الأربعاء، 18 مايو، 2016

كافكا؛ من أجل أدب أقلاني: جيل دولوز وفيلكس غواتاري



ترجمة: حسين عجة


الفصل الأول: محتوى وتعبير

كيف يمكن الولوج في عمل كافكا؟ أنه جُذمور (rhizome)، أحفورة (un terrier). لرواية "القصر"  (Le Château) «مداخل مُتعددة» لا نعرف جيداً قوانين استعمالها وتوزيعها. ولفندق رواية "أمريكا" (Amérique) أبواب لا تعدّ ولا تُحصى، رئيسية وثانوية، يقوم بحراستها ما لا حصر له أيضاً من القيمين عليها، وهناك مداخل ومخارج بلا أبواب. ومع ذلك، يبدو أنه ليس لقصة الأحفورة (Terrier)، التي تحمل نفس الاسم، سوى مدخل واحد: أكثر ما يمكن قوله هو أنّ البهيمة تحلم بإمكانية وجود مدخل آخر، تقتصر خدمته على المراقبة (surveillance). بيد أنّ ذلك لا يُشكل إلاّ فخاً، من البهيمة، ومن كافكا نفسه؛ فكلّ توصيف الأحفورة مصنوعاً من أجل التحايل على العدو (ennemi). ندخل إذاً من أي طرف، فليس ثمة ما يُميّز أحدها عن الآخر، ولا يتمتع أي مدخل بأي امتياز، حتى وإنّ كان هذا بمثابة مأزق  (impasse) تقريباً، أو أخدود ضيق، بالوعة، الخ... ما سنبحث عنه يقتصر على معرفة النقاط الأخرى التي يَتصلُ بها ذلك المدخل الذي ولجنا عبره، وما هي خارطة الجذمور (la carte du rhizome)، وكيف سيتحور مباشرة إذا ما دخلنا من نقطة أخرى. إنّ مبدأ المداخل المُتعددةِ قائم فقط لمنع أقحام العدو، الدال (le Signifiant)، ومحاولات تأويل عمل لا يعرض نفسه إلاّ على التجريب (expérimentation). 
سنأخذ مدخلاً متواضعاً، مدخل رواية "القصر"، في صالة الفندق حيث يكتشف "ك" (K) صورة (le portrait) الحمّال برأسه المحني (tête penchée)، وذقنه الغائر في صدره. يُشكل هذان العنصران، الصورة المرسومة أو الفوتغرافية، والرأس المُنهك المنحني، لازمة دائمة في عمل كافكا، بدرجات متنوعة من الاستقلال. صورة الوالدين الفوتغرافية في رواية "أمريكا". بورتريه السيدة التي ترتدي معطفاً من الوبر في "المسخ" (la Métamorphose) [هنا، نجد الأم الواقعية برأسها المحني، والأب الواقعي منْ يحمل هوية الحمال]. غزارة البروتريهات والصور الفوتغرافية في رواية "المحاكمة" (le Procès)، انطلاقاً من غرفة الآنسة "بيريشتنر" (Bürstner) وحتى ورشة "تيتورلي" (Titoreli). يظهر الرأس المنحني الذي لا يمكن رفعه طيلة الوقت، في الرسائل، في الكراسات (Carnets) وفي اليوميات (le Journal)، وفي الروايات القصيرة (nouvelles)، وفي "المحاكمة" أيضاً حيث القضاة بظهرهم المعقوف إزاء السقف، وجزء من الحضور، الجلاد، القس... لا يمثل المدخل الذي اخترناه إذاً، مثلما يأمل المرء ذلك، مجرد رابط بأشياء أخرى قادمة. فهو ذاته قائم على رابط ذي شكلين يتمتعان باستقلالية نسبية، أي شكل المحتوى (la forme de contenu) "الرأس المُنحني"، وشكل التعبير (la forme d’expression)  "بورتريه-فوتغراف" اللذان يلتقيان في مطلع "القصر". نحن لا نؤل (nous n’interprétons pas). نحن نقول فقط أنّ ذلك الاتحاد يعمل بصفته إغلاق وظيفي (blocage fonctionnel)، تحيّيد (neutralisation) للرغبة التجريبية: الصورة الفوتغرافية التي لا يمكن لمسها، تخفيضها، المحرمة، والمؤطرة، والتي لم يعد بمقدروها التمتع إلاّ برؤيتها الخاصة لنفسها، كالرغبة الممنوعة من قبل القانون أو السقف، الرغبة الخانعة التي لم يعد بإمكانها سوى التمتع بخضوعها الخاص. والرغبة التي تفرض الخنوع أيضاً، وتنشره، رغبة القاضي الذي يدين بالحكم [كالأب الذي ينحني رأسه إلى حد بعيد في قصة "نطق الحكم" (Verdict) بحيث لا يستطيع الأبن إلاّ الركوع على ركبتيه]. ذكرى لطفولة أوديبية (oedipien)؟ الذكرى هي بورتريه للعائلة أو صورة فوتغرافية لعطلة الصيف، مع رجال منحني الرؤوس وسيدات بعنق مزين بشريط(1). إنه يردم الرغبة، يأخذ عنها نسخ (calques)، يسقطها على طبقات ((strates، ويقطعها عن كل روابطها. لكن ما الذي نأمله إذاً؟ إنه مأزق (impasse). من جانب آخر، من المفهوم أنّ يكون حتى المأزق أمراً جيداً، عندما يشكل جزء من جذمور (rhizome).

يبدو أنّ الرأس المرفوع ثانية، الذي يخترق السطح أو السقف، يردُ على الرأس المنخفض. ويمكننا العثور عليه في كل مكان لدى كافكا(2). أمّا في "القصر"، عند بورتريه الحمال، فيُرد عليه الحنين لجرس الكنيسة البلدي الذي «يصعد بستقامة تامة (montait tout droit) دون تردد ويستعيد شبابه في القمة» [وحتى برج القصر، باعتباره ماكنة رغبة (machine de désir)، يُذكر بطريقة كئيبة برأس نزيل كان يمكن أن يصعد (serait levé) مُخترقاً السطح]. لكن ألاّ يمكن أن تكون صورة الجرس الكنائسي البلدي ذكرى؟ في الواقع، أنه لم يؤد عملاً كهذا. وإنما حرك كتلة طفولة (bloc d’enfance)، وليس كذكرى من ذكريات الطفولة، التي تعيد انتصاب الرغبة، بدلاً من سحقها، وتُزحزها ضمن الزمن، تُلغي حدودها (déterritorialisant)، مُضاعفة بهذا روابطها، وجعلها تمر عبر قوى أخرى [وهكذا هو الأمر مع برج-جرس، ككتلة حين يمرّ من خلال مشاهد أخرى، مشهد المعلم والأطفال الذين لا يفهم المرء ما يقولونه، ومشهد العائلة المُتزحزحة، المُنتصبة ثانياً أو المقلوبة، حيث يسبح البالغون في دلو]. غير أنّ ذلك ليس بالمهم. المهم هو الموسيقى الصغيرة، أو بالأحرى الصوت القوي المحض، الذي يصدر عن الجرس، وكذلك برج القصر: «صوت ملائكي، صوتٌ مرحٌ يجعل الروح تهتز للحظة؛ كان يمكن قول ذلك، لأنه كان ينطوي أيضاً على نبرة مؤلمة، تهددكم بإنجاز الأشياء التي يتمناها بغموض قلبكم؛ ثم صمت ذلك الجرس الكبير بعد قليل، ليحل محله واحد صغير ذو صوت ضعيف وممل...». من المُدهش كيف يُقحم الصوت غالباً لدى كافكا، عبر ارتباطه بحركة رفع أو إعادة رفع الرأس: جوزفين الفأرة (Joséphine la souris)، والفتية الكلاب الموسيقيين [«كلّه كان موسيقى، طريقتهم برفع وإراحة أقدامهم، حركات بعينها من رأسهم...، وقد مشوا منتصبين على القدم الخلفية... وانتصابهم ثانية بسرعة...»]. في رواية "المسخ" خاصة يظهر التمييز بين حالتين من حالات الرغبة، من جانب، حين يلتصق "غريغوار" (Grégoire) ببورتريه المرأة ذات الفرو ويحني رأسه باتجاه الباب، وهو يبذل جهداً يائساً للحفاظ على شيء ما في غرفته العائلية، التي كانوا على وشك افراغها، ومن الجانب الآخر، عندما يخرج "غريغوار" من تلك الغرفة، يقوده الصوت (son) المُتذبذب لآلة الكمان، وينوي التسلق (grimper) للوصول إلى عنق شقيقته العاري [التي ما عادت تحمل لا ياقة ولا شريط منذ أنّ فقدت مكانتها الاجتماعية]. هل يشكل ذلك فارقاً ما بين السفاح البلاستيكي الذي مازال أوديبياً (oedipien)، مع الصورة الفوتغرافية للأم، و سفاح شيسو (inceste schizo)، مع الأخت مترافقاً مع موسيقى صغير تنبثق بغرابة عنه؟ يبدو أنه يتم دائماً أخذ الموسيقى ضمن صيرورة-طفل (devenir-enfant)، أو ضمن صيرورة-حيوان (devenir-animal) غير قابلة للتفكيك، كتلة صوتية تتعارض مع الذكرى البصرية (souvenir visuel). «العتمة، من فضلكم! فأنا لا أستطيع العمل في الضوء، قلت، وأنا أنتصب ثانية (en me redressant)»(3). هنا يُمكن الظن بأنّ هناك شكلين جديدين: رأس يعاد نصبه كشكل للمحتوى، وصوت موسيقي كشكل تعبيري. علينا كتابة المعادلات التالية:

رأس منحني
=
رغبة مردومة، خاضعة أو مُخضعة، مُحايدة، ضعيفة الرابط، ذكريات طفولة، ترسيم الحدود أو إعادة ترسيمها
بورتريه-صورة فوتغرافية

رأس مرفوع
=
رغبة تنتصب ثانية، أو منزوعة وتنفتح على روابط جديدة، كتلة طفولة أو كتلة حيوان، الغاء الحدود.
صوت موسيقي



لم نصل بعد إلى هذا. لكن من المؤكد أنه ليس الموسيقى المُنظمة، الشكل الموسيقي، ما يثير إهتمام كافكا [في رسائله كما في يومياته لا نعثر إلاّ على بعض الحكايات غير الدالة من حول بعض الموسيقيين]. ما يثير اهتمام كافكا ليس الموسيقى المُركبةِ (musique composée)، المُتشكلة رموزياً (sémiotiquement formée)، ولكن المادة الصوتية الخالصة (une pure matière sonore). وإذا ما قمنا باحصاء المشاهد الرئيسية التي تنطوي على تدخل صوتي، سنحصل على النتيجة التالية تقريباً: الحفلة الموسيقية على طريقة جون كاج (John Cage)، في "وصف معركة" (Description d’un combat)، حيث 1. يرغب الشخص الورع (le Dévot) اللعب على البيانو، لأنه كان على وشك أنّ يصبح سعيداً؛ 2. لا يعرف كيف يلعب؛ 3. لا يلعب البتة [«سيدين أمسكا على مقعدي وحملاني هكذا إلى الطرف الآخر من الغرفة، وهما يصفران بنوطة صغيرة ويهزاني على إيقاعها»]؛ 4. وتجري تهنئته على لعبه الجيد. في رواية "استقصاءات كلب" (Recherches d’un chien)، تخلق الكلاب الموسيقية ضجة عارمة، بيد أننا لن نعرف كيف، ما دامت أنها لا تتكلم، لا تغني ولا تنبح، أي أنها تخرج الموسيقى من العدم. في قصة "جوزفين" (Joséphine)، أو "مغنية شعب الفئران" (Peuple des souris)، من غير المحتمل أن تغني "جوزفين"، إنها تصفر وحسب، وليس أفضل من أية فأرة أخرى، أو بالأحرى أسوء قليلاً، لحدّ تصبح فيه غرابة فنها المعدوم أكبر بكثير. أمّا في رواية "أمريكا"، فيلعب كارل روزمان (Karl Rossman) بسرعة كبيرة أو بطيئة جداً، حمقاء، ويشعرُ بأن «أغنية أخرى تصعد فيه». وفي "المسخ"، يتدخل الصوت أولاً وكأنه قوقأة تسحب صوت غريغوار خلفها وتشوش صدى المفردات؛ ثم تأتي الأخت، الموسيقية بالرغم من ذلك، والتي لا تفلح بإخراج أي شيء من آلة الكمان سوى القوقأة، لأنها متضايقة من ظل النزلاء.
تكفي هذه الأمثلة للبرهنة على أنّ الصوت لا يتعارض مع البروتريه، كما يشكل من جانب التعبير رأس مُنتصب، يناقض الرأس المنحني في المحتوى. ما بين شكلي المحتوى هذين، هناك بالتأكيد تعارض شكلي بسيط، علاقة ثنائية، ملمح هيكلي أو معنوي (sémantique)، لا يُخرجنا قطعاً من "الدال" (le signifiant) بل يخلق تفرع ثاني (dichotomie) من الجذمور (rhizome). لكن إذا ما كانت البروتريه، من جانبها، شكلاً تعبيرياً يتناظر مع شكل المحتوى [الرأس المنحني]، فذلك ما لا ينطبق على الصوت. ما يهتم به كافكا، هو المادة الصوتية المحضة والقوية، المرتبطة دائماً بزوالها الخاص (sa propre abolition)، صوت موسيقي ملغي الحدود (déterritorialisé)، صرخة تفلت من المغزى، من التركيب، من الإنشاد، من الكلام، صوتية قطع لكي تتخلص من سلسلة دلالة مفرطة. الشيء الذي يؤخذ بعين الاعتبار، في الصوت، هو قوته، الروتينية عامة، والخالية من الدلالة (asignifiante) دائماً: وهكذا تصدر، في رواية "المحاكمة"، صرخة بنبرة واحدة من المفوض الذي جرى توبيخه، «لم يكن يبدو عليها أنها صادرة عن كائن إنساني، ولكن من ماكنة تعذيب (machine à souffrir)»(4). كلما كان هناك شكل، كلما كان هناك من إعادة لترسيم الحدود، حتى في نطاق الموسيقى. على العكس من هذا، قد يكمن فنّ جوزفين في قدرتها، وبالرغم من عدم معرفتها بالغناء أكثر من الآخرين، بل وأنّ الطريقة التي تصفر بها أكثر رداءة، على القيام بعملية إلغاء حدود «التصفير التقليدي»، وتحريره من «سلاسل الوجود اليومي». وباختصار، لا يظهر الصوت هنا كشكل للتعبير، وإنما كمادة غير متشكلة للتعبير (matière non formée d’expression)، ستؤثر على الأطراف الأخرى. من جانب، سوف تستخدم من أجل التعبير عن محتويات تكشف عن نفسها نسبياً كمحتويات يعوزها التشكل التام: فالرأس المنتصب ثانية يفقد أهميته، بذاته وقطعياً، إذ لم يعد سوى مادة مشوهة، مسحوبة، أو مجرورة من قبل الموجات الصوتية–بالطريقة التي يجعلها فيها كافكا الفرد يقول في قصة "تقرير" (Rapport) من أجل أكاديمي، لم يعد الأمر يتعلق بحركة عامودية مُتشكلة بصورة جيدة باتجاه السماء أو أمامه هو، ولم يعد متعلقاً باختراق السقف، وإنما «بتمرير الرأس أولاً» ( filer la tête la premièreحيثما يكون، أو حتى في المكان ذاته بقوة؛ كذلك لم يعد المقصود هو الحرية (liberté) كشيء يتناقض مع الخنوع، ولكن مجرد خط هروب (ligne de fuite)، أو بالأحرى مخرج عادي (simple issue)، «نحو اليمين، نحو اليسار، وحيثما يكون»، بأقل دلالة ممكنة. ومن جانب آخر، ستفقد التقعيدات الأكثر دقة ومقاومة، من نمط البروتريه أو الرأس المنحني صرامتها، لكي تولد أو تُهيأ هيجان ما (un soulèvement)، يجعلها تمر وفقاً لخطوط قوى جديدة [حتى ظهر القضاة المعقوف يصدر قرقعة صوتية تبعث بالعدالة إلى مخزن الغلال؛ كذلك فأنّ الصور الفوتغرافية واللوحات سوف تتعاظم في "المحاكمة"، لكي تكتسب وظيفة جديدة]. إنّ رسوم كافكا، كالرجال والقامات الممددة كخطوط والتي يحب رسمها هي بشكل خاص الرؤوس المنحنية، والرؤوس المنتصبة أو التي يُعاد نصبها، ورسوم الرأس أولاً (des tête-la-première). أنظر إعادة إنتاج الرسوم في العدد المكرس لـ كافكا في مجلة "أوبلك" (Obliques).
نحن لا نحاول العثور على الأنماط الأصلية (archétypes)، التي قد تصبح المُتخيل لدى كافكا (l’imaginaire de Kafka)، ديناميكيته أو كتاب الحيوان عنده [يعمل النمط الأصلي عن طريق المُشابهة، التماثل، التيمات، فيما لا نعثر نحن على قاعدتنا إلاّ عندما ينزلق خط صغير غير متجانس، كقطع]. كذلك لا نبحث عن ما يُسمى تداعي الأفكار الحرة [نحن نعرف المصير الخائب لهذه الأخيرة، التي ترجع دائماً إلى ذكرى الطفولة، بل وإلى ما هو أسوء من ذلك، الفنطازم (fantasme)، لا لأنها تخفق، وإنما لأنّ هذا مُثبت في قانونها الخفي]. كذلك نحن لا نحاول القيام بالتفسير، والقول أن هذا الشيء يعني ذلك الشيء(5). كما أننا لا نحاول، بشكل خاص، البحث عن البنية (structure)، بتناقضاتها الشكلية ومدلولها الجاهز: يمكن دائماً وضع علائق ثنائية «رأس منحني وآخر منتصب»، «بورتريه-صوتية»، «رأس منتصب ثانية-صوتية» –ذلك شيء غبي، إذا كان المرء لا يرى من أين تنطلق المنظومة وتتوجه نحو ماذا، كيف تتحول، وأي عنصر سيلعب دور التنافر (hétérogénéité)، جسم ممتلئ يجعل المجموعة تفلت، ويكسر البنية الرمزية (structure symbolique)، مثلما يكسر التأويل الهرمنتك (interprétation herméneutique)، وكذلك تداعي الأفكار العلماني (laïque)، والنمط الأصلي المُتخيل. ذلك لأننا لا نرى ثمة من فارق كبير بين هذه الأشياء [منْ الذي بمقدوره القول ما هو الفارق بين تعارض تفاضلي هيكلي ونمط أصلي مُتخيل تتركز خاصيته في تمّييز نفسه؟] نحن لا نؤمن إلاّ بسياسة كافكا (politique de Kafka)، والتي هي لا مُتخيلة ولا رمزية. كذلك لا نؤمن إلاّ بماكنة أو مكائن كافكا (machines de Kafka)، والتي هي ليست البنية ولا الفنطازم. نحن لا نؤمن إلاّ بتجريبية كافكا (expérimentation de Kafka)، بلا تأويل ولا مغزى، وإنما بروتوكولات التجربة وحسب: «لا أريد أحكام بشرية، ولا أبحث إلاّ عن نشر المعارف، أكتفي بالسرد؛ حتى معكم، يا أسياد الأكاديمية العظماء، لقد أكتفيتُ بالسرد»(6). فالكاتب ليس إنساناً كاتباً، وإنما إنسان سياسي، وهو أيضاً إنسان ماكنة، وإنسان تجريبي [والذي يكف أنّ يكون إنساناً لكي يصبح قرداً، أو جرادة، كلب أو فأرة، صيرورة-حيوان (devenir-animal)، وذلك بالدقة بحكم صفائه]. تتركب ماكنة كافكا إذاً من مضامين وتعابير مُصاغة وفقاً لدرجات مختلفة باعتبارها مواد غير متشكلة تنفذ فيها، وتخرج منها بمرورها في كلّ الحالات. الدخول، الخروج من الماكنة، أنّ يكون المرء في الماكنة، مدها، الإقتراب منها، وأنّ يشكل جزء منها: تلك هي حالات الرغبة، باستقلالية تامة عن التأويل. يُشكل خط الهروب (ligne de fuite) جزء من الماكنة. في الداخل أو من الخارج، يشكل الحيوان جزءاً من الماكنة-الأحفورة (machine-terrier). المشكلة: لا أنّ يكون المرء حراً، ولكن عثوره على مخرج (une issue)، أو مدخل (une entrée)، أو حتى على جانب ما (un côté)، على رواق (un couloir)، عن متاخم (adjacence)، الخ... قد ينبغي وضع عوامل متعددة في نظر الاعتبار: الوحدة الظاهرية المحضة للماكنة، الطريقة التي يكون البشر أنفسهم فيها قطع من الماكنة، وضعية الرغبة [إنسان أو حيوان] بالنسبة لها. في "مستعمرة العقاب" (Colonie pénitentiaire)، تبدو الماكنة وكأنها تتمتع بوحدة قوية، يحشر الإنسان نفسها كلها فيها –وربما ذلك ما يؤدي إلى الانفجار النهائي، والتفتت الكامل للماكنة. على العكس من هذا، في رواية "أمريكا" يظل "ك" (K) خارج سلسلة برمتها من المكائن، يمر من واحدة منها إلى أخرى، ويُطرد ما أنّ يحاول الدخول في أحد منها: الماكنة-الزورق (machine-bateau)، ماكنة رأسمالية (machine capitaliste) تعود إلى العم، والماكنة-فندق (machine-hôtel)... أمّا في "المحاكمة"، فيتعلق الأمر ثانية بماكنة محددة باعتبارها ماكنة العدالة المُتفردة (machine unique de justice)؛ لكن وحدتها غاية في السديمية، ماكنة تأثير، ماكنة تلويث (machine de contamination)؛ إذ لم يعد هناك فارق ما بين وجود المرء في الداخل أو الخارج. في رواية "القصر"، تُخلي الوحدة الظاهرية بدورها مكانها لجزئية العمق (segmentarité de fond) [«لم يكن القصر في نهاية المطاف سوى مدينة صغيرة بائسة، خليط من الأكواخ الريفية... أنا لم أخلق من أجل الفلاحين ولا من أجل القصر بطبيعة الحال–ليس هناك من فارق بين الفلاحين والقصر، يقول المعلم»]؛ لكن، في هذه المرة، لا يمنع عدم الاكتراث للداخل والخارج من العثور على بعد آخر، مكان ما متاخم موسوماً بالاستراحات، والتوقفات؛ حيث تصعد القطع، الدواليب والأجزاء: «كان الدرب ملتوياً حداً يمكن فيه القول قصدياً، وبالرغم من أنه لا يبعدنا عن القصر أكثر، لكنه يكف عن الاقتراب منه». تمر الرغبة بلا ريب في كل تلك المواضع والحالات، أو أنها تقتفي بالأحرى الخطوط: الرغبة ليست شكلاً، لكنها مسار (processus)، استطالات. 


الهوامش:
1) العنق الأنثوي، سواء كان عارياً أو مُغطى، يحتل أهمية كبيرة كأهمية الرأس الذكوري، إنّ كان منحنياً أو منتصباً ثانية: «العنق المطوق بالمخمل الأسود»، «الياقة الصغيرة من دانتيلا الحرير»، «الياقة المرهفة للدانتيلا البيضاء»، الخ...
2) في رسالة إلى صديق طفولة "أوسكار بولاك" (Oskar Pollak): «حين نهض الحقير من كرسيه، أخترق باستقامة السقف بجمجمته المُسننةِ، وكان عليه تأمل سطوح القصب، لكن بدون أهتمام خاص». وفي "اليوميات" (منشورات كراسيت 280): «أن يكون المرء مع حبل مشدود حول عنقه، ويمر من خلال نافذة في الطابق السفلي لدار ما...».
3) "وصف معركة" (Description d’un combat). [يُطور الجزء الأول من وصف معركة باستمرار حركة الرأس المنحني المزدوجة تلك، المرتبطة بالأصوات].
4) ظهور أنواع متعددة من الصراخ لدى كافكا: صراخ منْ يريد سماع نفسه يصرخ –صرخة الرجل الميت في علبة مغلقة— «فجأة، انطلقت صرخة. لا لشيء سوى سماع صرخة لا يرد عليها أي شيء في داخله والتي أقتلعها من قوته دون مقابلتها بأي شيء، فانطلقت حينئذ بلا توقف، حتى بعد أن صمت...» (تأملات).
5) على سبيل المثال، لا تقدم مارت روبير (Marthe Robert) عن كافكا سوى تفسيراً لعقدة أوديب من وجهة نظر التحليل النفسي وحسب، وإنما ترغب أيضاً في أنّ لا تكون البروتريهات والصور الفوتغرافية شيئاً آخر غير خداعات بصر ينبغي فك شفيرات معانيها بمشقة بالغة، وبأن الرؤوس المنحنية هي بمثابة بحوث مستحيلة (الأعمال الكاملة، مجلد رقم 3، حلقة الكتب الثمنية".
6) تقرير من أجل أكاديمية (Rapport à une académie).



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق