الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

العري كرمز: موريس جان لفيفب

ترجمة : حسين عجة

دراسات فينومنولوجية (ظاهراتية)*


رسم الفنان العراقي قصي طارق
كتب سينانكور (Senancour) «نحن لا نستخدم الأشياء»، «بل صورها». بالمثل أودّ دعوتكم في الحال إلى تأمّل العري كصورة، وليس كغنيمة. قد يبدو ذلك للوهلة الأولى صعباً، لكن لا ينبغي على صعوبة كهذه إيقافنا أكثر مما يستوقفنا العري ذاته حين يُغرينا. فعلى تلك الصعوبة منحنا وقفة، تُعادل وقفتنا أمام العري، حينما يُعرض علينا للعمل عليه، وإن كان يحثنا على اتخاذ المحاذير بغية تأجيل مسرته، لكي نكون أكثر استقبالاً لفتنته القوية (sheer fascination). يمكنني الاستشهاد، هنا، بلوتريامون (Lautreamont)، فهو يتحدّث، في نهاية قصائده الغنائية، عن تركه لإلهامه يتنفس للحظة لكي يقارن الشاعر بالعاشق الذي يتوقّف في صميم فعله حتى يتأمّل رغبته. وهكذا يحتلّ التأمّل مكان الفعل. فالعري، في تلك اللحظة، ليس شيئاً آخر سوى صورة. وإذا كنتُ قد دعوتكم للتعامل معه كصورة، فذلك لكي أُقَدّمُ، في الوقت ذاته، الأطروحة التالية التي بودّي البرهنة عليها هنا. تكمن أطروحتي في القول إنه لا بد من تأويل وإدراك القوة الساحرة للعري، للفتنة الإيروسية، مهما كانت جذورها المادية، باعتبارها ظاهرة تخيلية، ظاهرة مثالية. ففي فتنة العري ثمة ما يفوق الغريزة، التي هي اشتعال ذاتي ولا تبحث إلاّ عن غايتها.


لقد قلت صورة، فيما كان بإمكاني القول رمزاً في الحقيقة. يُقَدّمُ الجسد العاري نفسه لنا، في الواقع، وكأنه مادة عادية (simple object). ما الفارق، إذاً، بين المادة، من جانب، والصورة أو الرمز من الجانب الآخر؟ نعرف أن ذلك الفارق يرتبط أساساً باستخدامنا له. فالمادة، إن كانت طبيعية أو اصطناعية، لا تقوم بدور آخر غير دور الوسيلة، التي نستعملها من أجل الوصول إلى غاية أخرى. فالسكين والشوكة نستخدمهما من أجل الأكل، والكرسي لكي نجلس عليه. لذا لا تشكل غايات بحد ذاتها، بل بدائل، مرتبطة بنتيجة أفعالنا، ونحن نمرّ عبرها دون التفكير فيها. بهذا المعنى، لا تختلف أية مادة عن الإشارة التي تكون وظيفتها نفعية بالكامل، ما دامت تشغل الذهن بمؤشرها (its designatum): تقتفي الفكرة هنا الكلمة. لكننا لا نستخدم الرمز كاستخدامنا للشوكة أو الكرسي. فالفكرة التي تتأمل الرمز لا تأخذ أبداً المكان الذي يحتله الشكل الذي يجسدها. لا يمكن التعامل مع الرمز، بحكم وضعيته المختلفة، كمجرد وسيلة، بل غاية أيضاً: إنه مجموع وسائل غايته الخاصة. كذلك فهو ليس فكرة فقط، لكنه ما يدعونا للتفكير به. ولذا يصبح بمثابة مشكلة. لأنه يشير إلى شيء ما، لكنه يُشير إليه دون أن يكشفه. ففيما تجعلنا الإشارة نمتلك معناها مباشرة، يظل معنى الرمز دائماً موضع تساؤل. الرمز هو ما يولد فينا السؤال.
أيّ سؤال؟ السؤال الوحيد الذي يشغلنا الآن هو ذلك الذي يطرحه العري ذاته علينا. لكن، قبل مواجهة هذه المشكلة، علينا أن نُبيّن أن العري هو في الواقع رمز، أي ليس مجرد وسيلة؛ ليس مادة محضة، بل فكرة تلك المادة أيضاً. دعونا نبين أنه يشكل في الواقع سؤالاً، قبل أن نحقق بماهية ما يتساءل عنه.

2
يمكن تقديم العديد من المسلمات هنا. أولاً، وقبل كل شيء آخر، يشكل العري والإيروسية مشكلة. فنحن ما كنا لنشغل أنفسنا بمعرفة ماهية المشكلة التي يطرحها العري، لو لم يكن قد ظهرَ لنا في الواقع باعتباره سؤالاً. فمفردة إيروسية وحدها تثير في ذهننا وحساسيتنا ذبذبات اقتحامية وغامضة في آن معاً. من جانب آخر، لا تمثل واقعة الأكل، التغذية، مشكلة، مادامت غريزة الحفاظ على الذات تقدمها لنا باعتبارها وسيلة، تحقق غايتها مباشرة. بيد أن الفعل العشقي لا يدلّ بمثل ذلك الوضوح على غايته، أي إعادة الإنتاج، كما تفتح مسألة ديمومة الأجناس آفاقاً تختلف تماماً عن الحفاظ على الفرد. إلى جانب هذه المسلمة الضمنية بمعنى ما، سأقدم ثلاث حجج أخرى. تتصل الأولى منها بمعنى مفردة العري ذاته؛ أما الثانية فتكمن في القول إن الرغبة المتولدة عن الجسد العاري لا تعثر في نفسها على إجابتها الدقيقة، والثالثة أن الممارسة الجنسية ذاتها تشكل رمزاً يبحث المرء دائماً عن تأويلات أسطورية عنه.
تبدأ كل حركة إيروسية عادة مع النظرة. كما يمكن للمشهد أن يحدث، دون أن تتبعه أية نتيجة. لقد تمت استعارة مفردة عري من لغة الفنون التشكيلية. ففي النحت أو الرسم، جرى دائماً تمثيل جسم الرجل أو المرأة (منذ فن الكهوف) كبقية الأشياء الأخرى. لذا فالعري ليس المادة ذاتها، بل تمثيلها: إنه ينتمي إلى الفن، إلى المُتخيل. ومن الآن فصاعداً نستخلص الاستنتاج القائل إن الجسم العاري الذي يأخذه الرسام باعتباره نموذجاً هو مادة شأنها شأن غيرها، كجميع المواد التي يمكنه تمثيلها في الوقت نفسه فوق قماشته: الكرسي، النافذة، التفاحات في صحنها، والقطة قرب المدفأة. بتعبير آخر، لن يكون الجسم هنا حاضراً أكثر من الكرسي، التفاحات، أو النار التي يمكن للمرء استخدامها في الواقع، لكنه ذريعة بسيطة لخلق تناغم بين الخط واللون. في الحقيقة، يلعب العري بدقة دوراً تشكيلياً إن كان ذلك من فوق قماشة الرسم أو عبر النحت. مع ذلك، من الواضح أن تمثيل مادة كهذه في حضارة تكون فيها مخفية عن الأنظار (فالمرء لا يحلم أبداً بإخفاء التفاح أو الكراسي، كما أنه لا يلبس القطط والكلاب أثواباً)، تنطوي على حقيقة بسيطة تؤكد أن الجسم العاري له وظيفة في الفن تختلف عن بقية المواد. من أين حصلَ على وظيفة كهذه، إن لم يكن بدقة من جانبه المُثير، من إيروسيتة الضمنية؟
بالإضافة إلى ذلك، نعرف أن لهذه المشكلة تاريخها الطويل، كما يظهر ذلك جلياً بتحريم الفن الإسلامي والياباني لها، كذلك من خلال الأعذار والتبريرات التي يقدمها الرسامون والنحّاتون أنفسهم. فهم يدعون بأن فنهم يتمتع بموهبة تحييد الجانب القذر والشاذ في المادة المُمثلةِ، ويترك لتأملنا الجانب المنسجم، الوقور والمتسامي وحده. لقد واجه الفيلسوف الفرنسي آلان (Alain) هذه المشكلة وخرج منها بفضل مُلحة (witticism). «يُقال عموماً»، كما كتب، «إن العري عفيف دائماً، إذا لم يكن سوى الجمال؛ ومع ذلك فمن الأفضل القول إن العري جميل، إذا لم يكن إلا عفيفاً». وذلك أمر مجاني. فإذا ما حاولت فهم فكرة آلان، فسأقول إنه يضع الأخلاق فوق الفن، وإن حالات العري، بالنسبة له، هي تلك التي يمكنها الحصول على قيمة إستطيقية تخفي معناها الإيروسي تحت معنى آخر، تحت ثوب فصله الأخلاقيون على المقاس. إذ لا أحد ينكر أنه إذا ما جرى تكييف العري بمثل هذه الطريقة، فسيصبح رمزاً لكل الأشياء بمختلف أنواعها. فهو قائم من أجل الصحة، الحيويةِ، النعمة وحتى التواضع. لقد أساء القرن التاسع عشر استخدام تلك الاستعارات (allegories) التي أخذت فيها أشكال العري الباذخة حرية تمثيل كل شيء يرغب فيه المرء: الحقيقة (Truth)، الحرية (Liberty)، العدالة (Justice)، الأمل (Hope)، هذا إذا ما غضضنا النظر عن الصناعة والزراعة (Industry and Agriculture). لكن منْ يعجز عن رؤية الافتعال هنا، وكيف أن فكرة " آلان قد سيطرت على جانب مهم، أو في الحقيقة على الجانب الأهم من هذا النوع من الفن؟ كنتُ سأوافق تماماً على اعتبار عاريات روبنس (Rubens) بوقاً يصدحُ من أجل الصحة والنشاط، لكن سيكون من التفاهة نكران أنها مادة تتفوق على أية صحة ونشاط، الجسديتين تماماً. بالمقابل، تُقدّم لنا عاريات كراناخ (Cranach) فكرة مرضية عن الرمز: فتلك الأجساد الشاحبة والهزيلة التي تظهر كالبصمة تحت عبث تخريم أسود ومرهف تحدثنا بلباقة عن الخطيئة (Sin)، أو عن سقوط آدم (Fall of Man)، عن المعرفة والشعور، لا لشيء إلا لأنها تُلَمحُ في الوقت ذاته عن انحراف جنسي واضح. فلا عاريات غويا (Goya)، ولا عاريات انغرس (Ingres)، أو مودلياني (Modigliani) -إذا ما أخذنا كيفما يكون بعض الأمثلة- ولا حتى العاريات الأفريقيات والهنديات أو المنحوتات الكمبوجية الصغيرة يمكنها تجسيد العفة. وقد قيلَ إنها ليست فناً! إن فينوس ميلو (Venus of Milo) تضع المرء في ذهنية الانسجام الأمومي الأحادي وحده؛ أما فينوس سيرين (Venus of Cyrene) بدورها، وإذا ما تم التعامل معها كرمز، فهي تدل على إيروسية حادة. فهي من رأسها إلى أخمص قدميها أفروديتية (aphroditic).

مع ذلك تبقى فناً، أي تمثيلاً، صورة، أو رمزاً. بيد أن الفن لا يُبدع أي شيء إن لم يكن قائماً سلفاً في الطبيعة. أما نقله لذلك الشيء ضمن حقله الخاص، فيجعله يضيف على الأشياء، كالكرسي أو الأحذية حتى قيمة جمالية. لكن الجسد العاري يتمتع بامتياز يجعله فوق الأشياء الأخرى، لأنه جمالية بحد ذاتها. هكذا يؤكد جورج باتاي (George Bataille)، في كتابه الإيروسية (Erotisme)، على أن الجسد العاري سيكون أكثر جمالية بالقدر الذي تكون وظائفه المادية أضعف: لا يعني، كما هو الحال مع آلان، أن جماليته ليست من طبيعة إيروسية، لكن الإيروسية وجماليتها الخاصة ليستا وظائفية بالضرورة، وأن الحب يتميز عن الإنجاب. فالجسد يمنح نفسه من تلقاء نفسه أولاً لكي يتمّ تأمله قبل امتلاكه. وسنحاول كذلك [وهذه هي حجتنا الثانية] تبيان أن امتلاكه وحده لا يقضي على الحاجة إليه. فهو سيظل مشكلة، حتى إذا ما حاول المرء انتزاع إجابة موعودة منه. لهذا الغرض، سأرجع إلى أنواع من البديهيات أرويها عليكم. 

3
نلتقي هنا، في الواقع، بسلسلة لا تنتهي من الأسماء، بدءاً من ليكرس (Lucretius) وحتى غاستون باشلار. يصل جميع هؤلاء الكتاب إلى النتيجة ذاتها التي يمكن التعبير عنها ببساطة بالشكل التالي: إن الحب [الحب الجسدي] مُخيب في الحقيقة، لأنه لا يفي بما وعد به. وبالرغم من ذلك، يمكن للمرء اكتشاف جانبٍ متفائلٍ فيه، لحد يمكن القول فيه مع أندريه بريتون، مثلاً، إن «المرأة هي الوعد العظيم، الذي يستمر حتى بعد الحصول عليه». غير أن الفكرة تبقى ذاتها، وهذا ما نحاول توضيحه هنا، أي: أن مادة الحب تستحضر دلالة، وتبعث نداءً يتجاوز استعمال المرء لها، ولا يمكن لذلك الاستعمال إشباعها. كأن إشباع الرغبة، بإخفاقها في التطابق مع المرغوب فيه، تكشف في اللحظة ذاتها للإنسان أنه قد رغب في شيء آخر غير الإشباع وما هو جوهري، كما يقول أندريه جيد، يكمن في نظرته بالأحرى أكثر مما يكمن في الشيء المنظور. يمكن للمرء، في الحقيقة، انطلاقاً من وجهة النظر هذه، اعتبار نفسه مُغفلاً، أو على العكس من ذلك يجد في هذا الكشف، كما هو الأمر مع بريتون وجيد، سبباً في الشروع ثانية في التجربة. إذ من الصعب على الفرد التصميم على ترك سر يرافقه كل حياته من دون أن يعثر له على حل.
ولعلكم تذكرون التحذير الرائع الذي أطلقه ليكرس:

هناك أمل، دائماً، أن تموت النار
يخمدها الجسد الذي نصب نظامه أولاً. ما الذي
قد يكون أكثر من ذلك تناقضاً مع الطبيعة؟ لا شيء آخر
يلهبنا، إذا ما حصلنا عليه مرة، من الرغبة في الحصول عليه
أكثر وأكثر فأكثر. نحن نشبع جوعنا وعطشنا بالخبز والنبيذ
الذي يملك جزئياته المادة ويمكنه إشباع حاجتنا، ويأخذ مكانه
في أجسادنا؛ لكن الوجوه الجميلة، الملامح المرهفة، لا تجلب شيئاً آخر
إلى فراغ الجسد سوى الصور الخادعة، الضعيفة، والعبثية، التي يقبض
عليها بلا جدوى الأمل عبر الهواء الفارغ.
في الأحلام، يحاول العطشان الشرب، بيد أنه لا يعثر على المياه
التي تبرّد ناره، حينئذ، ولأنه لم يرتو أبداً، يبحث عن صور الماء، ويصل
في النهاية إلى نهر مندفع، يبدو كأنه يشرب منه
عبثاً، فهو ما زال عطشاناً. كذلك الأمر في الحب.
تلعب فينوس بالخدع مع العشاق وهي تلهو
بالصور التي لا تروي.
النظر إلى الأجساد لا يملأ أية حاجة حياتية
مهما كانت نظرة العشاق عارية
مهما تجولت أياديهم بعيداً
ستظل مع ذلك فارغةً -هل يمكنهم قطف الأزهار
من البتلات الرقيقة؟ ثم يقدم الزمان
حينما يلتقي عناقهم، ويغتبطون
في وردة الحب المكتملة، أو يفعلون ذلك تقريباً
قبل القطيعة التي سرعان ما تأتي،
لحظة البذرِ.
بتوق
يشدون أجسادهم عن قرب، يوصلون شفاههم وألسنتهم مع بعضها بعضاً،
يغدو تنفسهم أسرع، أسرع. كل ذلك عبثاً،
لأنهم يعجزون عن جمع أي شيء، وليس بمقدورهم
القيام بالولوج الحقيقي، أن يذوب أحدهم في جسد الآخر، تماماً. إذ
لا يبدو أنهم يرغبون في شيء آخر غير ذلك.(1)

يصف قانون الحب في القرن الثاني عشر، المادة السابعة والعشرين، الأمر ذاته ضمن عقلية مغايرة تماماً: «لا يتمتع المحبوب كفاية بحبيبته أبداً». لا يصعب على المرء احترام مثل هذا الإنذار القانوني، إذا ما رافق غاستون باشلار الذي يعيد، في حديثه عن الحب، اكتشاف ذلك التعارض الذي أقامه ليكرس بين الشهية والليبيدو (appetite and libido). «الشهية أكثر فظاظة، بيد أن الليبيدو أشد صبراً»، كما نقرأ ذلك في كتاب تكون العقل العلمي (the formation of Scientific Spirit). «إن الشهية مباشرة، فيما يتمتع الليبدو، على العكس منها، بالأفكار الطويلة، بالمشاريع طويلة الأمد، والصبر. فالعاشق قد يكون صبوراً كالطالب. تخمد الشهية في المعدة المملوءة. أما الليبدو، فما إن يرتوي حتى يعاود الولادة. يرغب أن يدوم. إنه الديمومة. يتمتع كل واحد منا بصبر يرتبط، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بالليبدو. ليس ثمة من ظلّ للتشاؤم في مثل هذا التصور عن الحب كبحث وتحقيق، وإن كان متوقداً ويشبه لذعة الألم.» من ناحية أخرى، نفهم وجهة نطر الازدراء هذه عند العديد من الكتاب. فبيير بايل (Pierre Bayle)، في القرن السابع عشر، تمسك بفكرة أن «كل لذة سلبية، وكل ألم إيجابي». ثم أضاف، «والحب ما هو إلا أحبولة، خديعة من الخالق لكي نواصل توليد جنس ملعون، جنسنا». أما سويدنبورغ (Swedenborg) فقد جعل من الممارسة الحبية عقوبة (في الحقيقة، مع شيء من الشفقة) للمدان في جحيمه (damned in his Hell). الصورة ذاتها كان بودلير قد التقطها في قصيدته النساء المُدانات (The Women damned) وفي غيرها من أشعاره :

ينحني على عشيقته العاشق اللاهث
ومحياه كملمح الإنسان الميت، وهو يداعب قبره.

تماماً كما يقارن في قصيدته القذائف 3 (Rockets III)  الحب بالتعذيب الكهربائي. وعلى أية حال، هناك الكثير من المفكرين («هؤلاء العشاق الأقوياء والتلاميذ الحاسمين») الذين تأملوا الفعل الجسدي ورأوا فيه معنى يتخطى ما يمكن للهراء الاكتفاء به: وفي المقدمة منهم المفكرون النفسانيون، الاجتماعيون، الميتافيزيقيون، والدينيون. يرى جان بول سارتر، على سبيل المثال، في ذلك الفعل نوعاً من الصراع ما بين الجنسين، ووسائل تدفع أحدهما للتعامل مع الآخر باعتباره موضوعاً، بتثبيت وعيه في عتمة اللحم. كذلك يقول كيتس (Keats) إن «حب الحواس يرتكز على البغض العقلي». كأن الليبدو نفسه بحاجة لتحليل نفسي. من ناحية أخرى، يُندد كل مسيحيي الغرب، وكل بوذيي الشرق، بالحب الجسدي كونه خيبة تتولد عن الشيطان (Satan)، وما هو إلا تزييف للحب الإلهي، أي أنه الطريق الأقصر نحو الضياع. والذريعة التي يقدمونها على ذلك تكمن من وجهة نظرهم في أن واقعة الحب وكذلك موضوعه، الجسد العاري، ما هما جوهرياً سوى مادة فظة، تتعارض تماماً مع الروح. وبالرغم من ذلك، أعتقد أن ليكرس كان يتمتع بخيال أكبر منهم حين أسند العوز والخيبة إلى الطبيعة -هل نقول عنها إنها روحية-، وعلى أية حال، فقد أحالها إلى الخاصية التخيلية للعري. فهو، كما يؤكد، يشكل فراغاً نبحث بلا جدوى عن محتواه. ألم تصنعه الرغبة في تملك صورة، شبحاً، إذا ما عدنا إلى كتابه الرابع (De nature rerum)، ألا تنفصل تلك الطبقات اللامادية ضمنياً عن المواد لكي تصطدم بحواسنا؟ بإمكانها القيام بذلك حتى عندما تكون عيوننا مغلقة، ومن ثم تمر عبر المخ لتصل إلى الأحلام. ألا تشكل ممارسة المرء للحب في أحلامه حجة تؤكد أن ذلك الحب ليس شيئاً آخر غير الغَرور (vanity)؟ أما إذا افترضنا، من جانب ثان، بأنه مادة لصورة مباشرة، أي حين يكون الجسد حاضراً حقاً، حينئذ يستولي علينا العنف. «يبحث الجسد عن مصدر جرح العقل» كتبَ ليكرس. «جميع الأشياء تهرب من النافذة : ألا يتدفق الدم/باتجاه الريح؟»
إن موضوعة العشق والموت قديمة كقدم العالم. هنا مكمن صراعهما حيث يرغب المُعَذبِ في نزاعه مع الموت أن يقبض على السر الذي يقتله. لأن الأمر يتعلق في الواقع بسر: فالجسد العاري ما عاد الآن تلك الإجابة البسيطة والساذجة على الحاجة التي يُثيرها؛ لكنه أصبح عندنا بمثابة المجهول (unknown). سيبقى لغزاً، إن كان مخففاً كالظلّ، أو متوهجاً. بودي هنا اقتباس سطر جميل وموحٍ مما كتبه تيودور دو بانفيل (Theodore de Banville). فهو يذكرنا بفردوس سعيد كان قد حلم به، ومن ثم يعرض علينا الوعد التالي :

ستصبح عيوننا ثملة بالأشكال الأنثوية
الأكثر جمالاً من الأجساد.

نرى، هنا، أن للمشكلة صلة بموضوعة الإشباع، والتغذي ليس من القسم المادي من الجسد، ولكن من جانبه التخيلي والرمزي. إذ ليس هناك شكل من أشكال الوجود لا يبحث عن فهم معناه. إن جمالية الجسد العاري لا تكمن في تناسق خطوطه فقط: فأشكال روبنس المكتملة تثير القلق كما تُثيره أشكال كراناخ المرضية. إذن ما معنى ذلك العري الذي أصبح الآن شكلياً تماماً؟ ما معنى هذه الحركة التي يظهر فيها المعنى باعتباره بالأحرى ذريعة أكثر من كونه موضوعاً؟ أنتم تعرفون الإجابات التي تم العثور عليها. إنها أساطير الحب.

4
سأحاول سرد تلك الأساطير باختصار. لكن إذا ما قمت بذلك، فسأواجه عدداً من المشاكل الصعبة التي لن أتمكن من الرد عليها. لتسامحوني على ذلك. لا بد لي من القول أيضاً إن كل ما يعنيني هنا هو تبيان أن الجنس والعري قد ولّدا أنواعاً مختلفة من التأويلات، وكذلك فالمعاني التي تمت المطالبة بالحصول عليها فيما يخصهما قد تجاوزت كثيراً طبيعتهما المادية، وبالتالي، فقد جرى التعامل معهما باعتبارهما إشارات أو رموز.
سأشير هنا، من أجل التذكير، إلى الأسطورة الفيثاغورسية التي اكتشفَت في الشكل ونسب الجسد أمثلة على صوفية الأرقام، والتطبيقات الحياتية لقوانين التساوق والتناغم. نحن نعرف كيف أن هذه النظرية قد بقيت تتأرجح، منذ زمن الإغريق وحتى عصر النهضة، من فوق كل الفنون، والفن المعماري بشكل خاص. فهنا يظهر الجسد الإنساني كنموذج مكتمل، تنسجم نسبه مع الرقم الذهبي (Golden Number)، ويستخدم لضبط غالبية الأعمال المختلفة. كان فيترفيوس (Vitruvius)، في كتابه عن المعمار (De Architcetura)، قد بين كيف أن على أحجام المعبد أن تعكس نسب الجسد الإنساني. أن الميتافيزيقيا التي تؤكد على استطيقية من هذا النوع هي ميتافيزيقيا التماثل ما بين الكون الصغير والكون الكبير (microcosme et macrocosme). فإذا كان الجسد جميلاً، فليس لأنه متناغم، بل لأن هذا التناغم هو نفسه من يتحكم ويوصل كل أجزاء الكون المختلفة مع بعضها البعض. يظهر الجسد في الوقت ذاته بمثابة رمز، شيء مزدوج، ومثال عن العالم في أبديته.
إن إنسان الكون الصغير الفيثاغورسي لا جنسي (asexual). وهذا ما يقودنا إلى أسطورة أخرى نهتم بها أكثر: أصل الكائن الثنائي الجنس (androgyne). ففي حواريته المأدبة، يخبرنا أفلاطون بما حدث للكائنات مزدوجة الأعضاء الجنسية والتي شُطرت في أحد الأيام إلى اثنين، ومنذ ذلك اليوم وكلّ واحد منهما يبحث عن نصفه لكي يتصل به حبياً من أجل إعادة بناء وحدتهما المضيعة. نعرف أن خرافة أفلاطون هذه ما هي إلا واحدة من عدّة خرافات، فهناك الكثير من الأمثال عن تلك القصة. إذ يمكن العثور عليها في الأبنشاد (Upanishads) الهندية كما في العهد القديم (Old Testament) [خلق حواء من ضلع آدم]، وكذلك في الأساطير الفارسية والإغريقية وفي التقاليد القبلية الأفريقية أيضاً، وهي قائمة أيضاً في التصوف المسيحي وفي رموز الخيمياء (symbols of alchemy). لقد قدمت سوزان ليلار (Suzanne Lilar) في كتابها الجديد الزوج (The Couple) ملخصاً رائعاً للأشكال المختلفة لتلك الأسطورة. فقد عثرت على تأكيد لأهميتها في نظرية يونغ عن الروح (anima)، وكذلك في أحدث الاكتشافات الجينية. نحن هنا حيال أسطورة تتعلّق بإعادة الضم والجنة المفقودة، التي لا يكون فيها الكائن مزدوج الجنس المُفترض سوى رمزٍ عن الوحدة الأولية. أمّا لماذا تم اكتشاف تلك الوحدة ثانية بعد فقدانها، فلكي تكون مادة لأساطير أخرى غيرها كأسطورة السقوط والخطيئة، وليتمّ شرحها لنا. بالمقابل، منذ ذلك الزمن، انشطر الرجل على نفسه في شخص المرأة، وبالتالي يبحث كلّ عاشق عبر الآخر عن كماله الأوليّ. فليس الحب والرغبة إلا الحنين لحالة الكمال تلك، التي لن يبقى فيها أي مكان للحب. لقد رُبطت بهذه الأسطورة المركزية، كما يُبيّن يونغ، أساطير خيمائية وسعت من رغبة إعادة الضم لتشمل كل الطبيعة، أو كما تكشف عن ذلك تأويلات علماء النفس، كدراسة أوتو رانك (Otto Rank) عن صدمة الولادة. في الحالة الأخيرة هذه، لن تكون ميتافيزيقيا الحنين المسنودة للحب إلا نوعاً من تسامي الرغبة المادية للثدي الأمومي، لكي نسترجع ثانية ما فقده الوعي بطريقة غير محسوسة.
إن الحب الغربي، إن كان حباً عاطفياً، عابراً، أو حباً انفعالياً، قد تم اختراعه كما نعرف من قبل التروبادور (troubadours) [طبقة من الشعراء الغنائيين] في القرن الثاني عشر. أي أن جذوره اجتماعية [مادام ينتج البنية الإقطاعية للعلاقات الحبية] ودينية أيضاً. كما يتعلّق على العموم، كما في قصة ترستان واسولت (Tristan et Iseult)، بحب الخيانة الزوجية. لهذا السبب تمت إدانته وحكم عليه في أن يظل دائماً عاجزاً عن تلبية الإشباع الكامل؛ وعن هذا الطريق ذاته يصبح رمزاً لبحث آخر ومغامرة أخرى: لا تختلف علاقة الفارس بسيدته بشيء عن صورة الروح بربّها. كذلك يمكننا اعتبار الكأس المقدسة (Grail)، المملوءة بدم المسيح والتي تشكّل رمزاً للبعث، موضوعاً إيروسياً. هكذا نصل، في كل مرة، ضمن التصوّر الغربي، من الحب العابر وحتى الأنثوية الخالدة إلى غوته (Etrnal feminine of Goethe)، إلى ذلك الحنين لإعادة الضمّ التي يمكن للمرء تسميتها بالوحدة (Unity)، الرب (God)، الأم (Mother)، أو الطبيعة (Nature). لكن ليس ثمّة من أهمية هنا للاسم. ففي جميع الحالات، تمّ التعامل مع الحبّ والفعل الجنسي باعتبارهما رموزاً، بالقدر الدقيق الذي يخفقان فيه، بعد أن يتمّ تخفيفهما في مواضيع بعينها، من الوصول إلى الغاية التي يبدو أنهما مهيآن لها ويرتبطان بها، ومن ثم يظهران كشكل لا يتحقّق مقصده في الواقع، وبالتالي لن يترك لنا أي شيء سوى تخيل محتوى يتحتم علينا البحث عن نموذجه في مكان آخر: في عمق الطبيعة أو في الأصول، ضمن البساطة الأولية أو في الاتحاد الأخير والكامل مع الرب.

5
«في البدء كانت الخرافة (fabula)»، كتب فاليري، «ولهذا ستظل كذلك دائماً». لقد ذكرت منذ كلامي عن أساطير الحب وحتى الآن بأنّي سأواجه مشاكل صعبة، وربما لا حلّ لها. فعلى سبيل المثال، أية ثقة يمكننا منحها لأصل أسطورة الجنس المزدوج؟ فما هو أصلي لا يمكن تحديد بلوغه. بالإضافة إلى ذلك، إذا ما قال المرء إن الرغبة الجنسيّة تبحث عن إشباع لها، لأن ثنائية الوعي تخضع إلى وحدة اللاوعي، سيكون قوله شيئاً يشبه الحشو المغطى بخداع المفردات.
مع ذلك، تبقى للأساطير أهميتها. غير أن تلك الأهمية لا تنتج عن الإجابة التي تقدّمها تلك الأساطير أو تظن بأنها تقدّمها، بل ببساطة عن واقعة تأكيدها، بحكم وجودها ذاته، على الطابع الإشكالي للإيروسية والحب. فالغريزة الجنسية أكبر من أيّة غريزة، كذلك فعل الحب ليس مجرد فعل يحقق غايته بدقّة، كما أن المادة الجنسية لا تشبه غيرها من المواد التي نستعملها يومياً من دون التفكير فيها. ذلك هو الأساس، والواقعة المركزية التي تمكنا من استخلاصها وبنائها. في القسم الأخير من هذه الورقة، سألتمس منكم أن تضعوا جانباً تأويلات تلك الواقعة، كذلك الإجابات التي يقدّمها المرء عن ذلك السؤال، لكي نتمكن من البحث عن السؤال نفسه، عن شكله وطبيعته كسؤال. وهنا سأعود إلى ما قلته في البداية، من أن العري يُقدّم نفسه لنا كمادة تخيلية. إذ لديّ رغبة في الإيحاء بالأطروحة التالية، إن لم يكن البرهنة عليها: العري صورة، ورغبة ولذّة الحواس لا تختلف جوهرياً عن تلك التي توصلها لنا صور أخرى، كصور الفن، مثلاً.
لقد ادعى أحد تيارات علم النفس، كما هو معروف، قدرته على تحديد سحر الصور، صور الحلم على سبيل المثال [وكذلك صور الفن]، باعتبارها صوراً تخفي وتنكر عموماً تأثيرات الليبيدو. وهذا معناه اختزال وتقليص كل روعة التناغم، وكلّ بقعة جميلة من بقاع الطبيعة، وكذلك الحركات الصافية للمآسي الإغريقية، والخطوط الإسبرطية للمعابد؛ اختزالها جميعها، في النهاية، إلى الإيروسية وحدها. بودي البرهنة ضمنياً على ما هو عكس ذلك، أي أن مظاهر الحب وقواه الدافعة هي ما ينبغي تأويله في الرمز، وذلك على الأقل لتبيان أن الجمالية المحضة من جانب، والإيروسية من جانب آخر، تتمتعان بدقة البنية ذاتها.
وذلك ما قمنا بإظهاره منذ البدء، عندما أكدنا على الصفة الرمزية لمشهد العري. إذ تشكّل كلتا الحالتين [الإستطيقية والإيروسية] مادة للرموز أو الصور، وذلك يعني أنهما مواد مكرّسة لشيء آخر غيرهما، وأن ذلك الشيء يطرح سؤالاً، ويطرحه دون أن يقدّم في ذات الوقت إجابة عليه. إن أية صورة استطيقية [سواء كانت من صنع الفن أو الطبيعة] هي إفشاء مراوغ، شيء وشيك الحدوث يتم تأجيله. فما هو ذلك البحث الصبور والمؤلم عبر الرموز والصور، إن كانت صور الفن، الطبيعة، المكان أو الزمان، صور الحلم والحب؛ أي بحث إن لم يكن البحث عن الكينونة (Being)؟ فالصورة هي تلك الإشارة التي يفلت معناها في اللحظة التي يتم فيها تقديمها لنا، لذا لا يبقى أمامنا أي شيء آخر ما عدا إبداعها، أو، أفضل من ذلك حتى، أن نكون نحن بالذات هذا المعنى، ذلك الوعد المؤجل. إن الصورة هي الواقع الذي تنحل مادته في اللحظة التي نقترب منه، وبطريقة لا يترك لنا فيها أي شيء آخر سوى أن نحتل ذلك الفراغ، أي نكمل ذلك العوز المفاجأ في الواقع بما يمكننا تسميته ما فوق الواقع (surreality). فالكينونة وحدها، في النهاية، ما يُشكل ذلك المحتوى العميق، الماثلة في آن معاً في جميع الرموز والغائبة عن كل الصور. ولا أخدع نفسي أن هذه المفردة غامضة، فارغة ومتناقضة. لأني لم أدّع أبداً أننا نصل عبر الصور والرموز إلى تلك الأسطورة، من بين أساطير أخرى، جازفت بتسميتها الكينونة، ويمكن للمرء بإنصاف [أو بدون إنصاف] تسميتها بالإلهي، المقدس، أو، ببساطة أكبر، اللغز (mystery). لقد قلت ببساطة إنّنا نحاول عبر تلك الرموز والصور الوصول إليها، وما نطلق عليه اسم اللذة الإستطيقية، الحماس، النشوة، أو الحب، هي دائماً ذلك التفاني الصاعد نحو الخير الأسمى (sovereign Good)، الأسمى والمشع، الذي لم يكن أبداً كذلك، إلا لأنه موعود وحسب.
جذرياً، لا نتأمّل العري بطريقة مختلفة عن تأملنا لمشهد طبيعي، شروق الشمس، أو رسم لـ موندريان (Mondrian). أسمعكم مباشرة تعترضون على ذلك بقولكم إن شروق الشمس أو الرسم هو بمثابة مضامين معطاة للتأمّل وحده، فيما يعني الجسد العبور نحو الفعل. لكن أية أفعال تلك التي لا تكون، كما لوح بهذا ليكرس، بدقة أسئلة تطوّق، تتشبث، وتغزو المادة التي نتوقع الحصول منها على إجابة؟ من الجلي أن الفارق يكمن في أن اللوحة أو التمثال أو المشهد الموسيقي لا تستدعي إلا واحداً من حواسنا، فيما يستدعها الحب جميعها. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن الإحساس يسيطر، في المطاف الأخير، ويطغي على كل شيء لحدّ لا يترك فيه أي مجال للتفكير، أو الوعي. لكن المرء يعرف كذلك أنه حين يدخل في عمل أو مشهد يرتبط به حقاً، أو عندما يشتغل جسد المادة نفسها، كعجينة الرسم، أو السحر الشهواني للكلمات والإيقاعات الصوتية للشعر، مدى سيطرتها الحسية علينا، التي تجعلها وكأنها ملامسات. لم أتلاعب بالمفردات حين تحدثت عن الارتباط، الجسد، الشهوانية، والملامسات: إنها تقدّم نفسها تلقائياً باعتبارها المفردات الأكثر ملائمة حين نرغب في الحديث عن عمل بحب. والشاهد على ذلك ما تقوله عبارة فاليري، في نصه شذرات من الفن (Fragments of Art)، التي يمكن إيصالها بملاحظاتنا حينما تحدثنا عن نظام الأشياء الإستطيقية: «في هذا النظام»، كما كتب، «يوقظ الإشباع الحاجة مجدداً، كما تعيد الإجابة السؤال ثانية، الحاضر يولد الغائب، والتملك الرغبة».

6
بالإضافة إلى ذلك، العكس صحيح أيضاً؛ أي أنه إذا ما حاول أحدهم تقديم فكرة عن العري عبر اللغة، لا بدّ له من الاستعانة بكل المقارنات والمجازات، وكأنّها ضرورية للكشف واستثمار ذلك الجانب الزائل، مهما كان صغره، من جوانب العالم. فمن جهة، تجعلنا المشاهد العظيمة للطبيعة نفكر بالجسد [وذلك ما لاحظناه عند ذكرنا أسطورة الإنسان باعتباره كوناً صغيراً]؛ ومن الجهة الثانية، يدفعنا الجسد للتفكير بكل جوانب الطبيعة والفن الإنساني، وكأننا نكتشف فيه، في الواقع، جميع تلك الأوهام التي يمكنها أن تضعنا بقلق أمام لحظات خاصة، كالكوكب القريب من اليد أو البعيد عنها، اهتزاز الأوراق، تلألؤ المحيط، أو الشمس الباهرة. [«الإنسان»، يقول أرسطو، «يولد من الإنسان كما يولد من الشمس أيضاً»].
سأصل، إذا ما سمحتم لي بذلك، إلى استنتاج أُلمّح إليه عبر صور وافية للتدليل على ما قلته. وهذا معناه أن نفهم ما الذي يرغب فيه شاعر شولوميت (Shulamite) حين يحدّثنا عن إكساء الظبي الثنائي ملابس الرهبان، وقطيع الماعز على سفح تل جلعاد (Mount Gilead)، الذي يتغذى من الزهور الليلكية، والدعامات المرمرية المرتكزة على قاعدة من الذهب الخالص، وما معنى المَعِين الذي لا ينضب للنافورة الخفية. كذلك علينا أن نفهم ما الذي يعنيه سان جون بيرس (Saint-John Perse)، في قصيدته العلامات البحرية (Seamarks)، عندما يستعير صوراً مأخوذة من الملاحة: «... وما الجسد بذاته إن لم يكن صورة وشكلاً للحجرة المقفلة للمركب وبدنه، وعاءً نَذْرياً، حتى من وسطه المفتوح المُشكل على بدن المركب، والمصاغ على تحدباته، المُوترِ بقوسه العاجي المزدوج للانحناءات البحرية...»(2).
سيدرك المرء قوة تلك المجازات إذا ما تذكر أن العري صورة. صورة لنفسه أيضاً، ولو لجزء ضعيف جداً منها، يتماثل بالأحرى مع شبحه (own simulacrume)، أو كأنه كان دائماً منعكساً في مرآته العجيبة. وهكذا فاستخدام المقارنات بدلاً من العري نفسه يعني تمثيله ليس عبر إظهار التشابه فيه، بل الاختلاف، اختلافه عن نفسه وكذلك الجوانب التي يُحملها المرء له بما هو أكثر من طاقته. لأن العري يفي بوعده ولا يحتفظ فيه، أو، كما يقول بريتون، لأنه يظل وعداً حتى بعدما يفي بوعده، فهو يميز نفسه بهذه الطريقة عن باقي المواد العادية، التي يسميها المرء بالمألوفة. نستخدم تلك المواد كوسيلة للوصول إلى هدف ما، وهكذا يصبح العري هدفاً بحد ذاته وينفتح فجأة على المُتخيل (imaginary). إنه في آن معاً محل التملك والذهاب إلى ما هو أبعد من التملك (beyond of possession)؛ فهذا الفعل، كما يقول بروست، نتعامل معه كواقع حتى اللحظة التي نرغب فيها باستخدامه. فهو قائم في تلك اللحظة، اللحظة المتلاشية التي لن تخيبنا، لأنها تمارس علينا سحرها. فالعري كعري خداع للعين (trompe l'œil) يذهب بعيداً وبعيداً: يخدعنا ولا يخدعنا في آن معاً ويتواصل. فإذا كانت المرأة هي الصورة العظيمة، التي تبقى صورة حتى بعد تعريتها، فلأنها لم تكف أبداً عن طرح الورطة (dilemma) علينا والتي عذبت بودلير بقوة: لا يمكن فهمها كما لا يمكن فهم ما هو إلهيّ. لكن الإلهي، مثلما يقول الشاعر، ليس عسيراً على الفهم إلا أن تعاليه (son transcendance) يُغشي أبصارنا، ثم يضيف، بلا تقديس، أنه لا يمكن فهم المرأة ذلك لأنها حرّة وليس لديها أي شيء تكشف عنه. إن المجازات التي استخدمناها في وقت مبكر هي مجازات ساكنة (static). أما الآن، أي إذا كان العري صورة، وإذا كان يعد ويؤجل الكشف عن سره في آن معاً، فهذا يجعلنا نرى أن قوته المُلغزة تصلنا بشكل أفضل حينما يكشف عن نفسه عبر ظهوراته واختفاءاته المتعاقبة، والمتأهبة دائماً على الولادة من نفسها والهروب منها. فكل صورة عظيمة تخضع لتحولات الأساليب، والعديد منها، يعقب بعضها الآخر، بدأ من الـ كاماسوترا (kamasutra) وحتى التعري الجنسي (striptease) في أيامنا الحالية. فـ سبنسر، مثلا، الذي يصف الجنية لأكرازيا (fairy Acrasia)، يقول لنا:

من فوق سرير الزهور تضطجع،
كأنها مغمىً عليها من الحرارة، أو تهب نفسها للخطيئة السارةِ
مُشعة، أو بالأحرى خامدة،
كلها في وشاح الحرير والفضة الناعمة.

يتحدث الكاتب نفسه عن بطله غيون (Guyon) الذي يقف بجانب نافورة حيث تسبح صبيتان. تسبحان، أو بالأحرى تتصارعان، كل واحدة منهما تتغلب على الأخرى بدورها تحت سطح المياه الكريستالي، حتى تنهض الأولى فجأة إلى حد ظهور وسطها، لكي تتبعها الثانية بجدائلها الشقراء الثقيلة التي تتدلى بغتة وتغطيها. ومرة أخرى يراهما غيون من الخارج، وهو يغطسهما في تلك المياه التي كان سباحو مدينة بيرن (Bern)، لكي نعود إلى كازنوفا، ينظرون عبرها للفتيات العاريات الموجودات هناك لخدمتهم. كل هذا يطبع في ذهننا صور حدائق ارميدا (Armida)، أو حتى صورة خلق العالم التي يرسمها لنا هسيود (Hesiod)، حيث نرى نهوض فينوس من الأمواج، وهي لا تزال مغطاة بالزبد. حينئذ، يقول الشاعر، كل الحركات الشاردة المطبوعة في الكون بفضل الحب استدارت نحوها. لكن بمقدور تلك الصورة أن تكون أكثر رهافة وتجعل تحولات العري أكثر نقاءً. هكذا يحلم هاينرش أوفتردنك (Heinrich von Ofterding)، بالسباحة في بحيرة تحت أرضية، وفي كل لحظة يشعر أن نهديه وقدميه تصطدمان بالأشكال الأنثوية الزائلة والمعاندة كالخمر التي تتبدد في اللحظة التي نريد شربها فيها. وهذا ما يجعله يتحدث عن «تفتت العذارى»، وباشلار الذي يعقب على هذا المقطع يكتب «عذراء في حالة مُقطعةً».
بالمقابل، يكفي للعري الكشف عن كامل وجهه، كما تظهر الفراشة من فوق سدادة القنينة، إذ عليه الظهور كلغز هو ذاته، ضمن انسحابه وقناعه الخاصين. فالعري المُنسَحبِ تحت تعريه (withdraws beneath its own nudity)، يَتقَنعُ. كما يصعب على المرء منع نفسه من التفكير بأنه قناع. قناعٌ: يُقَدّمُ لنا، بالدقة، هدية النظرةِ الثانية، مادام القناع ليس غير المظهر الخارجي للواقع الذي يشبهه [الوجه]، ومع ذلك فهو يختلف عنه، فكل قناع يوحي، في الحقيقة، أنه ليس الواقع، وأنه لا يخفي، في نهاية الأمر، إلا غياب الوجه. إنه ما يمكن اعتباره فعلياً طبيعته المُهلّوسةِ. لذا، يظهر العري كونه وجهاً لا مغزى له، ولا يتمتع بأي شيء آخر إلا ظهوره الخارجي كتعبير، شبح للنظرة (simulacrum of regard). كحلم اليقظة الغريب الذي يتغذى عليه بعض الشعراء أو الرسامون. أولئك الذين يبعثون، على سبيل المثال، الروح في الشيء المؤتمتِ (animating the automata)، أي الإشارة الأكثر حسية في الحياة. ولنعد مرة أخرى إلى سان جون بيرس وهو يتحدث عن «القناع ذي الشعر الطويل للجنس». كذلك رينيه ماغريت (René Magritte)، تخيل في النهاية جسد امرأة بلا رأس، وبرأس ضخم من الشعر، بحيث يشكل فيه أعلى صدرها حياة فاقدة العينين، والسرة أنفاً جنينياً، والعضو الجنسي فماً معضوض الشفتين بغرابة. هكذا يتم التغافل، في هذا الوجه المُعقدِ، المعنى والغائية اللذين يقدمهما في الحياة العادية. لن يكون من الصعب تخيل السحر الذي يمارسه علينا العري، إذا ما نظرنا إليه من هذه الزاوية، كذلك الجسد الفاقد الحياة، أو بدقة أكبر، العري والجسد المُقَطعينْ. إذ ليس هناك ما هو أكثر شاعرية وإيروسية من جسد امرأة ميتة وعارية. فالنيكروفيليا [اشتهاء الأموات] هذه، كما نعرف، ليست غريبة عن التطرف الرومانسي لدى ساد (Sade) ، غويا (Goya) وإدغار آلان بو (Edgar Alain Poe).
يمكن للعري إثارة الرعب كما بمقدوره إثارة الفتنة، وفي الوقت ذاته. فذلك التباس يتقاسمه مع كل الرموز المتناقضة المعروفة تماماً، والمتطابقة مع الرموز الدينية أو القدسية (religious or sacred). في النهاية، بودي الإشارة إلى تماثل آخر. فالعري من جانب، والصور من الجانب الآخر، يشتركان بالشيء التالي، ألا وهو أنهما كلاهما يوقظان الإعجاب والنفور. لأن للعري عباده كما له من يكفرون به. «لقد ساق الشعراء عامة الناس نحو الخطأ»، كتب باهرتيهاري (Bhartrihari«فهم يعرفون تماماً أن جسد الجميلات مصنوع من الجلد، من اللحم والعظام، وجعلوا منه عبادة غريبة». وهكذا هناك عبّاد الحب (devotes of Love)، وهناك أيضاً من يتحدوه هو ومواضيعه. فالحب يتحرّك ويتنقل ما بين الأفلاطونية والسادية. لأننا نستطيع التعامل مع رمز العري كونه وسيلة أو عائقاً. إذ لا بد من كتابة كتاب بأكمله يضعُ لائحة بتنوع القيم المُعاشة، من الأفلاطوينة وحتى السادية، من الإنجيل وحتى بودلير، أي تلك القيم التي أُسندت إلى الحب، إلى المرأة والجسد. فمن الواضح، مثلاً، أنه في نهاية القرن الثامن عشر، كانت السادية والمقصلة تحيلان إلى ذات اللاواقع المدوّخِ، كذلك تفعل عبادة ديونيزيوس وفتياته، اللواتي كن يُجلَدنَ في قرية فيرجيا (Phrgia) أمام معبد الرب. لقد تمّ رسم هذه المشكلة عبر الصور الأكثر جمالاً لـ بيير كلوسيفسكي (Pierre Klossowski) في لوحته حمام ديانا (Dian's Bathe). فهو يرينا هنا، أولاً، أكتيون (Acteon)، وقد هاجمته الإلهة التي تتصيد في الخلفية [لأنه، بمفاجأة ديانا له وهو يسبح، جعلته يفقد حياءه، الذي لا يمكن للآلهة من دونه تمييز أحدهم عن الآخر]. استدار أكتيون بشكل مباغت أمام وجه ديانا وضربها بطرف هلال نحاسي [كسوط رمزي] كان قد سقط من يده، ومن ثم ملأ القرية بشتائمه ولعناته:
«أيتها العاهرة فاقدة الحياء، صرخ في وجهها».
لكن ديانا لم تُخيب؛ فهي ليست سوى الوهم العادي لصخرة. وكل ذلك العنف قد تمّ فقدانه عبر صدى الغابات وتحت قبة المساء التي ارتفع القمر في سمائها سلفاً. لقد تملكت تلك الإلهة كل موروث اللاهوتيات. فديانا قد عادت ثانية إلى تلك السماوات، عذراء بالرغم من صواريخنا المعاصرة، والتي لا تدير نحونا سوى إحدى وجوهها، وهذا ما يجعلنا غير قادرين على القول إذا ما كنا نرى وجهها الحقيقي أو مجرد قناعها فقط -بتعبير آخر، إذا ما كنا نحتفظ بوهم الكينونة أو كينونة الوهم. إذ ما نفع طرد هذا الشبح البعيد، مادام هو نفسه يُقَدّمُ لنا البرهان على أن اختفاءه لا يهدف إلى أي شيء آخر سوى ولادته ثانية؟ إذ يبدو أن التمرد ضد الصور هو لا شيء آخر غير طريقة ثانية تجعلنا نقوم بالعبادة العبثية إزاءها، تلك العبادة التي وجدناها تعود بكاملها اليوم تحت الإشارة المزدوجة لهاتين الحقيقتين المُتخيلتين: الرمزية والحب (Symbolism and Love).

الهوامش:
* تمت الترجمة إلى العربية عن منشورات Martinus Nijhoff/The Hague، أما مصدرها الأساسي فهو "الدفاتر العالمية للرمزية العدد 11" Cahiers Internationaux de symbolisme Numero 11، 1966، ص 15-3.
(1) ليكرس، طريق الأشياء (The way things Are)، منشورات Indiana University Press، 1968، ص 151-150.

(2) سان جون بيرس، علامات البحر (Seamarks)، منشورات New York : Torchbooks، 1961، ص 109.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق