الوقيد المنطوي ضمن هذا الكوكب، الذي خلق للإنسان وجوداً تحت رحمة السوق الذي ينتجه، بينما الجزء الأكبر منه موقوفٌ للموت. طالما يسلو البشر الطبيعةَ الحقّة للحياة الدنيوية، التي تتطلّب ثمالةً نشوانةً وسناءً، قد تتوصّلُ الطبيعةُ فحسب للاهتمام بمحاسبي واقتصاديي الأحزاب كافّةً بالتنازل لهم عن أكثر الثمارِ اكتمالاً من حسابهم واقتصادياتهم. 

13ـ لا يعرف البشر كيف يتمتّعون بالأرض وثمارها مجاناً وبإسراف؛ فقد تجودُ الأرض وثمارها وتحرّرُ أنفسها لتدمّر. حرب بليدة، كالتي كانت تنظّمها الاقتصادياتُ المعاصرة، تلقّن أيضاً معنى الأرض، لكنها تلقّنها التنكّرَ للمتخمةِ رؤوسهم بحسابات وخطط على المدى القصير؛ لهذا تلقّنها بهياجٍ كئيب وقاسٍ. من سمة النكبة اللامحدودة والمشقّقة عديمة الهدف المعروفة بالصراع المعاصر، قد نستوعب سعة الزمن المنفجرة. ظلّت الأرض كأمّ هي المعبودة شتونيان(********) القديمة، لكن مع التكاثر البشريّ راحت تمزّق ربّ السماء في عجيج أبديّ.

15ـ (*********) في البحث عن الربّ، عن غياب الحركة، عن السكينة، خوفٌ قد يُحبط كافّة المحاولات في مجتمع عالميّ. لا يضطرب قلب الإنسان فقط لأجل اللحظة التي يتحرّى فيها الطمأنينة في الربّ: فعالمية الربّ تظلّ له مصدراً للاضطراب، وينتج السلام فقط حين يعتقلُ الربّ ذاته في العزلة والديمومة الثابتة بعمقٍ في وجود عسكريّ للجماعة. لأجل وجود عالميّ لا محدود، فهو مضطرب: لا يغلق الحياةَ على ذاتها، بل يفتحها ثم يلقيها في اضطراب اللانهاية. الوجود العالميّ، الناقصُ أبداً وعديمُ الراس، عالَمٌ مثل جرح نازف، يخلق فيما لا نهاية ويدمّر كائنات محدّدة معينة: وبهذا المعنى، فالعالمية الحقّة هي موت الربّ. 






(*) من كتاب نيتشه "إرادة القوة". (م)     
(**) Stalinism: نسبةً إلى "ستالين"، الزعيم السوفييتي الأشهر (1887/ 1953). (م)    
(***) من كتاب نيتشه "العلم المرح". (م)     
(****) من كتاب نيتشه "العلم المرح"، أيضاً. (م)     
(*****) من كتاب نيتشه "العلم المرح"، أيضاً. (م)     
(******)Surlei : نهر في رومانيا، وقد ذكره نيتشه في "زرادشت"، إشارة إلى "العوْد الأبديّ". (م)          
(*******)Heidegger : (1889/ 1976)، فيلسوف ألمانيّ، قدّم مراجعات فلسفية ظاهراتية ووجودية، عن كنط، نيتشه. وكتابه الأساس هو "الكائن والزمن". (م)          
(********)Chthonian : ابنة اريكتاس وبراكسثيا، والتي ضحّى بها أبوها لتلقيه نبوءة بأنه سيكسب معركة إيمولبس لو ضحّى بابنته، وهدّدته أخواتها البنات بالانتحار إن فعل. (م)           
(*********) ملحوظة: رقم (14) غير موجود في أصول باتاي نفسها. (م)




نص افتراضات كما ورد في مجلة "أصيفال" عدد 02 بتاريخ جانفي 1937

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق