السبت، 23 يوليو، 2016

ليلِي عُريي: جورج باتاي



لَيلي عُريي

تأليف جورج باتاي

ترجمة محمد عيد إبراهيم

تصميم الغلاف زبير فارس



الشعر يقودنا للموت
 مارك سبيتزر

شِعر جورج باتاي تحديداً شِعرُ فيلسوف. ثمة موضوعات محدّدة: الرحابة، المستحيل، العدم، الرغبة، الفراغ ـ والتي نظلّ نحصدها في قصيده. موضوعاته معروفة في أعمال باتاي السابقة، لكنها تتّخذ شكلاً مختلفاً في الشِعر حيث تُقدَّم للجمهور بثقة مجرّدة معزولة لا يبدو دائماً أنها قد تُحدِث أثراً.    
والسبب أن قصائد باتاي لا تُطرَح أبداً ضمن سياق. وهي، من دون أيّ تفسير، حيث يجيء باتاي، أو يمضي مع الشِعر، وتغامر قصائده بالسقوط في فئة يُشار إليها بأنها "استمناء فكريّ". فالغرض مما سيتلو هو إمدادكم ببعض الخلفية عن تلك القصائد كي نضعها ضمن سياق. 
بدأ باتاي العمل على شِعره في مرحلة متقدّمة من حياته. كُتِب معظمُ قصائده (ونُشر في دوريات مختلفة) ما بين 1942/ 1957. نُشِر بعض شعره في "التجربة الداخلية" (1943) وفي "عن نيتشه" (1945). أما معظم شِعره، عموماً، فموصوف ومكتوب خلال الحرب العالمية الثانية. نشرَ بدايةً (بُغض الشعر) في 1947، يضمّ قسماً سمّاه "أورستيا"، كان شعراً. فُهمت هذه القصائد "رئيس الملائكة وقصائد أخرى" ("ميركور دو فرانس" 1967) بلا مبالاة. لم يعلم أحد حقاً ماذا يفعل بشِعر باتاي. إلا حين جاء جاك شاتان، الذي كتب كتاباً نشرته "إديسيون سيجيرز"، 1973. وفي هذا الكتاب، يستخدم شاتان شعر باتاي ليبين كيف يربط باتاي بين شِعريته وجمالياته.
وهكذا نرى أن شِعر جورج باتاي كان نمطاً من ممارسته لـ "فلسفته" (أستخدم، ثانيةً، هذا التعبير على نحوٍ حرّ). يؤمن باتاي، أساساً، أن الشِعر مزاجٌ قد يتسامَى المرء خلاله بالطبيعة فيصبح إنساناً أعلى زرادشتياً. لنأخذ هذه الأبيات من "بغض الشعر"، على المثال:

إن لم أتجاوز الطبيعة، في قفزةٍ ما وراء "الساكن والمعطَى"، لحدّدتني القوانين. لكن الطبيعة تُلاعبني، فتطرحني بعيداً عن نفسها، فيما وراء القوانين، فيما وراء الحدود التي تجعل الأذِلاّء يحبونها… 
أأنا أهذي، أريد أن أكون طبيعياً فحسبُ…. للهذيان الشعريّ مكانه في الطبيعة… 


مع باتاي، فإن فكرة إحراز الشعر (أو "تجاوز" الطبيعة)، قد تُجدي مع "المستحيل". مع باتاي، "المستحيل" هو «ما لا يُمسَك على أيّ حال، ما لا نصل إليه من دون أن نفكّك أنفسنا». 
من ثمّ، فقد أعاد تسمية "بغض الشعر" مؤخّراً باسم "المستحيل"، الذي يمكن عزوه إلى آرتور رامبو. اقتنع باتاي أن رامبو أنجز "الممكن" (وهو، طبعاً، غزو للـ "المستحيل")، فلا عجبَ أن استلهم باتاي «تشوّشاً للحواس» شبيهاً كي يتوصّل إلى هدفه التصويريّ: صوت أثيريّ قادر مشحون بالغنائية الشعرية.
لكن باتاي مخادع. في "مقدّمة" الطبعة الثانية من "المستحيل"، يكتب هذا عن إنجازه "المستحيل": «أفكّر عن حقّ وبحسٍّ ما أن حكاياتي تُحرز بوضوح "المستحيل"». لكن، فيما بعد، نراه يتناقض مع نفسه، رافضاً أن يدع القارئ يؤمن بأنه قد حققه على نحو ما افترضه سابقاً، بأي معنىً كان: «لقد وصلتُ إلى الشِعر، مع أني افتقدته».
هكذا تحدّث باتاي. لكن لماذا؟  
حسن… "المستحيل" في النهاية هو مستحيل ـ مع ذلك، يقترح باتاي مساحةً جنب "المستحيل" الذي نصل إليه من خلال الشِعر: «ينزعُ الشِعرُ المرءَ من الليل والنهار في الوقت نفسه». وفي هذه المساحة (التي تتاخم المرءَ قدر ما يصل إلى "المستحيل") يمكن تجريبُ نتائجِ "المستحيل"، أقلّها مؤقّتاً. والنتيجة الأساسُ لتجريبِ "المستحيل" هي من صميم اللاوجود اللفظيّ، يبيّن باتاي:  
 
الشعر ببساطة منعطفٌ: عبره أهرب من عالم الخَطاب، الذي أصبح عالمي الطبيعيّ؛ مع الشعر أندرج في نمطٍ من القبرِ حيث تتولّد لا نهائية الممكن من موت العالم المنطقيّ.   

هذا بالضبط ما احتجّ عليه جان بول سارتر من وجهة نظر باتاي. في "مواقف، الجزء 1" (1947)، يوضّح سارتر: «يتعجّب باتاي كيف يعبّر عن الصمت بالكلمات… وهو، عامةً، يأسف من استعمالِ الخطاب. يبغضه، ومن خلاله، يبغضُ اللغةَ قاطبةً».   
لكن ثمة تباين بين الهرب من اللغة والهرب من المنطق. فلم يحاول باتاي الهرب من اللغة، كان يوظّفها بطريقة ممتَدَحة، للهربِ من "كينونةٍ" عديمة الحسّ، تنعكس على الكائنات التي يتصادم بعضها في بعضٍ ضمن شعره: 

فتُقفِرُ سماءٌ تُشوِّهُ الكائنَ
صوتٌ فارغٌ لِسانٌ ثقيلٌ بأكفانٍ
يرجّ الكائنَ الكائنُ 
والرأسُ تُخفي الكائنَ
من علّةِ الكائنِ يقيءُ شَمساً سَوداءَ من البِصاقِ.
(من قصيدة: "أيا قَحف…")

من هنا تأتي "الطبيعة الإيروسية". فلم يؤمن باتاي فحسب بارتباط كلّ شيء بأعمال الرغبة والموت في المسألة الجنسوية، بل آمن أيضاً أن الشعر هو محض منتج للـ "البغض" (والعواطف المتطرّفة الأخرى)، مثله كاللذة الإيروسية وهي تنضمّ إلى إبطال الذات. خذ هذا الخطّ الفكريّ، على المثال، من "الإيروسية: الموت والحساسية":

إن نطاق الإيروسية هو نطاق العنف، نطاق الانتهاك… انتهاك يحدّه الموت، يحدّه القتل؟… زُبدة الإيروسية أنها تصدمُ الجوهرَ الداخليّ للكائن الحيّ، فيقف القلبُ ساكناً.
     
وتبين وجهة النظر هذه، طبعاً، فتنة باتاي الرهيبة بكلّ من: جيل دو راي، جان جينيه، الماركيز دو ساد، وكلّ ما يُعدّ بشكل شائع "مرعباً" في الطبيعة البشرية. اهتمّ باتاي بالحدث الفعليّ، لا بمجرد الفرضية الحرة المتعلّقة بالفعل الجنسيّ. كان جيل دو راي، بالنسبة لـ باتاي، يتجاوز الأعراف الأخلاقية والاجتماعية بدمج الرغبة والموت في فعل واحد (فعل الذبح/ اللّواط بأولاد صغار). كما كان جينيه، طبعاً (الذي سلب، بالمصادفة، مخطوطة أصلية من باتاي)، كاتباً مجرماً خرافياً حمَّل "الخيانة" بالشكل الأعمق من الرغبة التي يمكن للمرء التعبير عنها. 
مثل هذه التجارب الداخلية، عموماً، كانت ساخرة لدى باتاي. "حقائق". ونرى مزيجاً من تلك "الحقائق" (حقائق إيروسية) في أكثر لحظات باتاي غير المؤسّسة: 

نقيضُ الحبّ حقيقةٌ
وكلّ ما يكذبُ في حَضرةِ الحبّ،
لا يكذبُ العدَمُ وهو وجودٌ

لو ضاهَينا بنقيضِ الحبّ
فالحبّ وَضِيعٌ
وهو لا يُحبّ

الحبّ مُحاكاةٌ ساخرةٌ لنقيضِ الحبّ
الحقيقةُ مُحاكاةٌ ساخرةٌ للكذبِ
الكونُ انتحارٌ مَرِحٌ
(من قصيدة: "رئيس الملائكة") 

من هناك، ثمة حسّ في اللاحسّ عند باتاي ـ وهو شِعره. أما من يشايعون نثر باتاي،
فليس ثمة شكّ في وجودِ روابطَ بهذه القصائد. لكن مع من لا يشايعون نثر باتاي، فالقوى العاطفية في شِعره لا تزال تنتج حساً قوياً بما تعبّر عنه. وقد كتب باتاي شِعره ليفهمه الناس، بالقدر الذي يحسّونه به: 
كلّنا نحسّ بماهية الشِعر… فالشِعر يقودنا إلى المكان نفسه، كأشكال الإيروسية كافّة ـ إلى المزيج الذي تنصهر به الموضوعات المنفصلة. يقودنا إلى الأبدية، يقودنا إلى الموت، وعبر الموت إلى التواصلية. الشعر هو الأبدية؛ الشمس التي تتواءم مع البحر.  

هناك تعليق واحد: