الأربعاء، 10 فبراير 2016

وليم بليك: جورج باتاي



ترجمة: حسين عجة

Ancient of Days, by William Blake
إذا ما طُلب مني ذكر الأسماء التي لها قيمة انفعالية كبيرة في نفسي من الأدب الإنجليزي، فسوف لن أتردد عن ذكر اسم جون فورد (John Fordإيميلي برونتي (Emily Brontë) ووليم بليك (william Blake)(1). قد لا يكون من معنى لهذا التصنيف، بيد أن الأسماء المذكورة هنا تتمتع بقوى تتساوق فيما بينها. لقد بزغت منذ وقت قريب من الظل، والعنف الاستثنائي الممارس عليها هو نقاوة الشر (la pureté du Mal).
لقد ترك لنا فورد صورة لا مثيل لها عن الحب الإجراميّ (l’amour criminel). أمّا إيميلي برونتي، فقد رأت في خبث الطفل الذي يتم العثور عليه الإجابة الوحيدة والواضحة على الإرغام الذي أنهكها. كما عرفَ وليم بليك، عبر بساطة جمله التحذيرية، كيف يختزل الإنساني (l’humain) إلى الشعر والشعر إلى الشرّ (la poésie au Mal).

حياة وعمل وليم بليك
ربما كانت حياة وليم بليك عادية؛ منتظمة وتخلو من المغامرة. ومع ذلك، فهي تنطوي على استثناء مطلق وصادم: تفلت، بالجانب الأكبر منها، من الحدود العامة للحياة. ولم يغفل معاصروه عن ذلك: لقد حصل وهو مازال حيّاً على شهرة، لكنها شهرة متفردة. وإذا كان وردزورث (Wordsworth) وكولردج (Coleridge) قد ثمناه، فذلك لم يتم، بلا شك، دون تحفظ [على الأقل كولردج، الذي كان يأسف على غياب الحشمة في كتاباته]. وغالباً ما جرى اقصاؤه أيضاً: «إنه مجنون، كانوا يقولون. ويُكرّر نفس القول حتى بعد موته»(2). كذلك كانت أعماله، كتاباته ورسومه ذات طابع مهزوز. إنها تثير الدهشة بسبب عدم اكتراثها بالمعايير العامة. ثمة شيء ما بارز، وأصم حيال لوم الآخرين، يرفع أشعاره ورسومه ذات الألوان الصارخة إلى مقام السامي (au sublime). لم يعط بليك الرائي (visionnaire)، أية قيمة واقعية لرؤاه تلك (ses visions). كذلك لم يكن مجنوناً، لكنه كان يتعامل معها، ببساطة، باعتبارها رؤى إنسانية، ويرى فيها إبداعات للعقل الإنساني (esprit humain).
لقد قيلَ بصورة غريبة (bizarrement)(3): «هبط غيره الكثيرون بعيداً أيضاً في هاوية اللاوعيّ (l’abîme de l’inconscient)، لكنهم لم يعودوا. كما تكتظ بهم مستشفيات المجانين، ذلك لأن التعريف المعاصر للمجنون يطال ذلك الفرد الغارق في رموز اللاوعي (symboles de l’inconscient). إن بليك هو الوحيد من بين أولئك الذين ذهبوا في مغامرتهم بعيداً، وبالرغم من ذلك، ظل محافظاً على سلامة عقله. كان هناك من الشعراء الخالصين (purs poètes) الذين لم يكن يشدهم إلى الحياة، من فوق، سوى حبل الشعر لكنهم انهاروا (ont succombé) في النهاية كـ نيتشه، وهولدرن». قد ينطوي تصور كهذا للعقل (raison) على شيء ما معقول، ألا وهو ظهور الشعر في العقل كنقيض للعقل. إذ سيذهب التطابق العام في حياة شاعر مع العقل إلى ما هو نقيض صدقية الشعر (authenticité de la poésie). أو أن هذه الصدقية تكتسبُ من العمل خاصية غير قابلة للاختزال، وعنف سيّادي (violence souveraine)، يغدو الشعر من دونه مبتوراً (mutilée). الشاعر الحقيقي، في العالم، كالطفل: يمكنه التمتع كـ بليك أو كأي طفل بحس سليم لا يمكن انكاره، لكن لا يمكن أيضاً أن يُسند له أمر إدارة شؤون الأشياء. يظل الشاعر في العالم قاصراً إلى الأبد: يتولد عن هذا تمزقٌ ينسج حياة وعمل وليم بليك. فـ بليك الذي لم يكن مجنوناً، كان يقف عند حدود الجنون (frontière de la folie).
ولم يكن لحياته، برمتها، سوى معنى واحد: لقد رجحَ رؤى عبقريته الشعرية على الواقعية النثرية للعالم الخارجي. وذلك ما يُضاعف من الدهشة لأن بليك لم ينتم، ولم يكف أبداً عن الانتماء، إلاّ للطبقة الفقيرة (classe pauvre)، التي يبدو لها اختيارٌ كهذا صعباً: تظهر أحياناً، بالنسبة لفرد غني، كأنها تَصنعٌ (affectation)، لا يصمد أمام فقدانها للثروة. فيما يحاول الفقير، بمعنى مناقض لذلك، ربط ما هو جوهري بشكوى البؤساء (plainte des misérables

ولدَ وليم بليك في لندن، عام 1757، عن أب نساج متواضع [لا شك أنه من أصول إيرلندية]. كما أنه لم يحظ إلاّ بتعليم ابتدائي، لكنه دخل وله من العمر أربعة عشر عاماً، بفضل حث والده له وبحكم تمتعه بمواهب استثنائية [كتبَ، في سن الحادية عشرة، قصائد غاية في الأهمية، وأظهر ميلاً نادراً نحو الرسم] في مرسم أحد النقاشين. لقد عاش في ضنكٍ من هذه المهنة، لأنه كان يَصدمُ المشترين بتركيباته الفنطازية (compositions fantastiques). بيد أن الحب الكبير لزوجته كاترين بوشيز  (Catherine Bouchez) كان يحيط به ويسنده. لقد كانت كاترين بوشيز تتمتع بذلك الخطو الواسع الذي نراه في الشخوص الأنثوية لرسومه. وكانت تعرف كيف تخفف عنه، كلما انتابته الحمى المفرطة. لقد أعانته لمدة خمسة وأربعين عاماً، وحتى يوم وفاته، في عام 1872. كان بليك يشعر بأنه محمل بمهمة فوق طبيعية (mission surnaturelle)، وقد فرضَ كرامته على الوسط الذي يحيطه. غير أن أفكاره السياسية والأخلاقية كانت تثير الفضائح. كان يضع فوق رأسه قبعة حمراء، في الوقت الذي كانت فيه لندن تعتبر اليعاقبة الفرنسيين (Jacobins français) أشد أعدائها. كما دافع عن الحرية الجنسية، ويُقال بأنه كان يرغب في فرض معاشرة خليلة أخرى على زوجته. في الحقيقة، كانت تلك الحياة الخالية من القصص تتمدد بكاملها ضمن عالم داخلي، والأشكال الأسطورية (figures mythiques)، التي كانت تشكل ذلك العالم، هي بمثابة نفي للواقع الخارجي، وللقوانين الأخلاقية والضروريات التي تُطالب بها. يكتسب الشكل الهش لـ كاترين بوشيز، من وجهة نظره، معنىً بالقدر الذي كانت تمتزج فيه مع ملائكة رؤاه (anges de ses visions)، لكنه كان ينكر عليها أحياناً المعتقدات التي تؤمن بها وتحددها. هنا يكمن على الأقل الحق الظاهري (vraisemblance). فحتى وجوه أصدقائه، وكذلك الوقائع التاريخية لعصره، تتغير لكي تلتحق بالشخوص الإلهية للماضي. فالنص الشعري نوعاً ما، المصاحب لرسالة كتبها إلى النحات فلاكسمان (Flaxman) تدلل على انزياح الداخل والخارج. كتبَ بليك:

«حينما كان فلاكسمان في إيطاليا، أعطوني فيزل (Fusel)(4) لبعض الوقت، والآن    يعطيني فلاكسمان هايلي (Haily)، صديقته وصديقتي، ذلك هو نصيبي في العالم. وإليكم نصيبي في السماء. في طفولتي، أحبني ملتون (Milton) وكشف لي عن وجهه. جاءني عزرائيل والنبي إشعيا؛ لكن شكسبير أخذني، عندما متُ، بين ذراعيه. من هاوية الجحيم ثمة تحول مُرعب يهدد الأرض. لقد بدأت الحرب من أمريكا. كل أشكال الرعب تلك مرت أمام عينيّ، عبر المحيط الأطلسي وحتى فلورنس. حينئذ، انطلقت الثورة الفرنسية عبر سحب كثيفة، وقالت لي الملائكة بأني لست قادراً بمثل هذه الرؤى البقاء حيّاً فوق الأرض إلاّ إذا ما بقيت مع فلاكسمان، الذي يغفر الرعب العصبي»(5)

سيادة الشعر
حاول البعض تأويل "سايكولوجية" [أو ميتالوجية] بليك، وذلك عبر مقولة "الانطواء الذاتيّ" (introversion) لـ س. ج. يونغ (C. J. Jung). وفقاً لـ يونغ، «يرى الحدس الانطوائي (intuition introvertie) جميع المسارات القائمة خلف الوعي تقريباً بنفس التمييز الذي يرى فيه الحس الانفتاحيّ (sensation extrovertie) الحاجات الخارجية. وبالتالي، لن تكون لأشياء اللاوعي، بالنسبة للحدس، قيمة أقل من قيمة الأشياء والحوائج»(6). على هذا الصعيد، يحق لـ و.ب. وتكوت (w. P. Witcutt) الاستشهاد بعبارة بليك، التي تقول «لا تُحدّد الحواس الإدراكية مدارك الإنسان: بإمكانه أن يدرك أكثر مما توفره الحواس له(7) [مهما كانت دقة تلك الحواس]. غير أن لغة يونغ تنطوي على جانب انزلاقي: الحواس التي لا يمكن اختزالها إلى المعطيات الحسية لا تجعلنا نعرف ما في دواخلنا وحسب [ما هو انطوائي فينا]. إنها الانفعال الشعري (le sentiment poétique). كما لا يتقبل الشعر المعطيات الحسية في حالتها العارية، ولا يتعامل، إلاّ نادراً، باحتقار مع الكون الخارجي. إنه يرفض بالأحرى الحدود الضيقة القائمة ما بين الأشياء، غير أنه يقرّ بخصوصيتها الخارجية. كذلك ينكر ويحطم الواقع القريب (proche réalité)، لأنه يرى فيه شاشة تخفي عن أنظارنا العالم الحقيقيّ. بيد أن الشعر يقرُّ بنفس الدرجة الخارجية بالنسبة لأنا الأدوات (par rapport au moi des ustensiles) والجدران (des murs). بل يمكننا القول بأن تعاليم بليك ترتكز على قيمة الشعر بحد ذاتها (valeur en soi) –الخارجية بالنسبة للأنا (au moi)-. «إن العبقرية الشعرية، يقول بليك في أحد نصوصه الهامة(8)، هي الإنسان الحقيقي (l’Homme véritable)، وأنّ جسده، أي شكله الخارجي، ينحدر من تلك العبقرية الشعرية... كذلك فإن ديانات (Religions) جميع الأمم تنحدر من وعاء العبقرية الشعرية الخاصة بكل أمة... وكما أن الإنسان يشبه الإنسان الآخر [مهما كانت دقة تنوعهم]، كذلك تنبع جميع الأديان من ذات المنبع الواحد. إن الإنسان الحقيقي، أي العبقرية الشعرية، هو المنبع». لا تتمتع هذه المطابقة ما بين الإنسان والشعر على قوة التناقض ما بين الدين والأخلاق وحسب، وبالتالي جعلها للدين يظهر باعتباره من عمل الإنسان [وليس من عمل الله (Dieu)، أو من صنع العقل الترانسندتاليّ]، وإنما تعيد أيضاً الشعر إلى العالم الذي نتحرك نحن فيه. لا يمكن، في الحقيقة، اختزال هذا العالم إلى حدود الأشياء (aux choses)، التي تظل بالنسبة لنا، وفي ذات الوقت، أشياء خارجية نستخدمها. إن ذلك العالم ليس بالعالم الدنيوي (monde profane)، النثري والخالي من الإغواء (prosaïque et sans séduction)، عالم الشغل (du travail) [الذي يظهر أمام "المنطوين على أنفسهم"، الذين لا يستطيعون ثانية اكتشاف الشعر في الخارج، ويختزلون حقيقة العالم إلى حدود الشيء (chose)]: الشعر الذي يحطم الحد القائم ما بين الأشياء هو وحده من يتمتع بفضيلة جعلنا نشعر بغياب الحد (absence de limite)؛ وبكلمة واحدة، يُعطى لنا العالم عندما تكون صورتنا عنه مقدسة (sacrée)، ذلك لأن كلّ ما هو مقدس شعري، وكل ما هو شعري مقدس (tout ce qui es poétique est sacré).
ذلك لأن الدين ما هو إلاّ نتاج للعبقرية الشعرية. وليس هناك أي شيء في الدين لا ينطوي عليه الشعر، ولا شيء يربط الشاعر بالإنسانية، والإنسانية بالكون. كذلك لا يمكن لأي خاصية شكلية، ثابتة، وملحقة بكماليات جماعة ما [أي بالاحتياجات النفعية، أو احتياجات الدنيوي للأخلاق](9) إبعاد الشكل الدينيّ عن حقيقته الشعرية؛ كذلك فإنّ الشعر الخالص يُسلّمُ بعجز الكائنات العبدة (à l’impuissance d’être serviles). وذلك ما نعثر عليه في كل مكان: ليس ثمة من حقيقة عامة لا تظهر ككذبة خاصة (un mensonge particulier). وليس هناك من دين أو شعر لا يكذب. كما أنه ليس ثمة من دين أو شعر لا يمكن اختزاله، أحياناً، إلى مصاف جهل العامة عن الخارج (du dehors): ومع ذلك، لا يكف الدين ولا الشعر عن قذفنا بحماس خارج أنفسنا (hors de nous)، وباندفاعات عظيمة (grands élans) يكف معها الموت أن يكون نقيضاً للحياة. وبالدقة، يعتمد فقر الدين، أو الشعر، على المعيار الذي يقودهما عبره المنطوي على ذاته ويوصلهما إلى وسواس عواطفه الشخصية. إن فضيلة بليك تكمن في تعريته للشكل الفردي لهما، كليهما، وفي منحهما من جديد ذلك الوضوح الذي سينعم بفضله الدين بحرية الشعر، والشعر بالقوة السيادية للدين (pouvoir souverain de la religion).

ميتالوجيا بليك المُؤولة وفقاً لسايكولوجية يونغ
ليس هناك من انطواء حقيقي عند بليك، بحيث لا يكون لانطوائه المزعوم إلاً معنىً واحد: لقد مسّ هذا الانطواء الخاصية (la particularité)، والاختيار العشوائيّ للميتولوجيات التي اشتغل عليها. بالنسبة لشخص آخر غيره، ما الذي تدلّ عليه أشكاله الإلهية عن الكون، تلك الأشكال المقدمة لنا عبر قصائد طويلة لا تنضب معاركها (inépuisables combats
لقد أدخلت ميتالوجيا بليك، بصورة عامة، مشكلة الشعر. فحينما يُعبر الشعر عن الميتالوجيات التي تقدّمها التقاليد، لا تكون تلك التقاليد مستقلّة، وهي لا تتمتع بحدّ ذاتها بالسيادة. إنها تعطي مثالاً متواضعاً عن أسطورة (légende) يظل شكلها ومعناها منفصلين عنها. أمّا إذا كانت عملاً لراءٍ (visionnaire)، فسوف تُظهر أشكالاً عابرة، لا تتمتع بقوة الإقناع ولا معنى حقيقياً لها إلاّ في نظر الشاعر. وهكذا لا يكون الشعر المستقل (poésie autonome)، حتى وإن بدا ظاهرياً وكأنه من إبداع الأسطورة، سوى غياب لكلّ أسطورة، في المقام الأخير. في الحقيقة، لم يعد العالم الذي نعيش فيه قادراً على توليد أساطير جديدة، كذلك لا يمكن للأساطير التي يبدو الشعر قادراً على تأسيسها، إذا لم تكن مواضيع للإيمان (objets de foi)، توليد أي شيء غير الفراغ: الكلام عن الـ "إنتهارمون" (Enitharmon) لا يكشف عن حقيقة "إنتهارمون"، بل وينطوي على غياب "إنتهارمون" عن هذا العالم، الذي يشكل فيه الشعر حقاً النداء. يكمن تناقض بليك في حقيقة إعادته لجوهر الدين (essence de la religion) إلى جوهر الشعر، وكشفه، في ذات الوقت أيضاً، عن عجز الشعر في أن يكون حراً ويتمتع بالسيادة معاً. أي أنه ليس بإمكانه أن يكون في آن واحد شعراً وديناً. وما يشير إليه هو غياب الدين (absence de l’religion) الذي كان ينبغي أن يكون عليه. إنّ الشعر دين ذكرى لكائن محبوب (souvenir d’un être aimé)، يوقظ فينا المستحيل (l’impossible) الذي هو الغياب (qu’est l’absence). لا شك أنه سياديّ، لكن كرغبة، وليس كملكية لمادة ما. يحق للشعر التأكيد على سعة مملكته، بيد أننا غير مدعوين لتأمل ذلك الاتساع، من دون معرفتنا الفورية بأن الأمر يتعلق بخديعة لا يمكن القبض عليها (leurre insaisissable)؛ فهو ليس المملكة، ولكنه بالأحرى عجز الشعر (l’impuissance de la poésie).
ذلك لأنه في أصل الشعر تنهد القيود، وما يبقى هو الحرية العاجزة (la liberté impuissante). في حديثه عن ملتون (Milton)، يقول وليم بليك: «أنه كباقي الشعراء من حزب الشياطين دون معرفته بذلك». إذ لا يمكن للدين، الذي ينطوي على الشعر الخالص، والدين الذي له نفس اشتراط الشعر التمتع بقوة أكبر من قوة الشيطان، الذي يشكل جوهر الشعر: إذا ما سقط الشعر في مثل هذا الإغواء، فسوف لن يتمكن من بناء أي شيء، وسينهار، لأنه ليس حقيقياً إلاّ عندما يكون متمرداً (n’est vrai que révoltée). تُلهمْ الخطيئة والإدانة ملتون، الذي يُوتر فيه الفردوس ثانية النابض الشعري. كذلك مات شعر بليك بعيداً عن "المستحيل" (l’impossible). إن أشعاره الضخمة، التي تتحرك في مجالها مخيالات غير موجودة، لا تملأ روحه (son esprit)، لكنها تفرغها، وتخيبه.
إنها تخيبه وهي قائمة هنا لكي تجعله خائباً، ما دامت تشكل نفياً لمطلبه العام (son exigence commune). لقد كانت رؤيا بليك، ضمن حركة الخلق، سيادية: ترفض نزوات المخيلة المضطربة الاستجابة لحسابات المصلحة. وذلك ليس لأن "أروزين" (Urizen) أو "لوفاه" (Luvah) لا معنى لهما. فـ "لوفان" هو إله العاطفة، و"أورزين" إله العقل. بيد أن هذه الأشكال الميتالوجية لا تحتفظ بكينونتها بفضل تطور منطقي للمعنى الذي كانت تتمتع به. كذلك سيكون من العبث اقتفاء خطواتها عن قرب. قد تتمتعُ الدراسة المنهجية لتلك الأشكال بقوة تقديم "سايكولوجيا بليك" بتفاصيلها: لكنها تجعلنا نفتقد أثر الملح الذي يمهرها بدمغته: لا يمكن اختزال الحركة التي تحملها وتبث الحياة فيها إلى مصاف التعبير عن الوحدات المنطقية (entités logiques)، إنها النزوة ذاتها (le caprice même)، وتظل غير مكترثة بمنطق الوحدات. كذلك سيكون من العبث دفع ثمن الرغبة باختزال إبداع بليك إلى الفرضيات الذهنية المفهومة، أو إلى مقاسات عامة. كتبَ و.ب. وتكوت: «أن الأربعة "زوا" لـ بليك (les quatre Zoas de Blake) ليست خاصة به وحده. إنها تشكل تيمة تتحرك عبر الأدب برمته، غير أن بليك وحده من يقدمها وكأنها في حالتها الأسطورية البدائية». صحيح أن بليك نفسه كان قد أعطى معنىً لثلاثة من تلك المخلوقات الحلمية: فـ "أروزين" هو في آن معاً، وعبر الشكل، "الأفق" (l’horizon) و"العقل" (la raison)، إنه أمير النور (le Prince de la lumière): الرب "المدمر وليس المنقذ" (le Sauveur). أمّا "لوفاه" (Luvah)، القريب اسمه من مفردة (Love)، الذي يذكر بالحب، فهو، على غرار "إيروس" الإغريقيين، طفل للنار، والتعبير الحيّ عن الانفعال: «ينفث منخراه شعلة متقدة، كما تشبه خصلات شعره الغابة المليئة بالوحوش الضارية، حيث تلمع النظرة المرعبة للأسد، وينهد عويل الذئب والنمر، وحيث يخفي النسر رضيعه عند الفتحة الحجرية للهاوية. ويكشف عن صدره كأنه سماء تتلألأ بالنجوم...». كذلك فإنّ "لوس" (Los)، أي "روح النبوة" بالنسبة لـ "لوفا" هو "ديونيزوس" (Dionysos) بالنسبة لـ "أبولو" (Apollon). إنه يُعبّر بطريقة مفهومة إلى حدّ ما عن قوى المخيلة (puissances de l’imagination). وحده المعنى الرابع، أي "تارماس" (Tharmas) لم يقدم لنا، بيد أن و.ب. وتكوت لا يحجم عن العثور فيه، بإكماله للوظائف الثلاث للذهن، للعاطفة والحدس، على الوظيفة الرابعة والتي هي الحس (sensation). في الحقيقة، يقول بليك أن الأربعة "زواس" هؤلاء هم «الحواس الأربع الأبدية للإنسان»: يرى في كل منها تجسيداً لقوانا الأربع (four mighty ones). تشكل هذه الوظائف الأربع لـ و.ب. وتكوت سيكولوجيا يونغ: إنها جذرية، ونعثر عليها ليس في فكر سانت أوغسطين (saint Augustin) وحسب، وإنما أيضاً ضمن الميتالوجيات المصرية، وحتى في... "الفرسان الثلاثة" (Les trois Mousquetaires) [والذين هم أربعة]، أو في "الأربعة العادلون" (Les Quatre Justes) لـ إدغار فالاس (Edgar Wallace) كانت هذه التعقيبات أقل جنوناً عما تظهر عليه، لكن بالدقة لأنها عقلانية –أو حتى حكيمة-، لذا فهي الخارج، الذي أراد بليك، وتحت الانفعال المشوّش، ترجمتها عبره. لا يمكن القبض على ذلك الانفعال إلاّ من خلال الاحتدام، الذي يحرره من العوائق، ويكف فيه عن التعلق بأي شيء.
يبدو أن الملحمة الميتالوجية لـ بليك (épopée mythologique)، بقوة رؤيتها، بضرورتها وغزارتها، بتمزقاتها وتوليدها لعوالم (enfantement de mondes)، بمعاركها الإلهية السيادية وتمرداتها، معروضة من المبدأ على التحليل النفسي (psychanalyse). كذلك من السهل رؤية سلطة وعقل الأب (l’autorité et la raison du père) فيها، والتمرد الصاخب للابن. لذا من الطبيعي أن يبحث المرء عبرها عن الجهد المبذول من أجل المصالحة والجمع ما بين المتناقضات، وعن الإرادة المسالمة التي ستمنح معنىً نهائياً لفوضى الحرب (désordre de la guerre). لكن انطلاقاً من التحليل النفسي –إن كان ذلك لـ فرويد أو يونغ- ما الذي سنحصل عليه، في النهاية، إن لم يكن معطيات التحليل النفسي ذاتها؟ وهكذا ستجعلنا محاولة تفسير بليك على ضوء يونغ، نعرف الكثير عن نظرية يونغ نفسه، مما يمكننا معرفته عن نوايا بليك. وسيكون من العبث مناقشة تفاصيل التفسيرات المقدمة. إذ ستظهر حتى الأطروحة العامة مبررة. مما لا ريب فيه أن الأمر يتعلق، عبر القصائد الرمزية العظيمة (grands poèmes symboliques)، بالتجسيد الإلهي لوظائف الروح (fonctionnes de l’âme)؛ وفي النهاية سوف تأتي، بعد الصراع، لحظة السلام، التي سيجد فيها كلّ واحد من الآلهة الممزقة، أي عبر تراتبية الوظائف (la hiérarchie des fonctions)، المكانة التي خصصها له المصير (le destin lui assigne). بيد أن مثل هذه الحقيقة، غامضة المعنى، ستدفعنا نحو الشك: يبدو لي أن التحليل قد أدخل، بهذه الطريقة، عملاً شاذاً (œuvre insolite) ضمن إطار يلغيه، ومن ثم يكون قد أبدل تلك اليقظة بنوم ثقيل. إن الحصيلة، الموثوقة والمقنعة، هي دائماً التناغم (harmonie) الذي بلغه، دون أدنى شك، بليك، لكنه بلغه وهو ممزق، فيما يكون هذا التناغم بالنسبة لـ يونغ، أو و.ب. وتكوت–نهاية- لرحلة لها معنى أكبر من معنى ذلك التوجه المضطرب.
إن إختزال بليك إلى مستوى تصور يونغ عن العالم مقبول، لكنه غير كافٍ. على العكس من ذلك، تفتح قراءة بليك الأمل في عدم اختزال العالم (irréductibilité du monde)، ضمن تلك الأطر الضيقة، حيث يتمّ لعب كل الأوراق مقدماً، وحيث لن يبقى هناك لا بحث، ولا هيجان، وتنعدم اليقظة، التي يُراد منا مواصلة السير على دربها، ومن ثم سيكون علينا الذهاب إلى فراش النوم وممازجة نعاسنا بضجيج ساعة النوم.
   
             ألقى النور على الشر
            عرس السماء والجحيم.

لا يتعارض تماسك حلم الكتابات الرؤيوية  (écrits visionnaires) لـ بليك بأي شيء مع الوضوح القطعيّ الذي أدخله التحليل النفسيّ. كذلك لا ينبغي تجاهل عدم التماسك. كتبَ كازاماين (Cazamian): «في مجرى تلك السرديات الغزيرة والمتداخلة، تموت ذات الشخوص، ثم تنهض من موتها، تُولد من جديد لمرات عديدة، ضمن ظروف أخرى. إن "لوس" و"أنتارامون" (Los et Enitharmon) هما طفلاً "تارماس" (Tharmas) ومن فيضه ولد "أيون" (Eon)، و"إيرزن" (Urizen) وأولادهما؛ من ناحية أخرى، ولدَ هو عن "فولا" (Vola)؛ لذا فإنّ خلق العالم لم يكن مبتوراً إذاً، وإنما ينتظمُ وفقاً لقوانين العقل وحسب-وبعد ذلك بكثير، في أورشليم، سيتشكل عمل "إيلوهيم" (Elohim)، الذي هو واحد آخر من الأبدين (un autre des Eternels)؛ أو سيحمل ذلك العمل اسم "الإنسان العالميّ" (l’Homme universel). في كتاب "الأربعة زوا" (quatre Zoas)، يطلق "أرزن" (Urizen) على نفسه اسم "أرتونا"، ومن ثم يتحول إلى شبح لـ "لوس"؛ وفي شعر آخر، لـ ميلتون، يلعب نفس الدور، ويظهر متطابقاً مع الشيطان (Satan). إنه المسخ المعتمِ لنور قادم من مكان آخر؛ أبعد من الشمال (le Nord)، المليء بالظلمات والصقيع، كما تُسند له نقاط أساسية أخرى، وفقاً للرسم الرمزي الذي يجسده. والحالة هذه، لقد كان، وسيظل "يهوه" الإنجيل (Jéhovah la Bible)، الخالق الغيور للدين الفُسيفسائيّ (religion mosaïque)، مؤسس القانون، لكن، في كتاب "أورشليم"، يتمّ التذكير بـ "يهوه" كونه رب الغفران، فيما أن النعمة الخاصة (grâce spécial) هي ما يحملها دائماً "الحَمَل" (agneau) أو المسيح. وفي مكان آخر، حينما يشخصن بليك الرؤيا الخيالية المنتجة، يطلق عليها اسم "يهوه إيلوهيم"-سيكون من المستحيل هنا تقديم تأويل متكامل لذلك. لأن الشاعر يبدو وكأنه في كابوس أو في حالة تجلٍ.. »(10).
يمكن أن يكون السديم (chaos) سبيلاً لممكن بعينه، لكن إذا ما رجعنا لكتابات الشباب، سيكشف هذا الممكن (possible) عن نفسه باعتباره واحداً من معاني المستحيل (un sens d’impossible) –بمعنى العنف الشعري (violence poétique) وليس بمعنى نظام مُدبّر. ليس بمقدور سديم العقل تقديم ردٍ على العناية الإلهية للكون، لكنه يستطيع أن يكون يقظة (éveil) في الليل، حيث يرد الشعر القلق والمنهد وحده على ذلك.
ما يُدهش في حياة وعمل بليك هو الحضور (la présence) حيال كلّ ما يطرحه العالم. وعلى عكس فرضية يونغ، التي تزعم بأن بليك يقدم صورة عن الشخص المنطوي، إذ ليس هناك ما هو مغرٍ، بسيط وسعيد يفلت عن تمنياته: الأغاني، ضحكات الطفولة، الألعاب الحسية، الدفء وثمل الحانات. لا شيء كان يصدمه إلى هذا الحد أكثر من القانون الأخلاقي الذي يحرم تلك المتع.

        آه لو كانوا يعطوننا بيرة خفيفة في الكنائس
       ولهب جميل عابر ينير قلوبنا...(11).

تعرض هذه الأصالة أمامنا كلية الشاعر الشاب المنفتح بدون حساب على الحياة. ثمة عمل مُثقل بالرعب قد شرع بـ "المزامير الريفية" (pipeaux)  [في اللحظة التي كتبَ فيها بليك "الأناشيد السعيدة" التي لم يكن الأطفال ليسمعوها دون أن تملأهم الغبطة].
كان ذلك الفرح يُبشر بزواج، لم يكن بمقدور "المزامير الريفية" التبشير به من قبل.
كما جعلت تلك البسالة الطفولية الشاعر يقف من فوق كلّ المتناقضات: الزواج الذي كان يرغب الاحتفاء به هو زواج السماء والجحيم.
ينبغي علينا الإصغاء برهافة للتعابير المتفردة لـ وليم بليك. فهي تتمتع عبر القصة بالمعنى الأثقل: ما تصفه هو في النهاية التوافق ما بين الإنسان وتمزقاته الذاتية، وكذلك قبوله بالموت، وبتلك الحركة التي تدفعه بعجالة نحوه. إنها تتخطى بصورة متفرّدة محتوى التعابير الشعرية العادية. كما أنها تعكس بدقة كافية عودة لا تحيلنا إلى كليّة المصير الإنساني (destinée humaine). بعد ذلك، كان على بليك التعبير عن هيجانه بطريقة مُدلَّهة وفوضوية، بيد أنه كان في ذروة الفوضى التي استولت عليه: لمح عبر هذه الذروة، بكليتها وعنفها، مدى الحركة، التي تدفعنا نحو ما هو أسوأ، وفي ذات الوقت ترفعنا إلى مصاف المجد. لم يكن بليك بأي شكل فيلسوفاً، لكنه عبر عن الجوهري بقوة وبدقة أيضا تحسده عليهما الفلسفة. 

«لا شيء يتقدم، كتب، إلاّ من خلال المتناقضات(12) (Contraires). إن الانجذاب والنفور، العقل والطاقة، الحب والكراهية ضرورية للوجود الإنساني».
«من تلك المتناقضات يلد ما تُطلق عليه الأديان الخير والشر. الخير هو الثابت المُلحق بالعقل. والشر هو المتحرك الناتج عن الطاقة.
«الخير هو السماء. الشر هو الجحيم...
«لقد عذب الله الإنسان عبر الأبدية (pendant l’Eternité) لأنه خاضع لطاقته (son Energie)...
«الطاقة هي الحياة الوحيدة، والمصنوعة من الجسد، والعقل هو إمّا الحد (limite) أو النطاق (circonférence) الذي يطوق الطاقة.
«الطاقة ملذات (Délices) أبدية».

ذلك هو الشكل المتفرّد الذي أخذه، في 1793، نص "زواج السماء والجحيم" الشهير، الذي لا يقترح على الإنسان التخلص من رعب الشر، ولكن إبدال زوغان النظرة (fuite du regard) بالنظرة الجلية (regard lucide). وثم لن تبقى هناك، ضمن هذه الشروط، أية راحة. كذلك فإنّ المتعة الأبدية هي اليقظة الأبدية: قد يكون الجحيم هو ما لم تعرفه السماء، ومن ثم طرحته جانباً.
تشكل غبطة الحواس، في حياة بليك، حجر الزاوية. فالحسيّة تجعله ينفي أولوية العقل، كما أنه يدين باسم تلك الحسية القانون الأخلاقي. لقد كتبَ: «كما أن دودة القز تختار الأوراق الجميلة لكي تضع فوقها بيضها، كذلك يصب القس لعنته على الأفراح الأكثر جمالاً»(13). ينشدُ عمله بقوة السعادة الحسية، والبذخ المكتنز للجسد. «إن شبق تيس الماعز، يقول، هو طيبة الله»، وبعده بقليل: «إن عري المرأة من عمل الله»(14). ومع ذلك، تختلف حسية وليم بليك عن التملص الذي يتنكر للحسية الواقعة، ولا يرى فيها غير جانب الصحة. تقف حسية بليك إلى جانب الطاقة، التي هي الشر، الذي يمنحها دلالة عميقة. إذا كان العري من صنع الله – وشبق التيس طيبته- فذلك لأن الحقيقة هي من يكشف عن حكمة الجحيم، يكتب:

    ما كنتُ أرغب فيه من الزوجة
    هو ما نجده عند العاهرات—
    ملامح الرغبة المُرتويةِ(15).

وفي مكان آخر يعبر بدقة عما ينبثق عن الطاقة –العنف-، الذي هو بمثابة الشر، من وجهة نظره. للمقطع الشعري التالي معنى السرد في حلم.

    أرى كنيسة كلها من الذهبِ
   حيث لا يتجرأ أحد على الدخول
   في الخارج جمهرة من ذارفي الدموع
   دموع، حداد وتضرع.

    أرى أفعى تشبُ ما بين
   الأعمدة البيضاء للباب
   تدفع، تدفع وتدفع
  تقتلع مفاصل الذهب.

   وعلى البلاط الأملسِ
   ينسكبُ اللؤلؤ والروبيات اللامعة،
   وسيتمدد بكل طوله اللزجِ
   وحتى من فوق المنبر الأبيض،

   تنفثُ سمها
  على الخبز والنبيذ،
   أدخل حينها في زريبة خنازير
   وأتمدد وسط الخنازير(16).

لا شك أن بليك كان واعياً بمعنى هذه القصيدة. فالكنيسة الذهبية هي دون ريب "حديقة العشق" في "أناشيد التجربة"، التي كتبَ في مطلعها: «لا يجب عليك»(17).
أبعد من الحسيّة والشعور بالرعب الملازمين له، كان عقل بليك منفتحاً إزاء حقيقة الشر.
 وقد جسده بشخصية النمر، عبر قصائد غدت كلاسيكية. كذلك تتناقض بعض عبارتها مع باب الخلاص. ولم تتمكن عينان مثبتتان على حقيقة شمس القسوة كما تمكنت عينا بليك:

          أيها النمر، النمر، المشتعل والمتقد
          في غابات الليل
          أية يد، أية نظرات خالدة
         عرفت كيف تشكل التوازي المرعب؟
          أين المعطف؟ أين السلسلة؟

          من أية محرقة بزغ عقلك؟
          فوق أي سندان؟ وأي ضربات مرعبة
          تجرأت على لحم أشكال رعبها القاتل
         حينما قذفت النجوم بسهامها
         وخضبت بدموعها السماوات
        هل ابتسمت وهي تنظر لعملها؟
        هل خلقك ذلك الحمل الذي كان؟(18)
  
ضمن ثبات نظرة بليك، لا أحدس فارقاً ما بين أخذ القرار والخوف. كذلك يبدو لي من الصعب التوغل بعمق أكبر في هاوية الإنسان حيال نفسه من تصور الشر ذاك:

    للقسوة قلب إنساني،
   وللغيرة شكل إنساني،
   للرعب شكل إلهيّ إنسانيّ
   وللغرابة رداء الإنسان.

   رداء الإنسان هو النصل المطروقِ،
   الشكل الإنساني، مصهر الحديد المتقدِ
   الشكل الإنساني، موقد مختوم بالشمع الأحمر
   قلب الإنسان، حنجرته الجائعة(19)

بليك والثورة الفرنسية
لا يكشف إفراط كهذا عن السر المرتبط به. ولن يتمكن أحد من توضيحه. فالعواطف التي تحمله، بدقتها، تتخفى. ونحن متروكين لذلك التناقض الذي لا حلّ له. لأن معنى الشر المؤكد هو اثبات الحرية، لكن حرية الشر هي أيضاً نفي للحرية. يتجاوزنا هذا التناقض، فكيف إذاً لم يتجاوز بليك؟ كثوري، أطلق وليم بليك على الثورة اسم سلطة الشعب. ومع ذلك، كان متحمساً حيال الانفلات الأعمى للقوة [حينئذ، بدا له العنصر الأعمى رداً على الافراط الذي يشير إلى الإلهي]. تقول "أمثال الجحيم": «غضب الأسد حكمة الله». و: «يشكل زئير الأسود، عويّ الذئاب، حالات فزع البحر المُلغى، أجزاءً من الأبدية الأكبر من أن تحتويها عين الإنسان».
نجد هذه الأبيات في القصيدة المُعنونة "الصورة الإلهية"، المنشورة ضمن ديوان [شعر ونثر، ص 57-58] وفي "أناشيد البراءة" السابقة لـ "أناشيد التجربة" [1794]. في نظر بليك، تكشف وحدة القصيدتين المُتعاقبيتن، في 1794، عن «حالتين متناقضتين للروح الإنسانية».
يوقظُ "زئير الأسود" الشعور بالمستحيل: لا يستطيع أحد إعطاءه المعنى الذي يستقبله العقل الإنساني. ولا يمكننا حياله سوى الاستيقاظ بلا أمل، إذا ما استيقظنا مرة، ودون الحصول على الراحة. آنئذ، لن يكون تداخل الملاحم مهماً وحسب، بل وإنما أيضاً محاولة الخروج منها، فنحن نمرُّ من يقظة التداخل إلى نوم التفسير المنطقي. وذلك ما يُشكل الشيء الأكثر أهمية عند بليك [«الأكبر من أن تحتويه العين الإنسانية»(20)، لكن ما هي دلالة الله في عقل بليك إنّ لم تكن يقظة الشعور بالمستحيل؟]. إنها لا شيء، إذا ما رغب المرء بالحديث عن الأسد، عن الذئب والنمر، بيد أنّ هذه البهائم الوحشية، التي يرى فيها بليك "جزءاً من الأبدية"، تعلن عن ما يوقظ، ويخفي الحركة، ما يدفع نحو النعاس، المُتولدِ عن اللغة [الذي يُبدل ما عصي عن حل ظاهريّ، ويضع محل الحقيقة العنفية شاشة تخفيها]. وباختصار، النقد الذي لا يكتفي بالقول بأنّ كلّ نقد غير نافع (inutile)، ومستحيل (impossible)، سيكون بعيداً عن الحقيقة حتى عندما يكون قريباً منها: ذلك لأنه يفرض شاشة تُغربل، على الأقل، النور. [ما أقوله يشكل، هو أيضاً، عقبة ينبغي رفعها إذا ما شئنا النظر (veut voir)](21).
إنّ الأشعار التي نشرها بليك، في 1794، ضمن "النمر"، مثلاً، تُعبر عن ردة فعله إزاء الرعب. فـ "الصورة الإلهية" محفورة سلفاً في الزمن الذي تساقطت به الرؤوس. فعبور أوروبا المتزامن مع تلك الأشعار يوحي بالأحرى بالرعب (évocation de la Terreur). كذلك تُشكل العاطفة الإلهية وحدة مع "لوفاه" (Luvah)، تحت اسم "ورك" (Orc)، وتُذكر في النهاية بانفلات اللهب:

   ... تظهر ومضاتها الهائجة عبر كروم فرنسا الحمراء.
   تبرق الشمس بألق النار!
   فيما تنهض من حولها أشكال الرعب المخبولة
   محمولةً بعنف عربات الذهب ذات العجلات
   الحمراء للدم المُقززِ!
   تجلد الأسود الهواء بذيولها الغاضبة!
   تتمدد النمور من فوق الضحية وتلعقُ
   المستنقع القرمزي(22).

لا شيء يمكن الحصول عليه من دوخان الموت والتألقات هذا، ولن تتمكن أية لغة لا شعرية من التعبير عنه. فالخطاب لا يستقطب منه سوى رسوم مُخترقة. وحتى من الشعر ذاته يفلتُ ما هو سييء، ولا يتمكن غير الضغط العصبيّ من بلوغه. ومع ذلك، لا يخضع الشعر –الرؤية الشعرية- للاختزال العام. من جانب آخر، تضع الفكرة الثورية عند بليك تناقضاً ما بين الحب والكراهية، وما بين الحرية والقانون (Droit) والواجب (Devoir): لم يمنحه ملامح "أورزن" (Urizen)، الذي يرمز للعقل والسلطة، وإنما هو تعبير عن غياب الحب. وذلك ما لا يؤدي إلى موقف متماسك، بل يحافظ على الفوضى الشعرية. فإذا ما تحركت الثورة وفقاً للعقل، فسوف تَبتَعدُ عن تلك الفوضى، لكنها تُبعد عنها، في ذات الوقت، السذاجة غير اللائقة، المُثيرة، وذات الدلالة فيما يتعلّق بضجة المتناقضات، التي يظهرها واحد من شخوص بليك.
لا يمكن لأي شيء، في لحظة كتابة التاريخ المُنظمِ للإنسانية، جعل تلك الاضطرابات، وبالرغم من دلالتها اللانهائية، تحصلُ على ما هو أكثر من الومضة العابرة، الخارجة عن الحركات الواقعية. بيد أنّ تلك الومضة تمنح هذه الحركات، عبر التناقضات الساذجة، لحظة تشتمل على عمق كلّ الأزمنة. وقد لا ترد على ما هو أبعد من عتمة الحاضر، وإذا لم تكن ثورية، فسوف لن تنطوي على سرعة البرقع، ولا تنتظم في سلسلة الصرامة التي تشكل خصوصية الثورة التي تُغير العالم. هل يلغي تحفظ كهذا، وهو ضروريّ، على المعنى الذي تَحدثتُ عنه؟ لا شك أنه معنى عابر، لكنه معنى بليك (le sens de Blake)، وهو معنى الإنسان الذي يرفض الحدود المفروضة عليه. ألا يتمكن الكائن الإنسانيّ، عبر الزمان، العثور ثانية، ولو للحظة خاطفة، على حركة حرية تتجاوز التعاسة؟ عندما يتحدث –في عالم صحراوي، وحيث يَختزلُ المنطق كلّ شيء ويحيله إلى مجرد وصفة- بلغة الإنجيل أو لغة "الفيدا" (Vedas)، يعيد وليم بليك، في لحظة، الحياة إلى الطاقة الأصلية (énergie originelle): هكذا تكون حقيقة الشرّ التي هي، جوهرياً، رفض للموقف العبوديّ، حقيقته الخاصة. إن بليك هو الواحد بيننا (l’un d’entre nous)، الذي ينشد في الحانةِ ويضحك مع الأطفال؛ ولم يكن أبداً ذلك "السيد الكئيب" (triste sir الممتلئ بالأخلاق والعقل، المحروم من الطاقة (énergie)، المُتدبر لحاله، الطماع، والخاضع في النهاية لكآبة المنطق.
يُدين إنسان الأخلاق الطاقة التي تنقصه. كما كان على الإنسانية، دون أقل شك، المرور عبره. وإلاّ من أين اكتسبت الحيوية إن لم تكن قد كشفت عن إفراط الطاقة التي تجعلها مُضطربة؛ أو بتعبير آخر: إنّ لم يكن عدد أولئك الذين تنقصهم الطاقة قد أعاد إلى العقل هؤلاء الذين يتمتعون بحصة فائضة منها؟ غير أن ضرورة السير تتطلب الرجوع إلى السذاجة. كذلك فإنّ عدم اكتراث بليك وصبيانيته الرائعة، وإحساسه أيضاً بالرفاهية، ضمن المستحيل، وقلقه الذي لا يمس شجاعته، تعبر كلها عن عصور أكثر سذاجة، وجميعها تلتمس العودةَ إلى تلك البساطة المُضيّعةِ. وحتى المسيحية المُتناقضة تشير إليه: أنه الوحيد الذي قبض، عبر البعدين المُتناقضين، بكلتا يديه على دورة الأزمنة كلّها (la ronde de tous les temps). إنه ينطوي على كلّ ما تفرضه الضرورة لجعل فاعلية مُتقنة لمصنع بكامله ممكنة. كذلك لم يكن بمقدوره الرد على الوجه البارد الذي تحركه لذة التعلم (plaisir de la discipline). إن هذا الحكيم، الذي اقتربت حكمته من حكمة الجنون، التي لا تقصي الأعمال التي تستند عليها حريته، لم يكن ممحواً كأولئك الذين يرغبون "بالفهم"، والذين ينحنون ويتنصلون عن الظفر. كما انقذفتْ طاقته بعيداً عن كلّ التنزلات التي يقتضيها عقل الشغل (esprit du travail). فكتابته تتمتع بصخب العيد، الذي يمنح العواطف التي يُعبر عنها معنى الضحك والحرية المنفلتين. لم تكن شفتا هذا الرجل يوماً مزممتين. كما أنّ رعب أشعاره الميتالوجية حاضرة هنا من أجل التحرير، وليس لصالح التسطيح: ينفتح ذلك الرعب على الكون برمته. إنه يستدعي الطاقة، وليس انحطاط القوى.
لقد أعطى لتلك الحرية الشاذة، التي تحركها طاقة كلّ العصور، الصورة الوفية في تلك القصيدة التي لا تُضارع [التي أهداها إلى "كلوبستوك" (Klopstock) –الذي يحتقره- والتي يتحدث فيها عن نفسه بصيغة الشخص الثالث]:

    حينما تحدى كولبستوك انكلترا،
    نهض وليم بليك بكبريائه؛
    لأن "نوبودادي" (Nobodaddy)، في الأعلى(23).
    ضرط، تجشأ، وسعلَ؛
   ثم لفظ شتيمة عظمى جعلت الأرض تختض،
   ونادى على بليك الإنجليزي ذي الصراخ العظيم.
   كان بليك على وشك الاستراحة
   في "لامبيث" (Lambeth) تحت أشجار الحور.
   حينها نهض من عرشه،
   ودار من حول نفسه ثلاث دورات ثلاث مرات.
   عند تلك النظرة أصبح القمر قرمزياً،
   وقذفت النجوم بأقداحها وهربت(23).





الهوامش:

1) في فرنسا، لم يتم التعرف على الشاعر، والرائي وليم بليك إلاّ منذ فترة قصيرة ومن عدد قليل من الأفراد. كذلك لم تمس كتاباته إلاّ نادراً أولئك الذين قد يتعرفون عبرها على أنفسهم، ضمن حركة قرارهم الحر. لقد لعبت طبيعة حياته الدينية، بلا شك، دوراً ضده. وربما لم يعثر في فرنسا على قراء كان بإمكانهم القبض على مغزاه العميق. يدهشني أن لا تظهر قرابة بليك بالسوريالية إلاّ فيما ندر وبصورة قليلة الوضوح. فنص غريب كنص "جزيرة في القمر" (An Island in the Moon) معروف بالكاد.
2) إن رؤيا بليك، الذي يتحدث عنها بألفة، وكذلك مبالغاته اللغوية، وطقس الهذيان للوحاته وأشعاره كلّها تمنعنا من التعامل معه باعتباره مجنوناً، إلاّ بصورة سطحية. لدينا شهادات خاصة أدلى بها أفراد كانوا قد عرفوه وقالوا عنه، في بداية تعرفهم به، بأنه كان شيطاناً، لكنهم تراجعوا فيما بعد عن حكمهم هذا، وبالتالي أكدوا بأنه أبعد ما يكون عن ذلك. وبالرغم من ذلك، وعندما كان أولئك الأفراد على قيد الحياة، شرعت أسطورة بقاء هذا الرائي لمدة ثلاثين عاماً في دار للمجانين بالتشكل. تأسست تلك الأسطورة، من الأصل، على مقالة ظهرت في "المجلة البريطانية" في باريس، عام 1833، [الحلقة الثالثة، المجلد الرابع، ص 183-186]: «أشهر قاطني مستشفى "بدلام" (Bedlam)، كتب المؤلف المجهول لتلك المقالة، هما مُشعل الحرائق "مارتان" (Martin) وبليك، المُسمى بالعراف (voyant). حينما ألقيت نظرة ثانية على جمهور المجرمين والمجانين هذا، وأخضعته لفحصي الخاص، طلبت أن أنقل إلى الزنزانة التي يقيم فيها بليك. كان رجلاً طويل القامة وشاحباً، يجيد التحدث، وهو أنيق للغاية؛ كذلك لا شيء تتضمنه حوليات علم الشيطنة (démonologie) يفوق بروعته رؤيا بليك. –لم يكن مجرد ضحية للهلوسة، فهو كان يؤمن بقوة برؤياه، كما كان يتحاور مع ميشيل أونج (Michel-Ange)، ويتناول عشاءه مع "سميراميس" (Sémrams)... لقد أقام هذا الرجل رسم الأشباح (spectres). عندما ولجت زنزانته، كان على وشك رسم برغوثة التي كان شبحها، كما يدعي، قد ظهر له للتو...» وبالفعل كان بليك قد رسم شبح تلك البرغوثة: الرسم الذي يحمل عنوان "شبح برغوث" (The Ghost of a flea) محفوظ اليوم في "قاعة تات" (Tate Gallery). لو لم تكن لدينا معرفة تفصيلية ومتواصلة عن عدم دخول بليك، ولو لفترة قصيرة، في مستشفى "بيدلام"، لصدقنا ما ذكرته "المجلة البريطانية". لكن "مونا ويلسن" (Mona Wilson) قد توصلت إلى مصدر سوء الفهم ذاك. فكاتب اليوميات في "المجلة البريطانية" كان قد حذف مقالة مكتوبة في "المجلة الشهرية" (Monthly Magazine). وبما أن "المجلة البريطانية" و"المجلة الشهرية" قد تحدثتا عن الرائي بليك ومشعل الحرائق "مارتن" لم يظهر فيهما سوى الجزء الذي يشير إلى أن "مارتن" وحده من كان قد دخل في مستشفى "بيدلام"، كان رئيس تحرير "المجلة البريطانية" وضع اسم شخصين، بدلاً من الشخص الواحد الذي يتناوله المقال المحذوف. يمكن العثور، في كتاب "مونا ويلسن"، "حياة ويليم بليك" (Life of William Blake)؛ لندن، منشورات "هارت دافيا" (Hart-Davia)، الطبعة الثانية، 1948، على المقالين المنشورين بالإنجليزية والفرنسية. يمكن الآن، إذا، صنع أسطورة من هذين المقالين، لكنها أسطورة قد تمّ تفسيرها تماماً. ومع ذلك، استمرت "مجلة كورنهيل" (Cornhill Magazine) الحديث عن بقاء بليك لثلاثين عاماً في مستشفى للمجانين.
3) "و.ب. فتكوت" (W.P Witcutt)، "دراسة سيكولوجية" (a psychological Study)، لندن، منشورات "وهولس وكارتر" (Hollis et Carter)، 1946، ص 18.
 4) الرسم في مدينة زيورخ.
5) ترجمة م.ل. كازميان (M.L. Cazamian)، في وليم بيلك، شعر ونثر، منشورات "أوبيه" Aubier، ص. 17 (في لغتين).
6) "النماذج السايكولوجية"، ذكره "ويتكوت"، "دراسة عن سايكولوجية بليك" (Blake. A Psychological Study)، ص 23.
7) "ليس هناك من دين طبيعي" (There is no natural religion) [السلسلة الثانية]. في ويلم بليك، "شعر ونثر"، منشورات ج. كنز، لندن، مطبعة "نوسوش" (Noesuch)، ص 148.8
8) "كلّ الأديان واحدة" (all religions are one)، حوالي عام 1788، ص 148-149. «كل الناس متماثلون بالعبقرية الشعرية»: «ينبغي على الجميع صنع الشعر، وليس واحداً منهم»، يقول لوتريامون.
9) التي تُستخدم لمنافع مادية، وغالباً ما تكون منافع الأفراد الأنانيين.
10) وليم بليك "قصائد مختارة"، المقدمة، ص 76-77.
11) المُتسكع الصغير"، في وليم بليك، "شعر ونثر"، ص 74.
12) "زواج السماء والجحيم"، المذكور سابقاً، ص 181-182.
13) وليم بليك، "قصائد مختارة"، ص 184.
14) نفس المصدر، ص 183-184.
15) أشعار مُختلطة"، في "شعر ونثر"، ص 99.
 16) نفس المصدر، ص 87، سيكون من الصعب تقديم وصفٍ للفعل الجنسيّ باعتباره انتهاكاً مدنساً للمحضور. القصيدة التالية، في نفس الديوان، توضح المعنى الدقيق لذلك الاستشهاد:
طلبتُ من سارق أن يسرق لي خوخةً:
فرفع نظره نحو السماء.
طلبت من امرأة خفيفة أن ترقد في فراشها:
قديسة وخاضعة، ستبكي.
ما إن خرجت، حتى أعقبني ملاك:
غمس بعينه نحو السارق
وابتسم للسيدة،
من دون أن يتفوه بمفرده
أخذ خوخة من الشجرة
وما بين الجد والمزاح
تمتع بالسيدة.
17) بليك، شعر ونثر، ص 74
18) "أناشيد التجربة"، في "شعر ونثر"، ص 72-73.
19) "وليم بليك"، في "شعر ونثر"، ص 81، عنوان المقطعين الشعرين هو "صورة إلهية".  ينطلق المقطع الأولى من معنى سابق له ومتناقض معه تماماً [وفقاً لإجراء يذكرنا بلوتريامون، لكن لوتريامون ينطلق من عبارات لغيره من المؤلفين، فيما ينطلق بليك من عباراته الخاصة]:
... للرحمة قلب إنسانيّ،
الشفقة، شكل إنسانيّ
والحب، الإلهي شكل إنسانيّ،
والسلام، رداء الإنسان.
نعثر على هذه الأبيات الأخيرة في القصيدة المعنونة "صورة إلهية" ["شعر ونثر"، ص 58-59. (1794). بالنسبة لبليك، وحدة القصيدتين المتعاقبتين، المنشورتين في 1794، تظهر بأن "الحالتين المتناقضتين للروح الإنسانية".
20) في "زواج السماء والجحيم"، وليم بليك، "شعر ونثر"، ص 181-191.
21) كتب "جان فال" Jean Wahl، في مقدمته الرائعة لـ "النمر" (في شعر، فكر، وإدراك، منشورات "كالمن ليفي"، 1948، ص 218): «النمر هو الشعلة الإلهية، الفردية الشرسة المُحاطة بغابة الخير والشر المختلطين ببعضهما. لكن هل يحتم علينا شعورنا بجمال المُرعبِ (beauté du terrible) قبول الشر دون تحويله؟ وإذا ما كان هناك تحول ممكن، أين ينبغي البحث عنه، وكيف يمكن تمييزه؟ تلك هي المشكلة التي ترد عليها الأبيات الأخيرة. إنّ تلك الشعلة نفسها هي بمثابة ألق للنور العظيم الذي يوحد ويشفي، الألق الإلهي للإنسانية. ليس هناك الجمال وحسب، وإنما أيضاً الخير القائم في الأشياء المُرعبة». إنّ ذلك الألق، عبر جملة فال، ألق مُغربل. فما الذي تقوله تلك الأبيات الأخيرة إن لم يكن «أيها النمر! النمر!، المُشتعل والمتألق –في غابات الليل– أية يد، أية نظرات خالدة عرفت كيف تشكل التناظر المرعب؟ لكن، في مكان أبعد، ص 19-23، يجعلنا جان فال نفسه نفهم بأن شرعية ذلك النقد قابلة للنقاش، من وجهة نظره: يتحدث عن "الفن المناهض لبليك" (l’art non blakien)، وحتى الذي يلعنه بليك للتحليل العقليّ». ويختم في الملاحظة التالية «إن وليم بليك وثنيّ، مسيحي وصوفي»: في "وليم بليك، 1757-1827. كاتالوج بليك، في معرض بليك، في قاعة "دوريان" (Galerie Drouin)، 1947): «تطال الانبثاقات في آن معاً الأنوار وتتعانق فيما بينها دون السؤال عن أسمائها». لقد قال بليك نفسه: «إن نمور الغضب أكثر حكمة من خيول التعلم». [زواج السماء والجحيم، وليم بليك "شعر ونثر، ص 184].
22) "أوروبا"، وليم بليك، "شعر ونثر"، ص 219.
23) اسم مُشكل من التناقض ما بين اللاأحد (nobody) (personne)  و"دادي" (Papa) (dady) والذي يشير غالباً، لكن بصورة مؤقتة إلى الله الآب (Dieu le Père). "قصائدة مختلطة"، في وليم بليك، "شعر ونثر" ص 103.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق