الخميس، 28 يناير، 2016

من الأخلاق إلى فائض الأخلاق: فرج الحوار




ترجمة محمد العرابي                                             

                                                                
«وحدها "شُعبةٌ ملعونة" كانت من نصيب؟، من حظي؟، في حياة إنسانية، بالمعنى الأكثر امتلاء (...) "الشُّعبةُ الملعونة"، هي تلك الخاصة باللعب، وبالمصادفة، وبالخطر. إنها أيضاً تلك الخاصة بالسيادة»
جورج باتاي، الأدب والشر، ص 25.


1-   العقل والإلهي
   توجد مسألة الشرّ في قلب أعمال جورج باتاي. وقد نجد أثر هذه المسألة مبثوثاً في أعمال روائية، مثلما في
Olivier de Sagazan Peinture
دراسات للكاتب. ومن المفيد أن نضيف في هذا المعنى أنه فضلاً عن مجموع المقالات الموسومة بـ "الأدب والشر" فقد عالج جورج باتاي إشكالية الشر في سلسلة من المحاضرات والمقالات، نذكر أهمها: "الشرُّ في الأفلاطونية وفي السادية"(1)، "ساد والأخلاق"(2)، "نقاش حول الخطيئة"(3)، "المقدس في القرن العشرين"(4)، "أخلاق ميلِّر"(5)، وأخيراً "في العلاقة بين الإلهي والشر"(6).
   في أصل التعارض خير / شر يوجد، حسب باتاي، التعارض مادة / نفس، حتى لو «لم نصرح عامة بأن المادة هي الشر وأن النفس هي الخير»(7). لكن من الصحيح بالمقابل أن «الديانات الكبرى تتفق على إعطاء المادة معنى الشرّ والنفس معنى الخير »(8). هذا التعارض الذي يعتبره البعض ساذجاً يتحكم فيه مفهوم أفلاطون الذي عرضه في مؤلفه عن الأخلاق، والذي يفيد ما يلي: «إن الخير ليس هو النفْس، ولا هو الفكرة، ولا العقل، إنه سلطة العقل؛ وعليه، فسيكون الشرّ هو العقل الخاضع للمادة، وهو إذا تعلق الأمر بالأخلاق، العقلُ الخاضع للأهواء. وبذلك نشهد بداية الشرّ مع رجحان كفة الأهواء على العقل»(9).
   وفي مقابل هذا المبدأ الأفلاطوني الذي بموجبه يكمن الشرّ «في تحكم الأهواء في العقل»(10)، تضع الأخلاق السادية [نسبة إلى ساد] المبدأ الشرطيَّ المتمثلَ في أن الشرَّ يكمن «في تحكم العقل في الأهواء»(11). وعلى هذا الأساس يُدين كاتب "الفلسفة في صالون السيّدات". ويعتبر هذا العمل «عموماً تمجيداً للقتل»(12)، ولقسوة عقوبة الإعدام بدعوى «استحالة أن يتمكن القانون من الحصول على نفس الامتياز [الذي للأهواء]، لأن القانون، البارد من ذاته، لا يستطيع أن يكون مشرعاً على الأهواء التي يمكنها أن تبرر للإنسان الفعل الوحشي للقتل»(13).
   التعارض غير القابل للاختزال لهذين المبدأين هو أصل المأزق الّذي يواجهه الإنسان بدون هوادة والمتمثل في ما يلي: «إن السيادة، أي الكلمة الأخيرة، تنتمي إلى العقل –الذي يمكِّن من تصور الزمن الآتي–أو تنتمي إلى الأهواء– التي ليس لها من أفق آخر سوى اللحظة الراهنة»(14).
   في الرؤية الدينية، «الخير هو الله (...) والأخلاق هي حُكمه»، أمّا في الرؤية المناقضة، فإن الأخلاق تتحكم فيها "القيمة العقلية للفعل" وحدها. لكن إذا أدرك الموتُ الله، فإن الأخلاق ستجد نفسها حتماً قد جرّدت من مبرر وجودها، و«القواعد الأخلاقية التي نخضع لها» تفقد معناها. حينها لا يتبقى لنا إلا أن نقبل بالمبدأ العقلي القبلي، بأن الإنسان مرغم على «اصطناع الخير غايته حالة من الأشياء المستحبة» لاسيما وأن «كل الناس متفقون على حقيقة أن هذه الحالة تستحق أن يُسعى وراءها»(15). فقط علينا أن نقبل فضلاً عن ذلك بأن هذه الفرضية، التي تجعل «البحث عن توافق لاحق ومشترك» و«البحث عن اللذة الراهنة والخاصة» يدخلان في تنافس بينهما، لن تكون مضمونة من طرف الجميع. وسيكون هناك دائماً شخص «لا تتوفر فيه فضيلة الصبر»(16)، ولن يتم إدانته، وليس مقبولا أن يتم معاقبته على خلفية موقفه.
   هاهنا يكمن الدليل على «أن الخير لا يمكن أن يكون حافزاً للتصرف وفقاً للعقل، لأن العقل ليس له من شيء في ذاته يمكنه أن يتجاوز الموافقة»(17)، ولا أن يستدعي "العقل الإلهي". وعليه فإن كان الله مات، فقد دفع هذا إلى افتراض أن موته راجع «إلى كونه كائناً من عقل»(18). بكلمات أدق: موت الله راجع بشكل رئيسي إلى كون «سيادته أعلنت عن التحكم في الأهواء بواسطة العقل. وجعلها اللحظة خاضعةً وتابعةً للمستقبل. فيما العقل في ذاته كان هو الهوى الأصيل، والمستقبل، واللحظة الحقيقية»(19). فضلاً عن ذلك فإن مفهوم الله المرتكز على المبدأ القائل بأن «العقل إلهي، وبأن «الجوهر الإلهي عقلاني»(20) يصبح للأسباب التي سبقت، غير مقبول بالكامل.
   معنى ذلك أن الحجة الإلهية لا يمكن أن تدرك نفسها بطريقة أخرى إلاّ باعتبارها كياناً عقلياً. الفرضية القائمة حول إله لا يعتبر تجسيداً للعقل هي أكثر عبثية من القول بأنه «نتيجة خارقة للجهل الإنساني»(21). إنّ هذا الجهل الأساسي هو الّذي يمنع من التعرف، «في غمرة الليل، على الكتلة الصامتة، المتهدِّدة، وغير المفهومة»(22)، أي بعبارة أخرى ما يسميه باتاي في مكان آخر "الشّعبةُ الملعونة". وعليه، فإن الإله الذي كان في الأصل يتطابق مع "أخلاق العقاب"، يعطى معنى لغير المفهوم بمطابقته مع المنع. فقط غير المفهوم يبقى شاملاً، تماماً ككلب مسعور يضع صاحبه «طوقاً حول رقبته»(23).
   إذا كان علينا إذن أن نقبل بأن الإله ليس «شيئاً بدون الأخلاق»، فيتوجب علينا أن نقبل أيضاً «أن الحديث عن أخلاق بدون عقاب قائم على توافق الهوى غير المبرر مع العقل، ليس حديثاً عن الأخلاق، ولكن عن حساب»(24). والخلاصة التي تنتج عن كل ما سبق تتمثّل في ما يلي: «إن الأخلاق لا تبدأ إلا إذا تم تغيير وجه العقل نفسه، على شاكلة غضب من ألوهية، ومن هوى غير مبررَين لكنهما خاضعان مع ذلك لقوانينه»(25).
   في هذه الحالة، سيغدو ممكناً القبول بأن «احتدام الأهواء سيكون هو الخير، الذي لا يمكن أبداً أن يكون تابعاً لبرودة القوانين النفعية، وبأن القوانين قد وضعت لتخدم الإنسان»(26). بالاستناد إلى هذه الأطروحة، يقدم باتاي الحجة التالية: «منذ اللحظة التي لا يعود فيها العقل إلهياً، لا يعود هناك ثمة إله»(27)، ومنذ اللحظة التي لا يعود هناك ثمة إله، يصبح كل شيء ممكناً.
   في محاضرة تعالج نفس المسألة [أخلاق أفلاطونية وأخلاق سادية]، يدقق باتاي بهذا الخصوص: «إذا نجحنا في فك الارتباط بين الأخلاق والإلهي، وبالضبط لو نجحنا في فك ارتباط العقل مع الإلهي، فإن التوافق العميق يكون قد رسا، ويكون الغضب الأخلاقي قد تم التخلص منه بشكل حاسم». النتيجة الحتمية لهذه «الوضعية المفتوحة بشكل كامل، والجديدة بشكل كامل» هي أن الناس سيفقدون المعنى والغاية اللّذين من أجلهما يتصرفون. «لا نعود نعرف حقيقة الأمر، يضيف باتاي، حينما نقول بأن شيئاً ما هو خير ما دمنا لا نعرف على أي أساس نعد الخير خيراً»(28).
   بحسب باتاي، هذا الالتباس يعود إلى «القسمة الأساسية والأصلية لمبدأين»(29) هما: النفس والمادة. وتفسيره: «ما دامت هذه القسمة قائمة فستكون دائماً هناك، مهما قلنا، أفضلية للنفس على المادة، وستحظى النفس بكل الأفضلية القابلة للإدراك، بما في ذلك الإلهي من جهة والعقل من جهة أخرى»(30). يتعلق الأمر من وجهة نظره، بقسمة ثنائية بمقتضاها «يجب أن ينظر إلى الإلهي كاختزال لمفهوم المقدس»(31). والمشكلة تكمن في أن هذا المفهوم الأخير لا يمكن أن ينظر إليه كشيء يمكن اختزاله في العقل»(32). هذا الانزلاق من مفهوم إلى آخر [من المقدس إلى العقل] سيكون من نتائجه وضعهما كليهما معاً، ضمن "العالم المتعالي" هذا فيما من الواضح أن «المقدس هو تحديداً نقيض المتعالي(33)، و [أنه] بشكل أكثر تحديداً محايثة(34)»(35).


2-   عنصر من رعب ومن جريمة
   إن المقدس الذي يسميه باتاي أيضاً بالمغاير أو الآخر مطلقاً، هو مفهوم مركزي في فكر هذا الكاتب. فعنده أن «المقدس هو تواصل بشكل أساسي: إنه عدوى. ويوجد مقدس، في لحظة معينة، حينما ينطلق شيء ما من عقاله ولا يمكن إيقافه، إنه ما يتوجب عليه مطلقاً أن يكون، وأن يدمِّر، ويوشك أن يقوض النظام السائد»(36). بعبارة أكثر وضوحاً، فإن المقدس «يمكن أن يكون ببساطة مختزلاً في تأجُّج الهوى». وإذاً، فهذا الأخير هو «الشيء الأكثر تناقضاً مع العقل» وهذا هو السبب الذي، في رأي أفلاطون، يجعل من الضروري «وضع انفلات الأهواء تحت مراقبة العقل». فالشرّ يبدأ حينما تصبح «سلطة العقل متجاوزة من طرف هذا الانفلات.»(37).

   يستخدم باتاي كثيراً مفهوم "المقدس"، بحيث يعطيه مفهوماً خاصاً، وذلك بكل تأكيد حتى يتفادى اعتراضات محتملة إلى درجة أنه استعمله، عديداً من المرات، لكي يثير الانتباه حول الطابع الإشكالي لهذا المصطلح الذي «حصر العلم استعماله كثيراً، يدقِّق باتاي»(38)، وخصوصاً من طرف السوسيولوجيا، التي تعتبر الوحيدة في نظره التي بإمكانها أن تعطيه «معنى، كان سيختلف قطعاً، عما كان سيعنيه من دونها»(39). 
   لكن هل يمكن الحديث عن المقدس كما «لو كان أول موضوع عرفه العلم؟»(40) بكلمات أخرى هل من الممكن تجريد المقدس عن "كلية العالم"، عزله والنظر إليه بمعزل عن الباقي، بحسب مقولة أن الموضوعات تكون «موضوعات للعلم إذا ما استطعنا أن ننظر إليها منعزلة»(41). والسؤال يكمن إذن في معرفة ما إذا كان ممكناً النظر إلى المقدس بمعزل عن المدنس، وما إذا كان المقدس، وهذا هو الأكثر أهمية، سيبقى كما هو عليه في جوهره بتحوله إلى "موضوع للعلم"؟
   في إجابته عن هذا السؤال الأساسي، يدقق باتاي بأن المقدس يمثل بالنسبة للمدنس «نفس ما تمثله الكلية الملموسة بالنسبة للموضوعات المنظور إليها منعزلةً. والكلية تعرف نفسها بتعارضها مع الموضوعات. والموضوع المدنس، جوهرياً، ليس موضوعاً آخر سوى المقدس. لا يوجد في الحالتين من متغير سوى زاوية النظر»(42). خصوصية المقدس تكمن في أنه لا يمكن تصوره فقط كموضوع، ما دام أنه «معطى كموضوع يبقى دائماً في حاجة لذات بشكل حميمي: إن الموضوع والذات، إذا كنت أتحدث عن المقدس، يوجدان دائماً إما متداخلين، أو متنابذين، ولكن دائماً، متكاملين إما بالاجتماع أو بالتعارض»(43).
   استنادا إلى ما سبق، يخلص باتاي إلى أن «المقدس لا يمكن أن يُحصر في التجارب السحيقة القدم للقدماء والبدائيين»، وتحت هذا المعنى فإنه لا يمكن أن يُختزل في موضوع بسيط للدراسة، واضعاً نفسه رهن فضول رجل العلم. ويدفع باتاي، في نفس الاتجاه،  إلى ملاحظة أن المقدس لا يمكن أن «يُحصر فقط في تجربة الديانات القائمة على الوحي»(44)، ما دام العالم، في شموليته وفي «عمقه هو دائماً مخترق من المقدس". بشكل أكثر تحديداً، فإن المقدس يتكشف في سلوك الإنسان «في مواجهته للموت وللموتى»(45).
   في محاولة منه لحصر معنى المقدس، شرع باتاي في التدقيق بأن المقدس يتعارض "مع النفعية"، مضيفاً بأنه «في أساس المقدس، يوجد دائماً منع يتعارض مع سلوكيات التشنج، الخارجة عن الحساب، والحيوانية في الأصل»(46). وعوضاً عن الأمثلة والشروح، فإنه يستشهد بحالة أكل اللحم النيء، أي «بالتضحية حيث يتم التهام الضحية حيةً من طرف مجموعات متعطشة للدم. يُستنتج من ذلك، بحسبه، بأن المقدس «يقتضي دائماً عنصراً من الرعب أو من الجريمة»(47).
   ويوضح باتاي على هذا النحو بأن المقدس قد تم ربطه عضوياً بالعنف. ومن هذه الزاوية تم النظر دائماً إليه، حتى من المنظور الديني، باعتباره في آن فاتناً ومرعباً، وذلك لكون مجاله بكلّ بساطة هو «مجال التدمير والموت»، وهي الحقيقة التي عبر عنها روجي كايوا الذي استشهد به باتاي، بهذه الكلمات: «حقيقة المقدس تكمن بالتزامن في سحر نار الجمر ورعب التعفُّن»(48). وهذا يعني إذن أن المقدس يقع تماماً «في النقطة الّتي تجري فيها اللعبة القاتلة للتدمير وللخلق العنيفين»(49).
   وبذلك يصل باتاي إلى الخلاصة، إلى النتيجة الحتمية، التي بموجبها «تعطي دراسة المقدس الإحساس بأننا إزاء مشكلة يتعذر حلُّها [المقدس لا يمكن أن يُختزل في موضوع للعلم] وأمام لعنة تطارد الإنسان»، لا يعرف كيف يتخلّص منها، لكي يبقي على حياته، أي إزاء إحساس الرعب الذي يؤسس المقدس. صحيح أنه «بدون المقدس، فإن كلية كمال الكائن ستفلت من الإنسان»، وبأنه «لن يكون سوى إنسان ناقص»، لكن من الصحيح أيضاً أن المقدس إذا اتخذ «شكل الحرب «فإنه سيهدد الإنسان بالانمحاق التام»(50). وبهذا المعنى بالفعل يتحدث باتاي عن المقدس كما يتحدث عن «لحظة مثالية لوحدة الشعور، أي لحظة التواصل المتشنج لما يتم كبته في العادة»(51)، وبإثارة الغليان في الوضع المتجانس، فإنه يُدخل فيه العنف والريبة.
   ويؤكد باتاي في محاضرة له حول «المقدس في القرن العشرين»، أن الإيمان بالمقدس لم يعد موجوداً بالمطلق. ففي نظره، أن موت المقدس راجع «إلى المبالغة في إعلاء شأن النفس، الناتجة هي نفسها عن خوف لا يمكن قهره لما هو فاتن وعنيف»(52). وبهذا الخصوص، يوضح بأن نهاية المقدس لا يقف وراءها فقط «الصعود المتنامي للمدنس جراء التطور العلمي والتقني»(53)، ولكن تجد تفسيرها أيضاً من خلال «نوع من دفقة شرر، وفقر شديد في الدم»(54).
   يذكر باتاي، في هذا المقام، بأنه بالنسبة للكنيسة، «فإن الله ليس المقدس الوحيد» وبأن «الشيطان ليس أقل قدسية منه». وتحت اسم هذا الأخير «انفلت رعب أهوج»(55) أدى إلى مقتل الآلاف من الساحرات حرقاً. إنه هذا الرعب المستوحى من الشيطان هو، بحسب باتاي، سبب «الإفقار الذي تعرض له بالتدريج العالم الإلهي، بتخليصه من الشوائب وعلى الخصوص –لأنه لم يعد مرعباً كفايةً»(56). وقد استخلص باتاي من ذلك بأن وجود الشيطان كان من نتائجه تقسيم الإلهي «إلى جزأين كان من المفروض أن يتجاهلا وألاّ يعترف أحدهما بالآخر». وعلى هذا النحو فإن الجزء الإلهي الخالص أفقر نفسه كثيراً»(57).
   وإذا لم يعد الإنسان المعاصر قادراً على أن يتمثل في نفسه "الإحساس بالمقدس"، فلأنه لم يعد قادراً على تصوره في «شمولية وجوهه: الإلهية والشيطانية»(58). وعليه فإن الإحساس بالمقدس يتقوَّى بالأساس بواسطة الرعب، الذي مات في الإنسان المعاصر المصرّ على رفض الإقرار بأنه «لاشيء أكثر جاذبية من الرعب»(59). إن الموت هو الذي يستثير في الإنسان «المزيد من الرعب و، مع الإحساس بالمقدس، فإن الوجود هو الذي يشرف على الموت»، باستثناء أن «الحياة تعرف ذروة كثافتها عند الالتقاء البارد مع نقيضها»(60).
   لكن الإنسان المعاصر لم يعد يبحث بالمرة عن "الإثارة والنشوة" التي يمده بها الرعب، صنو الإحساس بالمقدس، ويفضل عليهما «السلامة والرفاهية»(61)، مواصلاً حياته «كما لو أن الموت لم يعد موجوداً» وبأنه بالنتيجة، أصبح من الممكن «حصر العالم في العمل النافع وفي رغد العيش». وفي هذا يختلف الإنسان المعاصر عن ساحرات العصور الوسطى، اللواتي «كن يفضلن هياجهن المجنون على حياة مضمونة ومستقرة»(62). وكان من نتائج تخلي الإنسان المعاصر عن إحساسه بالمقدس، أن فقد في آن معاً، الرعب وهناء البال.
   يعتبر جان ميشيل هايموني بأن المقدس، عند باتاي، يشير إلى «حدث أنتربولوجي ملازم لطبيعة الإنسان ولشرطه كحيوان اجتماعي. [...] في مقابل المحافظة على الحياة، فإن المقدس يعبِّر عن نفسه من خلال خسارة بدون مقابل؛ إنه يبدو كعالم من القوى تقف في مواجهة عالم من الأشياء.(63). وعليه، «فإن الإنسان الديني (L’homo religiosus)، ليس هو إنسان الكنيسة، الحامل لعقيدة، ولكنه الإنسان المضطرب بفعل الهوى في سبيل حرية بلا حدود يمكنها أن تقوده ليس فقط نحو تبذير للممتلكات وتدميرها، ولكن أيضاً نحو تدمير لذاته»(64).

3-   أخلاق وقيمة
يميز باتاي بين "أخلاق الجمهور"، والتي في إطارها توسم الصدفة، بحملها إلى مجال "العمل النافع" بأنها "استحقاق"، وبين فائض الأخلاق، الخاص بالذات ذات المنطق المغاير، في إطار بحثها عن الكثافة، معلنة هي أيضاً عن الصدفة، والمسماة قيمة. فالقلق، يوضح باتاي، ضروري لبحثه:
   «بالنسبة للذي يمسك بالتواصل لحظة التمزق، يمثل [القلق] [...] قطيعةً في نظامه السائد. الضحك، والذروة الجنسية، والتضحية، وكثير من العجز الذي يمزق القلب، تمظهرات للقلق: وفي قبضته، يصبح الإنسان ذلك الشخص القلِق، الذي يضمه، ويعتصره ويسيطر عليه القلق»(65).
   في مواجهة أخلاق "الجمهور"، والتي «تؤدي إلى تقوية عضلات الحياة الإنسانية [...لأنها] ترفض من نفسها الإقرار بقيمة ذلك الذي لم يطرق هذه الدنيا إلاّ عن طريق الصدفة»(66)، يضع باتاي «قانوناً مستمداً من الطبيعة»، يسمه "بالجوهري" والذي «ينجم عن الفعل الحاسم للصدفة» ويعبر عن مضمونه بهذه الكلمات: «إن بنية كل مجموعة تتحدد من خلال كل عنصر من عناصرها، تلك التي تدخل في علاقة مع إمكانات، وصدف سعيدة»(67).
   ولقد نتج عن القلب، الذي بالاعتماد عليه نجح "الاستحقاق" في حجب "الصدفة"، «تقهقرٌ بطيء لكل أشكال المجد» التي تفسر بأن "الأشكال المغشوشة" للصدفة «هي التي تنتصر بسبب الإشباع الذي يمنحها للحاجات المبتذلة والتي تستهدف [...] النيل من الصدفة.(68). ليخلص باتاي: «إن أي قيمة لا تتأسس على الصدفة ستكون موضوعاً للاعتراض.(69). لنخلص بدورنا بأن مطلب الحرية الذي يحرك الذات الباتايية –ومعها باتاي نفسه- كانت وراء رفضه لكل أشكال التسلط، ما لم تنبع من الإنسان ذاته، من الإنسان الكامل، وهذا أمر مفهوم. ولهذا السبب يجعل «إرادة الصدفة»(70)، تعتبر التعبير الأصيل عن هذه الضرورة المطلقة: إن صدفةً (حرية)، تعارض نفسها بلا انقطاع، وتتجاوز نفسها بدون توقف، لا يمكنها مطلقاً أن تفضي إلى شكل، طالما ظل هذا الأخير تعبيراً عن المنتهي، وإذن عن "الاستحقاق".
  إن مفهوم "القيمة" يستدعي العقلَ فضلاً عن أساسه الطبيعي. كما أن القيمة تندرج بالضرورة في إطار مؤسساتي. وهذا يتولد عنه، أنه، بحسب ج. ماياني، كما أن المتغاير ليس هو نقيض للمتجانس فقط، ولكنه آخره المطلق، كذلك فإن الخير ليس هو نقيض الشر ولكنه الخير- المنتهِك- لحدوده- الخاصة. كما أنه متضمَّن بالكامل في الحركة "الانخطافية" و"المسيطرة" لهذا الانتهاك. إنه الخير- وقد أصبح - شراً، وهو الشرّ- وقد أصبح- خيراً، ولكنه، أياً كان الكائن الذي أصبح عليه، لا يمكنه أن يكتفي بأن يكون هذا الخير فقط. إنها لحظة "المقولات المحطَّمة"، بما يجعل من إحدى كلماتها تكون "خارج ذاتها" وعبورها في الأخرى، يتم بدون توقف ممكن»(71).
   إنه نفس الجدل الذي يتحكم في مفاهيم القيمة وضد-القيمة ويفسر ما نرى فيه من ثنائية أخرى من هذه "المقولات المحطَّمة". يترتب على ما سبق ذكره أن مفهوم "القيمة" يحتل مكانة رئيسية في مقاربة باتاي وفي نصه. فإذا انطلقنا من واقع أن الضرورة الباتايية هي جوهرياً ضرورة حرية، فإنه يمكننا أن نتفق مع ج. جوسزيزاك، بأن الحرية باعتبارها تحديداً «القدرة على تثمين ما كان يحظى بالقيمة»، فإنه ينبغي أن نرى في هذا التقييم «"إبداعاً" حقيقياً للقيمة»(72).
   إن مصطلح القيمة يعد من بين أكثر  المصطلحات التي نصادفها في النصوص الأساسية لـ باتاي. وقد كتب في التجربة الداخلية(73): «يوجد فينا سلطة وقيمة». وفي نفس هذا الكتاب، صفحاتٍ عديدة بعد ذلك، يدقِّق بأنه في حالة التجربة الصوفية، «تعتبر القيمة كليةً، نهايةً، والخلاص بالنسبة للمؤمن يكمن في سعيه «ليكون كلاً»(74). ويكتب باتاي دائماً في التجربة الداخلية: «أنا أعيش تجربة محسوسة، لكن ما من تفسير منطقي لها»(75)، وهو ما يعني أن مفهوم القيمة عنده، مرتبط عضوياً بمفهوم التجربة وليس بمفهوم العقل، وهذا ليس لأن التجربة يفترض فيها أن تولِّد، في مقابل القيم السائدة، القيم الخاصة بها، ولكن لأنه ليس هناك، خارج التجربة ذاتها، من قيمة أخرى ممكنة. وإذن فالتجربة هي القيمة بامتياز. نقرأ في هذا المعنى:
«أسمي تجربة، السفر إلى أقصى إمكان الإنسان. قد لا يقوم كل واحد منا بهذا السفر، لكنه، إن قام به، فهذا يفرض عليه نفي كل السلط، والقيم المتواجدة التي تحد من الممكن. ولأنها نفيٌ لقيم أخرى ولسلط أخرى، فالتجربة، على اعتبار وجودها ايجابي، تغدو هي نفسها إيجاباً القيمةَ والسلطة»(76).
  لكن التجربة لكي تؤكد ذاتها باعتبارها كذلك، يجب عليها ألا تتجاهل القيمة، وخصوصاً إذا كان يتوجب عليها «أن تُقاد من خلال العقل المنطقي، [لأن] العقل وحده هو الذي يملك القدرة على تقويض صنيعه، وعلى أن يهدم ما بناه»(77). ومع إقراره بأن «الهدف [و] السلطة [تسميات أخرى للقيمة] يعتبران من متطلبات الفكر المنطقي»(78)، يؤكد باتاي القيمة حتى يكون بالإمكان التموقع في العلاقة معها / أو ضدها. ولهذا السبب يعمد لإقامة تعارض قوي بين فضاء النافع وفضاء الاغتباط، أو السيادة، ويتخذ كمسلَّمة، على النقيض من الاعتقاد المشترك، أن القيمة توجد بشكل حاسم إلى جانب الفضاء الثاني.
«كل إنسان يوماً سيتحتم عليه أن يرى التصرفات النفعية، يكتب باتاي، في حدود المنفعة، وبأن هذه التصرفات لا تملك في ذاتها أي قيمة، وبأن السلوكيات الممجدة وحدها تشيع النور في الحياة، وبأنها وحدها القادرة على إعطاء قيمة للحياة»(79).
   تفسير هذه المسلمة في غاية البساطة: بدون القيمة [المنع، القانون، الحقيقي]، ستبطل القيمة المضادة [المتغاير]. على وجه الإجمال،  فإن العالم رُتِّب كعالم منقسم إلى قسمين، وموسوم بكسْر عميق لا يمكن جبره، مستقطب إلى قطبين بما يجعل "الأعلى" يتغلب على "الأسفل"، و"المنسجم" على "المتغاير"، و"الإيجابي" على "السلبي"، و"المشروع" على "المجد" و"الاقتصاد" على "التبذير". هذه الوضعية الخاصة بــ باتاي ليست ناتجة فقط عن تغيير في وجهة النظر، ولكن أساساً عن طبيعة الموضوع المدروس، والحالة هذه عن طبيعة العالم.
   وبالفعل، إذا كان هذا الأخير يبدو قابلاً لأن تُفك رموزه ولأن يُقرأ، بالنسبة لرجل العلم، أو للفيلسوف مثلاً، فإنه «أُعطي للإنسان [إنسان الرغبة] على هذا النحو كلغز يتوجب عليه حلُّه»(80). وبناء عليه، يرتسم سبيلان يفرض كل منهما مساراً منهجياً مختلفاً. المسار الأول متعلق بعالم المنفعة، ويُخضع مجهوده لغاية بعينها، منغلقاً في الشخصي والجزئي متخلياً على هذا النحو عن حريته، مفضلاً عليها عبودية إرادية. أما المسار الثاني، الذي يجعل منه باتاي مساره الخاص، فقد كتب عنه في التجربة الداخلية:
«يكون القلب إنسانياً بالمعنى الذي يثور فيه على نفسه [وهذا معناه «أن تكون إنساناً هو ألا تنحني أمام القانون»](81).
   باتاي لا يمكنه أن يكون دقيقاً بالمطلق. وبالنسبة إليه المخالف للجميع يعتبر جزءاً مكملاً لماهية الإنسان، وإنه يكمن في سلوك من الرفض لكل ما هو من طبيعة يوكل إليها أن تكبت فيه تطلعه لتجاوز نفسه، وتكبت فيه «إرادته المجنونة لبلوغ أقصى حد للعالم»(82). التمرد على القانون هو، على الأصح، من نظام الأشياء. ولقد غدا من الثابت أن الله قد أصبح غائباً عن العالم. يكتب باتاي في "ساد والأخلاق": «إذا ثبت أن الله قد مات، فما الذي تعنيه هذه القواعد التي نُخضِع لها أنفسنا؟(83).
   إذا كان، على القانون أن يختفي، مع غياب الضمانة، فإن الإنسان بالتفافه على العقل، لن يكون أمامه سوى الاستسلام «للهوى غير النفعي والجامح لذاتية ليس فيها من موضوع [و] من حد». ومن الآن فصاعداً، سيخضع القانون "لحكم الهوى"(84). وحالة الماركيز دو ساد مثالية بهذا الخصوص. فهو بالفعل الذي برهن بأن «أقصى الحد– أي، على صعيد الأخلاق، رفع الحواجز - يقع بالضرورة، خارج العقل». هذا التناقض يعود بشكل رئيس لكون «العقل يرتبط بالعمل، الذي يعد تطبيقاً للقوانين»، [التي بدورها تصدر عن العقل] فيما «اللذة – بإحالتها على الرغبة الجنسية – تسخر من العمل».(85).
   تجربة إنسان الرغبة السادي تعتبر، بالنسبة لـ باتاي، الأكثر أهمية لدرجة أنها التجربة الوحيدة التي تمكن الإنسان – والإنسان العامي على الخصوص – من أن يعيَ بأن «ما يجعله يثور بأقصى عنف ممكن، يوجد في داخله»(86). إن موت الله، الذي كان انهيار القانون من أهم نتائجه، يعتبر العلامة على قطيعة جذرية بين عالمين وبين ذاتين: ذلك المتعلق «بالعجزة الـ "théolatre"  عبدة الآلهة المشؤومين لكتاب العهد القديم»(87)، والآخر المتعلق "بالماركيز الإلهي"(88) وشرذمته من «غلاة الجلادين»(89).

4-     التجربة الداخلية
   لكي يوضح المكانة الرفيعة التي يحتلها المقدس، في سياق الإيروسية الداعرة، في حياة الإنسان، يورد باتاي اسم جيل دو راي، «أحقر سفاح عبر كل العصور»(90)، واسم دون خوان، واسم الماركيز دو ساد(91)، الذي «يصفه بأنه الكاتب الثوري بامتياز»(92). والإيروسية بتعريفها، عنده، «كأقصى حد، [كعنف يستحيل التحكم فيه]، [هو] أقرب إلى التأثير الذي يحدثه الموت». وعلى هذا الأساس يحيل، في هذا السياق، على الوجوه المذكورة أعلاه والتي تعزِّز كون «الإيروسية هي المشكلة الأساسية للوجود الإنساني، وأنها تشكل بالذات نسيج التجربة الداخلية للإنسان؛ وهي لا تقتصر فقط على النشاط الجنسي، ولكنها تشمل كل النشاط الاستيهامي».
   ولهذا السبب فإن الذروة، التي يشتهيها الإنسان في فعل التعري، ليست ممكنه إلا من خلال قلب قيميّ بمقتضاه تزاح مقولتا الخير والشر عن موقعهما. ويتأكد بذلك بأن الرغبة الأكثر عمقا للإنسان، أي الرغبة التي تمكنه من الوصول إلى الكلية، توجد من جهة الشر، و"الجريمة". ويفسر باتاي هذا الأمر بهذه الكلمات:
  «إذا [...] كانت الذروة هي الجريمة، فلأنها أساساً تضعنا نحن أنفسنا موضع تساؤل ومعنا كل ما هو موجود». وما سميته على هذا النحو بالذروة يشكل النقطة التي لا نبلغها إلا بإنهاك قوانا، بجعلها تقع دائماً على نحو ما على شفير الموت. يتعلق الأمر ببداهة بما يكشفه لنا الحب، أي احتراقنا بالرغبة في سعينا "للتواصل". والرغبة داخل التواصل تقذفنا بشكل أساسي إلى ما وراء الكائن».
   وينتصب هاهنا البطل السادي (نسبة إلى ساد) كمضرب للمثل، ليس لأنه سيكون تجسيداً لمثل أعلى سيلتحم به الكاتب بشكل كامل، ولكن لأنه يعطي كل قيمته لعملية التعري، الناجمة عن "قطيعة في الحدود"، والتي تتطابق مع الضرورة، كشرط لازم (sine qua non)  لأصالة التجربة خارج فعل الكتابة. يكتب باتاي في مسعى منه لتعليل اختياره لكاتب رواية "جوستين":
   «نحن لسنا بالضرورة مدركين للقفزة التي يمثلها ساد على الخصوص برسمه للوحوش الآدمية، لكن إذا لم يكن من الضروري أن نقلِّدهم في سلوكهم، فإن التجاوز الذي تفترضه هذه الوحوش البشرية يحدد مقدار تباعد حدي الخندق.(93)
   و«تباعد حدَّي الخندق» الذي يجدر بنا تقديره هو ذلك المتعلق بما يفصل ما هو كائن عن ما يفترض به أن يكون،  بعبارة أخرى، بما يفصل الكائن عن مظهر الإنسان. وإذا، فالمغايرة هي التي يبدو أنها تفوز هاهنا على الوضع المنسجم ما دامت هي التي تعري الكينونة العميقة للإنسان. وفي هذا السياق، «يقترح ساد نزوع أبطاله إلى التفرُّد. فتنحية الشركاء، تعتبر، بحسبه، اللبنة الأساسية للنظام»(94). عدم تبصر البطل السادي، تحت تأثير عزلة متفاقمة، يتحرك من خلال لامبالاة وانفصال قاهرين، يكون من نتائجه الطبيعية ضياع كل معنى أخلاقي. خارج الرغبة، فإن بطل ساد "الجلاد المغالي" لا يعترف بأي قانون.
«يُخاطب غلاة الجلادين عند ساد أحدهم الآخر، كما يشرَح باتاي في كتاب الإيروسية. لكنهم يطلقون لأنفسهم العنان في محادثات طويلة تحدوهم الرغبة في الإقناع. وهم مقتنعون بأنهم يستجيبون في أكثر الأحيان للطبيعة»(95).
   فالقانون الذي يحكم سلوك البطل السادي ليس شيئاً آخر سوى الرغبة، أي "الرغبة الداعرة" والحالة هذه. كتب باتاي في هذا المعنى يقول:
   «الإشباع الجنسي، المتوافق مع الرغبة المشتركة لدى الجميع ليس هو الإشباع الذي يريد ساد تحقيقه للشخصيات التي يحلم بها. والجنسانية التي يفكر فيها تذهب إلى حد معاكسة رغبات الآخرين [تقريباً كل الآخرين]، الذين لا يمكنهم أن يكونوا شركاء فيها، ولكن فقط ضحاياها»(96).  
القول بأن هذه الرغبة فردانية، وأنانية، وبأنها لذلك تعبير عن الخبث، لن يكون لها من معنى إلا في حالة إقامة الدليل على إمكانية وجود رغبة ذات نزعة إنسانية أو مُحبّة للغير. والحال أنه في العالم السادي والباتايي، لا وجود إلا للرغبة الفردانية. والأكيد أنه لهذا السبب عمل باتاي جاهداً على تقويض الصورة الرومانسية "للكاتب الملتزم" بكل ما أوتي من قوة، وتبعاً لذلك للإنسان الداعر المبطَّن بالمحب للعدل.
    في رسالة له إلى رينيه شار، تحمل عنوان "حول تناقضات الكاتب"(97)، أعلن باتاي صراحة بأن الأدب «لا يمكنه أن يُختزل في خدمة معلِّم»(98)، وعلى الخصوص الالتزام، بالمعنى الذي أعطاه سارتر للكلمة. وحتى يجعل لحكمه التأثير الكبير، يضيف باتاي «"NON SERVIAM" هو كما يقال، شعار الشيطان»(99).
   إن الأدب لا يكون في خدمة الخير. ويجب ألا يعطي الانطباع بأنه مرغم على ذلك، لأنه لا يمكنه ذلك، حتى لو أراد، وهذا لسبب بسيط مرتبط بجوهره نفسه. وبالفعل، فربط الأدب بالخير – وأي خير ؟- يحرِفه حتماً عن قدَره ويجبره على أن يكون مجرد دولاب صغير  في الآلة العملاقة للعمل وللإنتاج.
   «منطق الأدب ينحاز دائماً، يدقق باتاي، سواء شاء الكاتب ذلك أم لا، إلى جانب التبذير، وغياب الغاية المحددة، والهوى الذي يعذِّب بدون غاية أخرى سوى نفسه، بدون غاية أخرى سوى فعل التعذيب»(100).
   إذا كان لزاماً على الأدب أن يُستعمل للدفاع عن أي مثل أعلى، فإن هذا الأخير لا يمكن تصوره إلى جانب الأخلاق ما دام أنه، وهو ما يبدو من جهة أخرى أن الحس المشترك يقبله، يوجد «تنافر بين الأدب والأخلاق التافهة»(101). هذا التنافر، يعتقد باتاي أنه أكد عليه بما فيه الكفاية، بإلحاحه على مطلب الحرية الذي يقوم عليه الفعل الأدبي، ولكن أيضاً من خلال التحذير من النزوع السياسي، وخصوصاً السارتري منه، لإخضاع الأدب «لخدمة أهداف المجتمع النفعي»(102).
  «من الواضح أن الكاتب الأصيل، الذي لا يكتب من أجل غايات مخجلة ولا قيمة لها، لا يمكنه أن يجعل من عمله مساهمة لخدمة أهداف نفعية للمجتمع، دون أن يسقط في السطحية. وحتى في حالة خدمته المجتمع، فإن هذا العمل لن يكون له من حقيقة شاملة. وسيذهب في اتجاه خضوع منقاد، لا يؤثر فقط على حياة إنسان بين آخرين، أو على حياة عدد كبير، ولكنه يؤثر على ما هو إنساني شامل».  
   ولكن قبل الوصول إلى الإدانة غير المشروطة للالتزام السارتري، الذي يعتبره بمثابة "عبودية" للأدب، يبلور باتاي المبدأ الثاني لبيانه، الذي ينتج منطقياً عن المبدأ الأول ويكمِّله. كما أن رفض التبعية يوجد متلائماً مع منطوق «رسالة الأدب الحقيقية».
   «ألم يكن علينا لكي نكون واضحين أن نسجل في المقابل بأن الأدب، مثله في ذلك مثل الحلم، هو التعبير عن الرغبة – عن موضوع الرغبة- ومن هنا عن غياب العوائق، وعن العصيان السطحي؟»(103).
   وإذا كان من دور يقره باتاي للأدب، فلن يكون ذلك إلا بالنية الوحيدة لقطعه عن المنطق العبودي الذي لا يرى في الأدب سوى مؤسسة لتفريخ المعنى. ومن وجهة النظر هذه، باستبعاده بلا جدوى المسلمة السارترية حول الالتزام السياسي، والذي بسببه يصف أتباع سارتر بأنهم "كذَبة وعُميان"، يعلن باتاي عن مفهومه الخاص للالتزام الأدبي.
   «يحق للكاتب ألا يكون له من خيار آخر إلا الصمت، أو هذه السيادة الغائمة» التي ترتكز في الحقيقة «على إضافة لمسة على الرؤية المشوَّشة، التي تُذهل، وترعب، - بأن الإنسان يكون في خدمة نفسه على الدوام»(104).
   هل نخلص من ذلك إلى استحالة الالتزام في الأدب؟ حول هذه النقطة، فإن موقف باتاي يبدو أنه يذهب نحو رفض الالتزام كتعارض مع فعل الكتابة أصلاً. ويتبيّن هكذا أنّ فعل الالتزام، هو اختيار جانب الفعل والمشروع؛ والحال أن هذين المبدأين هما اللذان يؤسسان شكل النافع، وهو ما يهدد بتشويه الأدب. ويبدو أن باتاي مع ذلك لا يستبعد بالكامل، بالنسبة للكاتب، التناوب بين أن يكون له رسالة أو يضطلع بتعليم ، حتى نستعمل مصطلحه الخاص.
   «إذا كان له أن ينشر تعليماً، يضيف باتاي، فإن على الكاتب أن ينكبّ على تبيان أن الإنسان«يبقى إلى الأبد غير قابل للإدراك»(105).
   والإعلان بأن الإنسان "يتعذر إدراكه" ألا يحكم على فعل الكتابة بعدم الأهلية؟ وإذا أقررنا أن الإنسان سرٌّ، فعلينا أن نعترف بأن الخطة السادية هي الأفضل من بين تلك التي دأبت على المحاولة لأن تستخلص منه الفحوى والمضمون وأن تقيس تضميناته. وبهذا الخصوص، يقدِّر باتاي بأن التعرف على ساد – باعتباره وجهاً من وجوه المغايرة – ضروري لأنه يصالح الإنسان مع الرعب الذي يحمله في داخله. يكتب في هذا المعنى:
  «لقد تملَّك ساد اليقين بأنه حقَّق، على صعيد المعرفة، اكتشافاً حاسماً. والجريمة، التي تجعل الإنسان يبلغ أكبر درجة من الرضا الشهواني، والإشباع للرغبة الأكثر احتداماً، ولا شيء يكون عديم الفائدة أكثر من نفي التضامن، الذي يعترض على الجريمة ويمنع الاستمتاع بها؟»(106).
   ها هنا يكمن سبب الخصومة التي خاضها باتاي مع السورياليين، وعلى الخصوص مع رائد هذه الحركة. وهذا المشكل كان على علاقة وثيقة مع "التوظيف" الخاص لـ ساد من طرف السورياليين(107)، ولكن أيضاً، وأعمق من ذلك بكثير، مع المفهوم الأخلاقي نفسه لـ ساد وتضميناته المدمِّرة. ولقد وضع السؤال حينها بكل خطورته. ويكفي أن نذكِّر، بهذا الخصوص، بأن دعوى قضائية رفعت ضد جان جاك بوفير، الناشر الذي واتته الجرأة لنشر بعض نصوص ساد. نذكر أيضا بأن باتاي استُدعيَ كشاهد، وبأنه وفَّى ما عليه كفيلسوف، كما يشهد على ذلك هذا المقتطف:
   «حاليا علينا ألا نأخذ بعين الاعتبار إلا إمكانية هبوط ساد داخل نوع من هاوية رعب، هاوية رعب يتوجب علينا أن نعرفها، وبأنه فوق ذلك من الواجب خاصة على الفلسفة – وأنا هنا من يمثّل الفلسفة – أن تدفعنا إلى التقدم، وأن تنير طريقنا وتجعلنا نعرف»(108).

1) Œuvres complètes, Paris, Gallimard, 1976, t. VII, pp. 366- 380.  
2) Ibid., pp. 445-452. 
3) Ibid., t. VI, pp. 315-359. 
4) Ibi., t. VIII, 187-189. 
5) Ibid., t. XI, pp. p. 41-55. 
6) Ibid., pp. 198-207.
7) « Sade et la morale », op.cit., p. 445.
8) Ibid. 
9) Ibid.
10) Ibid, p. 446. 
11) Ibid.
12) Ibid, p. 445.  
13) Ibid. 
14) Ibid, p. 446.  
15) Ibid.
16) Ibid
17) Ibid, pp. 446-447.
18) Ibid, p. 447. 
19) Ibid.  
20) Ibid.   
21) Ibid.  
22) Ibid.   
23) Ibid.
24) Ibid.   
25) Ibid
26) Ibid, p. 451. 
27) Ibid.  
28) « Le mal dans le platonisme et le sadisme », op. cit., p. 368. 
29) Ibid. 
30) Ibid.  
31) Ibid.
32) Ibid.
33) Le Petit Robert, p. 1816 : « Le transcendant est d’une nature radicalement supérieure ou extérieur à un certain ordre des choses ».
34) Idid., p. 870 : « Principe selon lequel « tout est intérieur à tout », ou « un au-delà de la pensée est impensable ». On qualifie une cause d’immanente quand elle « réside dans le sujet agissant ».    
35) « Le mal dans le pltonisme et le sadisme », op. cit., pp. 368-369. 
36) « Le mal dans le platonisme et le sadisme », op. cit., p. 369.  
37) Ibid.   
38) « La guerre et la philosophie du sacré », in O. C., t. XII, p. 48.   
39) Ibid.   
40) Ibid., p. 48.   
41) Ibid., p. 47.  
42) Ibid., p. 49 (souligné dans le texte).   
43) Ibid.    
44) Ibid.
45) Ibid.    
46) Ibid., p. 52.  
47) Ibid.     
48) Ibid.    
49) « Le Sacrifice », in O. C.,  t. II, p. 239.
50) Ibid., p. 57. 
 51) « Le sacré », in O. C., t. I, p. 562.   
52) « Le sacré au XXè siècle, in O. C., t. VIII, op. cit., p. 188.
53) Ibid.   
54) Ibid.  
55) Ibid.
56) Ibid.   
57) Ibid.
58) Ibid.  
59) Ibid.   
60) Ibid.
61) Ibid., p. 189.    
62) Ibid.   
63) Jean-Michel Heimonet, Pourquoi Bataille ?, Paris, Editions Kimé, p. 23.
64) Ibid. pp. 23-24.   
65) O. C., t ; V, p. 305. 
66) Ibid., p. 542.      
67) Ibid., p. 543.
68) Ibid., pp. 543-544.      
69) Ibid., p. 317.      
70) Robert Sasso, Georges Bataille : le système du non-savoir, p. 214.
71) Georges Bataille, l’érotisme et l’écriture, pp. 160-161.
72) L’Apologie de la passion, op. cit., p. 21.  
73) O. C., t. V, op. cit., p. 22.     
74) Ibid., p. 35.      
75) Ibid., p. 45.      
76) Ibid., p. 19.      
77) Ibid., p. 60.     
78) Ibid., p. 67.      
79) O. C., t. VII, op. cit., p. 201.
80) Ibid., p. 11.      
81) O. C., t. III, p. 219.      
82) Ibid., p. 221.     
83) O. C., t. VII, op. cit., p. 446.   
84) Ibid., p. 450.      
85) O. C., t. X, op. cit., pp. 168-170.
86) Ibid., p. 195.
87) O. C., t. II, p. 87. 
88) O. C., t. VII, op. cit., p. 450.
89) O. C., t. X, op. cit., p. 186.     
90) Voir : O. C., t. X, « Le procès de Gilles de Rais », pp. 271 (souligné dans le texte).  
91) Bataille a réservé à la figure imposante du Marquis de Sade de nombreuses contributions, dont voici la liste ci-après : O. C., t. II, « Dossier de la polémique avec A. Breton », pp. 51-93 ; O. C., t. VII, « Le mal dans le platonisme et le sadisme », p. 365-380, et « Sade et la morale », p. 445-552, O. C., t. XII, « L’affaire Sade », pp. 435-456.         
92) Georges Bataille, dossier élaboré par le Ministère des affaires étrangères, Les temps des polémiques et des combats, Fiche 1.     
93) O. C., t. VII, p. 451.
94) O. C., t. X, p. 168.     
95) O. C., t. X, op. cit., p. 186.    
96) Ibid., p. 167.     
97) O. C. t. XII, op. cit., pp. 16-28.     
98) Ibid., p. 19.    
99) Ibid.     
100) Ibid., p. 25.     
101) Ibid. p. 22. 
102) Ibid., pp. 23-24.
103) Ibid., p. 22.     
104) Ibid., pp. 22-23.
105) Ibid. p. 23.
106) O. C., t. X, op. cit., pp. 168-169.   
107) Voir en particulier : « Dossier de la polémique avec André Breton », in O.C., t. II, op. cit., pp. 49-109.
108) O. C., t. XII, op. cit., p. 455.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق