الأحد، 7 فبراير، 2016

فاطمة المرنيسي؛ عقل، بحجم عظمة امرأة: سعيد بوخليط




Fatima Mernissi, de Mustapha Saha
صبيحة يوم الاثنين 30 نونبر 2015، فتحت حاسوبي، قصد إلقاء نظرة سريعة على آخر المستجدات. عرجت، على العناوين الكبرى، لأحد المواقع الاليكترونية، بغتة رمقت، ما يلي: الساحة الثقافية تودع الكاتبة فاطمة المرنيسي. يا إلهي! لم أصدق، هكذا سقط الخبر، كنيزك ضخم. لماذا؟ كيف؟ لما؟ ما الموت؟ ما الحياة؟ لا حواشي. عند الساعة، الثانية عشر وخمس وأربعين دقيقة، شغلت التلفاز، كي أتابع النشرة الإخبارية للقناة الثانية المغربية: فعلاً، تأكد الخبر. سيدة من طينة المرنيسي، لم تعد بين ظهرانينا، إلى الأبد، ثم صمتت شهرزاد عن الكلام غير المباح.
انتقلت الكاميرا إلى منزلها، تحدثت إحدى جاراتها بعبارات متعبة ومتقطعة، والألم يعتصرها، على أن المرنيسي لم تكن كائناً عادياً، بالمفهوم الإيجابي للكلمة طبعاً، ثم دعت ودعا معها صوت المعلق بالرحمة لعالمة الاجتماع المغربية، بل العالمية، منهياً كلامه، بأنها ستدفن عصر ذلك اليوم.
هكذا، تغادريننا سيدتي، بهذه السرعة، سرعة زحف الضحالة علينا. مساء، عاودت الجلوس أمام حاسوبي، لمعاينة تفاصيل الجنازة: مأتم قزم جداً، لامرأة كبيرة، وتعاليق بلهاء تصغر الصغر حقارة، تراوحت بين الإنكار على النسوة الولوج إلى داخل المقبرة سافرات، ولايجدر بهن مرافقة المرحومة إلى مثواها الأخير! وأن كتابات المرنيسي تمردت على شريعة الله، لذلك فلتذهب للجحيم! أصدقهم إيماناً، أقروا صراحة بجهلهم الاسم! بعد يومين أو ثلاث، أطلق أحد شيوخ الـ ''سيلفي" (selfie) والنساء وهرطقات يوميات التآكل الفكري، نظرية علمية مفادها، أنه ربما تكرم كي يدعو للـ مرنيسي بالجنة، لو أعلنت توبتها! من يدعو لمن؟ من هو الكائن البشري، الذي يملك مفاتيح الجنة؟ تذكرت صكوك الغفران، خلال القرون الوسطى المظلمة! حتى العشرة المبشرين بالجنة، كما أخبرتنا كتب السير، تحلوا دائماً إلى غاية وفاتهم، بمسلك التواضع والتأهب، معلنين جهاراً، أنهم لايملكون لأمرهم وأمرنا شيئاً.
إذن، برحيل المرنيسي، يكون الفكر العربي المعاصر، في رافده النهضوي التحديثي، قد فَقَد إحدى لبناته المفصلية، ضمن قائمة ليست بالمتوفرة دائماً، أو السهلة التوضيب، لكنها نوعية وثمينة، يستحيل تعويضها لا آجلاً أو عاجلاً، نظراً لانتفاء المعطيات والشروط الموضوعية والذاتية، ولأن زمان المعرفة والأفكار والمشاريع الكبرى والقيم والمكابدة والتضحية والتفكير في الآخر والجدارة والاستحقاق والأصالة والمبدئية، قد ولى لصالح الجهل والأحداث والتفاهات والكلبية والسهل والوصولية والأنانية والتحايل والزيف والحربائية.
قومياً، تنتمي المرنيسي إلى سلالة المعتزلة وابن رشد وصوفية الحلاج وشعراء الحداثة خلال القرن الثاني الهجري، ورموز النهضة من قاسم أمين إلى محمد أركون، الذين انكبوا غاية الجنون: على جدليتي المعرفة والتقدم. أما مغربياً، فلا ريب، أنها من صفوة الرواد: محمد عزيز الحبابي، محمدعابد الجابري، عبد الله العروي، عبد الكبير الخطيبي، ادريس الشرايبي، أحمد الصفريوي، محمد خير الدين، عبد اللطيف اللعبي، إدمون عمران المليح، أبراهام السرفاتي، فريد بلكاهية، محمد جسوس، المهدي المنجرة، محمد بنيس. هكذا، يلاحظ أن المرنيسي، باحثة من العيار الثقيل، مثلت بقوة وريادة وبهاء وجدارة، الصوت النسائي.

المرنيسي، المنحدرة من عائلة فاسية بورجوازية، تعتبر نتاجاً ليس فقط رمزياً لكن واقعياً، لفكر الحركة الوطنية، فكانت المرأة الذكية، المتوقدة الذهن، الجريئة والشجاعة. تلقت معارفها الأولى، فجر الاستقلال، داخل حجرات المدارس الحرّة، التي أسستها الحركة الوطنية لمناهضة التعليم الفرنسي. بعد دراسات أكاديمية للعلوم السياسية بجامعة السوربون العريقة، وحصولها على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة برانديس كنتاكي الأمريكية: «ستعود إلى المغرب لتلتحق أستاذة باحثة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، حينها كان سيف التهميش مسلطاً على آل مدرسة القلق، والألق محسوم لفريقين على الأقل، جسوس في وحدة علم الاجتماع القروي، وباسكون في معهد الزراعة والبيطرة، فأنى لها وحسم النتيجة لاختيارها النسائي…، لهذا ستنطلق المرنيسي في تدبير زمنها الخاص، وتجذير ممارستها السوسيولوجية بالنزول إلى الميدان. حينها ستمنح الكلمة لنساء في الظل، لأصوات من الهامش، من القرية و''الموقف'' والمعمل والرصيف والبيت، لمواطنات من الدرجة الثانية لم يسألن من قبل، عما يعتمل في أعماقهن، وما يرغبن أو لا يرغبن فيه، حينها ستكتشف فاطمة المرنيسي حيوات أخرى جديرة بالتأمل والتحليل السوسيولوجي. وسيكون علينا أن ننتظر حلول سنة 1991 لنقرأ حاصل هذه المقابلات في كتاب موسوم ب''المغرب عبر نسائه''»(1).
قائمة إصدارات مؤسِّسة، باللغات الفرنسية والانجليزية والاسبانية، غدت مؤسَّسة في حد ذاتها، تقتضي لتبين دواخلها، أوراشاً بحثية عدة: السلوك الجنسي في مجتمع إسلامي رأسمالي تبعي(1982)، المغرب يتحدث عنه نساؤه(1983)، الحريم السياسي (1987)، الجنس، الايدولوجيا والإسلام(1985)، ماوراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية(1987)، شهرزاد ليست مغربية(1987)، سلطانات منسيات: نساء قائدات في دولة الإسلام(1990)، شهرزاد ترحل إلى الغرب(1991)، الخوف من الحداثة الإسلام والديمقراطية(1992)، هل أنتم محصنون ضد الحريم؟(1998)، أحلام النساء(1998)، الحريم الأوروبي(2003)، الحب في البلدان الإسلامية(2007).
بالتأكيد نقلة فكرية نوعية من هذا القبيل، قياساً لمنظومة سياسية وثقافية واجتماعية كليانية، ومنغلقة، تتفنن فقط في إرساء الطابو، لم يكن لتنعم بالهدوء، أو تفرش لها الورود، هكذا تعرضت نصوصها: 1. الحريم السياسي:النبي والنساء. 2. ماوراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية. 3. الحجاب والنخبة الذكورية، للحظر، تحت مبررات شتى، في طليعتها تهمتي الاستشراق والاستغراب، والسعي الضمني لتقويض أصول التراث الإسلامي، علماً أن جوهر كتابات المرنيسي، قامت مبدئياً على مماهاة التراث والإسلام، عبر إعادة قراءتهما، وإخضاعهما للتمحيص والفحص والنقد، مؤكدة باستمرار على مكانة المرأة في الإسلام، حسب نصوصه المجردة عن التأويلات السياسوية الدوغمائية، فزوجات النبي كنا يناقشن السياسة ويذهبن إلى الحرب، كما أن الحريم لايرتبط تأصيلاً بالدولة الإسلامية بل يعود إلى الحضارات القديمة. أيضاً، الغربيون لهم حريمهم، رغم كل مظاهر الحداثة: «فاطمة المرنيسي، وخلافاً لما يروجه عنها أصحاب القراءات المتسرعة، لم تكن يوماً ضد الإسلام، إنها تناضل وتفكر معرفياً من داخل النسق الثقافي الإسلامي الذي تعتبره أعطى المرأة مكانة مائزة يتوجب العمل باستمرار على استعادتها، حتى لاتظل ثقافة الحريم والاستعباد هي المسيطرة مغربياً وعربياً وكونياً. ذلك، أن مقاس38 بات هو النموذج والمثال، حتى في الضفة الأخرى تأكيداً لتسليع المرأة وتشييئها. المرنيسي، كثيراً ما تبدي انزعاجها حتى من بعض مناضلات الحركة النسائية، اللواتي يجعلن من معاداة الإسلام والثقافة المجتمعية المحلية شرطاً وجودياً لاشتغالهن، كما تنزعج أكثر من ذات ''المناضلات'' وهن يتحدثن عن الرجل كعدو احتياطي يتوجب التخلص منه في أقرب منعرج حياتي»(2).
ولأن الفكر الأصيل، لايجد كل يوم من ينتظره، فقد استمر متن المرنيسي، مرمى لأحكام سطحية جاهزة، توقد جمرها المنظومة الرسمية، التي تتعارض مصالحها مع هذا النوع من الفكر المتسائل، الاستشرافي والمختلف، لأنه يخلخل مرتكزاتها البالية. مع حلول الأعوام الأولى، من الألفية الثالثة، بدأ الإنصاف يألف نسبياً طريقه صوب المرنيسي. فازت سنة 2003، بجائزة أستورياس الاسبانية مناصفة مع الناقدة والروائية الأمريكية سوزان سونتاغ، واختيرت إلى جانب أمبرتو إيكو، عضوة ضمن لجنة الحكماء لحوار الحضارات، قصد التأمل في مستقبل العلاقات الأوروبية المتوسطية، التي شكلتها اللجنة الأوروبية برئاسة رومانو برودي. وفي السنة الموالية، أي عام 2004، حصلت على جائزة ''إراسموس'' الهولندية بمعية المفكر السوري صادق جلال العظم والإيراني عبد الكريم سوروش. أما، صحيفة الغارديان البريطانية، فقد صنفتها في لائحة المناضلات الأوائل الأكثر تأثيراً على الصعيد العالمي، وهي التي لم يمنعها تركيزها العلمي الدقيق، وعملها التدريسي بجامعات فرنسية وأمريكية، ثم عضويتها في مجلس جامعة الأمم المتحدة، كي تساهم عملياً وبفعالية من أجل تكريس فاعلية المجتمع المدني المغربي، بحيث أطلقت مبادرة ''قوافل المدينة'' وكذا تجمع ''نساء،أسر،أطفال''، متوخية أن تبلور على أرض الواقع آفاق مشروعها التحديثي، الذي تنهض أولى خطواته على حق الفتيات في التعلم والنضال، من أجل تثبيت حقوقهن ومساواتهن مع الرجل بخصوص الفرص، ثم مناهضتها لفكرة الحريم وتعدد الزوجات: «لن يولد المجتمع العربي كمجتمع معرفة، يتكيف مع المجرات ودقائق التقنية الحديثة، ما لم يتح للمرأة أن تتعلم، وتشارك في صنع القرار، وتنسج أفكارها حول شبكات البث الاليكتروني، مثلما كانت الجدات تحيك بتلقائية آلاف الأزهار الهندسية فوق السجاجيد»(3).
سيكون من باب التعسف المنهجي والنظري، وصل المرنيسي، باجتهادات نوال السعداوي أو سيمون دي بوفوار، نظراً للتباين الجلي على مستوى العدة الإبستمولوجية والسياقين المعرفي والتاريخي، فعالمة الاجتماع  المغربية تفوقت على زميلتها المصرية، نظرياً ومفهومياً، بحيث تظهر نصوص المرنيسي أقرب إلى التصنيف الأكاديمي البحث، من نقاشات السعداوي. كذلك، صاحبة الحريم السياسي، تفوق فيلسوفة فرنسا جرأة واختراقاً لمغاوير منظومة سلطوية، مترهلة، شائكة، بطريركية حد النخاع، توتاليتارية المنحى، يتداخل فيها غاية التضليل، السياسي والمقدس والمدنس والتراثي والمجتمعي والأنثروبولوجي والرؤيوي والماضوي. منظومة، تكلست على امتداد آلاف السنين، جراء اغتيال العقل، يستحيل أن يتجه تفكيرك إلى مجرد إفراز الحقيقي عن اللا-حقيقي، كي تصطدم بشبكة علائقية لانهائية من الحرام، والذي لايختلط صدفة لغوياً، بمفهوم الحريم، بل هو مجرد تحريف صوتي بسيط: «وكلمة حريم، تعني الحرام والحرَم في آن، أو المكان المقدس الذي يخضع الدخول إليه إلى قوانين محددة وصارمة. والحريم هو كذلك الفضاء الخاص المحظور على العموم»(4). 
هكذا، عندما نحاول استحضار الحمولة المفهومية، التي استندت عليها تأملات المرنيسي، كـ: الحجاب، الجنس، الإسلام، شهرزاد، شهريار، الجسد، الذكاء، الحلم، ..، السلطة، الايدولوجيا… ولايمكننا، إغفال بأي شكل من الأشكال، النواة الجامعة لكل ذلك والمحركة لخيوطها، أقصد الحريم، أي هذا الإحساس المرضي القديم، المشبه من طرف المرنيسي بالوباء الفتاك، الممتد على الأقل قياساً لتاريخنا العربي إلى فترة الخليفة العباسي، هارون الرشيد، متوهمين خطأ أننا قد نجحنا في اجتثاث ثقافته، والتخلص من تبعاته، كما حدث مثلا مع التيفوئيد أو السل: «كلما فكرت في الحريم، حلقت بخيالي صوب القرون الأولى من تاريخ الإسلام بعد موت الرسول محمد، في السنة الحادية عشر هجرية (632 ميلادية)، تعاقبت دولتان على حكم العالم الإسلامي: الأمويون (750-661)، وعاصمتهم دمشق، ثم الدولة العباسية (750-1258)، التي اختارت بغداد مركزا لحكمها. لا يقل عن واحد وخمسين، خليفة حكموا خلال هذه الحقبة الزمانية، غير أن الاسم الذي يقفز إلى ذهني، من بينهم جميعاً، هو هارون الرشيد. اسم، جعل العرب يحلمون منذ القرن التاسع الميلادي. يتمثل أحد عوامل ذلك، في مزاجه السحري بين خصائص ميزته، جسدياً وذهنياً: كان هارون الرشيد شاباً وسيماً، ورياضياً، وذكياً، وأيضاً مثقفاً جداً، له طموحات كبيرة على المستوى العسكري. تميز، بخبرة حربية وقدرة عظيمة على ممارسة شؤون الحكم، لكنه يبدو مع كل ذلك،أنه كان عاشقاً كبيراً»(5). 
يصيب وباء الحريم الرجال، بحيث يجعلهم ينظرون إلى رفيقاتهم كجاريات، وما يحويه شعور كهذا، من نظام قيمي وسلوكي، ينطوي على كل معاني التسلط والتعالي.الرغبة الواعية أو المستكينة، المتطلعة إلى امتلاك خادمة أو جارية أو قن أو عبد، تسيطر على مخيلتهم وتدغدغ أحلامهم، بما فيهم أصحاب المواقع الاجتماعية الطليعية: «وللأسف، فهذا الفيروس الخبيث يهاجم الرجال في عالمنا اليوم، على غرار عائشة قنديشة اللعينة، ويتغلغل في عقولهم ويوحي لهم برغبة جامحة في أن يروا شريكتهم التي تضاهيهم تحضراً، ولعلها أستاذة في جامعة محمد الخامس، أو طبيبة في مشفى ابن رشد بالدارالبيضاء، تتصرف كالجارية»(6). جارية، متأهبة حسب المرنيسي، لدعوة سيدها. إنها، هنا لتخدمه. 
يصعب تشخيص وباء الحريم فيزيائياً، أو الإحاطة بأعراضه، كما الحال مع الأمراض العضوية، مما يعقد الأشياء ويضاعف غموض وصعوبة هذا الوباء، بالتالي إمكانية الحد من انتشاره، يعترض الذات ويقتحمها ويخلخل توازنها، ويخلق لديها اضطراباً وقلقاً سيكولوجيين، فامتلاك المرء لصحة بدنية سليمة، لا يعتبر وحده كافياً، كي ينعم بالسعادة: «ولا يملك فيروس الحريم الغريب هذا عوارض جسدية ممّا يزيد الأمور تعقيداً، فهو يهاجم استقرارك العاطفي، وتختلف الصورة التي يتجلى فيها باختلاف ''ميادين المعركة" لو شئنا التعبير عن ذلك باللغة العسكرية، إذ يصور هذا الفيروس الماكر لدى البعض أحلاماً خفية يتخيل فيها الرجل نفسه بصحبة ثلاثة نساء يقمن بتدليله، وإن كانت امرأة واحدة ترضيه كل الرضى على أرض الواقع. ويوقظ هذا الفيروس، لدى البعض الآخر، الرغبة عند الرجل بشريكة سلبية دائمة الخضوع والصمت، حتى لو كانت مدججة بالشهادات الجامعية، تدير ورشة بناء تضم مئات العمال في مراكش، أو ترأس شركة تأمين في الدارالبيضاء، أو تتعامل بالمليارات يومياً في أحد المصارف»(7).
لاشك، أن نوعية مقاربة المرنيسي، لـ هارون الرشيد، باعتباره مدخلاً لا فكاك منه، لتتبع مسارات الحريم في الثقافة العربية الإسلامية، تؤكد من جهة حسها العلمي الخالص، المتخلص من كل شوائب الذاتية والتبسيط والاختزال والاجترار والفولكلور والتعصب. ثم من جهه ثانية، أظهرت استدلالاتها حيادها التام، مما يسحب عنها تهمة معاداة الإسلام، المترسخة لدى الكثيرين، وأن ما يهم المرنيسي أولاً وأخيراً، جعل النصوص تتكلم لا أقل ولا أكثر. تقول مثلاً هنا: «تقدم وسائل الإعلام الأمريكية صورة سلبية للغاية عن الرجل العربي، وتنسب إليه جريمة لا تغتفر في الأخلاق البروتستانية، ألا وهي أنه قد أنشأ الحريم. فالعربي صاحب هذه الفكرة المستهجنة في الأخلاق المسيحية المتشددة، والقائمة على اتخاذ العديد من النساء شرعاً كشريكات جنسيات. ولو قرأنا كتب التاريخ، لاكتشفنا أن العرب لم يكونوا آباء الحريم. فقد عرف الحريم الإمبراطوري في تاريخ المتوسط قبل 700 عام على ظهور الإسلام، لدى الإغريق والرومان على حد سواء، وسيكون هؤلاء مثالاً للخلفاء والسلاطين المسلمين. ففي الواقع، لقد ظهر الإسلام في القرن السابع، وكان الإغريق يمارسون الحجر على النساء قبل أحد عشر قرناً بما أن الحريم كان معروفاً في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد»(8).
ثانيا، هارون الرشيد المتهم بكونه أسس وهيكل وبنين تقليد الحريم، لأنه كان عاشقاً كبيراً مولعاً بالمرأة، أحاط به ما يقارب ألفين جارية، هو الرجل ذاته تؤكد المرنيسي، الذي مارس بجدية شؤون الحكم، وقاد بنفسه إلى ساحة المعارك، جيش الإمبراطورية الإسلامية، خلال مدة ناهزت ثلاثة وعشرين سنة: «لم يكن هارون الرشيد يكتفي بإعطاء الأوامر بل يقود جيوشه شخصياً إلى ساحة الوغى»(9). إبان، صراعات مستمرة مع الرومان، تمكن بعدها من الاستيلاء على بيزنطة. هارون الرشيد، الحاكم الغازي، المدرك في أوج غرامياته، لمعادلة: «أن رجلاً مغرماً قد يجازف بافتقاد سلطته أمام النساء»(10)، أضفى على اللحظة التاريخية للدولة العباسية، هذا التمازج والتلاقح والتوالد، بين العنصر العربي والشعوب الأخرى، وما نجم عنه من غنى وثراء فكري، بل انحدر أصل بعض الخلفاء العباسيين من أمهات رومانيات كما الحال مثلاً مع المأمون والواثق والمنتصر والمهتدي، لذلك استطاعت كثير من النساء العبيد تغيير بنية القصور العربية، وضع لا يمكنه التبلور سوى داخل مجال النظام الثقافي الإسلامي، نظراً للمجال الحقوقي والتحرري، الذي أعطاه الإسلام للعبيد، بينما كان الأمر مستحيلاً مع الحريم اليوناني أو الروماني.
إذن هارون الرشيد، هو أيضا السياسي المحنك، واستراتجي الحرب، المتضلع في العلوم والآداب، الذي وازن بين اللذة والعقل والجسد: «يؤدي بانتظام واجباته كحاج وخوضه لحرب مقدسة. أقام آباراً وصهاريج وكذا مآوي على امتداد الطريق المؤدية إلى مكة… عمل، على تعزيز الحدود، وتحصين مدن عدة…، وأنجز مشاريع هندسية لا تحصى، كما شيد منازل للضيافة»(11). وأول، خليفة عباسي مارس لعبة الشطرنج والنرد، مع تشجيعه مادياً للمتفوقين والمهرة... 
ثالثاً، وهو مايشكل ربما ''انقلاباً كوبرنيكياً' 'في اجتهادات المرنيسي بخصوص الأحكام الجاهزة حول هذا الموضوع، فالحريم مثّل ولازال حتى الآن، محدداً لا واعياً لرؤى الغربي، رغم منجزات التحديث، وإلا فما دلالات تلك المرأة، التي تصنعها القوانين التجارية للموضة، وتنمذجها فلسفات الرشاقة والماكياج؟ تقول المرنيسي:

 «فجأة اتضح لدي لغز الحريم الأوروبي، داخل معبد للاستهلاك، أقصد متجراً كبيراً بمدينة نيويورك، عندما أخبرتني البائعة بلهجة كاهنة، بعدم وجود تنورة على مقاسي، لأن جسمي حسب تفسيرها للأمر، يحمل وركين واسعين جداً.» «على امتداد كل هذا المحل التجاري، الذي يكبر بمائة مرة، بازار أسطنبول، ومع ذلك لا تتوفرون على تنورة تتناسب ومقاسي؟ ربما تمزحين !». أشك بقوة، أن تكون هذه السيدة الأنيقة كسولة. شيء إذن، بوسعي استيعابه، لكنها ستلح على تأكيدها، بصيغة متعجرفة:
«إنك ضخمة جداً…
- أنا ضخمة جداً، قياساً إلى ماذا؟ أجبت وأنا أركز عليها انتباهي، مع إدراكي في نفس الوقت لإمكانية، أن أتواجد بغتة بجانب هوة ثقافية حقيقية.
- مقارنة مع مقاس خصر لا يتجاوز 38» أخذ صوتها نبرة فتوى غير قابلة للاعتراض»(12).

إذا كانت الطريقة المثلى لفهم الغربيين، تكمن في قراءة نصوص فلاسفتهم، فلا شك من الناحية الجينية، تبدو تصورات كانط حاسمة بهذا الخصوص، استناداً إلى كتابه: "ملاحظات حول الإحساس بالجميل والعظيم". وضع، من خلاله حداً فاصلاً، بين الذهني والإغواء، الذكاء أو الجمال؟ مرتكزاً مبدئياً، على قاعدة أن الجمال قوامه الأنوثة: «حسب كانط فدماغ امرأة عادية، مبرمج لـ ''الحساسية الأكثر نعومة''، بالتالي عليها التخلي عن «التنظيرات والمعارف المجردة، مع أنها مفيدة لكنها جافة»، وتركها للرجال، لأن «من شأن انكباب المرأة على الدراسة المتعبة أو التفكير الذي لا يبهج المزاج، إنهاك ما يميز حسها من خصائص، وقد لا يشكل موضوع تقدير لافت بسبب ندرة النساء في هذا المجال، كما أنها ستقضي على الجوانب الفاتنة والتي تمارس بواسطتها تأثيراً على الرجل… إن امرأة يزخر رأسها بفكر الإغريق، بوسعها أيضاً أن تنبت لحية»(13).
أما حديثاً، فتكريس معيار إغراء قوام المرأة المثالي، يتواصل يومياً بين صفحات المجلات وإعلانات الفضائيات والملصقات، فالجميع استأنس بأسماء: كالفان كلاين، رالف لورين، جياني فيرساتشي، أرماني، فالونتينو، كريستيان ديور، سان لوران، كريستيان لاكروا، جون بول غوتييه: «الماكرون من رجال الغرب…، يتغنى لسانهم بالديمقراطية صباحاً، لكنهم مساء يتأوهون إعجاباً أمام فتيات جميلات وجد يافعات، ابتسامتهن آسرة بقدر فراغها، من خلال استعادة ثانية وبصيغ أخرى للشعار الذي تغنى به كانط: جميلة وبلهاء، أو ذكية وذميمة»(14). 
قاعدة الخصر، تسليع الإغراء، تقنيات الموضة، نظام الحمية، الاستهلاك السلعي لجسد الأنثى، لعبة تدفق ملاين الصور والرسائل الإشهارية…، تعكس على جميع المستويات تعنيفاً رمزياً، تتوارى عبره ثقافة حريم غربي، تضلل بالاختيارات الجمالية المفروضة، فتجعل من المرأة المعاصرة مجرد عبد حريمي وجارية في معبد الإغراء واللذة، تماماً كما حدث خلال العهود القديمة. 
تلكم، فقط شذرات عابرة، قياساً لمشروع علمي رصين، أنجزه بلا توقف عقل بحجم عظمة امرأة، ستظل خالدة طبعاً، اسمها فاطمة المرنيسي.

  

الهوامش:
1) عبد الرحيم العطري: مدرسة القلق الفكري، بورتريهات السوسيولوجيا المغربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، 2013 ، ص:  38-39
2) نفسه،ص 41 .
3) نفسه، ص 40
4) فاطمة المرنيسي: هل أنتم محصنون ضد الحريم؟ ترجمة نهلة بيضون، نشر الفنك والمركز الثقافي العربي،2008،ص9 . 
5) Fatéma Mernissi :Le Harem européen ; editions le fennec ; 2003.p ;135.
6) فاطمة المرنيسي: هل أنتم محصنون ضد الحريم؟، مرجع سابق،ص،6- 7  .
7) نفسه،ص13 -14 .
8) نفسه،ص93 .
9) نفسه، ص 75 .
10)    Fatéma Mernissi :Le Harem européen ;ibid. ;p ;136 .  
11)   ;p ;137.  Ibid.
12)  p ;228. Ibid.
13)    p ;109 -110.  Ibid.
14)  Ibid. p ;234.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق