الثلاثاء، 20 أكتوبر، 2015

وحدها «الغابة السوداء» تلهمني: مارتن هايدغر

ترجمة حسونة المصباحي


بيت هايدغر الريفي
في أيلول/ سبتمبر 1933، تلقى مارتن هايدغر الذي كان قد عيّن عميداً لجامعة "فرايبورغ" منذ 21 نيسان أبريل، وللمرّة الثانية [العرض الأوّل تلقّاه قبل ذلك بسنوات] اقتراحاً بتعيينه أستاذ كرسي للفلسفة في جامعة برلين. والنصّ الذي تقدّمه "فكر وفن"(*) لقرّائها يتضمّن تفسير رفضه لذلك. وفيه نجد وصفاً شاعرياً ودقيقاً في نفس الوقت للـ "Hütte" أي للبيت الريفي الذي اعتاد هايدغر الاشتغال فيه، والذي فيه كتب جزءاً كبيراً من مؤلَّفه الشهير "Sein und Zeit"، وأيضاً لوادي "تودناو" (Todtnau) القريب من "فلدبارغ" (Feldberg)، القمّة الأكثر ارتفاعاً في "الغابة السوداء"، وهو مكان اشتهر في تلك الفترة بسبب إقبال هواة التزحلق على الثلج عليه. وفي النص ثمّة صدى سيرة هايدغر الذاتية، إذ أنّه يشدد فيه على تجذره العميق في عالم الفلاحين. وقد أذيع عند ظهوره في الراديو، كما نشرته جريدة "القوميين الاشتراكيين" (Der Alemanne) المحلية في مارس/ آذار 1934، أي عقب استقالة هايدغر من منصبه كعميد لجامعة "فرايبورغ".
*****


على المنحدر الوعر لواد عال وكبير هناك في جنوب "الغابة السوداء"، على ارتفاع 1150 متراً، بيت ريفي صغير (6 على 7 أمتار)، يغطي سقفه الواطئ، ثلاث غرف: المطبخ وهو في نفس الوقت القاعة الكبيرة الرئيسية، غرفة النوم، وغرفة مستعملة كمكتب للعمل، ومشتتة في العمق الضيق للوادي، وعلى المنحدر المواجه الوعر أيضاً، تنتشر بكثرة الضيعات ذات السقوف الكبيرة والمائلة، وعلى طول المنحدر، تصعد حقول الرعي حتّى غابة التنوب الشامخ والداكن. وفوق كل هذا المنظر، تمتدّ صيفية صافية، وفي فضائها المشع يرتفع صقران وهما يرسمان دوائر واسعة. هذا هو عالم عملي كما تراه عينا المصطاف والضيف العابر المحب للتأمّل. أنا نفسي لا أتأمّل المنظر الطبيعي المحيط بي بالمعنى الحقيقي للكلمة. أنا أحسّ تحوّلاته من ساعة إلى أخرى، ومن الليل إلى النهار، خلال تعاقب الفصول. إنّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنمو المحترس لأشجار التنوب، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وهمس السيول في ليل الخريف الطويل، وأيضاً البساطة الصارمة للمساحات المغطاة بثلوج كثيفة تتسرب كلّها إلى الحياة اليومية هناك في الأعالي، وفيها تتجمّع وتتراكم وتتموّج. ليس في اللحظات التي نريدها أن تكون لحظات تحقيق الذاتية المصطنعة، وإنّما فقط حين يكون وجودي في حالة تأدية عمله. العمل وحده يفتح الفضاء لواقع الجبل هذا. وسيره يظلّ منتظماً في تحوّلات المشهد الطبيعي.
في ليل الشتاء العميق تنفجر عاصفة ثلجية حول البيت، وتأخذ في تغطية ومواراة كلّ شيء، عندئذ لابدّ أن يصبح سؤالها بسيطاً وأساسياً. إنّ صياغة كل فكرة لا يمكن أن تكون إلاّ قاسية وقاطعة. والجهد الذي تتطلبه قوة الكلمات شبيه بصمود أشجار التنوب التي تنتصب أمام العاصفة.

والعمل الفلسفي لا يتمّ بعيداً كما لو أنّه فريد من نوعه. إن مكانه يوجد وسط عمل الفلاحين. عندما يجرّ المزارع الشاب المزلاج الثقيل المحمّل بحطب أشجار الزان على طول المنحدر الوعر والخطر باتجاه ضيعته، وعندما يدفع الراعي بخطى حالمة وبطيئة قطيعه باتّجاه القمّة، وعندما يجمع الفلاح في غرفته القدّات الكثيرة الصالحة لسقفه، فإنّ هذا العمل يكون من نفس الصنف. والانتساب الفوري لعالم الفلاحين يجد هنا جذوره. المديني يعتقد أنّه «يختلط بالشعب» كلّما تنازل عن كبريائه وتحاور طويلاً مع أحد المزارعين. وعندما، في المساء وفي فترة الاستراحة، أجلس مع الفلاحين على مقعد أمام المدفأة أو حول طاولة، هناك في "ركن الرحمن" (Herrgouswinkei)(1)، فإنني في أغلب الأحيان لا أتحدث معهم. وهم أيضاً، ونحن ندخن الغليون في صمت. وربما من حين إلى حين، تسقط منّا كلمة لنقول مثلاً إنّ قطع الخشب في الغابة يقترب من نهايته، وأنّ السمّور في الليلة السابقة داهم قنّ الدجاج وأتلف الكثير منه، وإنّه من المحتمل أن تلد البقرة غداً، أو أنّ أحد الجيران أصيب بمرض ما. إن انتساب عملي الحميم "للغابة السوداء" وللناس الذين يعيشون فيها له جذور قديمة جداً، ولا شيء يعوضه في المزدرع الشوابي والألماني والسويسري.
إنّ المديني ينتعش في أكثر تقدير عندما يُدعى للإقامة في الريف. أمّا بالنسبة لي، فإنّ عملي هو الموجّه من طرف هذا العالم من الجبال والمزارعين، والآن، توقّف عملي من حين لآخر أوقات طويلة تخصص للتحاور أو للتنقل للقيام بمحاضرات وبمناقشات، أو للتدريس هناك عند سفح الجبل [يقصد فرايبورغ]. ولكن حالما أصعد إلى أعلى، ومنذ الساعات الأولى لوصولي إلى البيت، يداهمني عالم الأسئلة القديمة. ويتم هذا بنفس الشكل الذي تركته عليه. وبكلّ بساطة أجد نفسي محمولاً بالنغم الخاص للعمل، ولست أبداً في العمق سيداً لقانونه الخفي. المدنيون يندهشون أحياناً لعزلتي الطويلة والرتيبة في الجبال وبين المزارعين. غير أنّ ما أعيشه ليس العزلة، وإنما الوحدة. في المدن الكبيرة، بإمكان الإنسان أن يكون منعزلاً أكثر ممّا في أيّ مكان آخر، وبسهولة متناهية. غير أنّه لا يستطيع أن يكون وحيداً البتّة. ذلك أنّ الوحدة لها نفوذ متميّز تماماً في ألاّ "تعزلنا"، ولكن بالعكس، في أن تلقي بحياتنا كلّها بجوار جوهر كلّ الأشياء.
هناك أي في المدن بإمكاننا أن نحصل على الشهرة السريعة من خلال الصحف والمجلات. وهذا هو الطريق المؤكّد للسقوط بسرعة في هاوية النسيان.
وبعكس ذلك، نجد أنّ ذاكرة الفلاحين تتمتع بوفاء بسيط ودونما ضعف. أخيراً ماتت فلاحة عجوز هناك في الأعالي. وكانت أحياناً تتحدث معي وخلال ذلك كانت الحكايات القديمة للقرية تبرز من جديد. وقد حافظت في لغتها القوية الموحية على الكثير من الكلمات القديمة وعلى أقوال مأثورة كثيرة فقدت في اللغة الجديدة، وليس بإمكان شباب اليوم إدراك معانيها. وفي السنة الماضية، وكنت قد قضيت أسابيع بأكملها وحيداً في البيت، صعدت تلك العجوز البالغة من العمر 83 عاماً المنحدر الوعر لمقابلتي. وقالت إنها تريد أن تتحقق من أني لازلت موجوداً، ومن أنّ اللصوص لم يأتوا ليسرقوا بيتي في غفلة مني. وقد أمضت ليلة موتها في نقاش مع أفراد عائلتها. وقبل نصف ساعة من رحيلها إلى العالم الآخر، كلفتهم بـ «إبلاغ تحياتها إلى الأستاذ». إنّ ذاكرة كهذه في رأيي أكثر قيمة من أي "روبرتاج" حتّى ولو كان جيداً، في صحيفة مشهورة عالمياً حول فلسفتي المزعومة.
إن العالم المديني مهدّد بخطر كبير، خطر أن يصبح فريسة للبدع القاتلة. وثمة تعجّل مزعج، وصاخب ونشط جداً يبدو أحياناً غير مبال إطلاقاً بعالم الفلاحين وبطريقة حياتهم، وبذلك يتمّ بالتحديد نفي ما هو الآن وحيد وضروري، أي أنّنا نظلّ على مسافة من نمط عالم الفلاحين، ونهمله أكثر من أي وقت مضى لقانونه الخاص ونخشى ملامسته –حتّى لا نعرّضه للعنف وذلك بعرضه على الثرثرة الكاذبة لأصحاب الأدب حول ما يكوّن الوجود الخاص للشعب ولانتمائه إلى مزردع ما. إنّ الفلاح لا يرغب إطلاقاً في تعجّل المدنيين هذا، وليس بحاجة إليه. غير أنّ ما يريده وما يرغب فيه هو رقّة محتشمة تجاه وجوده الخاص وتجاه ما هو على علاقة به. ولكن هناك كثيرين بين القادمين من المدن، والذين يأتون عابرة -ابتداء بهواة التزحلق على الثلج- يتصرفون اليوم في القرية أو في الضيعة كما لو كانوا "يتَسَلّون" في أماكن اللهو الموجودة في مدنهم الكبيرة. إنّ مثل هذا السلوك يقتل في ليلة واحدة ما تعجز عن تنفيذه عشرات السنين من التدريس العلمي حول مكوّنات شعب ما حول التقاليد الشعبية.
فلندع جانباً كلّ ألفة متسامحة وكل مصلحة غير حقيقية مع الشعب. ولنتعلم احترام الحياة الصعبة والبسيطة هناك في الأعالي، وأن نعاملها بجدّ ورصانة.
أخيراً عرضت عليّ جامعة برلين كرسيّ الفلسفة. ولهذا السبب أغادر المدينة وآوي إلى بيتي الريفي، وأسمع ما تقوله الجبال والغابات والضيعات. وفي الآن نفسه أزور صديقي القديم وهو فلاح في الخامسة والسبعين من العمر. وقد كان قرأ العرض في الصحف. ما تراه يقول؟! يحدّق ببطء بنظراته الجريئة المنبثقة من عينيه الصافيتين في عينيّ، ويظلّ محافظاً على فمه مغلقاً، ثمّ يضع برصانة يده الوفية على كتفي ويحرّك رأسه بشكل خفي. وهذا يعني لا. لا قاطعة!


الهوامش:
(*)  نشرت الترجمة لأول مرة بمجلة "فكر وفن" الألمانية، العدد ،47 بتاريخ 01 يناير 1988، صص 6-7.
(1)  في ضيعات الغابة السوداء اعتاد الناس أن يجلسوا على المقعد الخزفي للمدفأة الكبيرة الموجودة وسط القاعة، والطاولة المحاطة بكراسي توجد في إحدى أركان هذه القاعة. وهناك يعلّق تمثال المسيح المصلوب. ولهذا سمّي هذا الركن: "ركن الرحمان" [المترجم]




المصدر: متاهات؛ نصوص وحوارات في الفلسفة، ترجمة حسونة المصباحي، مراجعة د. قدامة الملاح، دار المعرفة للنشر تونس، طبعة 2005، صص 7-11

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق