السبت، 27 فبراير، 2016

جان جينيه ودراسة سارتر عنه: جورج باتاي



ترجمة حسين عجة                                                                    
                                                                
«الطفل الذي عُثر عليه دللَ على أنه محكوم بغرائز شريرة، منذ سنوات عمره الأولى، إذ قام بسرقة الفلاحين الفقراء، الذين كانوا قد تبنوه. وكلّما وُجّه إليه اللوم، كلّما أصرَّ على فعله؛ لقد هرب من سجن الأطفال، الذي كان لا بدّ من وضعه فيه، وأصبح يسرق وينهب براحته، بالإضافة إلى ذلك، عَهَّر نفسه. لقد كان يعيش في البؤس، من الشحاذة، والاختلاسات، كما كان يُضاجع الجميع ويخون كلّ واحد، بيد أنه لم يكن ثمة ما يُهبط حماسه: إنها اللحظة التي ينتقيها لكي ينذر نفسه، طواعية، للشر؛ أي اللحظة التي يقرّر فيها بأنه سيفعل ما هو أسوأ ومهما كانت الظروف، وذلك بعد إدراكه بأن الجرم الأكبر لا يكمن في فعل الشرّ، وإنما بالكشف عنه؛ لقد كتب من السجن أعمالاً كانت بمثابة مرافعة دفاعية عن الشر، ومن ثم فهي خاضعة لسلطة القانون. غير أنه سيخرجُ، للسبب ذاته بالتحديد، من السفالة، البؤس والسجن. وها إن كتبه تُطبع، وتتم قراءته، وسيضعُ أحد المخرجين من حملة وسام الشرف إحدى مسرحياته على الخشبة. كذلك أسقط رئيس الجمهورية عقوبة الحكم الذي كان عليه دفعها، بسبب الجنح التي ارتكبها مؤخراً، وتفاخره في كتبه من اقترافها؛ وحينما قُدمت إليه احدى ضحاياه الأخيرة قالت له: «إنهم يخلعون عليك الآن لقب المجد، ياسيدي. لتحمل نفسك مشقة الاستمرار وحسب»(1).
يواصل سارتر: «ستقولون إنه لا يمكن تصديق هذه القصة: ومع ذلك، هذا ما حدث لـ جينيه».
ليس ثمة ما يمكن عمله أفضل من ذلك، بغية إثارة الدهشة حيال شخص ومؤلف يوميات لصّ (Journal du voleur). فـ جان بول سارتر يكرّس لهما، اليوم، عملاً طويلاً، لكني أسارع للقول إنه واحد من الأعمال النادرة الجديرة بالاهتمام. كلّ شيء يتمظهر لكي يجعل من ذلك العمل نصباً تذكارياً: سمعته أولاً والفطنة المفرطة التي يُدلّل عليها، وكذلك الجدة والأهمية المذهلة لموضوعه، لكن أيضاً العدوانية الخانقة، والحركة المتواترة التي تزيد الضغينة من قوتها، وتجعل من الصعب على المرء أحياناً المراهنة عليها. يترك كتاب سارتر، في نهايته، انطباعاً بوقوع كارثة مُلتبسة وذات طبيعة مخادعة بشكل عام، غير أنه يُسقط الضوء على موقف الإنسان الحالي، الذي يرفض كلّ شيء، والخارج عن القانون.
Leonor Fini, "Portrait de Jean Genet II" (1950).
بتيقنه من هيمنته الثقافية التي لا تتمتع بممارستها، في زمن التفكك والانتظار، إلاّ بمعنى ضعيف، حتى من وجهة نظره هو، يقدّم لنا سارتر "القديس جينيه" (Saint Genet)، باعتباره كتاباً كتبه في النهاية لكي يعبر فيه عن نفسه. إن عيوبه واضحة أكثر من أي وقت آخر: لم يدع من قبل أبداً أفكاره تتلجلج أكثر مما هي عليه في هذا الكتاب، كما أنه لم يكن يرغب بغلق نفسه أكثر على انتشائياته السرية، المُعطاة بالصدفة، التي تخترق الحياة وتنيرها: المراهنة على رسم الرعب، بمحاباة تدين ذلك المزاج. فالضيق هو، في واحد من جوانبه، أثر لسير يُبعد المرء عن الدروب المحدّدة. من جانب آخر، أظن بأن التصلب الذي يقصي لحظات السعادة الساذجة غير مُبرر، لكن اللحظة التي تحدّدها السذاجة هي نقيض اليقظة (éveil). بهذا المعنى، وبالرغم من دهشتي أحياناً، وحتى ضحكي، لا أرفض عدوى الاشتراطات المُرّةِ، التي تُبعد العقل عن إغواء الراحة. وفي النهاية، ينبغي علي القول إني غير معجب، عبر تطورات كتاب القديس جينيه، إلاّ بهياج البطلان (nullité)، ونفي القيم (négation de valeurs) الأكثر جاذبية، التي لم يكفّ الرسم عن التأكيد عبرها على القول إن ما يتوافق مع السفالة هو المضي بها إلى حدّ اكتمالها. من جانب جان جينيه،  يجعلنا سرد تلك القذارات، حينما يتحدث عن اللذّة التي يعثر عليها فيها، منذهلين، أمّا من جانب الفيلسوف؟... يتعلق الأمر، كما يبدو لي –وهو صحيح، من جانب منه على الأقل- بإدارة المرء ظهره للممكن (au possible) لكي ينفتح، دون لذّة، على المستحيل (l’impossible sans plaisir).
لا أرى في تلك الدراسة، التي لا نهاية لها، واحداً من الكتب الأشد ثراءً في عصرنا وحسب، وإنما أيضاً تحفة سارتر، الذي لم يكتب أبداً ما هو أكثر منها إشراقاً، حيث لا يفلت أي شيء من قوة الغبار العاديّ للفكر. لقد كانت كتب جينيه المُرعبة نقطة انطلاقته المحبذة: أتاحت له استخدام قيمة الصدمة بكاملها، وكذلك الصخب ذا العواقب المحسوبة. كما طرحَ، عبر موضوع دراسته، الرهان الأكثر التهاباً. كان من الواجب علي قول هذا، ذلك لأن القديس جينيه لم يقدّم نفسه أبداً كعمل فلسفي هام. لقد تحدث عنه سارتر بطريقة تجعلنا على حق إذا ما أخطأنا، فهو يقول لنا إن جينيه «يسمح بنشر أعماله الكاملة علناً مع مقدمة بيوغرافية ونقدية، كتلك التي وضعت لأعمال باسكال وفولتير، في منشورات "كتاب فرنسا العظام"»(2)... سأتجنب الحديث عن النيّة التي جعلت سارتر يضعُ كاتباً، مهما كان تفرّده وتمتعه، الذي لا شك فيه، بموهبة؛ كاتب مُقلقٌ من الجانب الإنساني، على نفس صعيد مجد الكتاب الكبار: قد يكون جينيه ضحية لسحر ما؛ كما أنه تخلى عن الهالة التي أحاطها به التفاخر الأدبي (snobisme littéraire)، فـ جينيه وحده جدير باهتمام أكبر. سوف لن أصرّ على ذلك. وفي مطلق الأحوال، سيكون أمراً غير مبررٍ النظر لدراسة سارتر الضخمة باعتبارها مجرّد مقدمة. وإذا ما افترضنا بأن هذا العمل الأدبي لا يتناغم مع مقصده البعيد، فذلك لا يُقلل من شأنه كونه الاستقصاء الأكبر حريّة، والأكثر مغامرة، الذي كرّسه الفيلسوف لمشكلة الشرّ (problème du Mal).


التكريس الكامل للشرّ
يرتبط ذلك أولاً [لكنه لا يرتبط فقط] بتجربة جان جينيه، الذي يشكل هو نفسه قاعدة لها (qui en est la base). فـ جان جينيه لم يشرع في بحثه عن الشر كما يفعل آخرون ببحثهم عن الخير. هنا تكمن تجربة تبدو عبثية من الوهلة الأولى. وقد أشار سارتر إلى ذلك بوضوح؛ فنحن نبحث عن الشر بالقدر الذي نعتقد فيه بأنه هو الخير (le Bien). ومن ثم لا بدّ وأن يكون بحثٌ كهذا مُخيباً، أو يتحول إلى دعابة. لكن أن يكون منذوراً للفشل، فذلك لا يعني خلوه من الأهمية.
هناك أولاً شكل تمرد الفرد الذي يقصيه المجتمع. فبعد أن تخلّت عنه أمه، وتولت المساعدة الاجتماعية تربيته، لم يكن لـ جان جينيه إلاّ حظ ضعيف بالانضمام إلى أخلاق الجماعة، لا سيما وأنه يتمتع بعطية الفطنة (don de l’intelligence). كان يسرق، ومن ثم إلى السجن، وفي مقدمتها السجن الإصلاحي الذي أصبح نصيبه (son lot). لكن إذا كان المقصيون عن مجتمع شرعيّ لا يمتلكون «الوسائل التي يقلبون بها النظام القائم...، فهذا لا يعني بأنهم لا يتخيلون أبداً "غيرها" وبالتالي لا يعجبون أكثر بالقيم الثقافية والطرق الأخلاقية للطبقات صاحبة الامتيازات...: ببساطة، عوضاً عن حملهم لدمغة الخزي بحياء، سوف يستحوذون عليها بتفاخر». «أيها العبد القذر، يقول أحد الشعراء السود. ثم ماذا! أنا عبد قذر وأحب عبوديتي أكثر من بشراتكم البيضاء»(3). يرى سارتر في ردة الفعل الأولى هذه المرحلة الإتيقية للتمرّد (éthique de la révolté)(4): إنها تقف عند حدّ الكرامة (dignité). غير أن الكرامة المقصودة هنا تختلف عن الكرامة الشائعة، فكرامة جان جينيه هي المطالبة بالشر (revendication du Mal). لذا لا يمكنه القول إذاً، على عكس البساطة الساخطة لـ سارتر، مجتمعنا السافل. بالنسبة لـ جينيه، المجتمع ليس سافلاً (abjecte). لكن يمكن للمرء توصيفه بتلك الطريقة إذا ما جعل الاحتقار المبرّر يمرُّ قبل هم التدقيق (le souci de la précision)؛ إذ يمكنني دائماً تسمية الفرد المبالغ باعتنائه بنفسه: «ما هو إلاّ كيس مُمتلئ بالخراء»، وبذلك سيطرح المجتمع الانحطاط بعيداً عنه، إن لم يكن عاجزاً. من وجهة نظر جينيه، ليس المجتمع نفسه منحطاً، وإنما هو بالذات: سيحدّد بالدقة السفالة عبر ما هو عليه (par ce qu’il est)، من خلال ما كان عليه سلبياً، إنّ لم يكن تفاخراً. من ناحية أخرى، السفالة التي يُتهم بها المجتمع لا تشكل شيئاً، فلكونها نتيجة لأفراد فاسدين سطحياً، لذا فهي تنطوي دائماً على محتوى إيجابي. فلو عرفَ أولئك الأفراد الوصول إلى نفس الغايات بوسائل شريفة،  لكانوا قد فضلوها: يرغب جينيه بالسفالة، وإن لم تحمل له سوى العذاب، فهو يحبها من أجل ذاتها، فيما وراء التسهيلات التي يعثر عليها بفضلها، إنه يعشقها بحكم ميل دوخانيّ (propension vertigineuse) نحو الانحطاط، الذي لا يضيّع نفسه فيه أكثر مما يضيّعها الصوفيّ في الله، عند وصوله إلى ذروة انتشائه.

سيادة وقدسية الشرّ
يمكن أن تكون هذه المقاربة غير متوقعة، لكنها تفرض نفسها حداً جعل سارتر يكتب، مستشهداً بعبارة لـ جينيه: «ألا يمكننا القول إنها تشكيات صوفي في لحظات جفاف (moments de sécheresse)؟»(5). وذلك ما يتجاوب والأمل الجذري لـ جينيه بالقداسة (sainteté)، مفردة نطق بها، وهو يمازج فيها ما بين القدسي وطعم الفضيحة، ذلك لأن هذه الأخيرة هي «أجمل مفردة في اللغة الفرنسية». وهذا ما يوضح العنوان الذي اختاره سارتر لكتابه: القديس جينيه. في الحقيقة، يتعادل الرهان على الشر الفائق مع الخير الأسمى (du Bien suprême)، ذلك لأنهما، كلاهما، يرتبطان بقوّة بالصرامة التي يدعيها أحدهما. بيد أننا لا نستطيع خداع أنفسنا بمفردة الصرامة؛ كذلك لم يكن أبداً لكرامة وقداسة جينيه من معنى آخر: لا سبيل آخر إليها غير السفالة. وتلك القداسة ما هي إلاّ قداسة ذلك المهرج الذي يُمسحق وجهه كامرأة، ويرغب في أن يكون مادة للسخرية (objet de dérision). لقد تصور جينيه نفسه كبائس، يلبس شعراً مُستعاراً ويتعهر (se prostituant)، يحيط به من هم على شاكلته، ويضع فوق رأسه تاج بارون بلآلئ مزيفة. يسقط التاج، وتتبعثر اللآلئ، فيخرج من فمه طقم أسنان ويضعه فوق رأسه، صارخاً وقد زمّ شفتيه للداخل: «آه، أيتها السيدات، سأكون بالرغم من هذا ملكةً»(6). ذلك لأن ادعاء قداسة مرعبة يرتبط بالميل نحو سيادة مُضحكة (souveraineté dérisoire). كما تُدلل إرادة الشر الصاخبة هذه عن نفسها عبر كشفها للدلالة العميقة للمقدس، الذي لم يكن يوماً أكبر إلاّ في لحظة قلبه (renversement). ثمة دوخان وزهد في ذلك الرعب، الذي حاول جينيه التعبير عنه: «سيكون الـ كيلفوري (culafory) والإلهي (Divine)، بذائقتهما المرهفة، مرغمين دائماً على حب ما يبغضانه ولا يساهم إلاّ قليلاً في بناء قدسيتهما، ذلك لأنه بمثابة تخلٍ (renoncement)»(7). إن همّ السيادة، رغبة أن يكون المرء سيداً، وعشق السيد، لمسه والتلاقح معه، هو ما يسحر جينيه.
لتلك السيادة الجزئية جوانب متنوعة وخادعة. وقد قدّم سارتر إحدى جوانبها الضخمة، كما أنه مضى باتجاه مُعاكس لحياء جينيه، والذي ما هو إلاّ قفا الحياء، ومع ذلك فهو الحياء بعينه. «إنّ تجربة الشر، يقول سارتر، هي كوجيتو باذخ (cogito princier)، يُظهر للشعور تفرّده إزاء الكينونة (en face de l’Etre). أرغب في أن أكون مَسخاً، إعصاراً، كلّ ما هو إنساني غريب عني، كما أرغب في انتهاك جميع القوانين التي أقامها البشر، وسحق كلّ القيم تحت قدمي؛ ليس بمقدور أي كائن تحديدي أو وضع حدٍ لي؛ ومع ذلك، أنا موجود (j’existe)، سأكون العاصفة الثلجية التي تقضي على الحياة برمتها»(8). هل ذلك مجرد قرع أجوف؟ دون شك! لكن ألا يمكن فصله عن المذاق الأقوى، والأقذر، الذي يسبغه عليه جينيه: «كان لي من العمر ستة عشر عاماً... لم أكن أحفظ في قلبي أي مكان يمكن أن يلجأ إليه شعوري ببراءتي. لقد عرفتُ نفسي كجبان، خائن، لص، وذلك المنحرف جنسياً، الذي كان الآخرون يُحدقون به... كما كنتُ مصعوقاً لمعرفتي بنفسي كشيء مركب من قذارات. لقد أصبحت سافلاً»(9). لاحظ سارتر وفهم جيداً الخاصية الملكية الملازمة لشخصية جان جينيه. وإذا كان، كما يقول، «يقارن غالباً السجن بالقصر، فذلك لأنه يرى نفسه كملك متأمّل يثير الخوف، ومنفصل عن مواطنيه، ككثير من الأسياد القدامى، بجدران غير قابلة للاختراق، من خلال المحرمات، وتناقضات المقدس»(10). إن عدم الدقة، الإهمال وسخرية هذه المقاربة تتجاوب مع عدم اكتراث سارتر بمشكلة السيادة(11). لكن جينيه، المُرتبط بنفي كلّ قيمة، ليس بمعزل عن سحر القيمة الأسمى للمقدس، لما هو سيد وإلهي. وقد لا يكون، بالمعنى البسيط للمفردة، مخلصاً –إنه لم يكن يوماً مخلصاً، ولا يمكنه أبداً بلوغ ذلك- لكنه سيكون مهووساً إذا ما قال إن عربة السجن مكسوة «بجاذبية التعاسة الإنسانية»، «بالتعاسة الملكية»، وإذا ما رآها وكأنها «مقصورة قطار مُثقلة بالعظمة، تنطلق بتمهل، حينما تنقله [هو]، بين طبقات شعب مقوس الظهر بحكم انحنائه إجلالاً»(12). بيد أن حتمية السخرية هذه لا تستطيع –لكن جينيه عانى (subie) من تلك السخرية أكثر من رغبته فيها- حجب رؤية الصلة التراجيدية بالعقاب السيادي: لا يمكن لـ جينيه أن يكون سيداً إلاّ عبر الشر، وقد تكون السيادة نفسها هي الشر، كذلك لم يكن الشر بالقطع ذلك الشر الذي يُعاقب. لكن ليس للسرقة من جاذبية مقارنة بالاغتيال، ولا بالسجن القريب من منصة الإعدام. تتمثل الملوكية الحقيقية للجريمة بإعدام القاتل. لذا تتجشم مخيلة جينيه تعظيمها بطريقة ربما تبدو اعتباطية، لكن، حينما يتحدى سجان زنزانته ويصرخ به: «أنا أعيش فوق حصان... وأدخل مدينة الآخرين كما يدخلها أحد عظماء اسبانيا إلى كاتدرائية سفي (Séville)»(13)، سيكون تحديه هشاً ومُثقلاً بالمعنى. كما ستكون كآبته مرة أخرى، أي عندما يصبح الرهان على الموت من كل جانب، وحين يكون المجرم قد أعطى ذلك الموت لأحدهم وينتظر تلقيه، بحيث يكون على أهبة لاستقبال السيادة التي يتخيلها كونها امتلاءً، خداعاً؛ لكنها أبعد من مُعطى بلا جاذبية ويخلو من السعادة؛ أليس عالم الإنسان برمته نتاجاً للمخيلة (imagination)، وللحكاية (fiction)؟ نتاج إعجازي في الغالب، ومُقلق في الغالب الأعم. من الجانب الاجتماعيّ، تكون روعة هاركمون (Harcamone) وهو في زنزانته أكثر رهافة، وأقل ثقلاً من تلك التي فرضها لويس الرابع عشر على "فرساي"، لكنها قائمة بذات الطريقة. إن التقليد اللفظي المُزيف، الذي لا يستغني عنه جينيه إلاّ نادراً، سيكون مغلفاً بالجدية ما إن يتذكر هاركمون، في ظل زنزانته، و«كأنه دالاي لاما لا مرئيّ (Dalaï-lama invisible)»(14)... منْ بإمكانه تفادي الضيق الذي تحمله هذه العبارة، مجاز تنفيذ الإعدام بقاتل: «لقد زينوه بالسواد أكثر مما يزينون عاصمة تمّ اغتيال ملكها للتوّ»(15).
كما أنها لا تتعلق بتلك القداسة، لأن هوس الكرامة الملكية يشكل لازمة لعمل جينيه. عن مستوطن في سجن إصلاح متري (Mettray)، يكتب جينيه: «لقد قال كلمة واحدة نزعته من حالته كمستوطن، لكنها كسته ببهرج رائع. لقد كان ملكاً»(16). ويتحدث في مكان آخر عن «أولاد يزعقون كبقرة ومن فوق رؤوسهم هالة نورانية، وكأننا نرى تاجاً ملكياً»(17). كما كتب عن منيون (Mignon) لبتي بيّيه (Les Petits-Pieds)، الذي باع أصدقاءه: «كان الناس يتقاطعون معه، من دون معرفته... وكانوا يمنحون ذلك الغريب سيادة مُكثفة ولحظية، ومن ثم يجعله مجموع تلك الجزئيات يبدو، في الخاتمة وبالرغم من كل شيء، وكأنه في نهاية أيامه يعيش كملك (en souverain)»(18). وعن ستيليتانو (Stillittano)، الذي التصقت بقة بياقة قميصه، يقول أحدهم: «أرى جمالاً صاعداً»، وهو الآخر ملك، إنه «واحد من سكان الضواحيّ المتوّجين»(19). ومن بين الجميع، كان ميتاير (Métayer)، مستوطن سجن متري ذاك «ملكياً بسبب فكرة السيادة التي كان ينسبها لنفسه»(20). يقول ميتاير، الذي كان في سن الثامنة عشر من عمره، القبيح، والمُغطى جلده بالقروح الحمراء «يتحدر أكثر اليقظين، لا سيما أنا، عن ملوك فرنسا...». «لا أحد، يضيف جينيه، قد درسَ الفكرة الملكية عند الأطفال. ومع ذلك، ينبغي علي القول بأنه لم يكن من أولئك الأولاد الذين يجدون تاريخ فرنسا لـ لافيس (Lavisse) أو بايت (Bayet) مطروحاً أمام أعينهم، أو فكر أحدهم بأنه "دوفينة" أو تجري في عروقه دماء أحد الأمراء. إن أسطورة لويس السابع عشر، الهارب من السجن، قد قدمت بوضوح ذريعة لأحلامه. إذ كان ينبغي أن يمرّ ميتاير من هناك. وما كان لقصة ميتاير التمتع بأية علاقة بملوكية المجرمين، إن لم يكن قد اتهم، ربما عن طريق الخطأ، بأنه أفشى سر هروب سجناء آخرين. «حقيقي أو مزيف، يقول جينيه، اتهام من هذا النوع مرعب. لقد نُفذتْ عقوبات قاسية انطلاقاً من الشائعات. بل وكان البعض يُعدم بسببها. لقد تمّ إعدام الأمير الملكي. ثلاثون صبياً هجموا عليه بشراسة أكبر من شراسة الـ تريكوتيس (Tricoteuses) بهجومها على أحد أسلافها، ومن ثم طوقوه صارخين. في واحد من ثقوب الصمت التي غالباً ما تخلفها الأعاصير، سمعناهم يدمدمون: -لقد عملوا الشيء ذاته مع المسيح. لم يبك، بل تربّعَ على عرشه، وقد أحاطت به فجأة هالة العظمة، وربما سمع الله يناديه قائلاً: «سوف تصبح ملكاً، بيد أن التاج الذي يضغط على رأسك سيكون من الحديد الأحمر». رأيته (Je le vis). أحببته»(21). إن حماس جينيه المصطنع، والحقيقي أيضاً، يجمع في نفس النور والكذب ملوكية الكوميديا (أو التراجيديا) والملكة الإلهية (la reine Divine)، المُتوجةِ بطاقم أسنان. كذلك لا تخلو الشرطة من تلك الكرامة التعيسة والسيادية التي تغلفها صوفية جينيه المنذور: البوليس، «تنظيم شيطانيّ، يتساوى بإثارته للنفور مع طقوس الجنائز، والتجميل الجنائزي، المضحك كالمجد الملوكي»(22).

الانزلاق نحو الخيانة والشرّ المُنفرِ
نعثر على مفتاح تلك المواقف البالية [بالية، أجل، لكن بالمقدار الذي يكون فيه الماضي، الميت ظاهرياً، أكثر حياة من المظاهر الحالية]، في ذلك الجزء، الأكثر تشوهاً، من يوميات لص (Journal du voleur)، الذي تحدث فيه المؤلف عن علاقة غرامية له مع مفتش شرطة. [«في يوم ما، يقول، طلب مني أن "أعطيه" بعض الأصدقاء. في قبولي بذلك، كنت أعرف كيف أجعل عشقي له أعمق، لكن ليس من حقكم أن تعرفوا أكثر عن هذا»](23). لقد أضاء جينيه عمق المشكلة، وذلك عبر نقاشه مع برنرادني (Bernardini)، عشيقه، «كان برنرادني، كما يقول، مطلعاً على حياتي، التي لم يوبخني بسببها أبداً. ومع ذلك، حاول مرّة تبرير نفسه كشرطي، ومن ثم حدثني عن الأخلاق. من وجهة النظر الاستطيقية للحركة، لم يكن بمقدوري سماعه. تنكسر الإرادة الطيبة للأخلاقيين من فوق ما يطلقون عليه اسم سوء طويتي [فوراً، قد يوحي جينيه عبر ذلك بنقاش له مع سارتر، صديقه]. إذا كان بمقدورهم أن يثبتوا لي بأن فعل ما يمكن أن يكون مقززاً بحكم الشرّ الذي ينطوي عليه، أنا وحدي وأنا من يقرّر، عبر الأنشودة التي حركها فيَّ جماله، وأناقته؛ أنا وحدي من بمقدوره قبوله أو رفضه. سوف لن يقودوني نحو السبيل القويم. كلّ ما بإمكانهم فعله هو إعادة تربيتي الفنيّة، وذلك ضمن مغامرة المربي في أن يقع في شراكي ومن ثمّ ينضمّ إلى قضيّتي، إذا ما كان الجمال السيادي (la beauté souveraine) قد تمَ الشعور به، من قبل الشخصين»(24).
لا يتردّد جينيه حيال السلطة التي يميل نحوها. لأنه يعرف بنفسه أنه سيد. ولا يمكن العثور على تلك السيادة التي يتمتع بها [فهي ليست نتاجاً للجهد]، إنها، كالنعمة (la grâce)، يُوحى بها. وجينيه يتعرف عليها من خلال الأنشودة التي تحرّكها. الجمال الذي يحرك الأنشودة هو خرق القانون (infraction à la loi)، خرق المحظور، والذي يُشكل جوهر السيادة أيضاً. السيادة هي قوة نهوض المرء بنفسه، عبر عدم اكتراثه بالموت، واللتان تضمنان بقاء الحياة فوق القوانين. وهي لا تختلف عن القداسة إلاّ ظاهرياً، فالقديس هو ذلك الذي يجذب الموت نحوه، فيما يجذبه الملك من فوقه هو. من ناحية أخرى، لا ينبغي علينا نسيان أن مفردة "قديس" (saint) تعني "المقدس" (sacré)، وبأن المقدس يشير إلى المُحرمِ، العنيف والخطر، الذي يجعل مجرد الاقتراب منه بمثابة فناء: «إنه الشر. لا يجهل جينيه بأنه يمتلك تصوراً مقلوباً للقداسة، لكنه يعرف بأن ذلك التصوّر أكثر حقيقية من غيره: إن ذلك الحقل هو الميدان الذي تتزاوج فيه المتناقضات ويدفع بعضها البعض الآخر نحو الهاوية. فتلك الهاويات والزيجات وحدها من يقدم لنا الحقيقة (la vérité). إن قداسة جينيه التي تُقحم الشر، "المقدس" والتحريم من فوق الأرض، هي الأعمق. كذلك يجعله الشرط السيادي يقع تحت رحمة كلّ ما يمكن أن توحي به قوة إلهية تقف فوق القوانين. وهكذا يدخل، بفضل النعمة بمعنى ما، في الدروب الحرجةِ التي يقوده نحوها "قلبه وقداسته". «إن درب القداسة، كما يقول، ضيّق، أي من المستحيل تحاشيه، إذا ما انخرط المرء فيه يوماً، لسوء حظه، وبالتالي سيكون من المستحيل عليه إدارة ظهره له والتراجع نحو الخلف. المرء قديس بحكم قوة الأشياء، التي هي قوة الله!»(25). ترتكز "أخلاقية" جينيه على الشعور بالصاعق، وملامسة المقدس، الذي يحمل له الشر. يعيش جينيه ضمن الفاتن، وفي اختلاب الدمار المتولّد عنه؛ ولا شيء، في نظره، يُعادل تلك السيادة، أو هذه القداسة، المُشعة منه هو أو من الآخرين. يرتبط مبدأ الأخلاقية الكلاسيكية بديمومة الكينونة (durée de l’être). أمّا مبدأ السيادة [أو القداسة]، فيرتبط بالكينونة التي لا يكترث جمالها بالديمومة، بل والمنجذب نحو الموت.
ليس من السهولة العثور على عيب ما في تلك المواقف المتناقضة.
إنه يعشق الموت، كما يعشق العِقاب والخراب (la punition et la ruine)... ويحب أيضاً أولئك الأوغاد الأسياد، الذين يمنح نفسه لهم متمتعاً بجبنهم. «كان وجه أرموند (Armand) مزيفاً، مزعجاً، نذلاً، خسيساً، وقاسياً... إنه فظ... وقلّما كان يضحك بصدق... في داخله، ضمن أعضائه التي أتخيلها بدائية ولكنها من نسيج محبوك وصلب، وبألوان مبرقشة غاية في الجمال، وبأحشائه الساخنة والسخية، أعتقد بأنه كان يعمل من أجل فرض إرادته، ممارستها، وجعل النفاق، الحماقة، النذالة، القسوة والخسة مرئية ولكي يستقي منها لنفسه وحده كلّ نجاحها الفاحش». ربما خلبت هذه الشخصية الممقوتة جينيه أكثر من غيرها. «لقد أصبح أرموند، كما يقول، شيئاً فشيئاً القوة المطلقة للمادة الأخلاقية»(26). يقول روبرت لـ جينيه، الذي باع نفسه كعاهرة لشيوخ عجائز وكان يسرقهم: «تُسمي هذا عملاً؟... إنك تهجم على الشيوخ الذين مازالوا يقفون على أقدامهم بفضل ياقاتهم المزيفة وعكازاتهم». لكن كان ينبغي لردِّ أرموند الوصول إلى القول: «تكمن في الأخلاق واحدة من أكثر الثورات جسارة» «ما الذي تعتقده؟، يقول أرموند. حينما يكون ذلك نافعاً، أنا، هل تسمعني، لا أهجم على الشيوخ، ولكن على العجائز، ليس على الرجال، وإنما على النساء. وأختار من بينهن الأضعف. ما يهمني هو المال. والعمل الجيد هو النجاح. وحينما ستفهم بأننا لا نعمل من أجل الفروسية، حينئذ ستفهم الشيء الكثير»(27). بمعاضدة أرموند، «يبدو قانون الشرف الخاص بالأنذال... شيئاً مضحكاً»، بالنسبة لـ جان جينيه. ففي يوم ما ستكون لديه تلك «الإرادة التي ينتزعها التفكير وموقف "أرموند من الأخلاق"، وسوف يطبقها بطريقة تضع «البوليس في نظر الاعتبار»: سيغطس في القداسة والسيادة، ولن تكون هناك حقارة، كما سيصل إلى الخيانة، التي لا تمنحه، ضمن انفعال مدوخ، عظمة مقلقة.
ثمة سوء تفاهم هنا: من المؤكد أن أرموند سيّد، على طريقته الخاصة؛ فهو يبرهن، من خلال الجمال، على موقفه. غير أن جمال أرموند يكمن في احتقاره للجمال، كذلك لأنه يفضل عليه النافع (utile)، لذا فإنّ سيادته هي بمثابة خساسة عميقة: خضوع كامل للمصلحة. وذلك ما يتعارض مع الألوهية الأقل تناقضاً لـ أركامون، الذي لا تنطوي جرائمه، بأي معيار، على دافع مصلحيّ [والجريمة الثانية، القتل داخل السجن لحارس، لا معنى ظاهر لها إلاّ بحكم عقابها المدوخ]. غير أنّ موقف أرموند يتمتع بفضيلة لا تتمتع بها جرائم أركامون، لأنه لا يُغتفر، ولا شيء يمكنه تخليصه من خسته. فـ أرموند نفسه كان يرفض إدخال أية قيمة، مهما ضؤلت، على أفعاله، ما عدا الدافع الأشد انحطاطاً، المال: لهذا يسند له جينيه قيمة لا تُضارع وسيادة حقيقية. وذلك ما يفترض وجود شخصيتين –على الأقل، وجهتي نظر متناقضتين. يشترط جينيه شراً معمقاً، يتعارض جذرياً مع الخير (au Bien)، وأن ذلك الشر (ce Mal) الناجز هو الجمال الكامل (beauté parfaite): المطلوب من أركامون أن يخيبه نسبياً؛ فيما يصبح أرموند، في النهاية، أكثر غربةً عن العواطف الانسانية، فهو أكثر قذارةً وأشد جمالاً. لم يكن أرموند سوى حاسوب منضبط، لكنه ليس جباناً، بيد أنه يلجأ إلى الجبن، لأنه قادر على دفع ثمنه. هل يمكن أن يكون جبن أرموند نوعاً من الاستطيقية المتخفية، وهل يحمل إزاء الجبن تفضيلاً يخلو من المصلحة؟ سيكون حينئذ على خطأ حيال نفسه. إذ لا يمكن لأحد سوى جينيه، الذي يتأمله، مواجهة جبنه من وجهة نظر استطيقيته الخاصة. فأمامه ينتشي جينيه، وكأنه أمام عمل فنيّ جدير بالإعجاب: لكنه، بالرغم من ذلك، سيكف عن إعجابه به، ما إن يلمح فيه وعياً بنفسه كعمل فني. لقد حظي أرموند بإعجاب جينيه، لأنه كان قد أبعد عن نفسه أية إمكانية لمثل ذلك الإعجاب: حتى جينيه سيفقد ماء وجهه أمامه، إذا ما اعترف باستطيقيته (son esthétisme).

مأزق الخرق اللامحدود
أظهر سارتر حقيقة أن جينيه، في بحثه العنيد عن الشر، قد وقع في مأزق. وفي ذلك المأزق، يبدو أنه عثرَ، عبر افتتانه بـ أرموند (fascination d’Armand)، على موقع لا يمكن الركون إليه، لكن من الجلي بأن جينيه كان يرغب بالمستحيل (l’impossible). كما كانت نتيجة تلك السيادة الكبرى بؤساً حقيقياً له، ذلك لأن عشيقه الأقل سيادة كان يمثل عنده ما صوره سارتر عن حق(28): «لا بد وأن يرغب الشرير بارتكاب الشر من أجل الشر؛ و... كما ينبغي عليه أن يكتشف، من داخل رعبه الخاص من الشر، على جاذبية الخطيئة» [تلك هي فكرة الشر التي يفبركها، من وجهة نظر سارتر، «الناس الشرفاء»]. لكن، إذا لم يكن الشرير (Méchant) «مرعوباً من الشر، وإذا ما اقترفه بحماس، حينئذ... يصبح الشر خيراً. لأن من  يعشق الدم والاغتصاب فعلياً، كـ جزار هانوفر (boucher de Hanover)، هو شخص مجنون ومجرم، لكنه ليس شريراً». أشك، شخصياً، أن يكون للدم نفس المذاق لدى الجزار، إنّ لم يكن متولداً عن جريمة، يحرمها القانون الأول (première loi)، الذي يخلق تعارضاً ما بين الإنسانية التي تحافظ على القوانين، والحيوان الذي يجهل كل قانون. بيد أني أقر بأن جينيه قد أكد بحرية على تلك الجرائم ضد حساسيته بحكم جاذبية الخطيئة وحدها. ليس من السهل، فيما يتعلّق بهذه النقطة وغيرها من النقاط الأخرى، إصدار حكماً قاطعاً، غير أن سارتر فعل ذلك. لقد شعر جينيه بدوخان المحرم ذاك، البدائيّ والمألوف، والمُغلقِ، في الحقيقة، على فكر الحداثة: لهذا كان عليه أن «يستقَ أسباب قيامه [بفعل ضار] من خلال الرعب الذي [أوحى] له به [فعله الشرير] وبسبب حبه الأصيل للخير». بيد أن ذلك لا يتضمن العبثية التي يسندها له سارتر:  ليس من الضروري البقاء هناك، أي عند ذلك التصور التجريدي. إذ يمكنني الانطلاق من واقع عام، ألا وهو تحريم العري، الذي ينظم اليوم حياة المجتمع. فحتى لو لم ينتبه واحد منا لذلك الاحتشام، الذي يمثل، بالنسبة للغالبية، معنى الخير، فإنّ تعرية الشريك الآخر تحرك فيه الدافع الجنسي: حينها سيكون الخير المتمثل بالحشمة سبباً له لاقتراف الشر: يدفعه انتهاكه الأول للقاعدة، بحكم العدوى، نحو انتهاكها بصورة أكبر. إن هذا التحريم، الذي نخضع له –على الأقل بشكل سلبي- لا يضعُ أمام إرادة شر صغير سوى عائقٍ خفيفٍ، قد لا يكون شيئاً آخر غير تعرية الآخر أو الأخرى: حينئذ سيكون الخير الذي هو تحديداً الحشمة [ما يحكم عليه مؤلف الوجود والعدم (L’être et le Néant) بالعبثية] السبب ذاته الذي يدفعنا نحو ارتكاب الشر. لا يمكن تقديم هذا المثل باعتباره استثناء، بل يبدو لي، على العكس من ذلك، بأن قضية الخير والشر عموماً مازالت خاضعة للجدال، حول ذلك الموضوع الجذريّ الذي يسميه ساد، لكي أستعير لغته، بالشذوذ (l’irrégularité). لقد لاحظ ساد بدقة بأن الشذوذ هو قاعدة الإثارة الجنسية (excitation sexuelle). إنّ القانون [القاعدة] شيء جيد، إنه الخير بعينه [الخير، أي الوسيلة التي تحافظ عبرها الكينونة على ديمومتها]، لكن هناك قيمة، أي الشر، تتولد عن إمكانية خرق القاعدة (enfreindre la règle). تثير المخالفة الفزع –كالموت؛ ومع ذلك، لها جاذبيتها، وكأن الكينونة لا ترتبط بالديمومة إلاّ بسبب الضعف، والحيوية المفرطة (exubérance) تدعو إلى احتقار الموت، ذلك الاحتقار المفروض ما إن يتمّ كسر القاعدة. ترتبط هذه المبادئ بالحياة الإنسانية، وهي قائمة في أساس الشر، في أساس البطولة (héroïsme) والقداسة. بيد أن فكر سارتر يتنكر لها(29). تنهار تلك المبادئ، لأسباب أخرى، أمام مغالاة جينيه. فهي تفترض، في الواقع، معياراً ما [نفاقاً ما] يرفضه جينيه. تحافظ جاذبية الشذوذ على جاذبية القاعدة. لكن بالقدر الذي يغريه فيه أرموند، بالقدر ذاته يَحرمُ جينيه نفسه من كليهما: لا يبقى سوى المصلحة وحدها. تعثر حجة سارتر ثانية على معنى حيال شراهة الجرم تلك. إنّ إرادة جينيه ليست بالإرادة العابرة التي يتمتع بها أول عابر سبيل [أول خاطئ عابر] تُهدئ من روعه أضعف حالات الشذوذ: إنها تطالب بنفي مُعمم للمحرمات (négation généralisé des interdits)، وبحث متواصل وبلا حدود عن الشر، حتى اللحظة التي نصل فيها، وقد تحطمت كل الموانع، إلى السقوط الناجز. آنئذ، سيجد جينيه نفسه أمام صعوبة شائكة، كان سارتر قد لاحظها بصورة جيدة: يفتقد كل دوافع الفعل. تشكل جاذبية الخطيئة معنى جنونه، لكن ماذا سيحصل إذا ما أنكر شرعية التحريم، ولم يعثر على الخطيئة؟ فإذا ما أخطأ يكون «الشرير قد خان الشر» و«الشر يخون الشرير»، كذلك ستُختزل رغبة العدم، تلك التي لا تقبل أن يوضع لها حد، إلى اهتياج عبثي. ما هو خسيس يجري تمجيده، غير أن جانب الشرّ أصبح عبثياً: ما كان مرغوباً فيه باعتباره الشر (Mal) لم يعد سوى نوع آخر من الخير (Bien)، وما دامت جاذبيته لا تكمن إلاّ في قوته على المحق، لذا لم يبق أي شيء في ذلك الفناء الناجز. ما كانت ترغب فيه النذالة هو «تحويل أكبر جزء ممكن من الوجود إلى عدم. لكن لأن فعلها هو الإنجاز (réalisation)، لذا ستلتقي، في الوقت ذاته، بالعدم (Néant) وقد غدا كينونة (Être)، فيما تنقلب سيادة النذل لتصبح عبودية (esclavage)»(30). بتعبير آخر، تحول الشر إلى واجب، وذلك هو الخير. ومن ثم تشرع بالانطلاق حالة ضعف لا حدود لها، وتذهب من مكانها من كونها جريمة غير مصلحية لكي تتحول إلى الحساب الأشد انحطاطاً، وبالتالي خيانة كلبية مكشوفة. إذ لم يعد بمقدور أي تحريم جعله يشعر بالتحريم، وبالتالي سيغطس هو ذاته، ضمن موت حساسية أعصابه، في العتمة. وقد لا يبق له أي شيء إلاّ إذا كذبَ، أو مكنته فبركة أدبية من جعل ما كان يقره ككذبة يحظى على النجاح في نظر الآخرين. فضمن فزعه في أن يكون أحدهم قد غررَ به، ينزلق نحو ذلك الملاذ الأخير، التغرير بالآخرين، حتى يتمكن، إذا ما كان قادراً على ذلك، من التغرير بنفسه للحظة.

التواصل المستحيل
 لقد لاحظ سارتر بدقة بأن ثمة معضلة غريبة في أساس عمل جينيه. فـ جينيه، الذي يكتب، لم تكن لديه لا القوّة ولا النيّة في التواصل مع قرّائه. ينطوي انكبابه على عمله على معنى سلبي حيال أولئك الذين يقرؤون هذا العمل. بيد أن سارتر قد لاحظ ذلك، لكنه لم يستنتج منه خلاصته (conclusion): ضمن ظروفه الخاصة، لم يكن ذلك العمل تماماً بالعمل، لكنه بديل (ersatz)، في وسط ذلك الاتصال العظيم (communication majeure) الذي يدعيه الأدب. الأدب تواصل. إنه ينطلق من مؤلف سيد (auteur souverain)، إلى ما هو أبعد من عبودية القراءة، أي أنه يتوجه نحو الإنسانية السيادية (l’humanité souveraine). إذا كان الأمر على هذا النحو، فذلك يعني تنكر المؤلف لنفسه، ونفي خصوصيته الشخصية لصالح العمل، كما ينفي، في الوقت ذاته، خصوصية القراءات لصالح القراءة (au profit de la lecture). إنّ الإبداع الروائي  (littéraire) –بالقدر الذي يساهم فيه بالشعر- هو تلك العملية السيادية (opération souveraine)، التي تدّعي الاتصال (communication)، كلحظة راسخة –أو كتعاقب لحظي- منفصلة في مجال العمل، وضمن زمن القراءة أيضاً. يعرف سارتر ذلك [لكنه كما يبدو، ولا أدري لأي سبب، لا يربط الأولوية العامة للاتصال على الكائنات المتواصلة إلاّ بـ ميلارميه الذي عبر عن ذلك بوضوح]: «عند ميلارميه، يقول سارتر، يلغي القارئ والمؤلف أحدهما الآخر في آن معاً، ويخمدان بطريقة متبادلة، لكي لا يبقى في النهاية  سوى الفعل (le Verbe seul existe)»(31). لن أقول «عند ميلارميه»، وإنما: «في أي مكان يظهر فيه الأدب». وعلى أي حال، حتى لو تولد عبثٌ ظاهري من تلك العملية، سيكون المؤلف حاضراً هناك، لكي يلغي نفسه داخل عمله، وسوف يتوجه للقارئ، الذي يقرأ بغية إلغاء نفسه [إذا ما شئنا: يصبح سيداً، عبر ذلك الإلغاء لذاته المعزولة]. يتحدث سارتر، بنوع من العبثية، عن شكل قداسويّ sacrale للاتصال، أو شاعريّ، يشعر فيه المتفرجون والقراء بأنهم «يتحركون كأي شيء»(32). فإذا ما كان هناك من اتصال، سيتحرك جزئياً ذلك الشخص الذي تتوجه إليه عملية التواصل، وفي ذات اللحظة [لن يكون التغيير لا كلياً ولا دائماً، ولكنه سيحدث، إذا اقتضى الأمر، وإلاّ فلن يكون ثمة تواصل]؛ وفي مطلق الأحوال، الاتصال نقيض الشيء (la communication est le contraire de la chose)، المُحدّد بإمكانية استخدامه. لكن ليس هناك، في الحقيقة، من تواصل ما بين جينيه وقرائه عبر عمله، ومع ذلك، يؤكد سارتر شرعية هذا العمل: يقوم بتقريب العملية المُرتبطة بالتقديس (sacralisation)، ومن بعدها الخلق الشعري (création poétique). وسيجعل جينيه من نفسه، وفقاً لـ سارتر، «مقدساً من قبل القارىء». «في الحقيقة، يضيف على الفور، لا يتمتع هذا الأخير بوعي حيال ذلك المقدس»(33). وهذا ما يدفعه للقول: «الشاعر... يشترط اعتراف الجمهور به، هو الذي لا يعترف بالجمهور». لكن ليس هناك من انزلاق: لقد قلت للتو وبقوة إن العملية القدسية، أو الشعر، هي تواصل أو لا تكون شيئاً. إن عمل جينيه، ومهما قلنا عنه، بغية كشف المعنى، ليس بالقدسيّ ولا بالشاعريّ مباشرة، ذلك لأن مؤلفه يرفض التواصل.
يصعب القبض على فكرة الاتصال عبر الإمكانية التي تشير إليها برمتها. سأبذل، بعد قليل، جهداً من أجل جعل ثراء لم يشعر به أحد من قبل ملموساً، لكني أرغب أولاً التأكيد على أن فكرة الاتصال، التي تنطوي على ثنائية، أو بالأحرى على تعددية، ما بين أولئك الذين يتواصلون، تستدعي، ضمن اتصال ما، المساواة بينهم. لا يفتقد جينيه، عندما يكتب، نيّة التواصل وحسب، وإنما ينكره على قرائه أيضاً، بالقدر الذي يستطيعه، ومهما كانت نيّته، إن كانت كاريكاتير أو بديلاً عن الاتصال؛ تلك هي المحاكاة الجذرية التي يمكن لقوّة عمله الكشف عنها. «يركع جمهوره، كما كتب سارتر، أمامه، وذلك بقبوله بالاعتراف بحرية يعرف تماماً بأنها لا تعترف بحريته هو»(34). يضع جينيه نفسه، إن لم يكن فوق، فعلى الأقل خارج أولئك الذين دعيوا لقراءته. إنه يتوقع، باحتلاله لمكان الصدارة، احتقاراً ممكناً [والذي هو، بالرغم من ذلك، ليس احتقار القراء إلاّ نادراً]: «أشخص، يقول، عند اللصوص، الخونة، القتلة، والمخادعين جمالاً عميقاً –جمالاً في القعر- أرفض أن تتمتعوا به أنفسكم» لا يعترف جينيه بمعيار للنزاهة: لم يُشكل لغة سخريته من قارئه، لكنه يسخر منه في الحقيقة. ذلك لا يُبهرني، بيد أني ألمح المجال القلق الذي تنحل فيه أفضل حركات جينيه. والخطأ الذي يساهم فيه سارتر جزئياً يكمن في أخذه لذلك حرفياً. نحن لا نستطيع إلاّ نادراً –في حالة وجود مواضيع حرجة- سوى الارتكاز على ما يقول. لكن علينا، حينئذ، تذكر عدم الاكتراث الذي يتحدث عبره اعتباطياً، والمهيأ لخداعنا. ومن ثم سنصل إلى تضييع كلّ معايير النزاهة، التي لم تصل إليها الدادئية (dada)، ذلك لأن النزاهة التي كانت ترغب فيها الدادئية تتمثل بعدم اكتساب أي شيء معناه الأخير، وكذلك الظهور المباغت لتعبير ما، يبدو وكأنه متماسك ظاهرياً، بفقدانه لمظهره المخادع (apparence trompeuse). لقد حدثنا جينيه مرة عن «مراهق... من النزاهة ما يكفي لتذكيره بأن "ماتري" (Mattray) كانت جنةً»(35). لا يمكننا نكران الطابع العاطفي لاستخدام مفردة نزيه هنا (honnête): لقد كان سجن الإصلاح في "ماتري" جحيماً! فإلى جانب قسوة الإدارة يضاف عنف "المستوطنين" فيما بينهم. يتمتع جينيه نفسه "بنزاهة" عبر مطالبته في أن تكون معتقلات الأطفال بمثابة المكان الذي يعثر فيه المرء على تلك اللذة الجحيمية (plaisir infernal)، التي كانت تشكل جنة بالنسبة له. غير أن السجن الإصلاحي في "ماتري" لم يكن مختلفاً تماماً عن السجن المركزيّ في "فونتفيرو" (Fontevrault) [الذي عثر فيه ثانية على "مراهق" "ماتري"]: بعد ذلك بقليل، سيكون محشر كلا المحبوسين واحداً. بيد أن جينيه، الذي تثيره غالباً السجون، والسجناء الذين يطوفون من حولها، انتهى به الأمر للكتابة(36): «بتجريده من زخرفاته المقدسة، أرى السجن عارياً وعريه قاسياً. كذلك لم يعد السجناء سوى أفراد فقراء، بأسنانهم المُتآكلة من السوس، وقد أحنى ظهورهم المرض، يسعلون، ويبصقون. يذهبون من عنبر النوم إلى الورشة بأحذيتهم الخشبية والضاجة، يجرجرون أنفسهم بأخفافهم المصنوعة من قماش الصوف، المثقوب والمتكلس على قطعة من القذارة، التي كونها الغبار الممزوج بالعرق. وتطلع منهم رائحة نتنة. إنهم جبناء أمام أفراد الشرطة، الجبناء مثلهم. ولم يعودوا شيئاً آخرَ غير كاريكاتور مُهين لأولئك المجرمين الجميلين، الذين رأيتهم عندما كنت في سن العشرين من عمري والذين لم أكتشف، بعدما أصبحوا ما أصبحوا عليه، عيوبهم وقبحهم، وذلك لكي أنتقم من الأذى الذي سببوه لي، ومن الضجر الذي ولدته لدي حماقتهم التي لا مثيل لها». لا يتعلّق السؤال بمعرفة إذا ما كانت شهادة جينيه حقيقية أم لا، وإنما إذا ما كان قد خلقَ أدباً، بالمعنى الذي يكون في الأدب شعراً، أو أنه، بعمق وليس سطحياً، مُقدساً (sacrée). أعتقد أنه ينبغي عليَّ الإصرار، من أجل تلك الغاية، على النيّة غير المتشكلة لمؤلف لم يحركه أي شيء آخر سوى تلك الحركة القلقة، أو على الأقل حركة متفككة من البدء، صاخبة، لكنها، في العمق، غير مبالية، ولا تستطيع بلوغ قوّة الانفعال، الذي يفرض، في اللحظة، امتلاء النزاهة (la plénitude de l’honnêteté).
لا يشك جينيه بضعفه. إذ لا يمكن، كما أعتقد، القيام بعمل أدبي إلاّ عبر عملية سيادية (opération souveraine): ذلك ما هو صحيح، بالمعنى الذي يشترط فيه العمل من المؤلف أن يتجاوز من داخله هو ذلك الشخص البائس، الذي لا يرتقي إلى مستوى لحظاته السيادية؛ بتعبير آخر، ينبغي على المؤلف البحث، بواسطة ومن داخل عمله، عن ذلك الشيء الذي لا يساهم، بنكرانه لحدوده الخاصة، وحالات ضعفه، بعبوديته العميقة (sa servitude profonde). وسيكون بمقدوره حينئذ، عبر مبادلة لا يمكن هزها، التنكر لقرائه، دون أن يكون الفكر الذي من دونه ما كان بإمكان عمله أن يوجد حتى، ومن ثم يمكنه نكرانهم بالقدر الذي أنكر فيه نفسه. وذلك يعني بالإضافة إلى فكرة تلك الكائنات الملتبسة التي يعرفها (il connait)، المُثقلة بالعبودية، يمكنه اليأس من العمل الذي يكتبه، لكن دائماً، وفيما وراء تلك الكائنات، تحيله الكائنات الواقعية إلى الإنسانية، التي لا تكف عن أن تكون إنسانية، كما أنها لا تلحق نفسها نهائياً بشيء ما، وبالتالي تتغلب دائماً على الوسائل (les moyens)، التي تشكل هي غايتها (dont elle est la fin). القيام بعمل أدبي هو إدارة الظهر للعبودية، وإلى أي اختزال ممكن، وهذا يعني بأنه حينما ينطق باسم السيادية، القادمة من سيادة الإنسان، إنما يتوجه إلى الإنسانية السيادية (à l’humanité souveraine). يشعر المبتدأ بتلك الحقيقة بغموض [وغالباً بطريقة جانبية، مرتبكة بادعاءاتها]. جينيه نفسه يشعر بها، ويؤكد على: «جعلتني فكرة صنع عمل أدبي أهز كتفي»(37). يمكن تحديد موقف جينيه على الضد من ذلك التصور الساذج عن الأدب، الذي قد نتعامل معه كأدب دعيّ، لكنه يتمتع عموماً، على الرغم من طبيعته التي لا تطال، بشرعية. لكن لا ينبغي علينا التوقف، عند قراءته، عند عبارة كهذه: «...كتبتُ لكي أحصل على المال». إن "عمل الكاتب" جينيه واحد من الأعمال الجديرة بلفت انتباهنا. غير أنه لم يلحظ بأن السيادة تستدعي اندفاعة القلب والإخلاص، ذلك لأنها معطاة (donnée) عبر التواصل. إن حياة جينيه إخفاق والأمر ذاته ينطبق على أعماله، لكن تحت قناع مظاهر النجاح. فهي ليست أعمالاً حقيرة، بل على العكس من ذلك تهيمن على غالبية الكتابات المحسوبة "أدبية": غير أنها ليست أعمال سيادية أيضاً، ما دامت قد زاغت عن شرط السيادة الأوليّ: الإخلاص حتى النبض الأخير الذي من دونه سينهار صرح السيادة. إن عمل جينيه هو هياج رجل مرتاب، دفع سارتر إلى القول عنه: «إذا ما دفعناه بعيداً عن خنادقه، سينفجر من الضحك، وسوف يعترف طواعية بأنه كان يسلي نفسه على حسابنا، ولم يبحث عن شيء آخر سوى فضحنا بصورة أكبر: إذا كان قد تنبه وعَمَّدَ ذلك الشذوذ الشيطانيّ والمعقد بفكرة المقدس...»(38)، الخ.

إخفاق جينيه
إن عدم مبالاة جينيه بالاتصال يكمن في أساس الواقعة التالية: تثير سردياته اهتمامنا، لكنها لا تحرك عاطفتنا. إذ ليس هناك ما هو أكثر برودة، وأقل ملامسةً، تحت موكب الكلمات الملتهب، من المقطع الذي يصف فيه موت "هاركامون"(39). يشبه جمال هذا المقطع جمال الحلى، التي تتمتع بثراء كبير وسوء ذوق بارد تماماً. إن زهوه يجعلنا نتذكر فتنة أراغون التي بذرها في أعوام السيريالية الأولى: ذات السهولة اللفظية، ونفس اللجوء السهل إلى الفضيحة. لا أظن بأن ذلك النوع من الإثارة سيكف يوماً عن ممارسة الإغواء، غير أن أثر الإغواء يلحق (subordonné) أهمية تحقيق نجاح خارجي، كما أن ميله نحو الحيلة سرعان ما يظهر للعيان. إن أشكال العبودية في البحث عن تلك النجاحات هي ذاتها عند المؤلف والقرّاء. فكلٌّ من جانبه، المؤلف والقارئ، يحاول تفادي التمزق، التلاشي، الذي يشكل التواصل السياديّ، ويكتفيان، الواحد كالآخر، بالامتيازات الخارجية للنجاح.
إن هذا الجانب ليس بالجانب الوحيد. وسيكون من العبث اختزال جينيه إلى الجزء الذي استطاع أن يستقي منه مواهبه المُتألقة. ففي الأساس، كانت ثمة رغبة لديه بعدم الإلحاق (désir d’insubordination)، بيد أن تلك الرغبة، حتى وإن كانت عميقة، لم ترفع دائماً عمل الكاتب.
الأكثر أهمية هو أن العزلة الأخلاقية –والسخرية- اللتين انزلق فيهما قد أبقتاه بعيداً عن تلك السيادة المفقودة، التي دفعته رغبته فيها نحو الوقوع في المتناقضات التي تحدثت عنها. في الحقيقة، يكمن بحث الإنسان، المستلب بحكم الحضارة، عن السيادة، من جانب، في أساس الهياج التاريخي (agitation historique) [إن كان ذلك دينياً، أو نضالاً سياسياً، أي المشروع الذي تقع عليه، وفقاً لماركس، مسؤولية "الاستلاب" الإنسانيّ]؛ ومن جانب آخر، تشكل السيادة دائماً الموضوع الخفي، الذي لا يقبض عليه أحد، ولن يقبض عليه، وذلك للسبب القطعي التالي: لا يمكننا تملكه كتملكنا لمادة، وبأننا مرغمون على البحث عنه. ثمة من ثقل يستلب دائماً السيادة المُقدمة، وذلك بحكم ميله نحو النافع [فحتى السيادات السماوية، التي كان بمقدور المخيلة تحريرها من كل عبودية، تُلحق نفسها بالغايات النفعية]. يقتفي هيغل، في "ظاهراتية العقل" (La Phénoménologie de l’Esprit)، جدل السيد (maître) [المولى، أو الملك]، والعبد (esclave) [الإنسان المستعبد في الشغل]، والكامن في أساس النظرية الشيوعية عن صراع الطبقات، الذي يقود العبد إلى الانتصار، غير أن سيادته الظاهرية ما هي إلاّ إرادة استقلال العبودية (autonome de la servitude)؛ وليس لها من السيادة غير مملكة الإخفاق.
لذا لا يمكننا التحدث عن سيادة جينيه الناقصة، وكأن هناك سيادة واقعية تعارضها، ومن ثم سيكون من الممكن إظهار شكلها الناجز. السيادة التي لم يكف الإنسان عن ادعائها، لم تكن أبداً سهلة البلوغ حتى، ولا ينبغي التفكير بأن ذلك سيصبح ممكناً. عبر السيادة التي نتحدث عنها، يمكننا النزوع نحو... نعمة اللحظة، من دون أن يكون للجهد المماثل لذلك الذي نبذله عقلياً قدرة البقاء بعدنا، لكي يقربنا منها. لا يمكننا أبداً أن نكون سادةً (être souverain). لكننا نستطيع إقامة فارق ما بين اللحظات التي يحملنا بها الحظ وينير، بصورة إلهية (divinement)، ومضات التواصل العابرة، ولحظات غياب النعمة حيث يدفعنا فكر السيادة للقبض عليها باعتبارها خيراً. إن موقف جينيه، المهموم بالكرامة الملكية، بالنبل والسيادة بالمعنى التقليديّ هو بمثابة حساب منذور للعجز (voué à l’impuissance). لنفكر بأولئك الذين يشكلون، حتى اليوم، فوجاً، ويتخذون من الجينيالوجي [علم الأنساب] مشغلة نخبوية لهم. يتميز عنهم جينيه بمساره النزواتيّ والمُثير للعواطف (capricieuse et pathétique). لكن هناك نفس الرعونة عند المُنقب الذي يفرض العناوين وعند جينيه، الذي يكتب سطوره، ويأخذ من زمن تشرده في إسبانيا مرجعاً له(40).
«لن يلقي القبض عليَّ لا رجال الجمارك ولا شرطة البلدية». «ما رأوه يمر أمامهم، لم يعد إنساناً، ولكن منتوج التعاسة الغريب، الذي لا يمكن تطبيق القانون عليه. لقد تخطيت عوارض البذاءة. وتمكنت، على سبيل المثال، ومن دون أن يندهش أحد من ذلك، تلقي دم أمير، ملك إسبانيا، وتسميته ابن عميّ والتحدث معه بأجمل لغة. لم يفاجئ ذلك أحداً».
«-استقبال ملك إسبانيا»، لكن بأي قصر؟
«لكي أجعلكم تفهمون بصورة أفضل إلى أي حد بلغت عزلتي التي منحتني السيادة، وإذا ما استخدمتُ منهج البلاغة هذا، فذلك لأن الموقف يفرضه عليَّ، نجاح يعبر عن نفسه من خلال المفردات المطالبة بالتعبير عن ظفر العصر. قرابة لفظية تترجم قرابة مجدي مع مجد النبالة. كنتُ قريباً للأمراء والملوك عبر علاقة سرية، مجهولة من العالم، أي تلك التي تخول الراعية مخاطبة ملك فرنسا باسمه الأول. القصر الذي أتحدث عنه [لأن ذلك لا اسم آخر له] هو المجموع الإعماري للرهافات، متعاظمة الإدارة، والتي انتصر بها عمل الكبرياء على عزلتي».
لا يؤكد هذا المقطع، المضاف إلى غيره من المقاطع التي استشهدنا بها من قبل، على الانشغال المهيمن بغية الوصول إلى جانب السيادة الإنسانية فقط. بل إنه يشدد على الطابع الوضيع والمحسوب لذلك الانشغال، المُلحق بتلك السيادة التي كان مظهرها التاريخي يعد واقعياً. ويشدد، في ذات الوقت، على المسافة التي تفصل ما بين الدعي، الذي يشير عليه فقره المُدقع، والنجاحات السطحية للعظماء والملوك.

الاستهلاك غير المُنتج والمجتمع الإقطاعي
لا يجهل سارتر ضعف جينيه، الذي يتمثل بعجزه عن التواصل. إنه يتصور جينيه كمحكوم عليه برغبة أن يكون (à se vouloir être)، مادة ملموسة بيده هو، مماثلة للأشياء، وليس للشعور –الذي هو ذات (qui est sujet)، والذي لا يمكنه رؤية نفسه كشيء إلاّ إذا دمرها. [من مطلع دراسته إلى نهايتها لم يكف عن التأكيد على ذلك]. يرتبط جينيه، من وجهة نظره، بذلك المجتمع الإقطاعي ذي القيم البالية، التي لا تكل عن فرضه. لكن بدلاً من أن يقود هذا الضعف الأخير سارتر للشك بحقيقة الكاتب، يمنحه وسيلة يدافع بها عنه. فهو لا يقول حرفياً بأن ذلك المجتمع الإقطاعيّ وحده، المجتمع الماضوي، المؤسس على الملكية العقارية –والحرب- مذنب، لكن جينيه يبدو معذوراً أمام ذلك المجتمع البالي، الذي يحتاجه، لأعماله السيئة وتعاسته، لكي يستجيب لميله نحو التبذير [من أجل تحقيق غاية تدمير الخيرات، والاستهلاك (consommation)]. يكمن خطأ جينيه الوحيد في كونه مخلوقاً أخلاقياً من قبل هذا المجتمع، الذي لم يمت بعد، لكنه محكوم عليه بذلك [في طريقه إلى الاختفاء وحسب]. وعلى أي حال، إنه خطأ المجتمع الشائخ مقارنة بالمجتمع الجديد، الذي يسعى للتغلب عليه سياسياً. يطور سارتر بشكل عام التناقض ما بين المجتمع المُدان، "مجتمع الاستهلاك"، والمجتمع الذي يُكال له المديح، ويطلق عليه صراحة اسم "مجتمع الإنتاج"، الذي يتناظر مع المجتمع السوفيتي (U.R.S.S.)(41). ومعنى ذلك ارتباط الشر والخير بالمضر والنافع. العديد من الاستهلاكات هي، بطبيعة الحال، نافعة أكثر من كونها ضارة، لكنها ليست بالاستهلاكات الخالصة، إنها استهلاكات مُنتجةً، وتتعارض مع ميل العقل الإقطاعيّ للاستهلاك، الذي يدينه سارتر. يتحجج سارتر بـ مارك بلوخ(42) (Marc Bloch)، الذي يتحدث عن «منافسة فريدة في التبذير، كان المسرح يمثل فيها، في يوم ما، "باحة" كبيرة في مقاطعة "لومزين" (Limousin). قام أحد الفرسان بزرع قطع نقدية صغيرة في أرض معدة مسبقاً، وآخر زرعها في مطبخه، وأخذ بحرق الشموع؛ وأمر شخص ثالث، "من أجل التبجح"، بحرق جميع خيوله»(43). أمام وقائع كهذه، لا تدهشنا ردة فعل سارتر: يتخذ السخّط العام، إذا ما استثنينا الاستجمام، من الاستهلاك الذي لا تبرره منفعة ما موضوعاً له. فـ سارتر لا يفهم، بالدقة، بأن الاستهلاك غير النافع يتناقض مع الإنتاج كتناقض السيد مع تابعه، ومثلما تتناقض الحرية مع العبودية. وسوف يدين، بلا تردد، كل ما ينبثق عن السيادة، والذي اعترفت أنا نفسي بأنه يمكن إدانة طابعها "الجذريّ" (fondamentalement). لكن الحرية؟

الحرية والشرّ
يكون الشر، إذا ما ظهر عبر الحرية، على النقيض من الطريقة التقليدية للفكر، المحافظة، والعمومية تماماً، بحيث لا يمكن معها تصور الاحتجاج. سيكون سارتر أول من ينكر مسألة أن تكون الحرية هي بالضرورة الشر (nécessairement le Mal). غير أنه يمنح "مجتمع الإنتاج" القيمة، من قبل أن يتعرف على طبيعتها النسبية: ومع ذلك، فهي قيمة نسبية عندما يتعلّق الأمر بالاستهلاك، وبصورة جوهرية بالاستهلاك غير المُنتجِ، أي التدمير (destruction). إذا ما بحثنا عن تماسك هذه التصورات، سوف يتبين لنا فوراً بأن الحرية، حتى عندما تكون بعيدة عن أية علاقة بالخير، تشبه ما قاله بليك (Blake) عن ملتون (Milton)، «إلى جانب الشيطان دون علمه». وجانب الخير هو جانب الخضوع، والطاعة. الحرية هي دائماً الانفتاح (ouverture) على التمرد (révolte)، والخير مرتبط بالطابع المُغلق(fermé) للقاعدة. يصل سارتر نفسه حد الحديث عن الشر بعبارات الحرية... «لا شيء مما هو كائن(44)، يقول، عند حديثه عن جينيه و"تجربة الشر"، بمقدوره تحديدي (définir) أو وضع حدٍ لي (limiter)؛ ومع ذلك، أنا موجود، وسأكون العاصفة الثلجية التي تقضي عل كلّ حياة. أنا، إذاً، فوق الجوهر (au-dessus de l’essence): أعمل ما أشتهيه، وأصنع من نفسي ما أرغب فيه...». وعلى أي حال، لا يستطيع أحد –كما يرغب سارتر بالقيام بذلك ظاهرياً- الانطلاق من الحرية لكي يصل إلى الفهم التقليدي للخير باعتباره ما يتوافق مع النافع(45).
هناك سبيل واحد يقود من رفض العبودية إلى التحديد الحر للمزاج السياديّ (l’humeur souveraine): ذلك السبيل الذي يجهله سارتر هو سبيل التواصل. لا يمكن أن تتكشف أسس الأخلاق المتوافقة مع أولئك الذي لم تخضعهم الطبيعة تماماً، والذين لا يرغبون في التخلي عن الامتلاء الذي لمحوه، إلاّ إذا تمّ مواجهة الحرية (liberté)، انتهاك المحرمات (transgression)، والاستهلاك السياديّ (consommation souveraine) ضمن الشكل المعطى لها في الواقع.

التواصل الحقيقي، انغلاق كل "ما هو كائن" والسيادة
لا تتولد أهمية عمل جينيه من قوته الشعرية (sa force poétique)، وإنما من الدرس المستقى من ضعفه. [كذلك فإن قيمة مقالة سارتر لا تنبع من إضاءته الكاملة، وإنما من عناده بالبحث في المكان المغمور بالعتمة].
تنطوي كتابات جينيه على ما لا أدري أية هشاشة، برد، وتفتت، لا تلغي إعجابنا بها، لكنها تترك موافقتنا عليها معلقة. الموافقة، كان جينيه نفسه قد رفضها، إذا ما كنا ننوي بحكم خطأ غير محدد إسنادها إليه. كذلك يمكن للعبة الأدبية، عندما تشترط ذلك التواصل الموارب، أن تترك فينا إحساساً يماثل التكشيرة، وليس من المهم أن يحيلنا الشعور بالنقص إلى الشعور بالبرقيّ (fulguration) والذي هو التواصل الحقيقيّ. ضمن الهبوط الناتج عن تلك المبادلات غير الوافية، وحيث ينتصب حاجز زجاجي يفصلنا عن بعضنا البعض، نحن قراء هذا المؤلف، يراودني أنا اليقين التالي: لم تُصنع الإنسانية من كائنات معزولة، وإنما من التواصل في ما بينها؛ فنحن لم نعط أبداً (jamais nous ne sommes donnés)، ولا حتى لأنفسنا، إلاّ عبر شبكة اتصالات مع الآخرين: نحن نعوم داخل التواصل، ومختزلين حد ذلك التواصل، الذي لا يكف، والذي نشعر بغيابه، حتى في أعماق العزلة، كما يجري الأمر عبر الإيحاء بالممكنات المتعددة (possibilités multiples)، كلحظة الانتظار التي تنتهي بصرخة يسمعها الآخرون. ذلك لأن الوجود الإنساني فينا، عبر تلك النقاط التي ينعقد فيها مرحلياً، ما هو إلاّ لغة صارخة (langage crié)، تشنج قاسٍ، ضحك جنوني (fou rire)، حيث يلد، في النهاية، الاتفاق على الشعور المشترك بانغلاقنا وانغلاق العالم. لا يمكن للاتصال، بالمعنى الذي أرغب بعطائه له هنا، أن يصبح أبداً قوياً إلاّ في اللحظة التي يكشف فيها عن نفسه، بالمعنى الضعيف للمفردة، أي عبر اللغة العامة [أو، كما يقول سارتر، عبر النثر (prose)، الذي يرجعنا إلى أنفسنا –والذي يجعل العالم قابلاً للنفاذ ظاهرياً] باعتباره عبثياً، ومعادلاً للعتمة. نحن نتكلم بطرق متنوعة لكي نُقنع الآخرين ببحثنا عن الاتفاق(46). كذلك نرغب بتوطيد حقائق متواضعة تتعاضد مع تلك التي لدى الناس الآخرين مثلنا، فيما يتعلق بمواقفنا وفاعليتنا. إن هدف ذلك الجهد الذي لا يتوقف ولا يكلّ من أجل موضعتنا في العالم، بطريقة واضحة ومتميزة، قد يغدو مستحيلاً ظاهرياً، إن لم نكن من البدء (d’abord) مرتبطين ببعضنا بعضاً عبر الذاتية العامة (subjectivité commune)، المنغلقة على نفسها، والتي يظل عالم الأشياء الخاصة منغلقاً حيالها. علينا أن نقبض، مهما كان الثمن، على نوعين متناقضين من الاتصالات، يصعب التمييز بينهما: يختلطان مع بعضهما بالقدر الذي لم يتمّ فيه التشديد على الاتصال الأقوى (communication forte). لقد خلف لنا سارتر هنا التباساً: لاحظ جيداً [وأكد على ذلك في روايته "الغثيان" (Nausée)] الطبيعة المغلقة للأشياء: لا تتواصل معنا الأشياء ولا بأي معنى من المعاني. لكنه لم يحدد بالدقة موضع التناقض ما بين الذات والموضوع (l’opposition de l’objet et du sujet). فالذاتية واضحة في نظره، إنها الوضوح بعينه! كذلك يبدو أنه يقلّل من أهمية معقولية الأشياء، التي نمنحها لها عبر ادراكنا للغاية التي تتضمنها، وعبر استخدامنا لتلك الغايات. من جانب آخر، لم يبلغ اهتمامه بلحظات الذاتية المعطاة لنا، دائماً ومباشرة من خلال شعورنا بذاتيات الآخرين، حيث تظهر بالدقة الذاتية بغموضها (inintelligible)، مقارنة بوضوح الأشياء العادية و، بعمومية أكبر، العالم الموضوعي. لا يمكنه تجاهل ذلك المظهر (apparence)، لكنه يدير ظهره لتلك اللحظات التي نشعر بها بالغثيان (nausée) أيضاً، ذلك لأنها تمتلك بدورها، في نفس اللحظة التي يظهر لنا فيها هذا الغموض، خاصية لا تقهر (caractère insurmontable)، خاصية الفضيحة. يُشكل ما هو كائن (ce qui est) بالنسبة لنا، في المطاف الأخير، فضيحة، ذلك لأن الشعور بالكينونة هو بمثابة فضحية للشعور ولا يمكننا –ولا ينبغي علينا حتى- الاندهاش من ذلك. كما لا يمكننا تغطية الأمر بالكلمات: الفضيحة هي الشعور بحد ذاته، فالشعور الذي يخلو من الفضيحة هو شعور مُستلب (conscience aliénée)، وكما تبين التجربة، شعوراً بالأشياء الواضحة والمتميزة، المعقولة أو التي يظن بأنها كذلك. إن العبور من الواضح إلى الغامض، أي إلى ذلك الشيء الذي لم يكن معروفاً، لكنه يبدو لنا بغتة وكأنه يمكن قبوله بصورة أكبر، هو ما يكمن قطعاً في أصل الإحساس بالفضيحة، بيد أن الأمر لا يتعلق بفارق مستوى (différence de niveau)، وإنما بالتجربة المُعطاة ضمن التواصل الأعظم للكائنات (communication majeure des êtres). الفضيحة هي الواقعة –اللحظويّة- (instantané) لشعور ما بأنه شعور لشعور آخر، ونظرة لنظرة أخرى [إنه، بهذه الطريقة، برق حميميّ، يبتعد عن ما كان ملتصقاً عادة بالشعور بالوضوح الدائم والمُسكنِ للأشياء].
يلاحظ المرء، إذا كان قد رافقني، بأن هناك تناقضاً جذرياً ما بين التواصل الضعيف (communication faible)، أساس المجتمع العادي [المجتمع النشط، بالمعنى الذي يختلط فيه النشاط بالإنتاج] والتواصل القوي [communication forte]، الذي يبتعد عن الأنماط الشعورية التي يعكس الواحد منها الآخر، أو بعضها للبعض الآخر، لكي يصل إلى ذلك الانغلاق الذي يخصها، «في نهاية المطاف» (en dernier lieu). كما نلاحظ، في الوقت ذاته، بأن التواصل القويّ هو الأول، إنه معطى بسيط (donné simple)، المظهر الأسمى للوجود (apparence suprême de l’existence)، الذي يظهر لنا عبر تعددية الأنماط الشعورية وتواصلها. إن الفاعلية العادية للكائنات –ما نطلق عليه اسم "مشاغلنا"- هي التي تفصلهم عن اللحظات الامتيازية للتواصل القوي، التي تقيمها الانفعالات الحسية والأعياد (fêtes)، الدراما، الحب، الانفصال والموت. لا تتساوي تلك اللحظات فيما بينها: غالباً ما نبحث عنها من أجل ذاتها [فيما هي لا معنى لها إلاّ في اللحظة التي يكون فيها التدبير لعودتها أمراً متناقضاً]؛ بيد أننا قادرون على بلوغها بمعونة وسائل فقيرة (pauvres moyens). لكن لا أهمية لذلك: يمكننا الاستغناء عن الظهور ثانية (réapparition) [حتى وإن كان قاسياً، وممزقاً] في اللحظة التي يظهر فيها انغلاقها للأنماط الشعورية التي تتوحد وينفذ واحدها في الآخر بطريقة لا محدودة (d’une manière illimité). يمكننا بالأحرى التدليس (plutôt tricher) حتى لا نكون ممزقين مرة وإلى الأبد أو بقسوة مفرطة: لدينا علاقة بالفضيحة التي حاولنا بأي ثمن إزالتها، والتي نسعى، بالرغم من ذلك، إلى الإفلات منها –علاقة سرمدية (lieu indéfectible)، لكنها أقل ما يمكننا تحمله من القسوة، قسوة الدين أو الفنّ (religion ou de l’art) [الفن الذي يرثُ جزءاً من قوى الدين]. لقد طرحت قضية التواصل دائماً ضمن التعبير الأدبيّ: لا يمكن لهذا الأخير أن يكون إلا شاعرياً أو لا يكون [ما هو إلاّ بحث عن التوافقات الخاصة (accords particulières)، أو تعاليم حقائق ثانوية [(vérités subalternes)، أي تلك التي يشير إليها سارتر في حديثه عن النثر](47).

السيادة المغدورة
ليس هناك أي فارق ما بين التواصل المفهوم بهذه الطريقة وما أطلق عليه اسم السيادة. يفترض التواصل، في اللحظة ذاتها، سيادة أولئك الذين يتواصلون فيما بينهم؛ وبالمقابل، تفترض السيادة التواصل؛ إنها، من حيث النيّة (en intention)، تواصلية (communicable)، وإلاّ فهي ليست سيادية. ينبغي القول بإصرار إن السيادة هي دائماً تواصل، وإن التواصل، بالمعنى القوي، سيادي دائماً. إذا ما تمسكنا بوجهة النظر هذه، ستكون لتجربة جينيه أهمية نموذجية (intérêt exemplaire).

لكي أعطي معنىً لهذه التجربة، التي هي ليست تجربة الكاتب وحسب، وإنما تجربة إنسان يخرق كل قوانين المجتمع –جميع المحرمات التي يرتكز عليها المجتمع-  كان عليَّ الانطلاق من الجانب الإنساني الخالص للسيادة والتواصل. لكونها تختلف عن الحيوانية (animalité)، كما أنها تمكن الإنسانية من الاحتفاظ بالمحرمات observation d’interdits، يكون البعض منها شمولياً (universels)، كتلك المبادئ التي تتعارض مع السِفاح (inceste)، وتلك المتعلقة بدم الحيض، ومع الفحش (obscénité)، القتل، وأكل اللحم البشري؛ وفي المقام الأول، يشكل الأموات موضوعاً للمحظورات المتنوعة وفقاً للأزمنة والأماكن، التي لا يحق لأي أحد مخالفتها. السيادة والتواصل معطاة ضمن إطار الحياة المحددة بالمحرمات العامة [اللتان يضاف لهما محلياً تابوهات عديدة (nombreux tabous)]. تختلف تلك التحديدات، دون ريب، وإن كانت بدرجات متنوعة، عن امتلاء السيادة (plénitude de la souveraineté). كما لا ينبغي أن يدهشنا ارتباط البحث بخرق واحد أو عدد من المحرمات. سأقدم مثالاً عن واقعة أن الملك في مصر القديمة كان مستثنىً عن حظر ارتكاب السِفاح. وبذات الطريقة، تتمتع العملية السيادية، التي هي التضحية (sacrifice) بخاصية الجريمة؛ فقتل الضحية هو السلوك بصورة مخالفة للمحظورات المشروعة في ظروف أخرى. وبشكل عام، يتمّ قبول أو رفض "الزمن السيادي" للعيد، والتصرفات المتناقضة مع القوانين في "الزمن العاديّ". وهكذا يكون منفذاً لخلق عنصر سيادي (أو مقدس) –شخصية مؤسساتية أو ضحية مقدمة للاستهلاك- بمثابة نفي لواحدة من تلك المحرمات، التي يجعلنا الحفاظ عليها كائنات إنسانية بشكل عام، وليس حيوانات. ومعناه أن السيادة بالقدر الذي تتوجه فيه الإنسانية نحوها، تجعلنا نقف "فوق الجوهر"
 (au-dessus de l’essence) الذي ترتكز عليه. وذلك يعني أيضاً بأنه لا يمكن للسيادة العظمى أن تقوم إلاّ بشرط لجوئنا إلى الشر (au Mal)، أي بخرق المحرم(48).
يتجاوب مثال جينيه مع الموقف الكلاسيكي، لأنه بحث عن السيادة ضمن الشر، والشر عينه ما يمنحه، في الحقيقة، تلك اللحظات المُدوخةِ، التي يظهر فيها انفصال كينونتنا، وحيث يفلت ذلك الانفصال من الجوهر الذي كان قد حدّده، بالرغم من بقائه. لكن جينيه يرفض التواصل.
ولأنه يرفض التواصل، لا يمكنه بلوغ لحظة السيادة، ومن ثم سيكف عن إرجاع كل شيء لانشغالاته ككينونة معزولة، أو "كينونة" وحسب، كما يقول سارتر؛ كذلك يفلت منه التواصل، كلما منح نفسه كلية للشرّ. يتجلى كل شيء عند هذه النقطة: ما يغوص بعيداً عن جينيه يكمن في العزلة التي يغلق نفسه فيها، وحيث كلّ ما يتبقى من الآخرين سيكون غامضا دائماً، ولا يبالي هو به: وبكلمة واحدة، لأنه يصنع من منفعته الانعزالية (solitaire profit) الشر الذي يلجأ إليه، لكي يوجد سيادياً (exister souverainement). إن الشر الذي تفرضه السيادة محدود بالضرورة: السيادة نفسها هي الحد. إنها تتناقض مع ذلك الذي يستعبدها كلما كانت تواصلاً. وتتناقض معه من خلال تلك الحركة السيادية، التي تُعَبر عن الطابع القدسيّ للأخلاق (caractère sacré de la morale).
أقرُّ بأن جينيه كان يرغب في أن يصبح مقدساً. كذلك أعترف بأن "ميله" نحو الشر قد تجاوز همّ المصلحة، وقد رغبَ بالشر من أجل قيمة روحية (valeur spirituelle)، وبأنه قاد تجربته دون أن يحيد عنها. كذلك لا يمكن لأي دافع سوقيّ أن يصدر عليه حكماً بالفشل، لكن كما يختلف سجن أكثر انغلاقا عن غيره من السجون الواقعية، ثمة شيء ما مضر جعله ينغلق على نفسه، في عمق ريبته (au fond de sa méfiance). فهو لم يهب نفسه أبداً بلا تحفظ للحركات المخالفة للصواب، التي تنظم الكائنات ضمن فوضى أكبر، لكنها تنظمها بشرط أن لا تؤرقها نظرة شكوكية، مشدودة للفارق ما بين المرء ونفسه، وفارقه عن الآخرين. لقد تحدث سارتر بنحو لافت للنظر عن تلك الكآبة الماكرة التي تطوق جينيه.
لم يمنع الإعجاب الأدبي، المصطنع، في جزء منه، سارتر –بل خوله حتى- من إطلاق أحكام على جينيه، غالباً ما كانت قسوتها، المُخففة بنوع من التعاطف العميق، جنونية (cinglante). يُشدد سارتر على النقطة التالية: يطالب جينيه، الذي تخضه تناقضات إرادة منذورة لما هو أسوأ (au pire)، وبالرغم من أنه يبحث عن "الانمحاق المستحيل"(49)، بالكينونة لوجوده (l’être pour son existence). إنه يرغب في القبض (saisir) على وجوده، ولا بدّ له من بلوغ الكينونة (parvenir à l’être)، كما ينبغي عليه إعطاء نفسه كينونة الأشياء (l’être des choses)... كذلك كان ينبغي أن «يتمكن ذلك الوجود من أن يكون، وبلا حاجته للعب كينونته: في ذاته» (cette existence pût être sans avoir besoin de jouer son être : en  soi)(50). يريد جينيه "تحجير نفسه كمادة"، وإذا كان بحثه يهدف، كما يقول سارتر، الوصول إلى هذه النقطة، التي حددها بريتون بالصياغة التالية، والتي هي واحدة من أفضل المقاربات للسيادة «حيث يكف إدراك الحياة والموت، الواقعي والمُتخيل، الماضي والمستقبل، ما يمكن توصيله وما لا يمكن، العالي والواطىء بصورة متناقضة فيما بينها...»، وذلك ما لا يمكنه المضي بلا تغيير جذري. في الحقيقة، يضيف سارتر التالي: «... يأمل بريتون أن يكون السرياليّ، إن لم يكن "النظر" (voir)، فعلى الأقل ما يختلط به ضمن الالتباس (indistinction)، حيث لا تشكل الرؤية (vision) والكينونة إلاّ شيئاً واحداً...». لكن "قداسة جينيه" هي بمثابة «سريالي بريتون المقبوض عليه باعتباره القفا، الذي لا يطال والجوهري للوجود (substantiel de l’existence)...»(51)، أي السيادة المُصادرة (souveraineté confisquée)، الميتة، لذلك الذي رغبته المعزولة في السيادة هي بمثابة خيانة للسيادة (trahison de la souveraineté).

الهوامش:
1) جان بول سارتر، "القديس جينيه، الكوميديّ والشهيد" (Saint Genet, comédien et martyrغاليمار،1952، [الأعمال الكاملة لجان جينيه، مجلد 1] قدم سارتر بهذه المفردات سيرة حياة ملخصة للكاتب: "هذه حكاية تصلح للأنطولوجيا عن الدعابة السوداء" (Humour noir).
2) جان بول سارتر "القديس جينيه، الكوميدي والشهيد"، ص 528.
3) نفس المصدر، ص 59-60.
4) نفس المصدر، ص 60.
5) نفس المصدر، ص 108.
6) في "نوتردام الأزهار" (Notre-Dame des fleurs)، الأعمال الكاملة، مجلد 2، يحلل سارتر طويلاً طريقة التتويج تلك.
7) نفس المصدر، ص 79.
8) نفس المصدر، ص 221.
9) استشهد به سارتر، نفس المصدر، ص 79.
10) نفس المصدر، ص 343.
11) تصدمه السيادة أقل مما تصدمه القداسة، التي يربطها برائحة الغائط. فهو يرى فيها التناقض، لكنه يغلفه بالاشمئزاز الذي يوحي له "مهما يُقال" بالمواد الغائطية. بل ويتحدث عن السيادة بتعابير لا يمكن الاحتجاج عليها. «إذا كان المجرم، مثلما يقول [ص 223]، يتمتع برأس صلب، لذا يرغب أن يظل نذلاً إلى النهاية. وذلك يعني بأنه سيقيم منظومة تبرر العنف: فقط، سيفقد ذلك العنف فجأة سيادته». لكنه غير مشغول بمشكلة السيادة [التي ينبغي على كل واحد بلوغها، بطريقته الخاصة] المطروحة عموماً أمام كلّ إنسان.
12) "معجزة الوردة" (Miracle de la Rose)، الأعمال الكامل، مجلد 2، ص 190-191.
13) نفس المصدر، ص 212.
14) تلك هي الجدية... البراقة دائماً. وإليكم بالعبارة بمجموعها «في عمق تلك الزنزانة، أتخيله كـ دالي لاما لا مرئيّ، حاضر ومقتدر، وينشر على السجن المركزي بكامله أوامر الكآبة المختلطة بنوع من الفرح. لقد كان ممثلاً قادراً على حمل ثقل عمل رئيسي كنا نتوقعه من تقصفات السجن على كتفيه. أعصاب ممزقة. ثمة من هزة خفيفة قد سرت على طول نشوتي، نوع من الذبذبة المتموجة التي كانت بمثابة خشيتي وإعجابي المتناوبين والمتزامنين في آن معاً».
15) "معجزة الوردة"، ص 390.
16) نفس المصدر، ص 329.
17) "نوتردام الزهور"، الأعمال الكاملة، مجلد 2، ص 143.
18) نفس المصدر، ص 141.
19) "يوميات لص"، ص 378.
20) "معجزة الوردة"، ص 349-350.
21) جينيه هو من شدّد على ذلك.
22) "يوميات لص"، ص 200-201.
23) نفس المصدر، ص 207-208.
24) باتاي من يشدد على هذا.
25) "معجزة الوردة"، المجلد 2، ص 376.
26) "يوميات لص"، ص 199.
27) نفس المصدر، ص 198.
28) "القديس جينيه"، ص 148.
29) أتذكر بأن سارتر، أثناء نقاش جرى بعد مؤتمر، قد لامني بسخرية على استخدامي لمفردة "خطيئة" (péché): لم أكن مؤمناً، ولهذا فإن استعمالي لتلك المفردة، من وجهة نظره، استعمال مبهم.
30) "القديس جينيه"، ص 221.
31) نفس المصدر، ص 509، ملاحظة 2.
32) "القديس جينيه"، ص 508، على ذلك الصعيد، يقدم سارتر تحديداً متميزاً للمقدس: «يظهر الذاتي في وعبر الموضوعي، أي بتحطيم الموضوعية (destruction de l’objectivité)». في الحقيقة، يرتبط التواصل، الذي تأخذ فيه العملية القدسية الشكل الأسمى، ضرورةً بالأشياء، لكنها مرفوضة ومدمرة كأشياء: الأشياء المقدسة ذاتية. يخطأ سارتر بانزلاقه في تصورات ديالكتيكية دون منظومة ديالكتيكية، إلى حدّ يوقف فيه، في كل لحظة، وبصورة اعتباطية، السيل الديالكتيكي الذي حركه هو بنفسه. وبالرغم من ذلك، يظل تحديداً عميقاً، لكنه مخيب. هل من الممكن التعامل مع واقع انزلاقي كالمقدس من دون ربطه في تلك الحركة البطيئة، التي تغلف في آن معاً حياتنا والحياة التاريخية (la vie historique). لقد فقد سارتر بسبب سهولة الارتجال مكسب سرعته (la bénéfice de sa rapidité). لقد أخفق، لكن لم يبق من ذلك التوقد سوى حقيقية ينبغي الاعتراض عليها، وهضمها ببطء (lentement digérée). تتمتع لمحاته دائماً بدلالات، لكنها لا تقوم أبداً إلاّ بفتح الطريق (qu’ouvrir la voie).
33) نفس المصدر، ص 508.
34) "يوميات لص"، ص 117.
35) "معجزة الوردة"، الاعمال الكاملة، مجلد2، ص 220.
36) نفس المصدر، ص 208.
37) "يوميات لص"، ص 115.
38) "القديس جينيه"، ص 225.
39) في نهاية "معجزة الوردة"، الأعمال الكاملة، مجلد2.
40) "يوميات لص"، ص 184-185.
 41) عن هذا التناقض، أنظر، ما بين أشياء أخرى، "القديس جينيه"، ص 112-116 وبشكل خاص ص 186-193. مع أن هذه الأفكار قريبة لتلك التي عبرت عنها أنا في كتابي "الجانب الملعون" (La Part Mauditعن "الاستهلاك"، منشورات منويّ، 1949، لكنها مختلفة عنها تماماً (لقد شددت هناك على ضرورة التبذير، وعلى فقدان معنى الإنتاجية كغاية). ومع ذلك، ينبغي عليَّ القول بأن القيمة المحسوبة باعتبارها امتيازاً للمجتمع الإنتاجيّ، لا يمكن قبولها، ولا تمثل إلى حد بعيد الحكم الضروريّ والقاطع لسارتر، التي لم تمنعه، بعد مئة وخمسين صفحة [ص 344]، ولمرتين، من استخدام تعابير "مجتمع النمل"، وذلك لكي يصف، بطبيعة الحال، "المجتمع الإنتاجيّ" والذي قدمه من قبل باعتباره مجتمعاً مثالياً. إن فكر سارتر أكثر تردداً مما يبدو عليه.
42) "المجتمع الإقطاعيّ"، المُستشهد به في "القديس جينيه"، ص 186-187.
43) كان بمقدور سارتر العثور، في كتاب "الجانب الملعون"، على أمثلة أخرى عن ذلك الدافع الذي كشفت عن طبيعته العامة.
44) "القديس جينيه"، ص 221، الكلمات المُشدد عليها هي بقلم سارتر.
45) إن مصدر الصعوبة الكبرى التي صادفها سارتر في دراساته الفلسفية متولد، دون شك، عن استحالة المرور، بالنسبة له، من أخلاق الحرية إلى الحرية العامة، التي تربط الأفراد بعضهم بالبعض الآخر ضمن منظومة مرغمات. إن أخلاقية التواصل –والإخلاص- التي يؤسسها التواصل هي وحدها قادرة على تجاوز الأخلاق النفعية. لكن التواصل لا يشكل، بالنسبة لسارتر، أساساً؛ وإذا ما تمكن من رؤية إمكانية ذلك، فلن تكون إلا عبر التباس الكائن بعضها حيال الآخر [بالنسبة له، الفرد المعزول أساسي وليس تعددية الكائنات المتواصلة (des êtres de communication). كذلك ينبغي علينا انتظار عمل عن الأخلاق كان سارتر قد أعلن عنه منذ قيام الحرب. وليس هناك من يقدر أن يقدم لنا فكرة عن حالة ذلك العمل غير "القديس جينيه" النزيه والعظيم. لكن «القديس جينيه، ذو الثراء المُحيرِ، هو بالدقة على النقيض من الوصول إلى ذلك.
46) أنظر "القديس جينيه"، ص 509.
47) نفس المصدر، ص 509.
48) لقد رجعت مرات عديدة إلى الموضوع الأساسي للتحريم والانتهاك. إن نظرية الانتهاك تعود، من حيث مبدأها، إلى مارسيل موس (Marcel Mauss)، الذي تهيمن مقالاته حالياً على تطور السيسيولوجيا. لم يكن مارسيل موس يميل نحو إكساب فكره شكلاً نهائياً، ولذا اكتفى بالتعبير عن نفسه بطريقة عرضيه في دروسه. لكن نظرية الانتهاك قد شكلت الأطروحة الكبرى لأحد تلامذته. أنظر "الإنسان والمقدس" لروجيه كايوا (Roger Caillois). الطبعة التي تتضمن على ثلاثة ملاحق تتعلق بالجنس، اللعب، والحرب، في علاقتها بالمقدس [غاليمار 1950]. لسوء الطالع، لم يحظ عمل "كايوا" على الأهمية التي يستحقها، لاسيما في الخارج. في كتابي الحالي، أظهرت بأن التعارض ما بين التحريم والانتهاك لا يهمن على المجتمع الحديث أقل مما كان عليه في المجتمع البدائيّ. ذلك أنه سيتبين عاجلاً بأن الحياة القائمة، عبر كلّ الأزمنة وتحت جميع الأشكال، على التحريم الذي يتعارض مع الحيوانية، وخارج ميدان العمل، منذورة للانتهاك، الذي يتحكم بالمرور من الحيوان إلى الإنسان. [أنظر للمحاضرة التي قدمتها عن ذلك المبدأ في مجلة "النقد" (Critique)، 1956، عدد 11/12 آب-سبتمبر 1956، ص 752-764].
49) التعبير لجينيه، الذي يستشهد به سارتر [القديس جينيه، ص 226]. من وجهة نظري، لقد أخذ البحث عن السيادة شكل البحث عن "الانمحاق المستحيل" عند جينيه.
50) "القديس جينيه"، ص 226، المفردات المُشدد عليها من سارتر.
51) نفس المصدر، ص 229-230. كلمة واحدة شددت أنا عليها.



 
[1]) Œuvres complètes, Paris, Gallimard, 1976, t. VII, pp. 366- 380.  
2) Ibid., pp. 445-452. 
3) Ibid., t. VI, pp. 315-359. 
4) Ibi., t. VIII, 187-189. 
5) Ibid., t. XI, pp. p. 41-55. 
6) Ibid., pp. 198-207.

7) « Sade et la morale », op.cit., p. 445.

8) Ibid. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق