السبت، 11 يناير، 2014

عندما يهاجم "باطاي" المبدأ الميتافيزيقي للاقتصاد: جان بودريار


ترجمة: د. محمد عجينة

 إن الاستمرارية، والسيادة والحميمية والرحابة المحايثة (immensité immanente) جميعها تشكل لدى باطاي فكرة واحدة، فكرة أسطورية واحدة من وراء مصطلحات متعددة: "أنا من أولئك الذين ينذُرون البشر لأمور أخرى غير الإنتاج المتزايد دون توقّف، ومن الذين يُحرّضونهم على الرعب المقدّس."
إن المقدس هو مجال "الجانب اللعين" بأتم معنى الكلمة (المقالة المركزية لهذا المجلد السابع من مؤلفات باطاي) مجال البذل قربانا (dépense sacrificielle) والترف والموت؛ هو مجال اقتصاد "عام" يتضارب و كافة مُسلّمات الاقتصاد بالمعنى الحقيقي (هو اقتصاد إذ يتعمّم يتجاوز حدوده، ويتجاوز حقا حدود الاقتصاد السياسي، وهو ما يعجز عنه الاقتصاد السياسي، والفكر الماركسي برمّته وفق المنطق الداخلي للقيمة). وهو أيضا مجال اللامعرفة.
ومن باب المفارقة أن الأعمال المجموعة هنا هي بوجه من الوجوه "كتاب المعرفة الواجبة" (Le Livre dû Savoireلباطاي، ذلك الكتاب الذي فيه يحاول أن يقيّم دعائم رؤية، هي في نهاية الأمر في غير حاجة إلى دعائم، بل ينبغي لاندفاعها نحو المقدس، في توهجه الهدّام، حتى إنكار ذلك النمط من التمجيد ومن العرض الخطابي الذي هو "الجانب اللعين"  و"نظرية الدين". "يتأسس موقفي الفلسفي، فيما يتعلق بالمجموع، على اللامعرفة لأن المعرفة لا تتعلق البتة إلا بالتفاصيل". لذلك يتعيّن قراءة تلك الشذرات التمجيدية  بشأن جانبي كل من المعرفة وعدم المعرفة.

المبدأ الأساسي

تتمثل الفكرة المركزية في أن الاقتصاد الذي يتحكم في مجتمعاتنا ناجم عن انحراف مُخلّ عن المبدإ الإنساني الأساسي، الذي هو المبدأ الشمسي المتمثل في الإنفاق (البذل). يتصدى فكر باطاي مباشرة، من وراء الاقتصاد السياسي المحض (الذي ينتظم، من حيث جوهره، حول قيمة التبادل) إلى المبدأ الميتافيزيقي للاقتصاد: أي المنفعة. والمنفعة هي المستهدفة من حيث أصلها -وهي المبدأ الإيجابي ظاهرا من رأس المال: أي المراكمة، و الاستثمار، والإهلاك، وهو ما كانت تشهده جميع المجتمعات السابقة، وهو عجز لا يُصدّق، يقطع الكائن البشري عن كل سيادة ممكنة. فالاقتصاد بتمامه وكماله  يقوم على ما لا يمكن إنفاقه ولا يعرف كيف يتم إنفاقه، على ما لا يمكن أن يصبح موضوع  قربان-وإذن فهو كلّه بقية باقية، وهو ظاهرة اجتماعية محدودة، وما أراده باطاي هو الوقوف ضد الاقتصاد  بصفته ظاهرة اجتماعية محدودة - هذا هو مبدأ الاقتصاد العام.
إن مبدأ المنفعة (قيمة الاستعمال) يستوي والطبقةَ البورجوازية، تلك الطبقة الرأسمالية التي يعرّفها "باطاي" (على عكس ماركس) تعريفا سلبيا: فهي التي لم تعد تعْرف كيف تنفق. كما أن أزمة رأس المال، وحتميته المتنامية، ونهايته المحايثة ليست مقترنة كما هو الشأن عند ماركس بتاريخ ما، وبحوادث جدلية معينة، ولكن بذلك القانون الأساسي المتمثل في العجز عن الإنفاق، الذي يُسلّم رأس المال لسرطان الإنتاج وإعادة الإنتاج اللامحدود. لا وجود لمبدإ ثورة عند باطاي: "إن رعب الثورات لم يتسبب إلا في إخضاع الطاقة البشرية أكثر فأكثر للصناعة." ولكن يوجد مبدأ التضحية -وهو مبدأ السيادة الوحيد الذي يجعل انحراف البورجوازية ورأس المال بالتاريخ الإنساني قاطبة يمرّ من المقدس المأساوي إلى النافع الهزلي.
إن هذا النقد نقد غير ماركسي، وهو نقد أرسطوقراطي. لكنه يستهدف المفيد، والغاية الاقتصادية باعتبارها مسلّم المجتمع الرأسمالي. وفي حين أن النقد الماركسي ليس إلا نقدا لرأس المال متأتيا من صميم الطبقات الوسطى والبورجوازية الصغرى، التي كانت لها الماركسية منذ قرن إيديولوجيا كامنة: هذا نقد لقيمة التبادل، ولكنه تمجيد لقيمة الاستعمال- وإذن فهو في آن واحد نقد لما كان لا يزال يجسم عظمة رأس المال التي تشارف الهذيان، ولِما بقي ضمنه من ديني أضفيت عليه صفة الدنيوي(1): ألا وهو الاستثمار مهما كان الثمن، حتى على حساب قيمة الاستعمال. أمّا الماركسية، فهي تبحث عن استعمال سليم للاقتصاد. وإذن فهي ليست سوى نقد بورجوازي صغير محدود، وخطوة إضافية نحو تتفيه الحياة، نحو "الاستعمال الجيد" للمجتمعي! أمّا "باطاي" فهو على عكس ذلك، يكنس كامل ذلك الجدل العبودي من وجهة نظر أرسطوقراطية، جدل السيد المتصارع مع موته. ويمكن أن ننعت هذا المنظور بأنه سابق  للماركسية أو لاحق لها. مهما يكن من أمر فليست الماركسية سوى أفق رأس المال المتحرّر من الوهم -لأن كل ما هو سابق أو لاحق لها أكثر منها جذرية.
وما يظل محل ريبة عند باطاي (ولكنها ريبة لا يمكن التخلّص منها)، هو معرفة ما إذا كان الاقتصاد (رأس المال)، الذي يجد توازنه على أساس من نفقات عبثية (Absurde)، ولكنها لا تخلو البتة من فائدة، وليس لها البتة طابع التضحية أو القربان (أي الحروب، والتبذير/الإتلاف gaspillage ..) لا تخترقها مع ذلك من أقصاها إلى أدناها دينامية قربانية؛ أفليس الاقتصاد السياسي في نهاية الأمر سوى تحوّل مناقض للقانون الكوني الوحيد الذي هو قانون الانفاق؟ ثم أوليس تاريخ رأس المال سوى انحراف كبير نحو هلاكه الشخصي، نحو نهايته الخاصة بصفته قربانا؟ لأنه لا يمكننا في نهاية الأمر أن لا ننفق. ولعل دوامة أطول تجرّ رأس المال إلى ما وراء الاقتصاد نحو تدمير قيمه الخاصة، أم تُرانا إلى الأبد في نطاق ذلك الإنكار للمقدّس، في دُوار المخزون، الذي يعني انفصام التحالف (أي التبادل الرمزي في المجتمعات البدائية) وانقطاع السيادة؟
كان باطاي مولعا بالتطور الراهن لرأس المال نحو تعويم القيم (الذي ليس تحويلا لها) وانحراف الغايات (الذي ليس، على العكس من ذلك، عدم الجدوى على الإطلاق أو مجانية الضحك العبثية والموت.) إلا أن مفهومه، مفهوم الدفاع لم يسمح بتحليله على نحو جيّد: فهو ما يزال مفرطا من حيث طابعه الاقتصادي، ومفرط القرب من الصورة المناقضة للمراكمة، تماما كما أن الاختراق مفرط القرب من الصورة المناقضة للمحظور(2). ففي ظلّ نظام ليس نظام النفعية، ولكن في نظام للقيمة عشوائي، لا يكفي الإنفاق المحض للتحدي الجذري، مع الاحتفاظ بالسحر الرومنسي للعبة مناقضة لما هو اقتصادي-مرآة مكسورة للقيمة التجارية، ولكنها عاجزة ضد المرآة التائهة للقيمة البنيوية. يؤسس باطاي اقتصاده العام على "الاقتصاد الشمسي" الذي بدون مقابل، على الهبة التي تهبنا إياها الشمس من جانب واحد: إنها نظرية في نشأة عالم الإنفاق، تنتشر على أنثروبولوجيا دينية وسياسية. ولكن باطاي قرأ موس قراءة غير سليمة: فالهبة من جانب واحد لا وجود لها. وليس ذلك قانون الكون. فقد كان يتعيّن عليه هو الذي أحسن استكشاف التضحية البشرية لشعب "الأزتاك" أن يعرف مثلهم أن الشمس لا تهب شيئا، وينبغي تغذيتها بالدم البشري حتى تشعّ. يجب تحدّي الآلهة بواسطة القربان حتى تستجيب بتقديم الخيرات الوفيرة. بعبارة أخرى، فإن جذر التضحية/القربان والاقتصاد عامة ليس البتة محض الإنفاق ومجرد الإنفاق، أو ما لست أدري من دوافع الإفراط يأتينا من الطبيعة، ولكن هو عملية تحدّ مستمرة.

لقد "طبعن" (naturalisé) باطاي موس

إن "فرط الطاقة" ليس مصدره الشمس (من الطبيعة) ولكن مزايدة مستمرة لعملية التبادل- وهو عملية رمزية واضحة لدى "موس"، ليست الهبة (لأن تلك هي الصوفية الطبيعانية التي يسقط فيها باطاي) ولكن من الهِبَة المضادة -وهي العملية الوحيدة الرمزية حقا، وتقتضي فعلا الموت بصفته ضربا من الإفراط الذي يبلغ أقصاه- ولكن ليس باعتباره نشوة فردية، إنما باعتباره المبدأ الأقصى للتبادل الاجتماعي. وبهذا المعنى، يمكن أن نُآخذ باطاي على أنه قد "أضفى صبغة طبيعية" على موس (ولكن ضمن دوّامة ميتافيزيقية هي من العِظم والروعة بحيث لم تعد المآخذة مآخذة)، وعلى أنه جعل من التبادل الرمزي ضربا من الوظيفة الطبيعية للكَرَم، هي في آن واحد دينية إلى حد الإفراط في ما تتسم به من مجانية، وقريبة إلى حد الإفراط، في المقابل من مبدإ المنفعة ومن الصعيد الاقتصادي الذي تجتهد في خرقه دون أن يغيب عن نظرها البتة.
في "مستوى مكافئ للموت" (à hauteur de mort) نعثر على باطاي ويظل السؤال الحقيقي المطروح هو: ترى لماذا شعُر البشر جميعهم بالحاجة وشعروا بضرورة قتل كائنات حية على نحو طقوسي؟ وبسبب عدم استطاعتهم الإجابة عنه، ظل جميع البشر جاهلين لماهيتهم (dans l’ignorance de ce qu’ils sont) وتوجد إجابة عن ذلك تحت نص باطاي وفي تضاعيفه ولكن حسب رأيي ليس  في مفهوم الإنفاق، ولا في ما حاوله من ذلك النوع من إعادة البناء الأنثروبولوجي  انطلاقا من المعطيات "الموضوعية" التابعة لزمانه: أي الماركسية، وعلم الأحياء، وعلم الاجتماع والأثنولوجيا، والاقتصاد السياسي، وقد حاول رغم كل شيء تجميع إمكاناتها الموضوعية، ضمن منظور ليس على وجه التحديد بالجينيالوجيا (علم الأنساب) ولا بالتاريخ الطبيعي، ولا بمجموع هيغلي، ولكن بعض من كل ذلك.
إلا أن اقتضاء المقدس، لا خلل فيه ضمن ما يطرحه من إثبات إسطوري، والإرادة الجدلية تخرقها على الدوام رؤية باطاي الباهرة، و "موضوع معرفة" دوما في "درجة الغليان"، يجعل أن الاعتبارات التحليلية أو التوثيقية نفسها تتسم دوما بتلك القوة التي للأسطورة والتي هي قوام قوة الكتابة الوحيدة باعتبارها قربانا.

الهوامش:

(1) إن الرغبة البروتستانتية العارمة في الأعمال "(إنما المال المكتسب مال لإعادة الاستثمار...لا قيمة له ولا معنى إلا في ما  يُلزم به من إثراء لا نهاية له )، فيما تتضمنه من ضرب من العته والتحدي والرغبة التي لا تقاوم في الفعل على نحو كارثي- هي ضرب من الرغبة العارمة الصوفية، تتعارض مع العمل، والاستعمال السويّ للعمل والاستفادة من ثمرته.
(2) إن الإتلاف (حتى المجاني)، هو دوما غامض، بما أنه الصورة المعاكسة للإنتاج، ويندرج ضمن الاعتراض على أن الإتلاف يقتضي أولا الإنتاج، وهو ما لا يمكن لـ"باطاي" أن يعترض عليه إلا بالشمس.

* جورج باطاي . المؤلفات الكاملة .مجلد VII. ط غاليمار،618 ص


المصدر: ترجمة خاصة بالمدونة من Jean Baudrillard, La Quinzaine littéraire n°234, juin 1976

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق