الثلاثاء، 15 مارس، 2016

محاكمة "مدام بوفاري": ابتهال يونس




تتعدّد الأنظمة الشمولية التي عرفتها البشرية وتنوّع عبر الزمان والمكان، لكن تظلّ هناك عناصر ثابتة تتكرّر في كل تجربة دكتاتورية. وتكون الثقافةُ والإبداع أولى ضحاياها. أهمّ هذه العناصر تأليه الحاكم الفرد ليصبح من حقه وحده اتخاذ كافة القرارات، لأنه يعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية لتحقيق السعادة والرخاء لشعبه، فهو خير من يعلم وأصلح من يقرّر. يستند هذا الحاكم الفرد في حكمه على أعمدة راسخة هي المؤسسات العسكرية والدينية والاقتصادية. وتكون الإدارة الحكومية والشرطة ووسائل الإعلام أدوات ممارسته للسلطة. لذا تسيطر الصحف الرسمية على وسائل الإعلام من أجل السيطرة على الرأي العام وتحويله إلى طفل يحتاج لمن يرعاه ويقرّر له مصيره وحياته في أدقّ تفاصيلها. وبما أن الحاكم الفرد يعرف مصلحة شعبه أفضل من هذا الشعب نفسه ويمارس عليه سلطة أبوية صارمة، فلابدّ من إسكات الأصوات "المثيرة للفوضى" التي تخرج عن الخط الرسمي وتشوّه الصورة الجميلة التي يطرحها النظام نفسه. من هنا تنبع حتمية القوانين المقيدة للحريات وخاصةً حرية الرأي والتعبير، فيواجه المبدع اتهامين لا ثالث لهما: محاولة قلب نظام الحكم وهو اتهام يحرمه من المثول أمام القضاء ويحوّله إلى المحاكم العسكرية، والتطاول عل المقدسات وهو اتهام يضعه تحت رحمة محاكم التفتيش. ويجد المبدع نفسه أمام اختيارين: القطيعة مع النظام القائم أو تقديم التنازلات لهذا النظام حتى يجد لنفسه مكاناً فيه. وينتج عن ذلك نوعان من الإنتاج الفني عامة والأدبي خاصة: الإبداع رفيع المستوى الذي يحاربه النظام، وإنتاج أدبى تجاري سطحى، لكنه يحظى بالنجاح والذيوع لتطابقه مع رغبات النظام وأهدافه. لكن محاربة النظام لإبداع الأدبي الرفيع لم تمنع كثيراً من الكتّاب من التعبير عن رأيهم من خلال أعمالهم متحملين تبعات إبداعهم ولو أدى بهم  ذلك إلى المثول أمام القضاء. من أشهر الأمثلة عل ذلك جوستاف فلوبير، الذي حوكم على روايته "مدام بوفاري" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أثناء فترة حكم نابليون الثالث.
تُعدّ هذه الفترة ق فرنسا (1848-1870) من أكثر الفترات كبتاً للحريات، إذ انتخب الأمير لويس نابليون بونابرت (ابن شقيق نابليون بونابرت) رئيساً للجمهورية الثانية عام 1848. وفور وصوله إلى الحكم شرع "الأمير/الرئيس" في إصدار قوانين، "محافظة" أهمها قانون التعليم الصادر في مارس 1850 الذي سمح للكنيسة بممارسة العملية التعليمية في مدارسها بعيداً عن رقابة الدولة. وفي العام نفسه صدر القانون الانتخابي الذي جعل حق الانتخاب مشروطاً بالإقامة ثلاث سنوات متواصلة في مكان ثابت، وذلك لاستبعاد الطبقات الفقيرة التي تتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن عمل والتي يمكنها التصويت لصالح اليسار. وقد أدى ذلك إلى استبعاد جزء كبير من المعارضة من العملية الانتخابية. أمّا قانون الصحافة، الذي صدر في العام نفسه كذلك، ففد فرض وضع طوابع على الصحف المرسلة بالبريد، ممّا أدى إلى ارتفاع ثمن الصحف، وذلك من أجل حرمان العمّال من قراءة الصحف الاشتراكية. كما فرض على كل صحيفة دفع مبلغ معين على سبيل التأمين عند إنشائها، الأمر الذي أصبح يمثل عائقاً أمام صحف المعارضة التي لم يكن يملك أصحابها القدرة عل تحمّل تلك التبعات المالية الباهظة.

وفى ديسمبر 1851، قام "الأمير/الرئيس"، بانقلاب أطاح بالجمهورية الثانية وأعاد النظام الإمبراطوري فنصب نفسه إمبراطوراً تحت اسم نابليون الثالث، وعدّل الدستور بما يسمح له بإرساء ديكتاتورية الفرد. لقد أقام نظاماً تكون له الكلمة الأولى والأخيرة فيه. فهو الذي يتخذ القرارات على المستوى الداخلي والخارجي، ويعدّل أدوار مؤسسات الدولة واختصاصاتها كيفما شاء ووقتما شاء. كما فرض على أعضاء المجالس النيابية والوزراء ورجال القانون ضرورة تأدية يمين الولاء له. وعلى هذا لم يكن هناك وزراء في واقع الأمر، بل كان هناك منفّذون لأوامر الإمبراطور الذي كان يعينهم ويقيلهم وقتما يشاء. أمّا البرلمان فلم يكن يتمتع بحق مساءلة الإمبراطور أو استجواب الوزراء أو تعديل القوانين والدستور، إذ كان برلماناً صامتاً لا يتعدى دوره حدود التصويت. ولم يكن من حق الصحف نشر وقائع جلسات البرلمان. أمّا فيما يخصّ القضاء فقد كانت الأحكام تنطق باسم الإمبراطور الذي كان من حقه إعلان حالة الطوارئ، وتكليف السلطة العسكرية بمهام القضاء.
كان ما يسعى إليه نابليون الثالث هو إقامة نظام حكم قوي ومسيطر يستند إلى قاعدة شعبية، أي ما أسماه الديمقراطية التسلطية التي تستبعد النظام البرلماني. لكنه انتهى في الواقع إلى تأسيس نظام للسلطة البطريركية انطلاقاً من تصوره لنفسه بأنه الرجل الذي اختاره القدر لتحقيق سعادة شعبه. وكان يرى أنه يجب «تفادى قيام ثورة وذلك عن طريق إعطاء الشعب ما يصبو إليه».  لكنه كان يعتقد أنه هو وحده الذي يعرف ما يريده الشعب وهو الذي يحدّد شرعية المطالب الشعبية من عدمها. وقد كانت أعمدة النظام التي استند إليها نابليون الثالث في حكمه الديكتاتوري هي الجيش والكنيسة ورجال الأعمال. كان الإمبراطور يرى أن للجيش دوراً سياسياً في إدارة الأزمات، لذا وضع العسكريين فوق المحافظين وأطلق أيديهم في المحافظات للقبض على "المشتبه فيهم"، وهو تعبير يشير أساساً إلى الجمهوريين واليساريين. كما أوكل وزارة الداخلية والأمن العام إلى أحد جنرالات الجيش، بالإضافة إلى فتحه باب مجلس الشيوخ عل مصراعيه أمام العسكريين. أما الكنيسة فقد كان الوفاق بينها والنظام قائماً عل المصالح المتبادلة، فقد اعتمد النظام عل أداة الوعظ الديني في المجال الاجتماعي والأخلاقي لمحاربة الدعاية الثورية. ومن جهة أخرى كان لأصوات الإكليروس قوّة انتخابية لها وزنها، قادرة عل جذب أصوات الملكيين والمحافظين لصالح النظام. هكذا استعادت الكنيسة مكانتها وحظيت باحترام وحماية الحكومة التي كانت تشركها في كل الاحتفالات العامة وتغدق عليها من الناحية المادية. وردت الكنيسة الجميل بأن أرست نظاماً أخلاقياً صارماً، وأخذت توزع تهمة الكفر وانتهاك المقدسات عل كل من تسوّل له نفسه معارضة نظام الحكم.
وقد اعتمد النظام على أداة فعّالة أخرى هي الإدارة، بالإضافة إلى الجيش والكنيسة. وتجلت فاعلية هذه الأداة في مجال الانتخابات. وكان هناك ما يسمى بالمرشح الرسمي الذي يختاره الإمبراطور «من أجل المصلحة العامة» الذي يتولى المحافظ مهمة القيام بالدعاية له. وكانت ملصقاته الدعائية تعلّق مجاناً في الأماكن الرسمية، ويعتبر تمزيقها جريمة يعاقب عليها القانون،
بينما يقوم منافسوه بتعليق ملصقاتهم الدعائية على نفقتهم، ويقوم الموظفون أنفسهم بتمزيقها بعد ذلك. ويتم تعبئة كل موظفي المدينة، ابتداء من خفير الحراسة حتى القاضي مروراً بالقسيس والمدرس، للقيام بالحملة الانتخابية لصالح المرشح الرسمي وذلك بقيادة المحافظ نفسه. أمّا من يقومون بالدعاية لمنافسيه فكثيراً ما كانوا يتعرضون للتهديد المعنوي والجسماني أحياناً، وقد يصل الأمر إلى القبض عليهم. وكان التهديد من جهة والوعود الخلابة من جهة أخرى تنهمر أثناء عملية الاقتراع. هذا إلى جانب عمليات التزوير من حشو صناديق الاقتراع حتى التلاعب في النتائج. ولم يكن هناك داع للتزوير في معظم الأحيان لأن الوعد والوعيد كانا يكفيان لإنجاح المرشح الرسمي.
وفيما يخص الحريات العامة، فقد حرص النظام عل تقيدها، بل قام بإلغاء حرية الاجتماع، لكن أهم الحريات التي تم تقييدها هي حرية التعبير عن الرأي، فتم تكبيل الصحافة بمجموعة من القوانين، من أهمها قانون فبراير 1852 الذي حدّد نظام الصحافة، ومن مواده لا يمكن إنشاء جريدة تتناول مواضيع خاصة بالسياسة أو بالاقتصاد الاجتماعي إلاّ بتصريح من الحكومة يتم تجديده عند تغيير رئيس تحريرها. هذا بالإضافة إلى فرض ضريبة طوابع على الصحف المرسلة بالبريد ودفع مبلغ تأمين عند إنشاء الجريدة. كما منعت الصحف من نشر وقائع مداولات البرلمان والمحاكمات الخاصة بالصحافة. وكانت الصحف تتعرض لرقابة بوليسية صارمة حرمت عليها تناول الشؤون السياسية. والجريدة التي تخالف التعليمات تتعرض للإنذار ودفع غرامة، ويتم إغلاقها بعد إنذارين. كما كان من حق الحكومة إغلاق الصحف بعد إنذارين حتى لو لم يصدر حكم قضائي بذلك هذا بالإضافة إلى وسائل الضغط المتنوعة غير المرئية. وقد برّر وزير الداخلية آنذاك تقييد حرية الصحافة بقوله: «لكي تكون لحرية الصحافة إيجابياتها الحقيقية يجب، في بلد تكوّن حديثاً، التمهيد لذلك بتنشئة جيل سياسي جديد يتميز بالشباب والنشاط والاستقلال، لتحل تلك النفوس الجديدة محل تلك التي أهاجتها الثورات». ومن جهة أخرى، حرص النظام عل إنشاء جريدة حكومية في كافة المقاطعات، بالإضافة إلى السيطرة على الصحف المحلية.
وعلى صعيد آخر، سعى النظام لإسكات الأصوات المعارضة له خاصة أصوات رجال التعليم. فقام بإلغاء القانون الذي كان يمنح حصانة لأساتذة الجامعات ويمنع نقلهم تعسفياً خارج الجامعة. خلاصة القول إن النظام عمد إلى تقييد الحريات بل إلغائها حرصاً على بقائه. وقد برّر ذلك بأن «الحرية لم يحدث أبداً أن ساهمت في إنشاء صرح دائم، وإنْ كانت تتوج هذا الصرح بعد أن يدعمه الزمن». وهكذا ظلت الحرية مشروعاً مؤجلاً في ظل حكم نابليون الثالث حتى يتمكن هذا الأخير من "تدعيم النظام الجديد".
 فى ظل هذا الجو الخانق، لم يكن أمام المبدعين سوى الاحتماء بالأبراج العاجية وممارسة ما أسموه "الفن للفن"، رافضين الاندماج في مجتمع تسيطر عليه البرجوازية بقيمها الفنية الهابطة وبقيمها الأخلاقية الزائفة. وكان من الطبيعي أن تثير الأعمال الإبداعية القيمة "فضائح أخلاقية" في نظر هذا المجتمع، وتؤدي بأصحابها إلى المثول أمام القضاء، ومن أشهر هذه الأعمال الإبداعية "لوحة الأوليمبيا" لـ مانيه، وديوان "أزهار الشر" لـ بودلير، ورواية "مدام بوفاري" لـ فلوبير.
ولقد نشرت رواية "مدام بوفاري" لـ جوستاف فلوبير مسلسلة في مجلة "دورية باريس" فيما بين أول أكتوبر و15 ديسمبر 1856. وأدى نشرها إلى إحداث ثورة عارمة في الأوساط البرجوازية الحاكمة انتهت بتقديم فلوبير مع ناشر الدورية ومديرها بصفتهما شركاء في الجريمة إلى المحاكمة بتهمة خدش الحياء العام وانتهاك المقدسات.

-2-

 لقد بدأ المدعي العام بعرض التهم الموجهة لـ فلوبير وهي:
أولاً: الإساءة إلى الآداب العامة من خلال المشاهد "الشهوانية".
ثانياً: إهانة الدين من خلال خلط صور اللذة بالأشياء المقدّسة، وقد انتهى إلى نتيجة مؤداها أنّ الشهوانية هي اللون الغالب على الرواية، وأنها أيضاً الخط الأساسي للكاتب.
وأورد أمثلة من الرواية لتأكيد الاتهام . منها على سبيل المثال وصف الكاتب لطفولة "إيما بوفارى" في المدرسة الداخلية بالدير عندما كانت تتعمد اختلاق خطايا صغيرة لتبقى أطول فترة ممكنة تستمع إلى همسات القسيس. كما كانت الإشارات في الصلوات إلي المسيح بوصفه «العشيق السماوي» والارتباط به في «زواج أبدي» تثير داخلها ارتعاشة أقرب إلى اللّذة منها إلى التعبّد. ودلّل المدعي العام على نوايا فلوبير غير الأخلاقية من خلال وصفه لـ "إيما": إذ أخذ عليه أنه لم يتطرق لنواحي الذكاء في الشخصية ولم يتوقّف حتى عند ملامح الجمال الجسدي، بل أفاض في وصف «أوضاعها الحسية» مؤكداً بذلك أن جمالها من النوع «المثير للغرائز». وذهب الكاتب أبعد من ذلك، في رأى المدعي العام عندما وصف بطلته بعد سقطتها الأولى عل درب الخيانة الزوجية عل النحو التالي:

«لم تكن مدام بوفارى أبداً في مثل جمالها الآن- كانت تتمتع بهذا الجمال الذي تضفيه البهجة والحماس والنجاح (...) وظلت تردّد وهى تنظر إلى نفسها في المرآة: لقد صار لي عشيق، عشيق!»

وقد رأى المدعى العام في هذا المقطع تمجيداً للخيانة الزوجية وتغنياً بها وهو ما اعتبره أفضع من الخطيئة ذاتها. بل تجرأ فلوبير وتحدث عن «دنس الزواج» بينما لم يتحدث إلاّ عن «خيبة الأمل» الناتجة عن الخيانة الزوجية ممّا جعله في نظر المدعى العام ، يتغنى «بشاعرية» الخيانة ويعطيها الأفضلية على العلاقة الشرعية. وأورد ممثل الاتهام مشهداً من الرواية يصف فيه الكاتب نشوة "إيما" في لقائها مع عشيقها، ولاحظ وصف فلوبير الرائع لهذا المشهد. فالكاتب في نظره « يعرف كيف يجمّل وصفه مسخراً لذلك كافة إمكانيات الفن دون أن يتقيد بقواعده وضوابطه: إنها الطبيعة في كامل عريها،  في كامل فجاجتها!».
وعن انتهاك المقدسات أورد المدعى العام مثالين استشهد بهما على ذلك. الأول وصف الأزمة الصحية التي أصابت "إيما" بعد تخلى عشيقها الأول عنها والتي أشرفت خلالها عل الموت فتوجهت إلى الله: «أحسّت بانعدام الوزن وأن حياة أخرى تبدأ، وأن كيانها الصاعد إلى الله سيتلاشى في هذا الحب كالبخور المشتعل الذي يتصاعد دخانه ويتلاشى». هنا وجد المدعى العام أن "إيما" تتوجه إلى الله بعبارات «توجه للعشيق في حمى الخيانة الزوجية » وقرر أنه إهانة للدين أن يخلط فلوبير بين الشهوانية والمقدسات. أما المثال الثاني فهو مشهد موت "ايما" والقسيس يؤدى لها شعائر الموت ويصلي من أجلها الصلاة الأخيرة. لكنها تموت منتحرة دون اعتراف أو دمعة ندم عل ما فعلت، بل تقول لنفسها: «إن الموت لشيء هين. سوف أنام ثم ينتهي كل شيء»  أي أنها في نظر المدعى العام ، لا تؤمن باليوم الآخر وتؤكد أنها ذاهبة إلى العدم . وفى اللحظة التي يقوم فيها القسيس بصلواته من أجلها، يمرّ أعمى في الشارع يغنى أغنية فاضحة، مما أثار ثائرة ممثل الاتهام الذي وجد في هذا المشهد تدنيساً للمقدسات وخلطاً لها بالشهوانية.
وفى نهاية عرضه للتهم الموجهة إلى فلوبير قام المدعى العام بالرد عل ما أسماه الاعتراضات الممكنة وأهمها: أن الرواية أخلاقية لأن الخيانة تعاقب في النهاية. فيرى أن العقاب النهائي لا يمكن أن يغفر «التفاصيل الشهوانية» التي تضمنتها الرواية، ويصرّ على أنّ الرواية غير أخلاقية وتشكل خطراً على الأخلاق العامة لأنها تقع بين أيدي فتيات وزوجات. إنها رواية لا تحتوى على جملة واحدة تدين الخيانة الزوجية وليست بها شخصية واحدة تقف في وجه "إيما" وتدينها. فالزوج الأبله يزداد حبه لزوجته بعد أن علم بخيانتها له، والرأي العام تمثله شخصيات كاريكاتورية تافهة. حتى الدين يمثله قسيس مثير للسخرية، هناك إذن شخصية واحدة تسيطر عل جو الرواية يجعل فلوبير الحق معها، تلك هي شخصية "مدام بوفاري".
هكذا ختم المدعي العام مرافعته بتأكيد أن الأخلاق والشعور الديني هما أساس الحضارة. تلك الأخلاق التي تدين الخيانة الزوجية بوصفها جريمة ضد الأسرة، كما تدين الانتحار بوصفه احتقاراً لواجب الحياة وكفراً بالحياة الأخرى. وانتهى من ذلك إلى إدانة المدرسة الواقعية ليس لأنها تصف الأهواء فمن واجب الفن وصفها، ولكن لأنها تصفها بلا ضوابط ولا محاذير والفن بلا قواعد ليس فناً بل «امرأة تخلع كل ملابسها». إن فرض الحياء بوصفه قاعدة على الفن ليس تقييداً له، في نظر المدعى العام بل هو تكريم له.
نرى مما سبق أن الاتهام الذي كان موجها لـ فلوبير هر خدش الحياء العام وانتهاك المقدسات. لكن ورد على لسان المدعى العام اتهام آخر بصورة عرضية عابرة لكنه ينم عن الجرم الحقيقي الذي ارتكبه فلوبير في نظر السلطات وهو التعريض بالنظام الحاكم. فقد أدان المدعي العام إشارة  فلوبير إلى الملكة مارى انطوانيت ومغامراتها وعشاقها. ودفع ممثل الاتهام ذلك قائلاً إن التاريخ لم يترك لنا دليلاً واحداً على صدق هذه الروايات ويكفى أنها ماتت «بجلال الملكة وهدوء المسيحية» ممّا هو جدير بمحو أية خطيئة. ولنا أن نتساءل نحن بدورنا: ألم تمت "إيما" أيضاً في هدوء؟ وألا يكفى هذا لمحو خطاياها هي أيضاً؟ إن "إيما" في نظر المدعى العام مدانة عكس مارى انطوانيت التى لا يجب أن تدان لأنها ملكة، كما لو كان التعريض بملكة ماتت منذ ما يقرب من قرن يمكن أن يعتبر إهانة أو تهديداً لنظام نابليون الثالث الإمبراطوري!

-3-

وقد انطلق الدفاع من المبادئ "الأخلاقية" نفسها التي أسس عليها الاتهام دعواه. فبدأ بتأييد الرقابة على الكتابات التي يمكن أن تخدش الحياء العام، لكنه اتهم مدير المجلة بممارسة تلك الرقابة بطريقة خاطئة، لأنه قام بحذف بعض المقاطع بطريقة أوحت بأن ما تم حذفه غير أخلاقي، في حين أن الرواية «أخلاقية في المقام الأول». فهي تهدف إلى التوعية بمخاطر الانجراف وراء الأوهام  والانزلاق  نحو الخطيئة.  فما يقوله  فلوبير في هذه الرواية هو ما يقوله كل أب لتوعية بناته. لكنه يقوله بأسلوبه الخاص وهو وصف بشاعة الخيانة وآلام السقوط، بالتعبير عن الحالة المريعة التي وصلت إليها "إيما" والعار والدمار اللذين لحقا بها من جراء تخليها عن واجبها زوجة وأماً.
وهو بذلك يحذر الفتيات والزوجات من محاولة «البحث عن السعادة خارج إطار الزوجية». إنها دعوة أخلاقية للحفاظ على دعائم المجتمع . وسيلة  فلوبير في هذه الرواية هي التنفير، وذلك من خلال تسخير موهبته الوصفية في خدمة الأخلاق بعرضه صور الانحدار والضياع الذي حاق بـ "إيما". وإذا كان فلوبير قد غالى، من وجهة نظر الاتهام، في وصف مغامرات "إيما" وانحدارها نحو الرذيلة فإنه لم يعرض، من وجهة نظر الدفاع، سوى ما يحدث فعلاً في الواقع، مما يدعم هدف الرواية الأخلاقي، إذ يجب عرض الخطيئة ونتائجها للتحذير منا - لذلك لم يجعل فلوبير إيما تعيش حياة سعيدة وتنعم بخطاياها، بل جعل التعاسة تبدأ معها منذ خطيئتها الأولى. ومعنى ذلك أن الهدف الأخلاقي للرواية «يوجد في كل سطر بها» لحرص فلوبير على احترام الأخلاق والمقدسات. فهو لا يسهب في وصف مشاهد اللقاء الحسي بل يعرضها بصورة مقتضبة، وما يسهب في وصفه هو صور المعاناة والانحدار الناتجة عن الخطيئة٠
وفى ردهّ عل اتهام المدعي العام لـ فلوبير بانتهاك المقدسات خلال مشهد موت "إيما" فسّر المحامي مرور الأعمى وهو يغنى أغنيته الفاضحة، التي طالما سمعتها منه "إيما" وهى عائدة من لقاءاتها مع عشاقها، بأنه بمثابة تذكير بالخطيئة التي لم ترحمها حتى وهي تتطلع إلى الرحمة الإلهية.
نلاحظ هنا أن ممثل الدفاع لم يتطرق لحرية التعيير عن الرأي  وحرية الإبداع، بل بنى دفاعه على المقولات الاجتماعية السائدة عن الأخلاق والفضيلة والدين، وانبرى لتأكيد تمسك فلوبير بالفضيلة والأخلاق واحترامه للمقدسات وذهب إلى أنه قد قدّم للمجتمع «كتاباً شريفاً» هدفه «الحث على الفضيلة بالتنفير من الخطيئة». وكانت هذه هي الخطوة الأولى في خطته للدفاع عن الكاتب، وكانت تهدف إلى سحب البساط من تحت أقدام ممثل الاتهام وكسب هيئة المحلفين في صف فلوبير.  لم ينس الدفاع أن المحلفين هم ممثلون لهذا المجتمع البرجوازي المتمسك بالفضيلة الزائفة. لذا بدأ دفاعه من خلال الحجج نفسها التي ساقها الاتهام والسائدة في مثل هذا المجتمع. وعندما شعر أن المحلفين قد «استراحت ضمائرهم» لفضيلة فلوبير وتمسكه بالأخلاق واحترامه للمقدسات بدأ ممثل الدفاع شيئاً فشيئاً في فضح نفاق المجتمع وزيف قيمه، وذاك عندما توجه إلى المحلفين قائلاً:

« نعم، نرى حولنا النساء اللاتي انحرفن، مبتسمات سعيدات يرتدين أفخر الثياب ويقبل أيديهن كبار القوم وغالباً ما يكن هنّ أيضا من النبيلات – هذا ما تسمونه احترام الأخلاق العامة.  ومن يقدّم لكم امرأة خائنة تموت وسط العار هو من يرتكب جريمة ضد الآداب العامة».

وذهب الدفاع أبعد من ذلك عندما دفع بأن المخطئ الحقيقي في هذه القضية هو المجتمع بصفة عامة والتربية بصفة خاصة. لقد كانت "ايما" فتاة شريفة مثل بقية الفتيات لكن التربية التي تلقتها في الدير لم تجعلها قوية في مواجهة الحياة، بل جعلت منها كائناً هشاً سريع الانفعال يحلّق في آفاق بعيدة عن واقعه الملموس وأبعد من إمكانياته الحقيقية. فالدين الذي تعلمته "إيما" في الدير ليس الدين الذي يملأ قلبها بالإيمان ويجعلها قوية وقت الشدائد، بل تلقت "إيما" نوعاً من الدين أقرب إلى تجارة التمائم والتماثيل الصغيرة، دين بكاء ضعيف يصيب النفوس الحساسة بالخمول والضعف، دين "حسي" لا يساعد على السير في الطريق القويم، بل يدفع دفعاً بتلك النفوس الحالمة الحساسة إلى السقوط والضياع. لم ينتهك فلوبير إذن المقدسات ولم يسيء إلى الدين بقدر ما حاول إبراز مخاطر هذه الصورة المنتشرة للدين التي تغرق الناس في التفاصيل الفرعية والغيبيات وهي أبعد ما تكون عن جوهر الدين. والدليل الذي قدمه الدفاع على براءة فلوبير من التهم الموجهة إليه ملف يحتوى عل شهادات لكبار الكتاب والمفكرين تقف إلى جانب الرواية، ليس فقط من الناحية الأدبية ولكن من الناحية الأخلاقية أيضاً. وأبرز هذه الشهادات شهادة شاعر فرنسا الكبير لامارتين الذي عرف بتدينه الشديد وعفة كتاباته، والذي وجد مشهد موت "إيما" بشعاً  بشاعة تفوق بكثير الجرم الذي ارتكبته والذي لا يستحق مثل هذه النهاية القاسية. ولجأ ممثل الادعاء إلى إعطاء أمثلة عديدة لكبار الكتاب والشعراء الفرنسيين وغيرهم عبر التاريخ، كتاب وشعراء أوردوا في كتاباتهم مشاهد «شهوانية»، وفقاً لتعبير المدعى العام، بل سخروا من رجال الدين وعرضوا بهم، وهو ما لم يفعله فلوبير، لكن أحداً لم يتعرض لهم. ثم وصل ممثل الدفاع إلى أهم نقطة في مرافعته وهى النقطة المحورية بالنسبة لكل من يدافع عن حرية التعبير والإبداع، ألا وهي أن الحكم عل العمل الأدبي يجب أن ينصب فقط عل قيمته الأدبية. وهذا من شأن الدفاع لا من شأن غيرهم. ذلك أن المقاطع التي تمت إدانتها لا تعبر عن آراء فلوبير الخاصة التي يحاول إقناع القارئ بها ولكنها آراء خاصة بالشخصية من خلال أسلوب الحوار الداخلي الذي تميزت به المدرسة الواقعية التي ينتمي إليها فلوبير. وهو شكل جديد للرواية، يعتمد الشكل السردي فيه على عدم تدخل الكاتب بآرائه وأحكامه تدخلاً مباشراً٠
لم يفت ممثل الدفاع إشارة المدعي العام العابرة إلى الملكة مارى انطوانيت ، فقام بالرد عليها بطريقة ساخرة متسائلاً ما إذا كان المدعي العام جاداً في تجريم فلوبير على ذلك. وذهب إلى أن مارى انطوانيت يحب احترامها بالطبع لأن لقبها بوصفها ملكة يوجب الاحترام. وقد فضح ممثل الدفاع بذلك ما حاول المدعي العام إخفاءه وراء ستار الأخلاق والدين. فالمقدسات هي في آخر الأمر شخص الحاكم؛ والإساءة إلى الأخلاق والفضيلة هي التعريض به أو بالمحيطين به أو بكلّ ما يمس نظام حكمه من قرب أو من بعيد.

-4-

وفى 7 فبراير 1857 أصدرت الحكمة حكمها في هذه القضية وهذا نصه:
«خصصت المحكمة جزءاً من جلساتها خلال الأيام الثمانية الماضية للمداولات الخاصة بالاتهام الموجه للسيد ليون لوران بيشاه(Léan Laurent-Pichat)  والسيد اوجست الكسيس بييه  (Auguste-Alexis Pillet) الأول مدير والثاني ناشر مجلة "دورية باريس"، بالإضافة إلى السيد جوستاف فلوبير ومهنته أديب وكان الاتهام الموجه لثلاثتهم هو:
1- السيد لوران بيشاه، سنة 1856 ، لنشره في الأعداد من أول إلى 15 ديسمبر من "دورية باريس" أجزاء من رواية بعنوان " مدام بوفاري" ، خاصة بعض الأجزاء التي ظهرت في الصفحات 73 ، 77 و 78 و272 و273. وقد ارتكب بهذا النشر جريمة خدش الحياء العام والتطاول على الدين والأخلاق الحميدة.
2- السيدان بييه وفلوبير، الأول لطبعه تلك |لأجزاء بغرض نشرها، والثاني لكتابته وإعطائه للسيد  لوران  بيشاه أجزاء من رواية "مدام بوفاري"، بغرض نشرها. وقد ساعده على ذلك السيد لوران بيشاه  بالتمهيد وتسهيل الجرائم السابق ذكرها، مما جعلهما شريكين في الجرائم المنصوص عليها في البند الأول والثامن من قانون 17 مايو 1819 والبندين 59 و60 من قانون العقوبات. وقد قام السيد بيفار(Pivard)   بتمثيل الادعاء.
وبعد أن استمعت المحكمة للدفاع الذي قام به السيد سينار (Senard) عن السيد فلوبير، والسيد ديماريه (Desmarest) عن السيد بيشاه، والسيد فافري (Faverie) عن الناشر، حددت جلسة اليوم (السابع من فبراير) للنطق بالحكم وهو التالي:
*  نظراً لأن لوران بيشاه وجوستاف فلوبير وبييه  وجهت إليهم تهمة خدش الحياء العام والتطاول عل الدين والأخلاق الحميدة، الأول لنشره في مجلة "دورية باريس" التي يرأس تحريرها، في الأعداد الأول والخامس عشر من أكتوبر والأول والخامس عشر من نوفمبر والأول والخامس عشر من ديسمبر 1856، رواية بعنوان "مدام بوفاري"، وجوستاف فلوبير وبييه شريكين، الأول لإعطائه مخطوطة الرواية والثاني لطبعها.
*  نظراً لأن الأجزاء موضع الاتهام في هذه الرواية، التى تحوى 300 صفحة، هي، وفقاً لقرار الاتهام، الصفحات 73 و77 و78 (عدد الأول من ديسمبر)  و271  و272  و273 (عدد الخامس عشر من ديسمبر 1806).
*  نظراً لأن الأجزاء موضع الاتهام، لو قرأت مجرّدة ومقتطعة، تحتوى بالفعل إما على عبارات أو صور أو عل مشاهد يستنكرها الذوق السليم لأنها تؤذى حساسيات مشروعه وشريفة.
* نظراً لأن تلك الملحوظات يمكنها أن تنطبق أيضاً على أجزاء أخرى لم يذكرها قرار الاتهام والتي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تعرض لنظريات مناهضة للأخلاق الحميدة وللمؤسسات التي هي أساس المجتمع وتنتهك الاحترام الواجب تجاه أقدس ممارسات الدين.
* نظراً لأن الكتاب موضع الاتهام يستحق اللوم الصارم لأكثر من سبب إذ إن مهمة الأدب يجب أن تكون تجميل الحياة الروحية والفكرية عن طريق الإبداع وإعادة خلق الوقائع من أجل الارتفاع بالذكاء وتطهير الأخلاق وليس لإثارة النفور من الرذيلة بواسطة عرضه لمشاهد الخلل التي يمكن أن تكون موجودة في المجتمع.
* نظراً لأن المتهمين، وخاصة جوستاف فلوبير، ينكرون بشدة الاتهام الموجه إليهم مؤكدين أن الرواية المعروضة أمام المحكمة لها هدف سام أخلاقي، وأن المؤلف أراد قبل كل شيء عرض المخاطر التي تنتج عن تربية لا تتناسب مع الوسط المفترض التعايش معه. وبناء عل هذه الفكرة، أراد أن يظهر لنا أن المرأة، وهى الشخصية الأساسية في الرواية، التي تهفو إلى عالم ومجتمع لم تخلق لهما، امرأة تعيسة في الوسط المتواضع الذي وضعها فيه القدر، متناسية واجباتها أماً وزوجاً فأدخلت في بيتها على التوالي الزنا والدمار، وانتهت بالانتحار بعد أن مرّت بكل درجات السقوط التام حتى أنها وصلت إلى حد السرقة.
* نظراً لأن هذه الفكرة الأخلاقية في مبدئها، كان يجب أن تكتمل في عرضها من خلال بعض الصرامة والتحفظ في اللغة، وخاصة فيما يتعلق بعرض المشاهد والمواقف التي أراد المؤلف أن يضعها تحت أعين الجمهور.
* نظراً لأنه ليس من المسموح به، بحجة رسم الشخصيات وإبراز الطابع المحلي، إظهار الأفعال والأقوال والإيماءات المخلّة الخاصة بالشخصيات التي أخذ المؤلف عل عاتقه مهمة رسمها ، إذ إن مثل هذا الأسلوب إذا طبق على الأعمال الفكرية وأعمال الفنون الجميلة، سيقود إلى نوع من الواقعية تؤدى إلى نفي كل ما هو جميل وطيب، ويتولد عنها أعمال تخدش النظر والفكر، ولا تكف عن خدش الحياء العام والأخلاق الحميدة.
* نظراً لأن هناك حدوداً لا يجب عل الأدب، مهما كانت درجة إباحيته، أن يتخطاها، وهو ما لم يأخذه في الاعتبار بصورة كافة فلوبير وشركائه.
*  ولكن نظراً لأن الكتاب الذي ألفه فلوبير عمل يبدو أنه قد أعد له بتأنّ وجدية من وجهة النظر الأدبية وتحليل الشخصيات، وإن الأجزاء موضع الاتهام ، عل الرغم من أنها تستحق التجريم، قليلة جداً إذا قورنت بحجم الكتاب، وأن هذه الأجزاء سواء في الأفكار التي تعرضها أو المواقف التي تمثلها، تدخل في إطار الشخصيات التي أراد المؤلف رسمها، مع المبالغة فيها ومع تشبعها بواقعية سوقية تصدم القارئ في كثير من الأحيان.
* نظراً لأن جوستاف فلوبير يؤكد احترامه للأخلاق الحميدة وكل ما يمس الدين، ونظراً لأنه لا يبدو أن هذا الكتاب قد كتب، مثل بعض الأعمال الأخرى، بغرض إثارة الغرائز الجنسية أو بث روح الفجور أو السخرية من الأشياء التي يجب أن تحاط باحترام الجميع.
* وأنه أخطأ فقط في أنه نسى القواعد التي يجب عل كل مؤلف محترم ألا يتخطاها وأنه نسي أن الأدب، مثل الفن مهمتهما المساهمة في تعميق قيم الخير ويجب عليهما من ثم أن يتسما بالعفة والطهر بشكل عام لا في الشكل واللغة فحسب.
* نظراً لكلّ هذه المعطيات وبما أنه لم يثبت لدى الحكمة أن بيشاه. وفلوبير وبييه قد قاموا بارتكاب التهم الوجهة إليهم.
*  تقضي المحكمة بتبرئتهم من التهم الموجهة إليهم والإفراج عنهم بدون إلزامهم بالمصروفات.

وهكذا نرى أن المحكمة أسهبت في تأكيد دور الفن في إبراز القيم والأخلاق والارتفاع بالذوق والذكاء. كما أقرت أن هذه الرواية تتميز بجدية مؤلفها ودراسته الجادة للأنماط التي قدمها من خلالها. لكنها لم تستسغ هذا الأسلوب "الواقعي"، الذي يفضح الحقيقة بكل فجاجتها. لذلك أخذت بمقولة الدفاع في أن العمل الأدبي لا يمكن الحكم عليه إلا من خلال قيمته الأدبية. لذلك كان من المنطقي أن تبرئ الكاتب وتدين المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها وهي المدرسة الواقعية. فكان الحكم عل الشكل الأدبي وليس على أخلاقيات الكاتب.
ويمكننا القول في النهاية إن الشكل الأدبي الجديد يصدم القارئ برؤيته الجديدة للأشياء، ويضعه في مواجهة تساؤلات عجز النظام الأخلاقي المستقر الذي فرضته الدولة والدين عن الإجابة عليها. هذا النظام الذي كان القارئ يعتبره من المسلمات، والتي كان يجد لديه إجابات جاهزة عل كافة تساؤلاته. في هذه الرواية مثلاً، من ذا الذي يستطيع أن يدين "إيما بوفاري" في هذا المجتمع؟ أليست "إيما" إفرازاً لهذا المجتمع الذي فضح فلوبير زيفه ونفاقه؟
يأتي الأديب ويعيد إثارة قضايا تصوّرت الدولة والدين أنهما حسماها. من هنا ينشأ الصراع بين الأدب والنظام الأخلاقي المفروض من قبل السلطة السياسية والدينية، وهو صراع لم تستطع المحاكمات أن تحسمه لصالح تلك السلطات.

المصدر: مجلة فصول، العدد 02، بتاريخ 01 أبريل 1992، صص 131-138



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق