الأربعاء، 6 يناير، 2016

إميلي برونتي: جورج باتاي





ترجمة: أماني لازار

إميلي برونتي
يبدو أن إميلي برونتي، من بين كل النساء، كانت هدفاً للعنة مميزة. كانت حياتها القصيرة شقيّة إلى حدّ ما وحسب. ولكن، مع احتفاظها بطهرها الأخلاقي سليماً، عانت من فظاعات الشرّ أشد معاناة. ولو أنّ بعض الناس قد يكونون أكثر قسوة، أكثر جرأة أو أكثر لياقة، إلا أنها سبرت أغوار الشرّ السّحيقة.
تلك كانت مهمّة الأدب، التخيّل والحلم. كانت حياتها بعد بلوغها الثلاثين من عمرها مستترة كليةً. ولدت عام 1818 ولم تغادر منزل قس يوركشاير القائم في أرض بور وعرة إلاّ فيما ندر حيث قدم لها والدها، القس الإيرلندي، تعليماً متقشفاً، بسيط جداً. توفيت أمها في وقت مبكر وكانت أختاها قاسيتين للغاية. دمر أخ فاسق نفسه عاطفياً إلى حد ما. نعرف أنه في صرامة منزل القس عاشت الأخوات الثلاث برونتي في سعار الإبداع الأدبي. كانت تربط بينهن الألفة اليومية، ولو أنّ إميلي مع ذلك ظلت محافظة على تلك العزلة الأخلاقية التي نمت فيها أشباح خيالها. كانت متحفظة ومع ذلك يبدو أنها كانت أيضاً صالحة، نشيطة ومتفانية، كانت بالفعل غاية في اللطف. عاشت في صمت بدا أن ليس بوسع شيء تمزيقه سوى الأدب. صبيحة وفاتها، بعد مرض في الرئة لم يطل أمده، نهضت في الوقت المعتاد، انضمت إلى عائلتها دون أن تنبس بكلمة ولفظت أنفاسها الأخيرة قبل الظهر، دون أن تعود إلى السرير. لم ترغب في رؤية طبيب.
خلفت وراءها مجموعة صغيرة من القصائد وواحد من أعظم الكتب على الإطلاق. "مرتفعات ويذرينج" هي بالتأكيد قصة الحبّ الأكثر جمالاً والأكثر فهماً للعنف. ومع ذلك يبدو أن إميلي برونتي، بالرغم من جمالها، لم تعش تجربة الحب، كانت معرفتها للعاطفة معرفة موجوعة. معرفة لا تربط الحب بالنقاء وحسب، لكن أيضاً بالعنف والموت، لأنّ الموت كما يبدو هو حقيقة الحب، تماماً كما هو الحب حقيقة الموت.

الايروتيكية هي قبول الحياة بانتظار الموت
إذا كنت أتكلم عن إميلي برونتي، ينبغي عليَّ أن أصل بالفرضية الأساسية إلى ختامها المنطقي. أرى أن الايروتيكية هي قبول للحياة بانتظار الموت. تستلزم الجنسانية الموت، ليس فقط بالمعنى الذي يطيل فيه الجديد ويستبدل ما توارى، لكن أيضاً فيما يفيد أن حياة الكائن الذي يتناسل على المحك. أن تتناسل يعني أن تختفي، وحتى أبسط الكائنات التي لا تملك أعضاء جنسية منتخبة بالتوالد. هؤلاء الذين يتوالدون لا يموتون، إذا كنا نقصد بالموت معبراً من الحياة إلى التحلل، لكن هو الذي يكف عن أن يكون ما كانه بالتناسل -لأنه يضاعف نفسه. ليس الموت الفردي سوى واحد من مظاهر التوسع التكاثري للكائن. التكاثر الجنسي نفسه هو مظهر واحد فقط -الأكثر تعقيداً- من مظاهر خلود الحياة التي هي على المحك في التكاثر اللاجنسي. إنه مظهر من مظاهر الخلود، ومن مظاهر الموت الفردي في نفس الوقت. لا يمكن لحيوان أن يتكاثر جنسياً دون الانصياع إلى تلك الغريزة التي يمثل الموت وجهها النهائي. أساس الدفق الجنسي هو نفي انعزال الأنا التي لا تختبر النشوة إلا بتخطي نفسها، بتجاوز نفسها في العناق الذي يفقد فيه الكائن عزلته.  سواء كانت مسألة ايروتيكية (رغبة جنسية) خالصة (حب –عاطفة) أو شهوانية جسدية، تتزايد الشدة إلى حد يصبح فيه الدمار-موت الكائن- جلياً. ما نسميه عيباً قائم على هذا المعنى الضمني العميق للموت. وعذاب الحب النقي هو رمزية مضاعفة لصدق الحب الأقصى عندما يقترب الموت من أولئك الذين يوحدهم ويضربهم.
لا ينطبق هذا على حب هائل بقدر ما ينطبق على الاتحاد بين بطلي مرتفعات ويذرينج، كاثرين إيرنشو وهيثكليف. لم يتمكن أحد من كشف هذه الحقيقة بقوة أكبر مما فعلت إميلي برونتي. ليس أنها تصورتها بمفردات باتة ومزعجة كان عليَّ أن أفسرها: شعرتْ بها وعبرت عنها على نحو مهلك، يكاد يكون إلهياً.


الطفولة، العقل والشر
الإلهام القاتل لـ "مرتفعات ويذرينج" شديد البأس حتى أني أظن بأن الكلام عنه قد يكون عقيماً دون محاولة استنزاف السؤال الذي يثيره. قارنت رذيلة (التي كانت ولا تزال تعتبر تعبيراً هاماً عن الشر) مع عذاب الحب الأنقى. هذه المقارنة الإشكالية تسلم نفسها لالتباس جسيم، لذا سأحاول تبريرها.
ولو أن حب كاثرين وهيثكليف يعطل الشهوانية إلى حين، تثير رواية "مرتفعات ويذرينج"، في الواقع، مسألة الشر فيما يتعلق بالعاطفة، كما لو أن الشر هو الوسيلة الأكثر قوّة للكشف عن العاطفة. لو نستثني الشكل السادي للرذيلة، قد نقول بأن الشر، كما يظهر في كتاب إميلي برونتي، قد بلغ شكله الأكثر كمالاً.
ليس بوسعنا اعتبار أن الأفعال المرتكبة بغية نفع مادي تعبر عن الشر. هذا النفع أناني بلا شك، لكنه يفقد أهميته لو انتظرنا منه شيئاً سوى الشر نفسه -لو نرجو منه بعض الفائدة، على سبيل المثال. ينال السادي من ناحية أخرى، المتعة من تأمل الخراب، الخراب الأكثر كمالاً هو موت إنسان آخر. السادية هي شر. عندما يقتل رجل من أجل فائدة مادية لا تصبح جريمته حقيقة فعل شر محض إلا إذا كان فعلاً يستمتع باقترافها، بغض النظر عن النفع الناجم عن ارتكاب فعل القتل.
سأعود إلى الموضوعة الأساسية لـ "مرتفعات ويذرينج"، مرحلة الطفولة، كي أقدم صورة أمثل عن الخير والشر، المرحلة التي ولد فيها الحب بين كاثرين وهيثكليف. أمضى الطفلان وقتهما في الجري بعنف على المرج. تخليا عن نفسيهما، غير مقيدين بأي قيد أو عرف سوى التحريم على ألعاب الفجور. لكن في براءتهما، وضعا حبهما الأبدي المتبادل على مستوى آخر، وبالفعل ربما يمكن اختزال هذا الحب إلى رفض التنازل عن حرية طفولية لم تعمل قوانين المجتمع أو التهذيب المتعارف عليه على تصويبها. عاشا حياتهما البرية، خارج العالم، في الشروط الأكثر بدائية، وهذه هي الشروط التي جعلتها إميلي برونتي ملموسة، الشروط الأساسية للشعر، للشعر العفوي الذي رفض الطفلان التوقف عندها.
لكن المجتمع يقارن لعب البراءة الطليق مع العقل، العقل المؤسس على حسابات المصلحة. المجتمع محكوم برغبته بالبقاء على قيد الحياة. لا يمكنه النجاة إذا سمح بالغلبة لهذه الغرائز الطفولية التي تربط الأطفال بشعور الرفقة. سيتطلب القيد الاجتماعي من الوحشين الصغيرين التخلي عن سلطانهما البريء، سيتطلب منهما الخضوع لأعراف الكبار المتزنة التي تعود بالفائدة على المجتمع.
هذه المعارضة على قدر كبير من الأهمية في "مرتفعات ويذرينج".  كما أشار جاك بلونديل(1)، علينا دوماً أن نضع في حسباننا أن «المشاعر تشكلت أثناء طفولة كاثرين وهيثكليف». لكن حتى إذا امتلك الأطفال القدرة على نسيان عالم الكبار إلى حين، مع ذلك، هما محكومان بالعيش في هذا العالم. تنتج كارثة. اضطر هيثكليف اللقيط، لأن يولي هارباً من المملكة المسحورة حيث تسابق مع كاثرين على المرج، مع أنها تحتفظ بقسوتها وتنكر كاثرين طفولتها الوحشية: تسمح لنفسها أن تستدرج إلى حياة رخية متجسدة بشاب محترم مرهف الحس وغني. زواجها من إدجار لينتون يحتفظ، حقاً، بصفة الغموض. هو ليس إنكاراً حقيقياً. لا يمكن وصف عالم مزرعة "ثروش كروس"، حيث تعيش كاثرين مع لينتون بالقرب من "مرتفعات ويذرينج"، بعالم مستقر في نظر إميلي برونتي. لينتون رجل سخي. لم يفقد تيه الشباب الفطري، لكنه يحطّ رحاله. سلطانه يتخطى الشروط المادية التي ينتفع منها، لكن إذا لم يكن على وفاق عميق مع عالم العقل الراسخ لا يمكنه أن ينتفع منه. لذا عندما يعود ثرياً من رحلة طويلة، هيثكليف مهيأ لتصديق أن كاثرين خانت مملكة الطفولة ذات السيادة التي انتمت معه إليها جسداً وروحاً.
هذه إذاً، بشكل ما، خلاصة غير متقنة لقصة يعاد فيها سرد عنف هيثكليف الجامح بهدوء وببساطة. انتفاضة الرجل الملعون هي موضوع الكتاب، الرجل الذي كان مصيره النفي من مملكته والذي سوف لن يمنعه شيء عن استردادها. لا أنوي تقديم رواية مفصلة عن سلسلة من فصول آسرة. سأتذكر فقط أن ليس بوسع قانون أو قوة، عرف أو شفقة زاجرة، كبح جماح غضب هيثكليف للحظة واحدة -وليس حتى الموت نفسه، لأنه السبب الانفعالي والقاسي لمرض كاثرين وموتها، ولو أنه يؤمن بأنها ملك له. لأني نويت أن أعالج الأهمية الأخلاقية للطبيعة الثورية لخيال إيميلي برونتي وأحلامها.
إنها انتفاضة الشر على الخير. وهي لا عقلانية شكلاً. عم تعبر مملكة الطفولة التي يرفض هيثكليف بصورة شيطانية التخلي عنها، سوى الموت المحال والمطلق؟  هناك طريقان للانتفاض في وجه العالم الواقعي، المحكوم بالعقل والمؤسس على إرادة البقاء. الأكثر شيوعاً وسداداً هو رفض عقلانيته. يسهل فهم أن المبدأ الأساسي للعالم الحقيقي ليس سبباً واقعياً، لكن سبباً توصل إلى تفاهم مع ذلك العنصر المتحكم المتولد عن عنف وغرائز الماضي الصبيانية. تكشف مثل هذه الانتفاضة مقاومة الخير للشر، ممثلاً بالعنف أو بالصبيانية. أصدر هيثكليف حكماً على العالم الذي يعارضه. هو لا يمكنه أن يطابقه مع الخير لأنه يقاتله. لكن حتى إذا كان يقاتله بشراسة، فإنه يفعل هذا بوضوح شديد: هو يعرف أنه هو يمثل الخير والعقل. هو يكره الإنسانية والصلاح الذي يثير سخريته. إذا ما تخيلناه خارج القصة، محروماً من سحر القصة، تبدو شخصيته مصطنعة ومدبرة. لكنه متصور في أحلام المؤلف، وليس في المنطق. لم ترد شخصية في الأدب الرومانسي أكثر إقناعاً أو أكثر بساطة من هيثكليف، بالرغم من أنه يمثل حالة أساسية جداً-طفل ثائر ضد عالم الخير، ضد عالم الكبار، ويقف في ثورته إلى جانب الشر.
يستمتع هيثكليف في هذه الانتفاضة بانتهاك جميع القوانين دون استثناء. يرى أن أخت زوج كاثرين تحبه، فيتزوجها كي يتسبب بالأذى لزوج كاثرين قدر مستطاعه. يختطفها وحالما يتزوجان يحتقرها. ثم يعمد إلى سوقها إلى حالة من اليأس بمعاملته القاسية لها. جاك بلونديل محق(2) في مقارنته الفقرتين التاليتين من ساد واميلي برونتي: «كم هو حسي فعل التدمير»، يقول واحد من الجلادين في جوستين، «لا يمكنني أن أفكر بشيء يثيرني أكثر لذة منه. ليس هناك من نشوة مشابهة لتلك التي نختبرها عندما ننصاع لهذا الفجور المقدس.» «ولدت حيث القوانين أقل قسوة ومذاقها أقل لذة»، يقول هيثكليف، «عليّ أن أهدي نفسي تشريحاً بطيئاً لهذين الاثنين كتسلية مسائية.»

اميلي برونتي والانتهاك
يكفي أن تبتكر فتاة فاضلة وعديمة الخبرة شخصية موقوفة للشر بشكل كامل كي يشكل الأمر مفارقة. لكن ابتكار شخصية هيثكليف مقلق لاسيما للأسباب التالية: كاثرين ايرنشو نفسها هي أخلاقية قطعاً. هي أخلاقية جداً حتى أنها تموت لعدم قدرتها على الانفصال عن الرجل الذي أحبته في طفولتها. لكن بالرغم من أنها تعلم أن الشر كامن فيه، تحبه إلى حد القول، «أنا هيثكليف».
بناء على ذلك، فإذا ما تفحصنا الشر عن كثب، فهو ليس حلم الشرير وحسب: إنه إلى حد ما حلم الخيِّر. الموت هو العقاب، منشوداً ومقبولاً لهذا الحلم المجنون، لكن لا شيء يمكن أن يمنع الحلم من أن يُحلم به.  لقد حلمت به كاثرين ايرنشو سيئة الطالع فضلاً عن إميلي برونتي. كيف يمكن للشك أن يخامرنا بأن إميلي برونتي، التي تحرقت شوقاً لتجربة الحالات العقلية التي وصفتها، ماثلت نفسها بكاثرين إيرنشو؟
لـ "مرتفعات ويذرينج" صلة وثيقة بالمأساة الإغريقية. موضوع الرواية هو الإخلال المأساوي بالقانون. الكاتب المأساوي متفق مع القانون، وقد وصف انتهاكه، لكنه أسس كل أثر عاطفي على اتصال التعاطف الذي شعر به تجاه شخص المتعدي. في الحالتين للتكفير صلة بالانتهاك. يختبر هيثكليف قبل أن يموت وأثناء احتضاره، حالة مستغربة من الطوباوية، لكن في هذه الطوباوية أمر مخيف: إنها مأساوية. تموت كاثرين المحبة لهيثكليف لانتهاكها قوانين الوفاء -ليس موتاً جسدياً بل روحياً. وموت كاثرين هو الاحتضار الأبدي الذي يعانيه هيثكليف نتيجة عنفه. في مرتفعات ويذرينج، كما في المأساة الإغريقية، ليس القانون نفسه هو المدان: ما يحرمه وصف بوضوح على أنه ميدان إنساني بشكل جوهري، مصنوع من أجل الإنسان. الميدان المحرم هو الميدان المأسوي أو بصورة أفضل، الميدان المقدس. الإنسانية تنفيه، حقاً، لكن رغبة في تعظيمه فقط، ويجمِّل المنع ما يمنع الوصول إليه. إنه يطوع الوصول إلى التكفير-إلى الموت. ومع ذلك يشكل الحظر دعوة وحائلاً في نفس الوقت. العبرة من "مرتفعات ويذرينج"، من المأساة الإغريقية، وفي النهاية من جميع الأديان هو أن هناك ميلاً غريزياً نحو الافتتان المقدس الذي لا يمكن للعالم العقلاني للحساب احتماله. هذا الميل مناقض للخير. الخير معتمد على مصلحة مشتركة تستتبع اعتباراً للمستقبل. الافتتان المقدس الذي ترتبط به غرائز الطفولة ارتباطاً وثيقاً، هو كلياً في الحاضر. في تربية الأطفال أولوية للوقت الحاضر هي التعريف العام للشر. يمنع الكبار هؤلاء الذين عليهم أن يبلغوا "النضج" من الدخول إلى مملكة الطفولة المقدسة. لكن تجريم الوقت الحاضر في سبيل المستقبل هو انحراف. تماماً عندما تقتضي الحاجة لمنع الوصول إليه بسهولة، فمن الضروري استعادة ميدان اللحظة (مملكة الطفولة)، وذلك يتطلب انتهاك مؤقت للتحريم.
مثل هذا الانتهاك المؤقت هو الأكثر إعتاقاً مع اعتبار التحريم غير ملموس. لذا يظهر أن اميلي برونتي وكاثرين ايرنشو في ضوء الانتهاك والتكفير، معتمدتين بدرجة أقل على الأخلاق من التطرف الأخلاقي. التطرف الأخلاق هو أساس ذلك التحدي للأخلاق وهو أساسي في "مرتفعات ويذرينج".  ولو أنه لا يشير فعلياً إلى المبدأ الذي قدمته، استشعر بلونديل بالعلاقة. يكتب:(3) تظهر اميلي برونتي نفسها... قابلة لتحرير نفسها من كل تحامل يبدر عن النظام الاجتماعي أو الأخلاقي. وهكذا تتطور عدة حيوات.. تنقل كل واحدة منها إحساساً بتحرر كامل من المجتمع والأخلاق. هناك رغبة بالابتعاد عن العالم لمعانقة الحياة في تمامها واكتشاف ما هو مرفوض من الواقع في إبداعية فنية. هذا هو الكشف، أو بالأحرى التدشين، لإمكانيات غير معروفة بعد. ذلك أن هذا التحرر الضروري لكل فنان مضمون، ويمكن أن يلمس بشكل أكثر كثافة من قبل هؤلاء المتجذرين عميقاً في قيمهم الأخلاقية.(4)
هذا الاتصال الوثيق بين انتهاك القانون الأخلاقي والتطرف الأخلاقي هو المعنى النهائي لـ "مرتفعات ويذرينج". يصف جاك بلونديل الإطار الديني في مكان آخر(5): البروتستانتية متأثرة بتذكر نموذج مفخم من نماذج الميثودية، التي نشأت فيها الشابة إميلي برونتي. كان عالمها مسحوقاً بالتوتر الأخلاقي والتشدد. ومع ذلك صورة إميلي برونتي عن الصرامة تختلف عن تلك التي كانت المأساة الإغريقية مؤسسة عليها. المأساة موازية لمحرمات الدين الأساسية، مثل تلك التي تحرم القتل وزنا المحارم، التي لا يمكن أن تبرر عقلانياً. حررت إميلي برونتي نفسها من الأرثوذكسية: ابتعدت عن البساطة المسيحية والبراءة، لكنها شاركت في الروح الدينية لعائلتها إلى الحد الذي فيه المسيحية هي إخلاص صارم للخير المؤسس على العقل. القانون الذي انتهكه هيثكليف -وكاثرين أيضاً بحبها له على الرغم من نفسها- هو قانون العقل. هو على الأقل، قانون مجتمع مؤسس بالمسيحية على اقتران بين محرمات دينية بدائية، القدسية والعقل(6). في إله المسيحية، يفلت المبدأ الأساسي للقدسية، جزئياً من العنف التعسفي الذي كان العالم الإلهي مؤسساً عليه في الأزمنة القديمة. كان التابو الأساسي موجهاً بشكل جوهري ضد العنف-في عقل متمرن يحقق نفس الغرض الذي يؤديه التابو، في حين كان للتابو البدائي نفسه علاقة فاترة مع العقل. هناك في المسيحية تناقض، حيث الله والعقل مهمان ما أدى إلى الشعور بعدم الارتياح وهذه الظاهرة التابعة، الجانسينية(7). بعد هذا الاستخلاص من التناقض المسيحي، ما يظهر فجأة للضوء في سلوك إميلي برونتي، بوسائل صلابة أخلاقية غير الملموسة، هو حلم العنف المقدس الذي ما من تسوية مع المجتمع المنظم يمكنها التقليل من شدته.
الطريق إلى مملكة الطفولة محكوم بالسذاجة والبراءة، ولهذا هو مسترد برعب التكفير. نقاوة الحب مستردة في حقيقتها الحميمة، التي هي كما قلت، حقيقة الموت. يندمج الموت وآنية الافتتان المقدس عندما يعارض كل منهما مقاصد الخير المعتمدة على حسبة عقلانية. والموت يدل على الآني، الذي بقدر ما هو آني، ينكر البحث المدروس عن البقاء. آنية الكائن الفرد الجديد معتمدة على موت الكائنات الأخرى. إذا لم يموتوا لن يكون هناك مكان لآخرين جدد. التوالد والموت يقيدان التجديد الخالد للحياة، يقيدان الآني الذي هو جديد دوماً. ولهذا يمكن فقط أن يكون لدينا نظرة مأساوية لسحر الحياة، لكن ذلك أيضاً ما يجعل المأساة رمزاً للسحر. ربما بشرت الحركة الرومانسية بمجملها بهذا(8)، لكن تلك التحفة الأخيرة، "مرتفعات ويذرينج"، تبشر به بشكل أكثر إنسانية.

الأدب، التحرر والتجربة الصوفية.
الأمر الأكثر بروزاً في هذه الحركة هو أن عقيدتها، بخلاف العقيدة المسيحية أو الديانات القديمة، لم تستهدف مجتمعاً منظماً لتجعل منه قاعدة لها.  بل استهدفت الفرد المعزول والمفقود التي لا تمنحه شيئاً فيما عدا في هذه اللحظة المفردة: إنه أدب مجرد. الدرب نحو الأدب، يؤدي إليها بطريقة مجانية ولا عضوية. لهذا السبب تتخلف عن تدريس الحكماء الأوثان أو عن الكنيسة، التي توصلت إلى تفاهم مع الضرورة الاجتماعية المتمثلة في معظم الأحيان بالأعراف (المنتهكة) وأيضاً بالعقل. الأدب وحده يمكن أن يكشف عملية انتهاك القانون -من دونه لن يكون هناك عاقبة للقانون- بشكل مستقل عن ضرورة ابتكار نظام. لا يمكن للأدب أن يتولى مهمة تنظيم الضرورة الجمعية. ليس عليه أن ينتهي إلى «ما قلته يعهد بنا إلى احترام أساسي لقوانين المدينة» أو مثل المسيحية، «أن ما قلته (مأساة الإنجيل) تظهر لنا درب الصلاح» (الذي هو حقيقة درب العقل). الأدب خطر خطورة التعدي على القوانين الأخلاقية.
لا عضويته تجعله غير مسؤول. لا شيء يرتكز عليه. يمكنه أن يقول كل شيء وسيشكل خطراً هائلاً (إلى الحد الذي يكون فيه معتمداً وكاملاً) لم يكن تعبير «هؤلاء ممن قيمهم الأخلاقية متجذرة عميقاً». ولو أن التأثير المباشر للتمرد قد يجعل هذه الحقيقة غامضة، مهمة الأدب الأصيل هي مع ذلك مجازة فقط فيما يخص الرغبة باتصال أساسي مع القارئ. (أنا لا أشير بالتأكيد إلى مجموعة من الكتب الغرض منها أن تضلل قدراً كبيراً من الناس).
الأدب مرتبط منذ الرومانسية بانحطاط الدين في أنه ينحو إلى طرح مطالبة رصينة بميراث الدين، هو ليس قريب الشبه مع محتوى الدين حاله مع محتوى التصوف الذي هو على سبيل الصدفة، أكثر جوانب الدين انطوائية. بشكل مشابه، التصوف أقرب بكثير إلى الحقيقة. لا أعني بالتصوف أنظمة التفكير تلك التي يعبر عنها هذا الاسم الغامض. بل أشير بالأحرى إلى "التجربة التصوفية"، إلى تلك "الحالات التصوفية" المختبرة في العزلة. يمكننا في تلك الحالات رؤية حقيقة مختلفة معنية بإدراك الأشياء، أو حقاً بالموضوع المتصل مع النتائج الفكرية للملاحظة. لكن هذه ليست حقيقة شكلية. لا يمكن تفسير النقاش المترابط. قد يكون من المتعذر إبلاغه إذا لم نستطع معالجته بطريقتين: من خلال الشعر ومن خلال وصف تلك الشروط التي يمكن للمرء بواسطتها بلوغ تلك الحالات.
تتوافق هذه الشروط بشكل حاسم مع الموضوعات التي أشرت إليها والتي تشكل أساس العاطفة الأدبية الحقيقية. الموت بمفرده -أو على الأقل، دمار الفرد المنعزل بحثاً عن السعادة في الوقت المحدد- يقدم ذلك الانتهاك الذي لا يبلغ شيء دونه إلى حالة النشوة(9). وما نسترده بذلك هو دوماً بريء وافتتان الوجود. يفقد الكائن المعزول نفسه في سواه. لا أهمية لما يمثله "الشيء الآخر". ولا يزال واقعاً أنه يتجاوز الحدود العامة. مطلق جداً هو حتى أنه ليس شيئاً: إنه لا شيء.
«الله هو العدم»، قال ايكهارت. من المؤكد أنه في الحياة اليومية يكون "المحبوب" نفسه إزالة للقيود التي يفرضها الآخرون-فهو الكائن الوحيد الذي بواسطته نتوقف عن الشعور، أو أننا بوجوده نصبح أقل وعياً، حدود الفرد المحتجز في تلك العزلة هي في ذاتها خللاً. الحالة التصوفية مشخصة بالميل إلى الكبت بشكل جذري وبانتظام، أن الصورة المركبة للعالم التي يجد المرء فيها الوجود الفردي بحثاً عن النجاة. بدافع مفاجئ (كما في الطفولة أو العاطفة) يكف الجهد عن أن يكون منظوماً: الحدود منتهكة بشكل مجهول، ليس من قبل قوة إرادة فكرية قوية. صورة هذا العالم تشوش وحسب، أو إذا وجدت تماسكها، تتجاوزها كثافة العاطفة. صحيح أن العاطفة تسعى لإطالة أمد المتعة المجربة في فقدان الذات، لكن بالتأكيد تبدأ بالذوبان في الآخر. لا يمكننا أن نشكك بأن الوحدة الأساسية لكل تلك الغرائز التي نهرب بوساطتها من حسابات المصلحة ونشعر فيها بكثافة اللحظة الراهنة التصوفية بعيدة عن عفوية الطفولة بعدها عن الشرط العرضي للعاطفة. لكنها تعبر عن تجلياتها من خلال مفردات الحب وتأمل متحرر من انعكاس منطقي بسيط بساطة ضحكة الطفل.
أؤمن أن التشديد أساسي على تلك الجوانب المشتركة بين الأدب الحديث التقليدي والتصوفي. وبالفعل فإن التشابه لافت فيما يتعلق بـ إميلي برونتي. يتحدث جاك بلونديل في دراسته الأخيرة عن تجربتها التصوفية كما لو أن إميلي برونتي خبرت رؤى ونشوة تيريزا دي أفيلا. لكن على الأرجح أن بلونديل اشتط في ذلك. ليس هناك دليل، ولا سند قاطع للتفسير الذي لم يعمل، في الواقع، سوى على إطالته. استشعر آخرون قبله علاقة بين الحالات الروحية للقديسة تيريزا وتلك التي عبرت عنها إميلي برونتي في شعرها. مع ذلك، من غير المؤكد فيما إذا كانت مؤلفة "مرتفعات ويذرينج" ملمة بذلك الأصل الميثودي(10) في الذات والذي يسد مسد التعريف الأساسي للتجربة التصوفية.
يقتبس جاك بلونديل عدة مقاطع من قصائدها. هي تصف بالفعل مشاعر محددة متبصرة وحالات عقلية مضطربة تنبي عن حياة روحية معذبة وصلت إلى حد تمجيد عارم. إنها تعرب عن تجربة عميقة عنيفة بما لا يقاس من الحزن أو أفراح العزلة. حقاً، لا شيء يخولنا للمفاضلة بين مثل هذه التجربة مع بحث أكثر انتظاماً، خاضع لمبادئ الدين أو صورة محددة للعالم، إيجابية أو سلبية. نكاد نقول بأن هذه الدوافع الطائشة، المنظمة بالصدفة، ويمكن نسبتها دوماً إلى تفكير هائم، هي أكثر غنى من الجميع أحياناً. العالم الغامض الذي تكشفه القصائد لنا هائل ومحير. لكن علينا أن نتوخى الحذر من تشبيهه بشكل قريب جداً بالعالم المألوف نسبياً الموصوف بالخفايا العظمى. إنه أقل هدوءاً وأكثر عنفاً. عنفه ليس متشرباً ببطء في التجربة التدريجية للتنوير. هو باختصار أكثر قرباً إلى اللوعة المتعذر وصفها المعبر عنها في "مرتفعات ويذرينج".

ولكن سوف لن أضيع لدغة، لن أتمنى عذاباً أقل،
كلما زاد ذلك العذاب في إيلامه، كلما عجل في تطويبه،
مكسو بنيران الجحيم، أو متوهج بألق سماوي
فقط إذا كان منذراً بالموت، فالرؤيا مقدسة!

أرى أن هذه الأبيات من "السجين" هي المثال الأكثر قوة على ذلك الشعور الذي يكمن وراء شعر إميلي برونتي. فهي تنقل حالتها العقلية على نحو رائع.
أخيراً ليس على قدر من الأهمية فيما إذا كانت إميلي برونتي حقاً قد عاشت ما نسميه تجربة صوفية، لأنه يظهر أنها قد بلغت جوهر مثل هذه التجربة.
«كل شيء يقودنا إلى الإيمان»(11)، كتب أندريه بريتون، «ذلك أن هناك نقطة معينة في العقل حيث الحياة والموت، الواقع والخيال، الماضي والمستقبل، الشائع والمكتوم، لم تعد ملموساً تناقض الواحدة منها مع الأخرى.» وسأضيف: الخير والشر، الألم والفرح. هذه النقطة المنوه عنها من خلال الأدب العنيف وبعنف التجربة التصوفية: فقط النقطة تهم.
ومن المهم أن ندرك أيضاً أن "مرتفعات ويذرينج"، أكثر أعمال إميلي برونتي عنفاً وشعرية هي اسم مكان مرتفع مشرف على الحقيقة. إنه اسم منزل لعين دعا عليه هيثكليف آن دخوله. بمفارقة مدهشة،«الكائنات تفنى» عندما تبتعد عن هذا المكان اللعين(12). وحقاً العنف الذي يرتكبه هيثكليف هو أساس كل من البؤس والسعادة التي لا «تفتن سوى العنيف». نهاية حكاية إميلي برونتي الكئيبة ظهور مفاجئ لشعاع باهت من الضوء.
بقدر ما يلقي العنف بظلاله على الكائن ويرى الموت «وجهاً لوجه»، الحياة مفيدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. لا شيء يمكن أن يدمرها. الموت هو شرط تجددها.

أهمية الشر
في اتحاد المتضادات هذا، لم يعد الشر مناهضاً للنظام الطبيعي بشكل لا يمكن الرجوع عنه عندما يوجد ضمن حدود العقل. بما أن الموت هو شرط الحياة، الشر الذي هو بشكل أساسي شقيق للموت، هو أيضاً قاعدة الوجود في نحو ملتبس إلى حد ما. ولو أن الكائن ليس محكوماً بالشر، عليه أن يحاول تفادي أن يصبح مطوقاً بحدود العقل. عليه أولاً أن يقبل هذه الحدود ويعترف بضرورة المصلحة المحتسبة، لكن عليه أيضاً أن يعرف أن ذلك متعذر اختزاله، جزء سيادي من نفسه متحرر من القيود ومن الضرورة التي يعرفها.
بقدر ما يعبر عن انجذاب نحو الموت، وبقدر ما هو تحد يوجد في كل أشكال الايروتيكية، لطالما كان الشر هدفاً لإدانة مبهمة. يمكن أن يكون مفخرة حاله في الحرب، بكل أهواله. لكن للحرب نتائج استعمارية. قد يكون من غير الضروري إنكار أن الشر ينطوي دوماً على نزعة كامنة لكي يزداد سوءاً، وهذا ما يبرر اللوعة والتقزز. لكن القول إن الشر المرئي في ضوء الانجذاب النزيه نحو الموت، مختلف عن الشر المعتمد على المصلحة الذاتية ليس أقل صحة. فعل إجرامي "قذر" هو معاكس للفعل "الانفعالي". يرفض القانون كليهما، لكن الأدب الإنساني أنه طور راق من العاطفة حقاً. ومع ذلك لا تمضي العاطفة دون لعنة: فقط "حصة ملعونة" موضوعة جانباً لذلك الجزء من حياة الإنسان على قدر عظيم من الأهمية(13). اللعنة هي الدرب الضروري للنعمة الحقيقية.
يقبل الإنسان الشريف أسوأ ما قد ينجم من عواقب عن تحديه بإخلاص. بل يخرج لملاقاتها أحياناً. "الحصة الملعونة" هي المقامرة، الخطر، المهلكة. وهي أيضاً سلطان، لكنه سلطان يجب التكفير عنه. عالم "مرتفعات ويذرينج" هو عالم سلطان مناوئ. وهو أيضاً عالم التكفير. عندما يتم قبول الكفارة تظهر ابتسامة الحياة الحقيقية.


الهوامش:
1) جاك بلونديل، اميلي برونتي. التجربة الروحية والإبداع الشعري، 1955.
2) المرجع السابق.
3) المرجع السابق.
4) [1]أضفت العبارة بالخط المائل (المؤلف).
5) المرجع المذكور.
6) ما من شك أنه داخل حدود المسيحية، يتفاهم العقل مع تلك الأعراف الاجتماعية التي تبدي شكلاً ما من أشكال الانتهاك.
7) مذهب من المذاهب المسيحية(المترجمة)
8) أبرز جاك بلونديل دين اميلي برونتي للرومانسية ولا سيما لبايرون الذي قرأته بالتأكيد.
9) التصوفية المسيحية مؤسسة على "موت النفس". التصوفية الشرقية كان لها نفس الأساس. "في الهند،" كتب مرسيا إلياد،" المعرفة الميتافيزيقية تعبر عن نفسها بمصطلحات الانفصال والموت... (و) هذه المعرفة تشتمل على.. تركة صوفية... ممارس اليوغا يحاول أن يفصل نفسه عن الشرط الدنيوي.. يحلم بـ" الموت في هذه الحياة". بالفعل، نرى موتاً يتبع ولادة جديدة، طريقة أخرى للوجود-طريقة الوجود التي هي خلاص." يوغا، خلود وحرية، بانثيون للكتب، 1958.
10) الميثودية: كنيسة أو مذهب مسيحي(المترجمة)
11) بيانات السريالية،" المانيفستو الثاني" (1930).
12) جاك بلونديل، المرجع المذكور.
13) في كتاب La Part maudite إصدارات de Minuit، 1949، شرعت في تتبع هذه النظرة في التاريخ الديني والاقتصادي.




المصدر: نشر المقال بكتاب الشاعر الفصلي المحكم عدد 6، سنة 2015، وننشره بالاتفاق مع  هيئة تحرير الكتاب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق