السبت، 11 أبريل، 2015

حياة جورج باتاي: أندريه ماسون

ترجمة: رويدة سالم

أندريه ماسون
   كان عددنا محدوداً على مقاعد الدرس، في شتاء 1918، رغم تواجد بعض من غير المهتمين بالدراسة ضمن دفعة طلاب تحمل بذرة لثلاثة متفقدين عامين وثلاثة أمناء عموم للمكتبات، وقد بدا جورج باتاي الأكثر موهبة بيننا للقيام بحياة مهنية باهرة على مسارات الطرق التقليدية للتحصيل المعرفي.
   ولد لأب طبيب توفي شاباً في "بيلوم" في "بوي دي دوم" يوم 10 سبتمبر 1897 وكان جورج ذاته معتلّ الصحّة لذلك تم إعفاؤه، بعد بضعة أشهر، من الخدمة العسكرية.
دخل مدرسة "شارت" لأنه كان مأخوذاً برومنطيقية القرون الوسطى التي اكتشفها عندما زار كاتدرائية "ريمس" وقرأ "الفروسية" لـ ليون غوتييه. وقد استعد لامتحان القبول بروح الفارس ليلة "حفل تنصيبه". وبما أنه كان مغرماً بالبحوث اللفظية ومليئاً باحتقار التركيبات الكلاسيكية للجمل، فقد عكف على دراسة الكلمات نصف البربرية التي شكلت المرحلة الانتقالية من اللاتينية إلى الفرنسية.
مثّل لحن القديسة سانت أولالي التعويذة التي كانت تساعده لإعداد دروسه وكان يعرض بحماس، وبصوت أجش، التعدادات الطويلة لدروس فقه اللغة، التي كانت تسجلها ذاكرته القوية دون عناء.
    في تلك السنة الأولى في مدرسة دي شارت، كانت "اللاتينية الصوفية" لـ ريمي دوغورمون كتابه المفضل كما كان أول إنتاج له، الذي لا يذكره أي مدون مراجع، "لوحة" عن "نوتردام دو ريمس"، وهي من أسوأ ما وضعه "هيسمان" وقد كانت مشبعةً بحماسة ستتحول بعد مدة قصيرة إلى مثالية مختلفة جداً.
    في لقاءاتنا في "باريس" -نحن شباب المحافظات الذين يسكنهم حنين العاصمة- كان يحب أن يذكر المناظر الطبيعية القاسية والعظيمة لـ "لوفارني" وبيت جده المتواضع في وسط البلدة قرب الكنيسة الرومانية وجولاته الطويلة في الجبل وزياراته لـ"سالارس". لو وجب عليّ تعريفه في ثلاث كلمات لكتبت: رومانطيقي ومتدين ومغرم.
   غرامه بفقه اللغة الرومانية جعله يختار موضوعاً لأطروحته نشر قصة شعرية من القرن الـ 13 عنوانها "نظام الفروسية".
إثر تخرجه من المدرسة ذهب إلى "لاكازا فيلاسكيز" ثم دخل إلى مكتب الميداليات وتتوافق منشوراته بين 1926 و1928 مع ما يمكن أن نتوقعه من ذلك النوع التقليدي من خريجي "شارت" فقد مُنح مركزاً ممتازاً في دار النشر الكبيرة في شارع "ريش ليو" حيث نجد له ثلاث مقالات علمية دقيقة في مجلة "آريثيز"، الأولى حول عملات الماغول العظماء الموجودة في مكتب الميداليات، والثانية حول علم المسكوكات الساسانية، والثالثة حول القطع النقدية للبندقية في مجموعة الهاردولاي. في نفس تلك الفترة نجد اسم جورج باتاي بجانب أسماء: جون بابيلون وبول ريفيه وألفريد ميترو في مجلد كراسات الجمهورية للآداب المخصصة للفن ما قبل الكولومبي إذ توارى آنذاك أمين المكتبة خلف الأنثربولوجي والمفكر المهتم بالدراسة التحليلية الداخلية أكثر من الشكل والتواريخ وظهرت الميول المستقبلية للكاتب ذي المزاج السوداوي والذي كان يستشهد بالكاتب أوكتاف ميرابو ويقارن الآلهة المكسيكية بالشياطين المنحوتة في كنائسنا دون أن يمنح الأخيرين «عظمة خيالات الأزتيك، الأكثر دموية من بين الذين ملؤوا الغيوم الأرضية» لأنه كان يحب دراسة نزف المذابح البشرية ويبرز «الطابع السعيد المثير للدهشة لهذا القبح المرعب».
    كان هذا المقال مقدمة لدراسات موضوعية وعاطفية في آن واحد ميزت أسلوبه وأكدها في النفس الثوري الممنوح لمجلة "وثائق" والتي كان سكرتيرها العام ورئيس تحريرها الأساسي خلال سنوات 1929 و1930 حيث كان الغلاف يحمل رسماً فاخراً بطوبوغرافيا استفزازية ونصوصاً كلاسيكية المنحى حيناً ومربكة أحياناً، ودوماً تحت شعار كراهية السطحية.
لإطلاق المجلة حدّد بيانٌ مبالغ في صياغته محتواها: «ستتم دراسة الأعمال الفنية الأكثر إحراجاً، وغير المبوبة بعد، وبعض الآثار الأدبية المتباينة المهملة حتى الآن، بصراحة ودقة علماء الآثار وستعرض الحقائق الأكثر إحراجاً والتي لم تقدّر بعد نتائجها، كما أن الطابع العبثي أحياناً للنتائج أو الأساليب لن يقع إخفاؤه كما يحدث عادة عند الخضوع لقواعد اللياقة بل سيعرض بكل وضوح». وفي الفهارس كانت أسماء جورج هنري ريفيير وروني غروسي وجون بابيلون توضع بجانب أسماء كل من سلفادور دالي وكارل اينشتاين. أما في الصفحات الإعلانية فقد كان يوجد رسم لـ جان كوكتو يقدّم مزايا "الثور على السطح". فخامة ذلك التقديم كانت تنبئ بدعم هذا المعجب الكبير والعضو المستقبلي للمعهد والذي يرأس في نفس الوقت المجلة الأكثر كلاسيكية من بين كبرى مجلاتنا الفنية.
حافظ جورج باتاي في مقالاته حول مخطوطة "سفر الرؤيا لـ سانت سيفير" والخيل وفقاً للعملات اليونانية والنقوش الغنوصية على نفس نسقه في البحث العلمي. وكانت تعليقاته على "لغة الزهور" و"الوجه الإنساني" حيث يوجز المواضيع المستقبلية لفلسفته المضادة للمثالية بأكثر جرأة وأكثر مفاجأة. كما كان معاونوه يجزون الإطراء  لفن بيكاسو وللنحت الإفريقي وموسيقى الجاز أو السينما الناطقة كصيغ فنية تعبيرية. لكن الجمهور من محبي الفن كان غير مستعد بعد، في العام 1930، لمواضيع صارت اليوم كلاسيكية. فتوقفت المجلة في عددها الـ 15.    
    اندثرت المجلة، لكن جورج باتاي ظلّ يمثل الشخصية القيادية في ذلك المجال، حيث صار، مع أندريه بروتون أو مخالفاً له، أحد أنصار الحركة السريالية. وانتمى بانتظام من سنة 1931 إلى سنة 1934 إلى مجلة "النقد الاجتماعي".
    مع اقترابه من الأربعينيات ترك عالم الصور واتجه إلى التأمّل بدراسة التصوف المسيحي والنساك البوذيين على حد سواء. وقد ألهمته خاصة "التنترا من كشمير" و"الفيجنانا بهيرافا". بدا له العالم الخارجي شفافاً مما جعله يفرّ من الأشياء عبر الانزلاق إلى الجوهر ويغرق في العالم السحري للتأملات. وقد تمثل ذلك في تدمير أكثر حميمية للثوابت واضطراب أكثر غرابة في التحليل ووضع للذات ولكل الأشياء في نفس الوقت تحت محك التساؤل.
    الكتب الثلاث التي حدد فيها جورج باتاي خلاصة فكره كتبها أو فكر في مواضيعها خلال السنوات الثلاث التي قضاها في دير في "فازلاي" حيث يوحي الإطار العام بالعودة إلى تصوف سنين شبابه حين أرغمه المرض على وقف أعماله في المكتبة الوطنية واللجوء إلى ذلك المكان مع أنه لم ينفك، رغم ذلك، يدمر كل تدخل إلهي إذ حملت هذه الكتب في عنوانها الفرعي "غفوة غير لاهوتية" لذلك لم يخطئ سارتر عندما عنون مقالاته الثرية الثلاث المخصصة لـ جورج باتاي حول "التجربة الداخلية" الذاتية بـ "التصوف الجديد".
توسّع مجال بحثه باطراد مع استعادته لقواه في ذلك الاعتزال الهادئ المثابر. وقادته معرفته الوثيقة بحركة الأفكار المعاصرة للعودة بشكل جديد إلى عالم الكتاب فقام بتأسيس مجلة "نقد" ذات المستوى العالي والتي صارت بسرعة أداة عمل أساسية يبحث عنها كل مكتبي وكل قارئ يرغب في التعرف على المنتجات الأدبية لعصرنا. وقد قامت بتوزيعها منشورات "دي شان" في جوان 1946 واستأنف نشرها بعد ذلك "كالمان ليفي" ثم في سنة 1950 منشورات "مينوي".
كان باتاي مديراً لهذه المجلة وفي نفس الوقت المشرف عليها والكاتب الأكثر انتظاماً فيها إذ لم يَخلُ أبداً عدد منها من 1946 إلى 1959 من بحث من تأليفه. كما ظهر له العديد من الأعمال الفلسفية في تلك الفترة وعلى وجه الخصوص "طريقة التأمّل" سنة 1947 و"النصيب الملعون" سنة 1949. فيما بعد عاد للبحث في تاريخ الفن عبر نشره كتابا عن "مانيه" الذي كان قد قدم حوله بحثاً في مجلة "وثائق" وخاصة بتقديمه لدراسة جديدة تماماً وهامة عن الاكتشافات ما قبل التاريخية والتي فتنته تحت عنوان: "لاسكو أو ولادة الفن"
    كان هذا النشاط الأدبي المكثف دليلاً على تحسن صحته إذ سمح له الأطباء سنة 1949 بالعودة لنشاطه أميناً للمكتبات لكن في المحافظات فقط، فتم تعيينه في البداية أميناً لمكتبة "لانجيمبارتين" في "كاربانترا"، ثم في سنة 1951 تم تعينه مديراً للمكتبة العامة في "أورليون".
    إن خاصية العظماء أنهم لا يضعون ذاتهم فوق الحالات الطارئة ويهتمون بالمهام الأكثر تواضعاً بنفس قدر اهتمامهم بالأنشطة الأكثر أهمية. لذلك ندين في العقد الأخير لـ جورج باتاي بالتغييرات الأساسية لمكتبة "أورليون" إذ بفضل عنايته الفائقة وحساباته الدقيقة وخطواته الحكيمة تم ترميم القاعات العامة بذوق رفيع وتحديث مخازن الكتب إلى جانب خلق رابطة للمطالعة العامة في "لواري".
    أود أن أضيف أنه تمت السيطرة بسرعة على حريق تسبب فيه إهمال العمال المكلّفين بترميم سقف المكتبة والذي لولا تدخله لكان أتى على كل الكتب فيها بفضل رباطة جأشه وسرعة تدخله.
تمنى باتاي التخلّص من وظيفة مدير بما تفرضه من التزامات مع اقتراب سن التقاعد ليركز أكثر على البحث والأعمال البيبليوغرافية فطلب إعادته لمنصبه في المكتبة الوطنية وهو ما تم فعلاً في مارس 1962 لكن بعد بضعة أشهر ساءت صحته ووضع انسداد الشرايين حداً لمعاناته يوم 9 جويلية.
"مدرسة دي شارت" التي تضمّ من بين قدمائها العديد من المؤرخين والأركيولوجيين وبعض الروائيين يجب أن تكرم في شخصه الفيلسوف ومؤرخ الفن والناقد. فعلى الرغم من العديد من التجاوزات اللفظية يظل باتاي أحد المفكرين الأكثر تفرداً في عصرنا وأكبر من خدم الآداب.

المصدر: Masson André. Georges Bataille. In: Bibliothèque de l'école des chartes. 1964, tome 122. pp. 380-383


  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق