الأربعاء، 5 نوفمبر، 2014

محاورة كاهن ومحتضر: الماركيز دو ساد

تقديم: عبد القادر الجنابي
ترجمة: سحبان أحمد مروة

"إنّ أكثر الناس تسامحاً لن ينفي حقّ العدالة في قمع الذين يجرؤون على نشر الإلحاد، وأن ينفي حقها حتى في إعدامهم إن لم تتمكن بطريقة أخرى من تخليص المجتمع منهم. إذا كان بإمكان هذه العدالة أن تعاقب من يسيء إلى شخص واحد، فلديها دون شكّ الحق نفسه في معاقبة الذين يسيئون إلى مجتمع بأكمله برفضهم أن ثمّ إله... شخص من هذا النوع يمكن النظر إليه عدوّاً لمجمل الآخرين"




Dolmancé et ses fantômes de luxure-CLOVIS TROUILLE
يعطي هذا المقطع الذي كان ديدرو ودالمبير بين موقّعيه فكرةً عمّا كان عليه القرن الثامن عشر، بالرغم من ادعائه التنويري وأفكاره الليبرالية من تزمت في الآراء وتصلب في المعتقدات حتى لدى فلاسفته الأكثر إدعاءً برفض الدين.
ماركيز دو ساد، نموذج الإباحية الشاملة والإلحاد الذي لا رجوع عنه، هو ابن هذا القرن؛ قرن التنوير المتواطئ.
عتّم على أدبه لمدّة قرنين، كان عليه أن ينتظر ظهور السوريالية حتى يزاح عنه الستار فها هي أعماله تذهل أندريه بروتون وغيّوم ابولينير الذي عرّف دو ساد بأنه "أكثر العقول حريّةً على الإطلاق". على أن الروح الحرّة هذه قضت معظم حياتها في السجن الذي دخلته لأول مرة عام 1763 لتمضي في ظلماته سبعاً وعشرين سنة من الحبس المتقطع، موزّعة على ثلاث أنظمة سياسية واحدى عشر سجناً، انتهت في مصحّ عقلي عند موت الماركيز عام 1814. عالم دو ساد، عالم السجن الذي فضل البقاء فيه على أن يتخلى عن أفكاره ورؤاه. إنه عالم مغلق وصفه بروتون بالحافز الآخر، عند ساد، لفائض الخيال، بعد الحافز الأول؛ العبقرية.
"حوار بين كاهن ومحتضر" نص لم يكتبه دو ساد على شكل مسرح، لكنّه أقرب ما يكون من المسرح. وبالفعل فالكتابة المسرحية عند دو ساد تبرز في نحوها الأمثل عندما لا يكتب المسرح. أتمّ دو ساد هذا النص الفلسفي في تموز (يوليو) 1782 خلال سجنه في فينسين. ولم يظهر له أثر إلا بعد قرن من تاريخه حيث بيع مرات عديدة ووصل أخيراً إلى يد السوريالي موريس هاينه الذي نشره للمرة الأولى عام 1926. وهو يجسد تكثيفاً لفلسفة دو ساد بأسلوبه الشامل الموجه، ويوضح موقف "السادية" إزاء الإجرام والتخريب اللذين تعتبرهما مساهمين ضروريين لتحقيق "الطبيعة" بالاضافة إلى قوى الخلق ويوضح النص ارتباط هذه القيم "السادية" المباشر بالالحاد وبنوع هذا الأخير منها. ويتضح فيه الفرق في نقد الدين ما بين دو ساد ونقّاد عصره وذلك في نفيه الجذري لوجود الله ورفضه "لطيبة الطبيعة": فها هو يسأل وكأنه ضمير الحياة الفعلية: «أنت يا مَن خلقت، فيما يُزعم، كلّ ما هو موجودٌ في هذا الكون؛ أنت يا مَن أجهلُ عنه كلَّ شيء؛ أنت يا مَن لا أعرفه إلاّ بالخبر وبما قاله لي عنك ناسٌ يخطئون كلّ يوم؛ أيّها الكائن العجيب الغريب الذي يسمّي الله، أُعلن بصريح العبارة وعلى رؤوس الأشهاد أنّ ليس لي فيك أدنى اعتقاد لسببٍ لا يضاهيه سببٌ هو أنّي لا أجد ما يقنعني بوجود مُحالٍ لا يبين عنه أيُّ شيء في الدنيا». وربّ سائل يسأل ما القيمة من شتم الله بعد تيقننا من عدم وجوده؟ «إن عبارات التجديف، يجيب دو ساد، ضرورة جوهرية تمدّ يد العون للمخيلة؛ هذه القوّة التي يُشك بها إلى أبعد الحدود الدعاة والاقتصاديون والاديولجيون وكلّ من يسعى إلى عرقلة النشاط الحرّ للفكر والمشاعر الجنسية. المخيلة هي التي تكشف لنا عن حدود الامكانيات وتغذي الرغبات بالأمل في اشباعها. إنّ سعادة الانسان كلّها تكمن في مخيلته ولا يمكنه تهنئة نفسه ما لم يلبّ سائر نزواتها. والتجديف هو الأداة الأولى»
ولد ادوناسيا الفونس فرانسوا المعروف باسم دو ساد، في الثامن من حزيران 1740، في فندق كوندي في باريس. أرسلته عائلته وهو في الرابعة إلى البروفانس، لكي يشرف على تعليمه عمّاته، وخاصة عمّه الخوري دو ساد وهو عالم وماجن في آن. يعود إلى باريس سنة 1750 لإكمال دراسته في كلية لويس لغراند. يُقبَل في سنة 1754 في مدرسة "شيفو- ليجير" التي لا تقبل إلا أطفال العوائل النبيلة العتيقة جداً. يصبح ملازما في فوج مشاة الملك سنة 1755. وما بين 1757 - 1763، يشترك في حملات حرب السنوات السبع، وينال ترقيات عديدة.
يتزوج من رينيه بيلجي دومنتروي في السابع عشر من أيار 1763. وفي هذا العام بالذات، بعد مرور بضعة أشهر على شهر العسل، ينفّذ ماركيز دو ساد أول أعماله الفاجرة في بيت صغير بالقرب من باريس. مما يحبس بسببها بضعة أسابيع في سجن فنسين ثم يُبعث إلى الإقامة الجبرية في نورماندي. وفي سنة 1764، يخلف والده في منصب ملازم أول في اقليم بريس، وبهذه المناسبة يلقي خطبة في برلمان مدينة ديجون. فيما يقضي أوقاته مع ممثلات. غير أن أوّل فضيحة كبيرة تسجّل في تاريخه، هي جلد بنت شابة اسمها روس كيلر مع أفعال مدنّسة في يوم أحد عيد الفصح سنة 1768. أقامت روس كيلر دعوة عليه، غير أنّها سحبتها بسبب ضغوط عائلية. إلا أن القانون غرّم دو ساد بمائة جنيه وفرض عليه الإقامة في قلعته في لاكوست، غير أنه يترك لاكوست في عام 1796 إلى هولندة وهنا يبدأ بتحرير كتابه "رحلة داخل هولندة على شكل رسائل". وفي آب 1771، يُسجن بسبب الديون المتفاقمة. يكوّن في سنة 1772 علاقة مع أخته القسيسة آن خروسبير دولوني. في السابع والعشرين من حزيران، تتم الفضيحة الكبيرة الثانية في مارسيليا: نكاح مشترك هو وخادمه وأربع شابات عاهرات، ويُقال أنها كانت ليلة مجون ودعر كامل: جلد بالسياط، نكاح من الخلف والأمام، لواط وارتشاف الكثير من المنعظات، مما دفع العاهرات الأربع إلى الاعتقاد أنهن قد سممن. فقدموا شكوى ضدّه وضدّ خادمه لاتور. يجري تفتيش قلعته. يهرب مع خادمه لاتور وزوجة أخيه إلى إيطاليا. وفي الثالث من أيلول يصدر حكم الموت غيابياً عليه وعلى خادمه. ونفذ الحكم صورياً في أكس بروفانس بعد بضعة أيام. لكن يتم اعتقال دو ساد في الثامن من ديسمبر في فور دو ميولان. يهرب ثانية في بدء 1773. تبدأ سلسلة فضائحه بالخفية في عام 1775، من بينها نكاح مع الخدم والخادمات في قلعته في مدينة لاكوست. وفي هذا العام بالذات يكتب "رحلة داخل إيطاليا أو طروحات قديمة تاريخية وسياسية وفلسفية في ما يتعلق بمدينة فلورنس، روما ونابولي". يعود دو ساد سنة 1777، لرؤية أمه المحتضرة، فيُعتقل ويُسجن في فنسان. غير أن حكم برلمان أكس يُلغى في 1778. يهرب دو ساد إلاّ أنه يبقى طليقاً فقط لمدّة 39 يوما، فيُلقى القبض عليه وهذه المرّة يبقى في السجن لمدّة 12 سنة. ومن داخل هذا السجن تبدأ مغامرات دو ساد الكتابية. فها هو ينجز العديد من أعظم أعماله التي خلدته: "محاورة بين كاهن ومحتضر"  و"120 يوما في سادوم أو مدرسة الفجور" (1782). وعندما نقل إلى سجن الباستي سنة 1784، يعيد كتابة "120 يوماً في سادوم" (1785) يبدأ مسودة "آلين وفالكور" (1786) الانتهاء بستة عشر يوما، من كتابه "تعاسة الفضيلة" (1787)، و"يوجني دي فارفال" المعروفة بعنوان "جرائم الحب" (1788).

في الرابع من تموز سنة 1789، يحرض دو ساد، من نافذة السجن، المارّة على التمرّد، مما يسبب نقله إلى قسم شارنتون. في الرابع عشر من شهر تموز 1789، يتمّ احتلال سجن الباستيل فيطلق سراحه في الثاني من آذار 1790. وفي التاسع من حزيران هذا العام، تحصل زوجته على حق الطلاق. إلا أن دوُ ساد قرّر الآن أن يناضل في صفوف الفرق الثورية لمنطقة لوبيك. وفي عام 1791، ينشر "خطاب مواطن باريسي إلى ملك الفرنسيين"، وروايته الهازة إلى اليوم "جوستين أو مساوئ الفضيلة"، وتمثّل مسرحيته "تأثيرات الماجن"، غير أن مسرحيته الثانية "المغْوِِ" تلاقي فشلا ذريعا في سنة 1792. وفي العام ذاته تُنهب قلعة لاكوست. غير أنه يواصل تولّي مناصب عديدة في فرقة لوبيك الثورية التي سيصبح رئيسا لها في 1793. إلا أن في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) يعتقل بتهمة الانتماء إلى المعتدلين. يُحكم عليه بالموت في السابع والعشرين من تموز 1794. غير أنه في اليوم التالي يسقط روبسبير. فيُطلق سراح دو ساد في الخامس عشر من تشرين الأول. وفي منتصف 1795، تصدر روايته الهائلة "الفلسفة في المخدع" التي يضمنها فصلاً يحرض فيه الفرنسيين على التصدي الحازم للدين ولرجاله المجرمين، وقد عنون هذا الفصل الذي كثيراً ما استعملته، فيما بعد، الحركات الثورية كراساً راديكالياً في حربها على الدين: «أيها الفرنسيون، جهداً، إذا أردتم أن تكونوا جمهوريين». وكيف لا يكون دو ساد على حق في نقده للدين ودعاته، ونحن اليوم شهود كوارث يومية يسببها رجال الدين في كلّ مكان؟  
سنة 1796 يتم بيع قلعة لاكوست. وفي سنة 1797 رحلة إلى البروفانس، وصدور "جوستين أو نوائب الفضيلة" متبوعة بـ"قصة جولييت وأختها أو رخاء الرذيلة". غير أن ساد يجد نفسه بعد سنوات في وضع مزري مما يدفعه الأمر إلى الاشتغال في مسرح فرساي. يتم اعتقاله للمرّة X في السادس من آذار/ مارس 1801 بينما تظهر بعض أعماله مثل "جرائم الحب". وفي الرابع عشر من آذار/مارس 1803، بعد أن أكتِشف أنه يحاول مغازلة بعض السجناء الشبان، ينقل إلى سجن سانت بييج وهو سجن مرعب. إلا أنه ينقل بعد وساطات عائلية إلى مصح شارنتون. ينتهي من كتابة "أيام فلورييل أو الطبيعة المعراة"، غير أن الشرطة تستولي على المخطوطة، ولن يراها دو ساد من بعد، ويتم حرقها مباشرة بعد موته. في الثاني من آب /اغسطس 1808، المسؤول الطبي في سجن شارنتون يقدّم تقريراً إلى وزير الداخلية «حول المخاطر التي يولدها حضور مؤلف رواية جوستين السيئة الصيت»، ويتابع المسؤول بأن «دو ساد ليس مجنونا. إن جنونه الوحيد هو فجوره... وثمة إشاعة تتردد في المصح بأنه يعيش مع امرأة بحجة أنها ابنته». كما يطالب المسؤول من وزير الداخلية بهدم المسرح الذي بناه دو ساد داخل المصح فهو «خطر على المرضى» ومجال لتمرير أفكاره. وبالتالي بضرورة نقله إلى سجن Ham .
ورغم تدخل مدير شارنتون لصالح دو ساد، يوافق الوزير على قرار نقل دو ساد إلى سجن Ham. وبعد وساطات العائلة والمدير والطبيب، يؤخر الوزير تنفيذ قرار نقله إلى 15 آذار/ مارس 1809. وفي 21 نيسان/ أبريل يرجأ القرار نهائيا. وفي 18 تشرين الأول/ أكتوبر، يصدر وزير الداخلية قراراً عنيفاً ضد دو ساد، يقول فيه: «أمّا بصدد دو ساد... فهو يعاني من أخطر حالات الجنون، وأي اتصال بينه والمرضى الآخرين يسبب مخاطر لا شفاء منها. وكتاباته لا تقل خطرا عن تصرفاته. لذا أقرّر بنقله إلى غرفة منفصلة حتى تمنع عنه كل الاتصالات مع الآخرين... والحذر المطلوب هو أن لا يُزوّد بقرطاس أو حبر أو ورق، وتقع على مدير المصحّ مسؤولية تنفيذ هذا القرار». وهنا إشارة من الوزير إلى تهكمه من اعتبار مدير المصحّ نفسه بأنه يدير ملجأ إنسانياً. وهكذا يعاني دو ساد تحقيقات إرهابية على يد عدة مسؤولين في الدولة، حتى نابليون نفسه يقرّر بضرورة إبقائه في مصح شارنتون. ومما يزيد الطين بلّة، ظهور عدة طبعات لكتابه "جوستين" سرياً، حدّ أن دو ساد اضطر إلى التصريح بأنه ليس مؤلف هذا الكتاب. وفي منتصف سنة 1813 يأتي قرار بمنع فعاليات مسرحية في المصحّ. إلاّ أن صحته أخذت تتدهور ولم يفد أي تدخل لصالحه بإنقاذه. وها هو الثاني من ديسمبر الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1814 اليوم الذي يموت فيه الماركيز إما بسبب احتقان رئوي أو حمى غنغرينية حادة، فالقرار الطبي آنذاك لم يحدّد السبب المضبوط.
تمّ دفنه، في مقبرة شارنتون، ضمن الطقوس المرعبة رغم وصيته المضادة لهذه الطقوس. وقد كلّفت طقوس دفنه 75 جنيهاَ: عشرون للصليب، عشرة للتابوت، ستة للكنيسة، تسعة للشموع، ستة للقس، ثمانية لحاملي النعش وستة لحافر القبر. وهكذا حكم التاريخ بأنّ على دو ساد أن ينتظر، قرنين ونصف، أي حتى سنة 1959، لتنفذ وصيته الحقيقية على يد السوريالي جان بنوا وبإشراف أندريه بروتون.
هنا مقطع من رسالته المؤرخة 1782، إلى زوجته التي تطالبه بأن يتخلى عن تصرفات فكره وأن يخفف من مواقفه علّه يحصل على العفو ويطلق صراحه:
 «إذاً، إنك تقولين إن طريقة تفكيري لا يمكن قبولها.. وهل تظنين إني اهتم لذلك؟ يقينا أنه أحمق بائس ذلك الذي يتبنى منوالاً للتفكير من أجل الآخرين. إن أسلوب تفكيري ينبع مباشرة من تأملاتي.. إنه يحتوي وجودي الطريقة التي خُلقت بها. ليس في قوتي أن أغيرها، حتى لو كان في إمكاني ذلك، سوف لن أفعلها. فطريقة تفكيري هذه والتي تستهجنيها أنتِ، هي ملاذي الوحيد في حياتي. إنها تخفف كل معاناتي في سجني. إنها تكوّن كل متعتي في العالم الخارجي. إنها أكثر رفقة لي من الحياة نفسها. ليست طريقة تفكيري هي ينبوع تعاستي إنما الطرق التي يفكر بها الآخرون. فالإنسان المدرك -والذي يزدري التغرصات الساذجة سيصبح بالضرورة عدوا للسذاجة- عليه أن يتوقّع شيئا. عليه أن يسخر من المحتوم. مسافر يرحل على امتداد طريق جميل، إنما مليء بالفخاخ. يسقط في واحدة منها. فهل ستقولين أنه خطأ ذلك المسافر أم خطأ ذلك النذل الذي وضع الأفخاخ؟

إذاً، وكما قلت لي بأنهم يرغبون في أن يعيدوا حريتي، إذا كنت مستعداً أن أدفع من أجل ذلك مبادئي وميولي. سيكون وداعاً بيننا، دون أن أفترق عن أي منها. سأضحي بألف حياة، سأضحي بألف حرية إذا ما قدر لي أن أحتفظ بها. أنا متعصب لا أحيد قيد شعرة عن تلك الميول والمعتقدات، وتعصبي هذا نتاج كل الاضطهادات التي تحملتها من مضطهدي. أكثر فأكثر يستمرون في تكديري أعمق فأعمق تترسخ جذور تلك المعتقدات في قلبي. وأنا أعلن صراحة بأنه ليس هناك جدوى بأن يحدثني أحد عن الحرية إذا ما عرضت علي مقابل تدمير معتقداتي»


********


محاورة كاهن ومحتضر

ترجمة سحبان أحمد مروة


الكاهن: أمّا وقد بلغت هذه الساعة المحتومة، حيث تسقط الغشاوة أخيراً، عن عيني الرجل المخدوع. لتنجلي له صورة آثامه ورذائله، القاسية –أفلا تعلن ندمك، بنيّ، على خطاياك الكثيرة، التي جرّك إليها الضعف والوهن الإنسانيان؟
المحتضر: بلى يا صديقي، أنا نادم.
الكاهن: فلتفرح إذن بلسعات الندامة هذه، في هذه الهنيهة المتبقية لك، لتنال بذلك مغفرة السماء الكاملة، ولتكن متنبّهاً، إذ فقط بالتأمل في سرّ التكفير الأقدس، ستنال ذلك من السرمدي.
المحتضر: أنا لا أفهم عنك فأنت لم تفهم عني.
الكاهن: هاه.
المحتضر: قلت لك أنا نادم.
الكاهن: سمعتك تقول ذلك.
المحتضر: نعم ولكن دون فهمٍ لما سمعت.
الكاهن: تفسيري للأمر...
المحتضر: على رسلك وسأقدّم لك تفسيري أنا. مخلوق خلقته الطبيعة بأذواق عارمة وأهواء جامحة، ووضعته على وجه البسيطة لغرضٍ واحدٍ أوحد، ألا وهو الإذعان لتلك الأهواء وإشباعها، ولمّا كانت حقيقة خلقي ليست إلاّ ضروريات تتعلّق مباشرة بالمقاصد الأساسية للطبيعة، أو إن شئت، ليست إلاّ مشتقات جوهرية تنبثق من عزمها، في نظري، لتنسجم كلّها مع نواميسها هي. فإنني نادم على جحودي الكامل لقوّتها الكليّة القدرة وإنني آسف فقط على تواضعي في استخدام قدراتي (الاجرامية في نظرك والعادية تماماً في نظري). لقد قاومتها أحياناً. أنا نادم على ذلك، مضلّلاً بتعاليمك السخيفة التي جاهدت بها، بغباء، الرغبات المغروسة فيّ بواسطة وحي أكثر ألوهة ولذا فإنني نادم. لقد إجتَزأتُ بقطف أزهار عرضت لي حين كان عليّ جني غلّةٍ وافرةٍ من الثمار، تلكم هي أسباب ندمي الحقّة فهلاّ شرفتني باعتباري غير أهل لإضمار أية أسباب أخرى.
الكاهن: انظر ويحك إلى أين تقودك أوهامك، إلى أيّ شِعبٍ تحملك سفسطاتك، إنك تعزو إلى المخلوق قدرة الخالق كلّها، وتلك الميول التعِسَة المنحرفة بك عن الجادّة، أويلي أفَلا ترى أنها ليست إلاّ نتاج الطبيعة الفاسدة التي تنسب إليها القدرة الكليّة؟
المحتضر: يبدو لي، يا صاح، وكأنّ جدلك خاطئ خطأ تفكيرك، فلتقوّم منطقك أرجوك أو فدعني أقضي نحبي بسلام. ما عساك تعني بقولك خالق وماذا تعني بالطبيعة الفاسدة؟
الكاهن: إنما الخالق هو سلطان الكون، إنه الذي صنع الأشياء، الموجودات كلّها، وهو الذي يحفظها كلّها بحقيقة قدرته الفائقة.
المحتضر: ما أروعها صورة! إذن، قل لي فيم خلق صاحبك الهائل هذا، برغم ما قدّمته، الطبيعة الفاسدة؟.
الكاهن: أيّ مجدٍ كان للناس إذن، لو لم يتركهم الربّ أحرار الإرادة وأيّة قيمة ستكون للتنعّم بذلك لو لم تُتَح لهم على الأرض فرصة فعل الخير واجتناب الشّر؟
المحتضر: وعليه فإنّ ربّك قد أفسد عمله عمداً ليبتلي أو ليمتحن خلقه – أفلم يعرف إذن، أفلم يَرْتَب إذن بالنتيجة التي ستسفر عن ذلك؟
الكاهن: لقد علم الربّ ذلك ولا ريب ولكنه، وأكررها عليك، قد شاء أن يترك للمرء نعمة الخيار.
المحتضر: لأية غاية رمى، كليّ القدرة، كما نَعتَّه لي، مادام قد عرف منذ البداية أية جهة ستتّجه الأمور ومادام بوسعه أن يجعل خلقه يختارون ما يرضيه؟
الكاهن: من القادر على سبر أغوار مقاصد الربّ الواسعة واللامتناهية، المتعلّقة بالإنسان، ومن ذا يسعه إدراك ما به قوام خطّة الكون؟
المحتضر: كلّ من يبسُط الأمور يا صاحبي، وبالأخصّ ذاك الذي يحجم عن مضاعفة العلل بغية إرباك النتائج أكثر فأكثر. ما حاجتك إلى معضلة ثانية ما دمت غير قمين بحلِّ الأولى، ثمّ مادامت الطبيعة، وحدها، قد صنعت ما تزعمه من صنع ربّك فلماذا تمضي باحثاً عن أحدٍ لتجعله مولى لها؟ لعلّ عِلّة وتفسير ما يَعْصى عليك فهمه هما من أبسط ما في العالم. كمّل معرفتك بعلوم الطبيعة وستفهم الطبيعة فهماً أفضل. اصقل عقلك وانبُذْ أحكامك المسبقة وستجد أن لا حاجة لك بعد ذلك إلى الرب.
الكاهن: يالك من تعس، لأنت عندي كواحدٍ من أتباع سوسينوس(1) الهرطوقي، ولو كُنْتَهُ لقارعتك بما يردعك، بيد أنك ملحدٌ كما هو جلي، ومادمت أرى فؤادك مقفلاً من دون البراهين الدامغة التي لا تحصى، والتي نتلقاها في كلّ يوم نحياه، على وجود الخالق، فإنني لم يعد عندي ما أقدمه لك فشفاء الأعمى محال.
المحتضر: رويدك، أي صاحبي، واحكم بين الاثنين. إنّ من يعصب عينيه لأقلّ رؤية للنور من الآخر الذي يحاول إماطة العصابة عن عينيه، أنت تركّب، أنت تبني، أنت تحكم، أنت تبالغ وتعقّد الأمور أمّا أنا فأمحّص وأبسّط، أنت تكدّس الأخطاء واحدة فوق الأخرى، أمّا أنا فأقاوم كلّ ذلك فأيّنا الأعمى إذن؟
الكاهن: إذن أنت لا تؤمن باللّه البتّة؟
المحتضر: لا، ولسبب حقيقي واحد؛ من المستحيل على المرء أن يؤمن بما لا يدرك، فبين الإيمان والادراك ينبغي أن تقوم وشائج مباشرة، فالإدراك إنما هو قوام حياة الإيمان، فالإيمان يزول بزوال الإدراك، وفي حال جهر البعض بإيمانهم فإنهم يغشّون. إنني أتحدّاك أنت أيّها الكاهن أن تؤمن بالربّ الذي تَكرِزُ باسمه لي، إنك ستخفق يقيناً لأنك لن يسعك إقامة الدليل عليه، وما عندك ما يجلو صورته لي، لأنك بنتيجة الأمر لا تفهمه، لأنك منذ اللحظة التي لا تفهمه فيها فإنك لن يسعك أن تعدّني بأية حجّة عقلية تصلح دليلاً على وجوده، ولأن، بالنتيجة، كلّ شيء يقع وراء حدود العقل الإنساني ودون متناوله إنما هو وهم أو عبث. وما دام على ربّك أن يكون أحد الإثنين، فأسكون مجنوناً إن آمنت به في الحالة الأولى ومعتوهاً في الثانية. إثبت لي، أي صاحبي، جمود المادّة فأقرُّ لك بالخالق، اثبت لي أن الطبيعة لا تكفي نفسها وسأدعك تتصورها مسيّرة بقوّة أعظم، وحتى تفعل ذلك فلا تتوقعن شيئاً مني. إنني أنحني للبيّنات فقط، وإنني أدرك البيّنات بحواسي، وإيماني لا يتجاوزها قط، فإيماني يتضعضع بعد هذه النقطة. أنا أؤمن بالشمس لأنني أراها، مركّزاً بؤرياً لكلّ المواد المشتعلة في الطبيعة وحركتها الدورية تلذ لي غير أنها لا تذهلني. إنها عملية آلية لربما كانت ببساطة عمل الكهرباء التي نعجز عن فهمها، فهل آية للأمر أكثر من ذلك؟ وأنت عندما جعلت من ربّك سقفاً يُظِلُّ الموجودات فهل صارت حالي إلى أحسن؟ وهل سأمكث دون بذل جهد ولو لفهم الصانع ولتعيين صنيعته على حد سواء؟ ثمّ إنك بتقديمك هَوِّلتِكَ هذه، لم تؤدّ خدمة لي بل جعلتني قلق الفكر مضطربه ولم تنورني بل إنني عوضاً عن عرفاني بجميلك أضْمِرُ حنقاً عليك، إنّ ربّك آلة صنعتها، أنت، لإرضاء أهوائك وتحكّمت بها لتساير تلك الأهواء غير أنني سأرفسها يوم تعترض طريقي وسأرى ذلك حسناً. أمّا الآن وفي هذه اللحظة وأنا آخذ بالخمود وروحي تحتاج السكينة والفلسفة فلا تزعجها بمعمّياتك وريائك الذي ينذرها ولا يقنعها، الذي يهيجها دون أن ينقلها إلى أفضل، صديقان عزيزان وبأفضل ما تضمر كلمة صداقة من معنى، كنا دائماً، أنا وروحي، ذلك ما أرادته الطبيعة. كما هو الحال فعلاً، وعلى تلك الهيئة بجلاء أبدعتها، ذلك أنّ روحي إنما هي نتيجة الترتيبات التي صاغتها فيّ لتوائم نهايتها وحاجاتها هي، إذ تملك حاجة الرذائل والفضائل متساوية، إنها عندما تشاء تحويلي للإثم تفعل، وإذا شاءت منّي صنيعاً خيّراً بعثت فيّ الرغبة للقيام به، وهكذا فلقد فعلت ما أُمِرْتُ به. ابْحثْ إنْ طلبت سبباً لتقلّب السلوك الإنساني في عملها هي لا غير، ولن تجد شيئاً آخر ينبثق من نواميسها غير إرادتها ومطالبها هي.
الكاهن: كلّ ما في العالم ضروري إذن.
المحتضر: تماماً.
الكاهن: ولكن إذا كان كلّ شيء ضرورياًّ فإن الكلّ منظّم.
المحتضر: ما أنا بالذي يجحد ذلك.
الكاهن: ومن ذا يسعه تنظيم الكلّ إن لم تكن يد كليّة القدرة وكليّة المعرفة؟
المحتضر: قل لي، ألا يشتعل البارود، بالضرورة، عندما تضع فيه نار؟
الكاهن: بلى.
المحتضر: وهل تجد حكمة في ذلك؟
الكاهن: لا
المحتضر: إذن، يمكن للأشياء أن تحدث بالضرورة دون أن تسيّرها حكمة عليا. ويمكن أن يسير كلّ شيء بمنطلق علّة أولى دون أن يكون ثمّة سبب أو حكمة ما في تلك العلّة الأولى.
الكاهن: إلام ترمي بذلك؟
المحتضر: للبرهنة على أن العالم بكلّ ما فيه، يمكن له أن يكون كما هو وكما تراه دونما حاجة إلى علّة حكيمة عاقلة توجهه، وأن المظاهر الطبيعية تفترض لها عللاً طبيعية، العلل الطبيعية تفي بالغرض ولا حاجة لتلفيق أحدٍ غير طبيعي كربّك الذي، كما أسلفتُ لك، هو ذاته يحتاج إلى تفسير والذي هو، في الوقت نفسه، ليس إلاّ تفسيراً للخواء، هذا ومن الجلي أن ربّك ليس إلاّ زيادة لا طائل تحتها، إنه عديم الجدوى تماماً، ومن كان عديم الجدوى ظلّ وإلى حدٍّ كبير تخيّلاً فقط، باطلاً، ولهذا معدوم الوجود، وهكذا فلكي أستنتج حقيقة أن ربّك ليس إلاّ خيالاً فإنني لا أحتاج حجة غير ذلك تديم يقيني بعديم جدواه.
الكاهن: أجدني هنا عظيم الحاجة لأحدّثك عن الدين.
المحتضر: لم لا؟ لا شيء يسلّيني كمثل هذه الإشارة إلى المدى الذي بلغته الخلق بالتعصّب والغباء وعلى الرغم أن مشاهد البلاهة المذهلة التي تواجهها قد تكون رهيبة إلاّ أنها مثيرة للاهتمام دائماً. أجبني بنزاهة الآن وحاول أن تدع أرائك الشخصية جانباً: إذا كنتُ أنا ضعيفاً إلى حدٍ أسقطُ معه ضحية نظرياتك الخرقاء المتعلقة بالوجود الخرافي للكائن الذي يجعل الدين ضرورياً، فبأي الشعائر تنصحني أن أعبده؟ أتريد لي أن أتبنّى أحلام يقظة كونفوشيوس من دون اللامعقول البراهماني، أم تريد لي أن أجثو راكعاً قدّام الأفعوان العظيم الذي تصلّي له الزنج، أأتضرّع إلى شمس أهل البيرو أم إلى ربّ الجنود الموسوي، إلى أي الفرق المحمديّة أبادر أم أي البدع المسيحية هي الأفضل بنظرك؟ تروّ في إجابتك.
الكاهن: أ ويخامرك شكّ في الأمر.
المحتضر: إنه حبّ الذات إذن.
الكاهن: لا يا بني، إنه الحب لك بقدر ما هو الحب لنفسي يجعلني أحثّك على اعتناق عقيدتي.
المحتضر: وأنا أعجب كيف يمكن لأحدنا أن يحظى بالكثير من الحب وقد تنازل للأصغاء لهذا اللغو المهين.
الكاهن: عن فطنة مَنْ تغيب المعجزات التي اجترحها فادينا الإلهي.
المحتضر: عن ذاك الذي يرى فيه شيئاً غير كونه أوضع المحتالين وأحطّ الدجالين قاطبة.
الكاهن: ربِّ أنك تسمعه ولا أسمع قصف غضبك.
المحتضر: لا يا صاحبي، كلّ شيء هادئ وساكن حولنا، ذلك أن ربّك إمّا عجزاً أو تنازلاً أو لأي سبب شئت، الكائن الذي أقبل وجوده تنازلاً واشفاقاً عليك، أو إن أردتَ، لأكيّف نفسي مع وجهة نظرك القميئة، أقول إن ربّك هذا ما كان ليتوسّل لإقناعنا، لو كان موجوداً كما يحملك جنونك على الاعتقاد، مثل هذه الوسائل المضحكة التي يتوسلها يسوعك.
الكاهن: ماذا؟ النبؤات، المعجزات، الشهداء، أليست كلها حججاً؟
المحتضر: كيف تريدني ملتزماً بأحكام المنطق، أن أقبل برهاناً ما يحتاج بذاته إلى برهنة؟ وقبل أن تصبح النبؤة حجة، يتعيّن عليّ أن أكون كامل اليقين من أنها قد نُطِقَ بها. فتاريخ النبؤات يخبرنا بحقيقة أنها تاريخ، وفيها بالتالي، عندي، قوّة الحقائق التاريخية الأخرى والتي ثلاثة أرباعها موضع شكّ عميق، أضف إلى ما تقدم امكانية أنها قد تكون وصلتنا عبر مؤرخين أخلاء من الموضوعية، يعني من الذين يثبتون ما يحبّذون لنا قراءته، لذا فأنا لا أعدو حقوقي إذا كنت شكّاكاً، ثمّ من تراه يشهد لي أن النبؤة ما صُنِعَتْ بعد وقوع مضمونها، وأنها ليست واحدة من خدع السياسة الماكرة كتلك التي تتنبّأ بعهد سعيد في ظلّ ملك عادل أو بصقيع في فصل الشتاء؟
أمّا عن معجزاتك فما أنا بالذي يؤخذ بترهات كهذه؛ صنيع أوغاد آمنت به الحمقى، فقبل أن أقتنع بحقيقة المعجزة، يجب أن أكون متيقناً من أن تلك الحادثة التي تسمّيها معجزة قد وقعت بما يغاير نواميس الطبيعة بإطلاق، ذلك أنّ ما هو خارج الطبيعة هو وحده، يدخل عندي، من باب المُعجِزِ. ولكن من عساه يكون ذلك الذي سبر أغوار الطبيعة كلّها ليسعه تحديد النقطة الصحيحة التي ينتهي سلطانها بها، والنقطة التي تنتهك عندها حُرمتها. إثنان يلزمان لتكريس المعجزة وتوكيدها: مشعوذ وقطيع سذّج. هاك إذن أم معجزاتك كلها أنصار فرقة دينية جدد صنعوها والعجيب، مع هذا، أنهم وجدوا دائماً بلهاء يؤمنون بها. إن صنائع يسوعك لا تتجاوز صنائع أبلونيوس التيتاني(2) ومع هذا فإن أحداً لا تراوده فكرة تنصيبه إلهاً.
وأما عن شهدائك فإنهم، يقيناً، الحجّة الأضعف بين حججك. فلكي تطلع بشهيد يلزمك الحماس من ناحية والمقاومة من ناحية أخرى. وطالما أن الجهة المقابلة تقدّم لي أسباباً بالقدر نفسه الذي يمدّني به أصحابك، فإنني لا أجد نفسي مخوّلاً بتفضيل الواحد على الآخر، بل أنا أمْيَلُ، بالأحرى، إلى اعتبار الجميع أهلاً للرثاء والشفقة. آه يا صاحبي، إذا كان الربّ الذي تبشر به قد وُجد حقّاً، أفكان بحاجة للمعجزة، للشهيد، أو لنبؤة لضمان الاعتراف به؟ ثمّ ما دمت تعلن أن القلب الإنساني من صنعه، أفَلَمْ يختره إذن ليكون مستودعاً لناموسه؟ وهذا الناموس المساوي بين الخلق كافّة، لأنه صادر عن إلهٍ هذا العضو المرهف والحسّاس، من طرف البسيطة إلى طرفها الآخر، يتشابهون في تقديم فروض الولاء للربّ الذي زوّدهم به. الجميع سيعبدونه ويخدمونه بطريقة واحدة متشابهة وسيعجزون عن اهمال هذا الرب وعن مقاومة الرغبة في عبادته، ولكن ما الذي أجده في هذا العالم عوضاً عن ذلك؟ عدد الآلهة بعدد البلدان، العبادات تختلف باختلاف الأذهان والتخيّلات، وهذا الحشد من الآراء التي يستحيل على شخصي الفاني الانتقاء من بينها. قل لي الآن، أهذا كلّه من صنع إله عادل؟ تبّاً لك أيّها الواعظ، إنك تهين ربّك حين تقدمه لي كما فعلت، دعني أجحده تماماً، ذلك أنه إذا كان موجوداً حقّاً، فإنني أقلّ إساءة له بإنكاري إيّاه مما ترتكبه أنت بتجديفك. عُد إلى عقلك أيها الواعظ، فيسوعك ليس بأفضل من محمد ومحمد ليس أفضل من موسى وهؤلاء معاً ليسوا بأفضل من كونفوشيوس الذي، على كلّ حال، قد تلفّظ ببعض عبارات حكيمة في حين تسخر منهم الفلاسفة وتؤمن بهم الغوغاء وكان على العدالة أن تشنقهم.
الكاهن: لقد فعلت ذلك بخشونة بالغة للأسف بحقّ واحد فقط بين الأربعة.
المحتضر: إذا كان قد نال وحده ما يستحقه فلأنه كان الأحقّ بما ناله. مثيرٌ فتِن، مشاغب، مفتر، مظلّ، مهرج أخرق وشديد الأذى. وكان يملك موهبة التهويل على الخلق وإثارة الرعاع، وهذا كلّه بلغ الحدّ الذي وجب عنده الاقتصاص منه في مملكة كالذي كانت عليه أورشليم حينذاك لقد كانوا من الحكمة بمكان بالتخلّص منه، ولعلّها الحالة الوحيدة التي تقبل فيها آرائي المتسامحة والمتساهلة إلى غاية ما بعدها غاية، بصرامة ربّة العدالة ثيمس(3). إنني أغفر كلّ الأخطاء عدا تلك التي تعرّض للخطر الحكومة التي يحيا في ظلّها، وحدهم الملوك وجلالتهم يبعثون في نفسي الاحترام ومن لا يحبّ وطنه ولا مليكه فَلَلْموتُ أفضل له من الحياة.
الكاهن: ولكنك تؤمن لا جرم بشيء ما ينتظرنا عقب هذه الحياة، فأنت لا بدّ قد سعيت في وقت أو آخر لاختراق الحجب القائمة المحيطة بقدرنا، وإذن فأية فكرة ترضى روحك القلقة بأفضل من تلك التي تُنْذِرُ بصنوف من البلاء تحيق بمن عاش عيشة طالحة، وتَعِدُ بالثواب الأزلي لمن كانت حياته صالحة.
المحتضر: أية فكرة، يا صاحبي، أية فكرة؟ فكرة العدم لم تَهُلْني قطّ ولم أر فيها غير البساطة والعزاء، وما عدا ذلك من أفكار فإنما هي نتاج المكابرة، أما تلك فهي ابنة العقل. ثمّ أن العدم لا هو مروّع ولا هو مطلق. أوَ لَيْسَت أمام ناظريْ الأمثلة على أجيال الطبيعة المتعاقبة والمتناسخة؟ لا شيء يضمحلّ في العالم، أي صديقي، لا شيء يهلك. اليوم إنسان وغداً دودة وبعد غد ذبابة، أليس هذا استمراراً للوجود؟ ثمّ ما الذي يؤهلني لنيل ثواب على فضلٍ فيّ ولست صاحبه أو يجعلني حَرِيّاً بعقاب على جرائم لا أحمل أنا وزرها مباشرة؟ أيسعك التوفيق بين صلاح ربّك المزعوم وبين هذا النظام، وهل يعقل أن يكون قد خلقني لينعم بلذّة معاقبتي وكلّ ذلك بسبب خيار لم يدع لي حرية اختياره؟
الكاهن: بل أنت حرّ.
المحتضر: نعم أنا كذلك وفقاً لأحكمك المسبقة غير أنّ العقل ينقضها، ونظرية حرية الإنسان ما كانت إلاّ لإنتاج نظرية الرحمة التي ترأف بأحلامك. أيّ إنسان على وجه الأرض يرى منصة الإعدام قائمة خلف الجريمة ثم يقترفها، إذا كان حرّاً في اجتناب ذلك؟ نحن رَهْنُ قوة لا تقاوم وليس في طاقتنا قطّ أن نعمل شيئاً غير أداء دورنا على أفضل وجه، والعَدْوِ قُدُماً في الطريق التي رُسمت لنا. ما من فضيلةٍ واحدةٍ لا تحتاج إليها. وفي الموازنة الدقيقة التي تقيمها بين الإثنتين يكمن عملها الخالص، ولكن أ مِن الممكن أن نُتّهمَ بترجيح كفّة على الأخرى مع أنها هي التي وضعتنا في الكفّة؟ لا، لسنا بمذنبين بأكثر من الزنبور الذي يفرز إبرته في بشرتك.
الكاهن: وعليه فإن أفضع الجرائم يجب أن لا يثير هلعنا.
المحتضر: أنا ما قلت ذلك. بل دع القانون يحرّم العمل الشرير، ودع العدالة تضرب المجرم بقوّة، ففي هذا حائلٌ منيعٌ. ولكن إذا ساقنا سوء الحظ لارتكاب ذلك مع ما تقدّم، فلنذر عندئذ البكاء على الحليب المسفوح. فالندم عاجز ما دام لا يُبْعِدِنا عن طريق الجريمة وهو عديم الجدوى مادام لا يُصْلِحُ الجريمة، هذا ومن السخف بمكان لطم الصدر ندماً والأسخف التهويل بعقاب في عالم آخر إن أسعدنا الحظّ وأفلتنا من عقاب هذا العالم. حاشا لي أن يُفسّر لي هذا على أنه تشجيع للجريمة، لا بل علينا تفاديها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ولكن على المرء أن ينأى بنفسه عنها بالعقل لا بالمخاوف الزائفة التي لا تقود إلاّ إلى خواء والتي سرعان ما تهزمها روح على شيء من القوّة. أجل، العقل أيها السيّد، وحده عقلنا عليه تحذيرنا من أن الإساءة إلى بني جنسنا لن تسعدنا أبداً، وأفئدتنا تعلمنا أن المساهمة في خلق سعادتهم إنما هي الغبطة الأعظم التي مَنَحتْناها الطبيعة على هذه الأرض. إن الأخلاق الإنسانية بأسرها تتلخّص في عبارة واحدة: أسعد الآخرين بالقدر الذي تودّه لنفسك ولا تزد في إيذائهم قط إلاّ بقدر ما ترغب بتلقي المثل منهم. هاك إذن، أي صاحبي، المبادئ التي علينا التقيد بها والتي لا يلزمك للاعتراف بها وتقديرها حقّ قدرها لا الربّ ولا الدين، بل يلزمك قلبٌ صاف وحسب. غير أنني أحسّ الآن بقواي تضمحل، فلتذر أحكامك الجاهزة أيها الواعظ، تخلّص من إِسَارِك، وكن رجلاً، كن إنساناً بلا خوف وبلا رجاء. إنْسَ آلهتك وانس دسانتك أيضاً فلا شيء يُرجى منها غير تسليط رجل على رجل –إن اسم هذه الأهوال وحده قد تتسبب بضحايا تفوق عدّاً ما سبّبته الحروب والكوارث الأخرى مجتمعة. اطرح عنك فكرة العالم الآخر فثمّة لا عالم، ولكن لا تطرح لذّة أن تكون سعيداً وأن تسعد الآخرين في هذا العالم فالطبيعة لا تمنحك وسيلة غير ذلك لتضاعف وجودك ولتطيل أمده –لقد كانت الملذات المتهتّكة يا صاحبي أعزُّ مُقتناي، ولقد تعبّدت لها ماعشت، وكنت أشتهي نهاية في حضنها. إنّ أجلي يدنو وفي الحجرة المجاورة ستّ نساء أبهى من ألق الفجر، ينتظرون، فأنا كنت قد ادّخرتهنّ لهذه اللحظة. هلمّ وشاطرني المتعة، تمثّل بي وعانقهن عوضاً عن عبث المماحكات الخرافية وفي عناقهنّ حاول لبرهة أن تنسى معتقداتك المنافقة.

حاشية: دقّ المحتضر الجرس فدخلت النسوة وبعد فترة وجيزة تحوّل الواعظ فصار امرءاً أفسدته الطبيعة وكلّ ذلك بسبب أنه أخفق في شرح ماهية الطبيعة الفاسدة.


ملاحظة المترجم: لقد ترجمنا هذا النص من اللغة الأنكليزية ولذا من يحاول مطابقة حرفية هذه الترجمة بحرفية الأصل سيخطئ ضالته وسينعى علينا جهلنا العميق. لسنا هنا بصدد البكاء على ترجمة عن الأصل صغناها وضاعت في الطريق.

الهوامش:
(1) سوسينوس: فاوستوس سوسينوس (1529-1604) لا هوتي إيطالي انتقل إلى بولندا وهناك كتب مؤلفاته التي خرجت على الكنيسة في مسائل هامة كعقيدة التثليث ومعارضة الانضباط الكنسي واعتبار السيد المسيح انساناً بلّغ ما أمر به الخ. أتباعه طردوا من بولندة وانتشروا فيما بعد في ألمانيا وأمريكا.
(2) أبولينوس التيتاني: فيلسوف ينتمي إلى المدرسة الفيثاغورية الجديدة، عاش في القرن المسيحي الأول في عهد نيرون وخلفائه وكان صاحب أعمال عجائبية باهرة. ترجم له فيلوستراتوس الاغريقي.
(3) ثيمس: ربّة العدالة والقضاء عند الإغريق.


المرجع: مجلة الفراديس، منشورات الجمل، العدد رقم 06/07، بتاريخ 01 أكتوبر 1992، صص 15-22

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق